تمثال توت عنخ آمون يباع في مزاد «كريستيز» بنحو خمسة ملايين جنيه إسترليني

آثاريّون مصريون يعتبرون المزاد مخالفة للأعراف والاتفاقيات الدولية

رأس تمثال أمنحتب الذي أعلنت الدار عن عرضه للبيع في لندن  -  رأس تمثال منسوب لتوت عنخ آمون
رأس تمثال أمنحتب الذي أعلنت الدار عن عرضه للبيع في لندن - رأس تمثال منسوب لتوت عنخ آمون
TT

تمثال توت عنخ آمون يباع في مزاد «كريستيز» بنحو خمسة ملايين جنيه إسترليني

رأس تمثال أمنحتب الذي أعلنت الدار عن عرضه للبيع في لندن  -  رأس تمثال منسوب لتوت عنخ آمون
رأس تمثال أمنحتب الذي أعلنت الدار عن عرضه للبيع في لندن - رأس تمثال منسوب لتوت عنخ آمون

حقق تمثال رأس بُني اللون من حجر الكوارتزيت للإله آمون على هيئة الملك توت عنخ آمون، تم بيعه أمس في مزاد لدار كريستيز بلندن، مبلغ 4.746.250 مليون جنيه إسترليني. وقالت الدار في بيان تلقت الشرق الأوسط نسخة منه: «كان هذا العمل نادراً وجميلاً ومهماً، ندرك أن القطع التاريخية تثير مناقشات معقدة حول الماضي، لكننا نرى أن دورنا اليوم يكمن في العمل على الحفاظ على سوق فنية شفافة وشرعية تحرص على رقي عملية نقل القطع. هناك سوق (شريفة) للتجارة في القطع الأثرية، ونعتقد أنه من حق العامة أن تظهر تلك القطع في العلن، حيث يتسنى التحقيق في أمرها، وأيضاً أن يتمكن الجمهور العالمي من رؤيتها والاستمتاع بها».
وقد دارت الفترة الماضية مجادلات حول بيع 32 قطعة أثرية مصرية، بينها تمثال رأسيّ للإله آمون على هيئة الملك توت عنخ آمون، وهو ما اعتبره آثاريّون مصريون بارزون مخالفة للأعراف والاتفاقيات الدولية.
وقال الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار المصري الأسبق، في بيان صحافي أمس، إن «بيع تمثال منسوب للملك توت عنخ آمون يعد نقطة سوداء في تاريخ (كريستيز)، لأنه تمثال لملك، ولا يخص الحضارة المصرية فقط، بل يخص العالم أجمع»، مشيراً إلى أن «مالك التمثال أو دار المزادات لو سلموا التمثال لمصر، لعرض داخل معرض توت عنخ آمون المقام حالياً في باريس، والذي من المنتظر أن يصل لندن مع نهاية العام الحالي، بدلاً من أن يشتريه شخص ثري، ويعرضه داخل حجرة مظلمة، لا يراه فيها أحد». وضمّت القطع المعروضة للبيع في المزاد أمس، قطعتين مصريتين، الأولى لتمثال منسوب لملك توت عنخ آمون، والثانية جزء من تمثال رأسي للملك أمنحتب الثالث.
وأشار حواس إلى أن «التمثال يمثل الإله آمون، بوجه توت عنخ آمون، ولم يخرج من مقبرة توت عنخ آمون، التي ضمت 5398 قطعة أثرية، اكتشفها عالم الآثار الإنجليزي هوارد كارتر، ولم يكن من بينها هذا التمثال، ولا أي تمثال آخر من الحجر»، موضحاً أن «تمثال توت من حجر الكوارتزيت، ومن المرجح أنه سرق من معابد الكرنك بعد عام 1970».
وأوضح حواس أن «اللجنة العليا لاسترداد الآثار، التي يشارك في عضويتها، ووزير الآثار المصري طلبوا من النائب العام المصري عمل إنابة قضائية بهذا الخصوص، كما تم إرسال خطابات إلى اليونيسكو، ووزارة الخارجية البريطانية، ودار (كريستيز)، لكنها لم تستجب للمطالبات المصرية».
وأكد الدكتور بسام الشماع، خبير الآثار، لـ«الشرق الأوسط»: «مصر اتبعت الخطوات الرسمية كافة لإيقاف عملية البيع، وبدأت المطالبة بالمستندات الرسمية لإثبات ملكية التمثال، بعدها صعّدت عن طريق النائب العام والخطابات الرسمية للخارجية البريطانية واليونيسكو، لكن هذه الإجراءات لم تنجح، لأن هناك قوانين مكبلة واتفاقيات فاشلة تحكم هذه العملية».
وقال إن «مصر يجب أن تغضب، وتعبر عن هذا الغضب، عبر تدشين الحملة الشعبية حتى يشارك الشعب في المطالبة بآثاره».
واتفقت معه الدكتورة مونيكا حنا، رئيسة وحدة الآثار والتراث الطبيعي بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لا بد من وقف البعثات البريطانية العاملة في مصر كوسيلة للضغط لاستعادة آثارنا المسروقة، وهو ما تفعله دول أخرى، مثل تركيا، التي هددت بوقف البعثات الألمانية عندها للغرض نفسه».
وعلى مدار الشهر الماضي، وجّهت مصر خطابات رسمية إلى وزارة الخارجية البريطانية ودار «كريستيز» للمزادات، ومنظمة اليونيسكو، للمطالبة بوقف بيع قطع الآثار المصرية، وعلى رأسها التمثال الرأسيّ المنسوب لتوت عنخ آمون، وإرسال الوثائق التي تثبت ملكية التمثال. وفي المقابل أكدت «كريستيز» أنها «تواصلت مع السلطات المصرية»، وأنها «لا يمكن أن تعرض أي قطعة للبيع، بها شكوك بشأن ملكيتها أو تصديرها».
لكن حواس شكّك في الوثائق التي تحملها «كريستيز» عن ملكية التمثال، وقال إن «دار (كريستيز) أعلنت اسم الشخص الذي كان يملك التمثال في ستينات القرن الماضي، وعندما تواصلت الصحف مع عائلته، أنكرت العائلة معرفتها بالتمثال»، مضيفاً: «لا يوجد لدى دار (كريستيز) أي دليل لخروج التمثال الرأسيّ المنسوب لتوت عنخ آمون بطريقة قانونية».
ووفقاً لدار «كريستيز»، فإن «التمثال يُفهم أنه كان جزءاً من المجموعة الخاصة بالأمير ويلهلم فون ثورن أوندتاكسي، وهو مقتني آثار ألماني، منذ ستينات القرن الماضي، ثم اشتراه جوزيف مسينا في الفترة ما بين عامي 1973 و1974. وبعدها انتقلت ملكيته إلى أرنولف روزمان في الفترة بين عامي 1982 و1983. وبعدها انتقل إلى هاينز هيزر في يونيو (حزيران)، قبل أن تدخل مجموعة ريساندرو في يوليو (تموز) 1985».
ونشر موقع «لايف ساينس» تقريراً خاصاً، الأسبوع الماضي، قال فيه إنه «تواصل مع أسرة الأمير ويلهلم فون ثورن أوندتاكسي، وأصدقائه، وإنهم أكدوا عدم معرفتهم بالتمثال، حتى إن ابنة الأمير قالت إن والدها لم يكن من محبي التحف القديمة والفن بشكل عام».
ورغم التشكيك في ملكية التمثال، فإن مصر لم تتمكن من إيقاف عملية البيع، لأن اتفاقية اليونيسكو لحماية التراث تطالب الدولة صاحبة الحق بإثبات ملكيتها للأثر من واقع السجلات، وهو أمر غير ممكن في حالة الآثار التي يتم العثور عليها من الحفائر غير الشرعية، إذ إنها غير مسجلة في سجلات الآثار المصرية، وهو الحال بالنسبة لتمثال توت عنخ آمون، ما دفع الدكتور خالد العناني، وزير الآثار المصري، للمطالبة بتعديل الاتفاقية الشهر الماضي. وطالبت حنا مصر بالانسحاب من اتفاقية اليونيسكو لحماية التراث الثقافي، وقالت إن «هذه الاتفاقية لا تسمح لنا باستعادة الآثار، التي خرجت بطرق غير شرعية جراء عمليات الحفر خلسة؛ حيث تفرض على مصر أن تثبت ملكيتها للآثار من خلال سجلات تسجيل الآثار، وهذا غير متاح في الآثار غير المسجلة في السجلات»، مشيرة إلى أن «الحل هو الانسحاب من هذه الاتفاقية والاعتماد على الاتفاقيات الثنائية كتلك الاتفاقية الموقعة مع الولايات المتحدة الأميركية، والتي بموجبها تعيد أميركا أي قطع أثرية مصرية ليست لديها مستندات أو وثائق تثبت كيفية خروجها من مصر».
وأضافت حنا إن «اتفاقية اليونيسكو مضى على إعدادها نحو 50 عاماً، وكان معظم من كتبوها من الغرب، والوضع اليوم مختلف»، مطالبة «وزارات الخارجية والثقافة والآثار في مصر، بعقد اجتماع مع الخبراء، وتقديم مقترح لتعديل اتفاقية اليونيسكو بالتعاون مع الدول العربية».
وانتقد الشماع «صمت منظمة اليونيسكو»، مطالباً بموقف مصري للرد عليها، والتهديد بالانسحاب من المنظمة «لأنها لم تقدم شيئاً لحماية التراث».
وباعت دار «كريستيز» للمزادات في لندن، 30 قطعة من الآثار المصرية، في مزاد مساء الأربعاء الماضي، بلغت عائدات بيعها مليوناً و38 ألف جنيه إسترليني، متجاهلة المطالبات المصرية بوقف البيع، ما دفع وزارتي الآثار والخارجية المصريتين إلى إصدار بيان، قالت فيه إن «بيع دار كريستيز للمزادات عدداً من القطع الأثرية المصرية - دون الاستماع للمطالب المصرية المشروعة على مدار الأسابيع الماضية، والخطوات التي اتخذتها الوزارتان واليونيسكو مع صالة (كريستيز) ووزارة الخارجية البريطانية، بالإضافة إلى المساعدة القضائية التي طلبتها السلطات المصرية من جهات الاختصاص البريطانية - أمر يتنافى مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة؛ حيث إن صالة المزادات لم تقدم للجانب المصري حتى تاريخه المستندات الخاصة بالقطع الأثرية».
وفي العاصمة البريطانية، لندن، ذكرت دار «كريستيز»، عندما اتصلت بها صحيفة «الغارديان» البريطانية للتعليق على القائمة الأصلية: «من المهم للغاية تأكيد الملكية الأخيرة، والحقّ القانوني للبيع، وهو الأمر الذي فعلناه بوضوح. نحن لن نعرض أي شيء للبيع ما دام هناك قلق حول الملكية أو التصدير».
وقالت، في بيان لها: «لقد قدّمنا معلومات مكثفة حول رأس آمون، بما ذلك تاريخ العمل، كما دعونا الجهات المصرية للاجتماع بنا لرؤية العمل ومراجعة الوثائق المرفقة، إلا أنهم لم يقبلوا العرض، ولكننا نبقى على استعداد للترحيب بهم ومناقشة العمل وطريقتنا».


مقالات ذات صلة

القبض على لص سرق آثاراً مصرية لا تقدر بثمن من متحف أسترالي

يوميات الشرق عدد من المضبوطات التي عُثر عليها وفقاً لما أعلنته الشرطة الأسترالية (الموقع الرسمي لشرطة كوينزلاند)

القبض على لص سرق آثاراً مصرية لا تقدر بثمن من متحف أسترالي

ألقت شرطة كوينزلاند القبض على رجل متهم بتدبير عملية سطو جريئة على تحف مصرية لا تقدر بثمن من متحف في أستراليا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون زاهي حواس (صفحته على «فيسبوك»)

زاهي حواس: الإعلان عن كشف أثري كبير داخل هرم خوفو العام المقبل

كشف عالم المصريات الدكتور زاهي حواس، إن مصر ستعلن العام المقبل عن كشف أثري كبير داخل هرم خوفو العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
يوميات الشرق البهو العظيم للمتحف المصري الكبير (تصوير: عبد الفتاح فرج)

المتحف المصري الكبير يفيض بالزائرين... ويوقف بيع تذاكره

أعلنت وزارة السياحة والآثار تنظيم دخول المتحف وحجز التذاكر بطريقة جديدة بعد الإقبال الكبير الذي شهده المتحف من الزائرين، الجمعة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ظهور صورة حسين عبد الرسول خلال افتتاح المتحف المصري الكبير أمس بعد استعراض قصته p-circle

كيف اكتشف طفل مصري مقبرة «الفرعون الذهبي» بالصدفة؟

بين أضواء حفل المتحف المصري الكبير، عادت إلى الأذهان قصة الطفل المصري حسين عبد الرسول، الذي كان أول مَن لمح مدخل المقبرة الأسطورية عام 1922.

يسرا سلامة (القاهرة)
يوميات الشرق سياح على الدرج العظيم بالمتحف المصري الكبير (أ.ب)

ما الذي يجعل «المتحف المصري الكبير» مميزاً؟

يضم المتحف المصري الكبير الذي يُفتتح رسمياً اليوم في القاهرة، أبرز القطع الأثرية من عصر الفراعنة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.