المغول تركوا كثيراً في الهند... الأهم فن الطعام

كتاب «العيد المغولي» ينقل القارئ إلى قالب المطابخ الملكية

المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي
المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي
TT

المغول تركوا كثيراً في الهند... الأهم فن الطعام

المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي
المغول تركوا بصمة واضحة في المطبخ الهندي

كانت الأسرة المغولية واحدة من أقوى السلالات الحاكمة في حقبة العصور الوسطى في الهند، وارتبط المغول، بسبب ذلك، ارتباطا وثيقا لا ينفصل عن تاريخ الهند وثقافتها، من الفنون والثقافات إلى الهندسة المعمارية، لقد تركوا في هذه البلاد إرثا تاريخيا هائلا يستمر ويعيش حتى اليوم.
جلب المغول معهم تاريخا غنيا من فنون الطعام إلى الهند، وأصبح هذا التأثير من الأجزاء المثيرة للاهتمام في ثقافة الطعام في شبه القارة الهندية. ويرجع تاريخ المطبخ المغولي في الهند إلى 5 قرون مضت مع آثار مطابخ بلاد ما بين النهرين، والمطبخ الفارسي القديم، والمطبخ الشرق أوسطي، والمطبخ الهندي كذلك. وأدمج الطهاة المغول بنجاح باهر التأثيرات الأجنبية مع المكونات الواردة من كشمير، والبنجاب، وديكان.
ينعكس شغف مؤرخة الغذاء سلمى يوسف حسين بمعرفة المزيد عن المطبخ المغولي الهندي عن تأليفها لكتاب يعتبر من الأعمال الرائعة الذي ينقل القارئ إلى قلب المطابخ الملكية المغولية وإحياء المآدب الفخمة في بلاط الإمبراطور شاه جاهان، والذي بلغ المطبخ المغولي في عهده ذروة الإبداع والابتكار في فنون إعداد الطعام. وتسجل سلمى حسين الوصفات من مطبخ الإمبراطور شاه جاهان في كتابها الجديد بعنوان «العيد المغولي» - إصدار عام 2019 - وهو عبارة عن استنساخ تدويني لكتابها السابق بعنوان «نسخة شاه جاهاني» المحفوظ في المكتبة البريطانية في لندن.
وسلمى حسين هي خريجة الدراسات العليا في اللغة والأدب الفارسي. وكانت أولى وظائفها بعد التخرج تضمنت ترجمة المخطوطات الفارسية المكتوبة بخط اليد في الأرشيف الوطني لعام 1964.
- تاريخ المطبخ المغولي
عندما وصل بابور، مؤسس الحكم المغولي، إلى الهند قادما من فرغانة في أوزبكستان الحالية، جلب معه أطباق البيلاف والكباب المحببة إلى قلبه في موطنه. ومع ذلك، كان يشكو من قلة بطيخ المسك، والعنب، والفواكه الأخرى المتوفرة بكثرة في موطنه الأفغاني. وينسب الفضل إلى نجله، همايون، في جلب التأثير الفارسي الراقي إلى المطبخ الهندي، وذلك بعد سنوات قضاها في المنفى في بلاد فارس، إثر هزيمته العسكرية على أيدي شير شاه سوري.
وبحلول الوقت الذي كان الحفيد المغولي الأكبر شاه جاهان يعتلي عرش البلاد، كانت الأطباق الخفيفة التي كان أجداده يستمتعون بتناولها قد اكتسبت حرارة التوابل والفلفل القادم إلى الهند عبر رحلات التجار البرتغاليين إلى البلاد، فضلا عن الطماطم، وكميات التوابل الهندية التقليدية.
تشير الدلائل التاريخية إلى أن المطبخ المغولي قد بدأ في التطور الحقيقي في عهد الإمبراطور أكبر. وبفضل كثير من تحالفاته الزواجية، وفد إليه الطهاة من كل أرجاء الهند ليدمجوا أساليبهم في الطهي مع المذاقات والنكهات الفارسية الرائعة. وبدأ الفجر الفضي للمطبخ المغولي في الهند مع الإمبراطور شاه جاهان، والذي يعتبر من أعظم ملوك المغول، وكان الخامس على ترتيب حكام المغول في الهند. وحكم الإمبراطورية مترامية الأطراف التي خلفها جده الإمبراطور أكبر من عام 1628 إلى 1658.
وصارت دلهي وقتذاك ملاذا للمطبخ المغولي المتحضر، والمتطور، بما فيه من ذوق وأناقة ورقي. وبحلول أوائل عام 1730، كانت المدينة قد استوعبت مختلف العناصر من المناطق المجاورة، وخبرت امتزاجا عميقا بالسلالات الدولية والوطنية، فضلا عن تبادل الأفكار، والأعراف، والأطعمة.
كانت العلاقات البرتغالية المغولية قد نشأت بالفعل في تلك الأثناء، ومن ثم شهدت المطابخ الإمبراطورية، إلى جانب المكونات الهندية، عنصرا مضافا من جلب التجار البرتغاليين، ألا وهو الفلفل الحار. وكان الفلفل الحار يشبه إلى حد كبير الفلفل الهندي الطويل، الذي كان مستخدما بالفعل، وبالتالي لم يبد غير مألوف بالنسبة إلى طهاة المطبخ الملكي المغولي، غير أنه يختلف في مذاقه الحار للغاية. وظهرت أيضا، خلال تلك الفترة، الخضراوات مثل البطاطا، والطماطم، ومن ثم صار طعام «القلعة الحمراء»، وهي مقر حكم المغول في دلهي القديمة، والتي كانت معروفة باسم «شاه جاهان باد»، غنيا بالألوان، وحارا في المذاق، ومتنوعا عند مقارنته بالطعام الخفيف الذي عرفه الأسلاف الأوائل. وتزينت الموائد المغولية بأطعمة متنوعة مثل القورمة، والقلية، والبيلاف، والكباب، والخضراوات من شتى أنواعها، فضلا عن الكعكات والحلويات الأوروبية.
- العرض والأساسيات
كان طهي وتقديم الطعام في المطابخ الملكية المغولية عبارة عن حالة عارمة من الألوان، والعطور، والتجارب، وآداب المائدة، والبروتوكولات.
وعلى غرار الأسلاف، استمتع الإمبراطور شاه جاهان كثيرا بالفاكهة الطازجة. ومنح المغول للهند مجموعة متنوعة من الفواكه الجديدة مثل الكرز، والمشمش، والعنب، والبطيخ، ولكن عشقهم للمانجو لم يكن يضاهيه عشق. وكان ولع شاه جاهان بالمانجو كبيرا للغاية لدرجة أنه عاقب نجله، أورنكزيب، بحبسه في القصر لأنه احتكر كل ثمار المانجو في القصر لنفسه! وكان من حب شاه جاهان الشديد للمانجو أن ابتكر المطبخ الملكي وصفات مبدعة لإرضاء شهية الإمبراطور.
ويكشف كتاب «نسخة شاه جاهاني» عن استخدام كميات قليلة من التوابل في الطهي. وتم استيراد كميات من اللوز، والفستق، والجوز، والمشمش، والخوخ، والزبيب، والزعفران على طول الطرق الجديدة التي شيدت بغرض تسهيل التجارة. وكانت المذاقات الحلوة والمالحة التي يتمتع بها المغول واضحة للغاية من خلال اختيار مختلف الوصفات الواردة في المخطوطة. وكان الاستخدام المكثف للمكسرات، والأوراق الذهبية والفضية، والزعفران، والأعشاب العطرية مما أعطى للطعام مذاقه الشهي الرائع.
كانت معظم الأطباق المذكورة في المخطوطة تُحضر بكميات كبيرة، وذلك لتلبية طلبات كثير من الضيوف وأفراد الأسرة، ولذلك كانت كميات المكونات هائلة.
ولم يكن الطهي فحسب، وإنما كانت الطريقة التي يقدم بها الطعام من الأمور المثيرة للاهتمام. وكان الطعام يُقدم في أطباق مصنوعة من الذهب والفضة المرصعة بالأحجار الكريمة، ومن اليشم، الذي كان أثره واضحا في الكشف عن السموم. وكانوا يتناولون الطعام على الأرض، التي بُسطت عليها صحائف من الجلد المغطى بالأقمشة القطنية التي تحمي السجاد باهظ الثمن أسفلها. وكان يطلق عليها اسم «داستارخوان».
وكان من المعتاد أن يخصص الإمبراطور جزءا من الطعام إلى الفقراء قبل تناوله. وكان الإمبراطور يبدأ وينهي طعامه بالصلوات. وكانت المأدبة تستمر لساعات حيث كان الإمبراطور يفضل الاستمتاع بتناول الطعام، وكان يمضي الساعات الطوال في «داستارخوان».
ولم يكن الإمبراطور يكلف أي أحد أدنى من رئيس الوزراء للاعتناء بطعامه، والذي كان يستشير الحكيم أو (الطبيب الملكي)، والذي كان يقرر قائمة الطعام وفقا للحالة المزاجية للملك، ونمط نومه، وما هو مناسب للعقل والفكر، مع التأكد من تضمين المكونات ذات الفوائد الطبية. على سبيل المثال، كانت كل حبة من الأرز مغلفة بالورق الفضي الذي يساعد على الهضم.
وهناك رواية مسجلة لمأدبة أعدها عساف خان، وزير الإمبراطور، أثناء حكم الإمبراطور جاهانغير السابق على حكم شاه جاهان، على الرغم من أنه لم يُسمح لأي شخص من الخارج أن يشاهد الإمبراطور أثناء تناوله للطعام، فإن أحد صبيان القصر تمكن من إدخال الراهب البرتغالي «فريار سيباستيان مانريكي» متسللا إلى مخدع حريم الإمبراطور لمشاهدته وهو يتناول طعامه.
بمجرد تحديد قائمة الطعام الملكية، ينطلق فريق الطهاة في المطبخ - والذين يصل عددهم إلى بضع مئات على الأقل - إلى العمل فورا. ونظرا لأنه يتم تقديم عدد كبير من الأطباق في كل وجبة، يقوم صف طويل من العمال في المطبخ بمهام التنظيف، والغسيل، والطحن. وكان الطعام يُطهى بمياه الأمطار الممزوجة بالماء المجلوب من نهر الغانغ للحصول على أفضل مذاق ممكن. ولم يتعلق الأمر بالطهي وإنما بطريقة تقديم الطعام.
ومن واقع أبحاث سلمى حسين تمكنت من السفر عبر آسيا الوسطى، بما في ذلك زيارة مدن طشقند، وبخارى، وسمرقند، واكتشفت مدى وجود المعكرونة والباستا في المطبخ المغولي.
ومما يؤسف عليه، كانت السنوات الأخيرة للإمبراطور شاه جاهان غير سعيدة. إذ تم عزله على أيدي نجله أورنكزيب الذي أودعه السجن في قلعة آغرا حيث بقي قيد محبسه قرابة ثماني سنوات حتى وافته المنية في عام 1666. تقول الأساطير إن أورنكزيب سمح بدخول مكون غذائي واحد فقط إلى والده من اختياره، وكان شاه جاهان يختار الحمص. وكان يفضل الحمص بسبب إمكانية طهيه بطرق مختلفة. وحتى اليوم، أحد الأطباق المميزة لمطبخ شمال الهند هو طبق (شاه جاهاني دال)، وهو عبارة عن الحمص المطهو بالكريمة الغنية.
وعند سؤالها عن سبب تأليفها لذلك الكتاب، قالت سلمى حسين: «ذات يوم، كنت أتساءل عن الإرث والتراث اللذين خلفهما لنا المغول. لكن لم يهتم الكثيرون بالتأليف عن الطعام، رغم أن المطبخ المغولي من المطابخ الشهيرة اليوم. وحيث إن هناك كثيرا من الكتب عن الإمبراطور أكبر، وجاهانغير، وشاه جاهان، فلماذا لم يكتب أي شخص عن مخطوطاتهم حول الطعام؟» وفي وقت لاحق، عثرت سلمى حسين على مخطوطة «ألوان النعمات»، وهي عبارة عن مجموعة من الوصفات التي كتبت في عهد الإمبراطور جاهانغير، والتي كانت الركيزة التي استندت إليها في تأليف كتابها الحائز على الجوائز والمعنون «مائدة الإمبراطور».


مقالات ذات صلة

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حمية الملك تشارلز صحية مع بعض الاستثناءات (أ.ف.ب) p-circle 01:25

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

يدخل الملك تشارلز غداً عامه الـ77 وهو ما زال يحافظ على قوامٍ رشيق بفَضل نظامٍ رياضيّ وحمية صحية قائمة على المأكولات العضوية الطبيعية.

كريستين حبيب (بيروت)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».