المغول تركوا كثيراً في الهند... الأهم فن الطعام

كتاب «العيد المغولي» ينقل القارئ إلى قالب المطابخ الملكية

المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي
المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي
TT

المغول تركوا كثيراً في الهند... الأهم فن الطعام

المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي
المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي

كانت الأسرة المغولية واحدة من أقوى السلالات الحاكمة في حقبة العصور الوسطى في الهند، وارتبط المغول، بسبب ذلك، ارتباطا وثيقا لا ينفصل عن تاريخ الهند وثقافتها، من الفنون والثقافات إلى الهندسة المعمارية، لقد تركوا في هذه البلاد إرثا تاريخيا هائلا يستمر ويعيش حتى اليوم.
جلب المغول معهم تاريخا غنيا من فنون الطعام إلى الهند، وأصبح هذا التأثير من الأجزاء المثيرة للاهتمام في ثقافة الطعام في شبه القارة الهندية. ويرجع تاريخ المطبخ المغولي في الهند إلى 5 قرون مضت مع آثار مطابخ بلاد ما بين النهرين، والمطبخ الفارسي القديم، والمطبخ الشرق أوسطي، والمطبخ الهندي كذلك. وأدمج الطهاة المغول بنجاح باهر التأثيرات الأجنبية مع المكونات الواردة من كشمير، والبنجاب، وديكان.
ينعكس شغف مؤرخة الغذاء سلمى يوسف حسين بمعرفة المزيد عن المطبخ المغولي الهندي عن تأليفها لكتاب يعتبر من الأعمال الرائعة الذي ينقل القارئ إلى قلب المطابخ الملكية المغولية وإحياء المآدب الفخمة في بلاط الإمبراطور شاه جاهان، والذي بلغ المطبخ المغولي في عهده ذروة الإبداع والابتكار في فنون إعداد الطعام. وتسجل سلمى حسين الوصفات من مطبخ الإمبراطور شاه جاهان في كتابها الجديد بعنوان «العيد المغولي» - إصدار عام 2019 - وهو عبارة عن استنساخ تدويني لكتابها السابق بعنوان «نسخة شاه جاهاني» المحفوظ في المكتبة البريطانية في لندن.
وسلمى حسين هي خريجة الدراسات العليا في اللغة والأدب الفارسي. وكانت أولى وظائفها بعد التخرج تضمنت ترجمة المخطوطات الفارسية المكتوبة بخط اليد في الأرشيف الوطني لعام 1964.
- تاريخ المطبخ المغولي
عندما وصل بابور، مؤسس الحكم المغولي، إلى الهند قادما من فرغانة في أوزبكستان الحالية، جلب معه أطباق البيلاف والكباب المحببة إلى قلبه في موطنه. ومع ذلك، كان يشكو من قلة بطيخ المسك، والعنب، والفواكه الأخرى المتوفرة بكثرة في موطنه الأفغاني. وينسب الفضل إلى نجله، همايون، في جلب التأثير الفارسي الراقي إلى المطبخ الهندي، وذلك بعد سنوات قضاها في المنفى في بلاد فارس، إثر هزيمته العسكرية على أيدي شير شاه سوري.
وبحلول الوقت الذي كان الحفيد المغولي الأكبر شاه جاهان يعتلي عرش البلاد، كانت الأطباق الخفيفة التي كان أجداده يستمتعون بتناولها قد اكتسبت حرارة التوابل والفلفل القادم إلى الهند عبر رحلات التجار البرتغاليين إلى البلاد، فضلا عن الطماطم، وكميات التوابل الهندية التقليدية.
تشير الدلائل التاريخية إلى أن المطبخ المغولي قد بدأ في التطور الحقيقي في عهد الإمبراطور أكبر. وبفضل كثير من تحالفاته الزواجية، وفد إليه الطهاة من كل أرجاء الهند ليدمجوا أساليبهم في الطهي مع المذاقات والنكهات الفارسية الرائعة. وبدأ الفجر الفضي للمطبخ المغولي في الهند مع الإمبراطور شاه جاهان، والذي يعتبر من أعظم ملوك المغول، وكان الخامس على ترتيب حكام المغول في الهند. وحكم الإمبراطورية مترامية الأطراف التي خلفها جده الإمبراطور أكبر من عام 1628 إلى 1658.
وصارت دلهي وقتذاك ملاذا للمطبخ المغولي المتحضر، والمتطور، بما فيه من ذوق وأناقة ورقي. وبحلول أوائل عام 1730، كانت المدينة قد استوعبت مختلف العناصر من المناطق المجاورة، وخبرت امتزاجا عميقا بالسلالات الدولية والوطنية، فضلا عن تبادل الأفكار، والأعراف، والأطعمة.
كانت العلاقات البرتغالية المغولية قد نشأت بالفعل في تلك الأثناء، ومن ثم شهدت المطابخ الإمبراطورية، إلى جانب المكونات الهندية، عنصرا مضافا من جلب التجار البرتغاليين، ألا وهو الفلفل الحار. وكان الفلفل الحار يشبه إلى حد كبير الفلفل الهندي الطويل، الذي كان مستخدما بالفعل، وبالتالي لم يبد غير مألوف بالنسبة إلى طهاة المطبخ الملكي المغولي، غير أنه يختلف في مذاقه الحار للغاية. وظهرت أيضا، خلال تلك الفترة، الخضراوات مثل البطاطا، والطماطم، ومن ثم صار طعام «القلعة الحمراء»، وهي مقر حكم المغول في دلهي القديمة، والتي كانت معروفة باسم «شاه جاهان باد»، غنيا بالألوان، وحارا في المذاق، ومتنوعا عند مقارنته بالطعام الخفيف الذي عرفه الأسلاف الأوائل. وتزينت الموائد المغولية بأطعمة متنوعة مثل القورمة، والقلية، والبيلاف، والكباب، والخضراوات من شتى أنواعها، فضلا عن الكعكات والحلويات الأوروبية.
- العرض والأساسيات
كان طهي وتقديم الطعام في المطابخ الملكية المغولية عبارة عن حالة عارمة من الألوان، والعطور، والتجارب، وآداب المائدة، والبروتوكولات.
وعلى غرار الأسلاف، استمتع الإمبراطور شاه جاهان كثيرا بالفاكهة الطازجة. ومنح المغول للهند مجموعة متنوعة من الفواكه الجديدة مثل الكرز، والمشمش، والعنب، والبطيخ، ولكن عشقهم للمانجو لم يكن يضاهيه عشق. وكان ولع شاه جاهان بالمانجو كبيرا للغاية لدرجة أنه عاقب نجله، أورنكزيب، بحبسه في القصر لأنه احتكر كل ثمار المانجو في القصر لنفسه! وكان من حب شاه جاهان الشديد للمانجو أن ابتكر المطبخ الملكي وصفات مبدعة لإرضاء شهية الإمبراطور.
ويكشف كتاب «نسخة شاه جاهاني» عن استخدام كميات قليلة من التوابل في الطهي. وتم استيراد كميات من اللوز، والفستق، والجوز، والمشمش، والخوخ، والزبيب، والزعفران على طول الطرق الجديدة التي شيدت بغرض تسهيل التجارة. وكانت المذاقات الحلوة والمالحة التي يتمتع بها المغول واضحة للغاية من خلال اختيار مختلف الوصفات الواردة في المخطوطة. وكان الاستخدام المكثف للمكسرات، والأوراق الذهبية والفضية، والزعفران، والأعشاب العطرية مما أعطى للطعام مذاقه الشهي الرائع.
كانت معظم الأطباق المذكورة في المخطوطة تُحضر بكميات كبيرة، وذلك لتلبية طلبات كثير من الضيوف وأفراد الأسرة، ولذلك كانت كميات المكونات هائلة.
ولم يكن الطهي فحسب، وإنما كانت الطريقة التي يقدم بها الطعام من الأمور المثيرة للاهتمام. وكان الطعام يُقدم في أطباق مصنوعة من الذهب والفضة المرصعة بالأحجار الكريمة، ومن اليشم، الذي كان أثره واضحا في الكشف عن السموم. وكانوا يتناولون الطعام على الأرض، التي بُسطت عليها صحائف من الجلد المغطى بالأقمشة القطنية التي تحمي السجاد باهظ الثمن أسفلها. وكان يطلق عليها اسم «داستارخوان».
وكان من المعتاد أن يخصص الإمبراطور جزءا من الطعام إلى الفقراء قبل تناوله. وكان الإمبراطور يبدأ وينهي طعامه بالصلوات. وكانت المأدبة تستمر لساعات حيث كان الإمبراطور يفضل الاستمتاع بتناول الطعام، وكان يمضي الساعات الطوال في «داستارخوان».
ولم يكن الإمبراطور يكلف أي أحد أدنى من رئيس الوزراء للاعتناء بطعامه، والذي كان يستشير الحكيم أو (الطبيب الملكي)، والذي كان يقرر قائمة الطعام وفقا للحالة المزاجية للملك، ونمط نومه، وما هو مناسب للعقل والفكر، مع التأكد من تضمين المكونات ذات الفوائد الطبية. على سبيل المثال، كانت كل حبة من الأرز مغلفة بالورق الفضي الذي يساعد على الهضم.
وهناك رواية مسجلة لمأدبة أعدها عساف خان، وزير الإمبراطور، أثناء حكم الإمبراطور جاهانغير السابق على حكم شاه جاهان، على الرغم من أنه لم يُسمح لأي شخص من الخارج أن يشاهد الإمبراطور أثناء تناوله للطعام، فإن أحد صبيان القصر تمكن من إدخال الراهب البرتغالي «فريار سيباستيان مانريكي» متسللا إلى مخدع حريم الإمبراطور لمشاهدته وهو يتناول طعامه.
بمجرد تحديد قائمة الطعام الملكية، ينطلق فريق الطهاة في المطبخ - والذين يصل عددهم إلى بضع مئات على الأقل - إلى العمل فورا. ونظرا لأنه يتم تقديم عدد كبير من الأطباق في كل وجبة، يقوم صف طويل من العمال في المطبخ بمهام التنظيف، والغسيل، والطحن. وكان الطعام يُطهى بمياه الأمطار الممزوجة بالماء المجلوب من نهر الغانغ للحصول على أفضل مذاق ممكن. ولم يتعلق الأمر بالطهي وإنما بطريقة تقديم الطعام.
ومن واقع أبحاث سلمى حسين تمكنت من السفر عبر آسيا الوسطى، بما في ذلك زيارة مدن طشقند، وبخارى، وسمرقند، واكتشفت مدى وجود المعكرونة والباستا في المطبخ المغولي.
ومما يؤسف عليه، كانت السنوات الأخيرة للإمبراطور شاه جاهان غير سعيدة. إذ تم عزله على أيدي نجله أورنكزيب الذي أودعه السجن في قلعة آغرا حيث بقي قيد محبسه قرابة ثماني سنوات حتى وافته المنية في عام 1666. تقول الأساطير إن أورنكزيب سمح بدخول مكون غذائي واحد فقط إلى والده من اختياره، وكان شاه جاهان يختار الحمص. وكان يفضل الحمص بسبب إمكانية طهيه بطرق مختلفة. وحتى اليوم، أحد الأطباق المميزة لمطبخ شمال الهند هو طبق (شاه جاهاني دال)، وهو عبارة عن الحمص المطهو بالكريمة الغنية.
وعند سؤالها عن سبب تأليفها لذلك الكتاب، قالت سلمى حسين: «ذات يوم، كنت أتساءل عن الإرث والتراث اللذين خلفهما لنا المغول. لكن لم يهتم الكثيرون بالتأليف عن الطعام، رغم أن المطبخ المغولي من المطابخ الشهيرة اليوم. وحيث إن هناك كثيرا من الكتب عن الإمبراطور أكبر، وجاهانغير، وشاه جاهان، فلماذا لم يكتب أي شخص عن مخطوطاتهم حول الطعام؟» وفي وقت لاحق، عثرت سلمى حسين على مخطوطة «ألوان النعمات»، وهي عبارة عن مجموعة من الوصفات التي كتبت في عهد الإمبراطور جاهانغير، والتي كانت الركيزة التي استندت إليها في تأليف كتابها الحائز على الجوائز والمعنون «مائدة الإمبراطور».


مقالات ذات صلة

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

صحتك المعكرونة طبق مشبع... ما يعني أنها قد تساعد على كبح الشهية لفترة أطول (بيكسلز)

من إنقاص الوزن إلى ضبط سكر الدم... 10 أسباب قد تغيّر نظرتك إلى المعكرونة

لطالما ارتبطت المعكرونة في أذهان كثيرين بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات التي يُنصح بتقليلها، خصوصاً عند محاولة إنقاص الوزن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يؤكد العديد من السعوديين أن الأكلات الشعبية ما زالت تمثل جزءاً أصيلاً من هوية الأعياد (وزارة السياحة)

السعودية: الأطباق العصرية تنافس الوجبات التقليدية في صباح الأضحى

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد موائد الإفطار في الأعياد مقتصرة على الأطباق الشعبية المتوارثة، بل دخلت إليها خيارات حديثة تُقدَّم بأساليب مبتكرة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
يوميات الشرق أطعمة بسيطة توقظ الحنين وتمنح شعوراً بالأمان (بكسلز)

طعام المواساة و«الطبطبة»... مأكولات تمنح الراحة للنفس والجسد

قد يكون ببساطةِ طبق من المعكرونة باللبن أو صحنٍ من الحساء أو ساندويتش بطاطا مقلية مع المايونيز والمخلّل، ذاك الطعامُ الذي يمنحُك شعوراً بالطمأنينة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.