«صندوق النقد» يحذر لبنان من مخاطر فشل الإصلاح المالي

قلق مالي متصاعد وترقب «التصنيف السيادي»

TT

«صندوق النقد» يحذر لبنان من مخاطر فشل الإصلاح المالي

في الوقت الذي يترقب فيه لبنان واقتصاده بقلق صريح إمكانية إقدام وكالة التقييم الدولية «ستاندرد آند بورز» على خفض التصنيف الائتماني السيادي، بعدما أقدمت وكالة «موديز» قبل أسابيع على خفض الدرجة من الفئة «B» إلى الفئة «C»، التي تؤشر إلى تناقص قدرة الحكومة على الإيفاء باستحقاقات السندات في مواعيدها... زاد منسوب التوجُّس بعيد ترجيح صندوق النقد الدولي عدم القدرة على ضبط عجز الموازنة بنسبة 7.6 في المائة من الناتج، وتوقعه ببلوغها 9.75 في المائة للعام الحالي.
وقد حازت الحكومة تفويضاً تشريعياً باستمرار الإنفاق على القاعدة الاستثنائية (الاثنتي عشرية) حتى نهاية شهر يوليو (تموز) الحالي. بينما توشك لجنة المال النيابية على إنهاء مناقشات مشروع قانون الموازنة العامة خلال الأسبوع الحالي تمهيداً لإحالتها إلى الهيئة العامة للمجلس، على أمل التمكن من إقرار القانون قبل نهاية الشهر الحالي؛ ما يعني تنفيذ الإصلاحات في مجالي الإنفاق والإيرادات لمدة 5 أشهر فقط من السنة، وهذا ما يتلاقى مع مضمون التقرير الدولي.
وعلى أمل صدور القانون تزامناً مع انتهاء مهلة الإنفاق «الاستثنائي»، تقاطعت معلومات مالية ومصرفية لدى «الشرق الأوسط» تؤكد أن وزارة المال تنجح في «شد الحزام الإنفاقي» من مطلع العام الحالي، بحيث صدت «رغبات» الصرف خارج «الضرورات»، وحددت معالم خطة الطريق الناجعة لاستعادة التوازن المفقود الذي تستهدفه من خلال تنفيذ الموازنة في الأشهر الباقية، والتأسيس والتدعيم المنشود في الموازنات اللاحقة.
وفي المعلومات، فإن وزارة المال قد تصدر قريباً نتائج عمليات الموازنة للأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، بحيث تعكس مؤشرات الفصل الأول توقعات أكثر تفاؤلاً وتظهر الجدية في التصحيح المالي بعد النتائج المخيبة لعام 2018. لكن تبقى مسألة الاكتتاب في سندات دين لصالح الحكومة بفائدة مخفضة متأرجحة بين اطمئنان وزير المال علي حسن خليل، وتحفُّظ أصحاب القرار المصرفي على المشاركة في هذه العملية، سواء لعدم توفر فوائض بمقدار المبلغ الإجمالي الذي قد يصل إلى نحو 7.3 مليارات دولار، أو لعدم الاقتناع بأي إسهام إضافي.
ورغم تجدد شهية مستثمرين محليين وخارجيين على شراء سندات الدين الدولية المصدرة من وزارة المالية، بدليل الانتعاش النسبي لأسعار الإصدارات كافة هذا الأسبوع وانخفاض متوسط الفوائد إلى نحو 10.5 في المائة، وتراجع هوامش المقايضة الائتمانية إلى نحو 850 نقطة أساس (مقارنة بالسندات الأميركية)، ما زالت الأسواق تنتظر إشارة جدية من قبل «البنك المركزي» حول كيفية مقاربته لتلبية طلب الدولة بالاكتتاب بهذه السندات، وفي جدوى التسهيلات المقابلة التي بدأ بعرضها على المصارف، إذ إن المساهمة في السندات تتطلب التضحية بربح سنوي يزيد على 800 مليون دولار، في وقت تعاني فيه المصارف من صعوبات جدية في جذب رساميل جديدة وستخضع وشيكاً لرفع الضريبة على أرباح توظيفاتها في السندات بالليرة ولدى «البنك المركزي» من 7 إلى 10 في المائة، فضلاً عن دفع 17 في المائة ضريبة على الأرباح الإجمالية.
وقالت بعثة صندوق النقد إنه «بناء على المعلومات الحالية، من المرجح أن يتجاوز العجز المتوقَّع بكثير المستوى المستهدف الذي أعلنته السلطات».
وفي إطار مسودة الميزانية، تستهدف الحكومة تقليل تكاليف خدمة الدين بنحو تريليون ليرة لبنانية (660 مليون دولار) من خلال إصدار سندات خزانة منخفضة الفائدة بالتنسيق مع مصرف لبنان المركزي. وذكر الصندوق أن «شراء السندات الحكومية اللبنانية المقترحة ذات الفائدة المنخفضة سيؤدي إلى تدهور ميزانية المصرف المركزي وتقويض مصداقيته». وأضاف أنه «لا ينبغي فرض أي ضغوط على البنوك الخاصة لشراء السندات».
وتحركت الحكومة اللبنانية، التي تعاني من أحد أكبر أعباء الدين العام في العالم، في الأشهر الأخيرة لتنفيذ إصلاحات طال تأجيلها في مسعى لوضع ماليتها العامة على مسار مستدام وتجنب أزمة. وتستهدف ميزانية 2019 التي تُعتبر اختباراً مهماً لإرادة الحكومة في إجراء الإصلاحات، خفض العجز من 11.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2018، مثلما أعلنت الحكومة من قبل.
وقال حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، الأسبوع الماضي، إنه يدعم مساعي خفض تكاليف خدمة الدين، لكن لا يوجد اتفاق حتى الآن على كيفية تحقيق ذلك، ولن يُفرض أي شيء على البنوك التجارية. بينما يوصي صندوق النقد «البنك المركزي» بأن يتراجع عن «العمليات شبه المالية» وعن مشتريات السندات الحكومية، ليتيح للسوق تحديد العائدات على الدين الحكومي.
ويُعد القطاع العام المتضخِّم أكبر مصدر إنفاق في الدولة اللبنانية، بالإضافة إلى تكاليف خدمة الدين والتحويلات الكبيرة لشركة الكهرباء العامة الخاسرة. ويمكن أن تساعد الميزانية - إذا نالت استحسان المانحين - في تدفُّق نحو 11 مليار دولار من التمويل الذي قُدمت تعهدات به في مؤتمر باريس «سيدر 1» للاستثمار في الاقتصاد اللبناني، العام الماضي.
واعتبر صندوق النقد أن الميزانية وخطة إصلاح قطاع الكهرباء، التي أُقرّت في أبريل (نيسان) هي «الخطوات الأولى على طريق طويل» لإعادة التوازن إلى الاقتصاد. وقال إن الحكومة اللبنانية «أمامها الآن فرصة لتنفيذ الإصلاحات وتغيير المسار». وأضاف الصندوق أن الفريق يتوقع أن تكون هناك حاجة لفائض أولي نحو 4.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط إلى الطويل. ومن أجل تحقيق ذلك، شجع البنك الحكومة على تحديد إجراءات مالية دائمة إضافية وتطبيقها.
وقال إن إجراءات زيادة الدخل ينبغي أن تشمل رفع ضريبة القيمة المضافة ومكافحة التهرب الضريبي وزيادة الرسوم على الوقود.
وقال الصندوق إنه في حالة تطبيق الحكومة الجاد لإجراءات التعديل المالي في 2019 - 2020 والإصلاحات الهيكلية المزمعة، فإن ذلك قد يعزز الثقة ويفرج عن تمويل المانحين. لكنه حذر من أن لبنان ما زال يواجه مخاطر، وأن الفشل في تحقيق الأهداف أو المضي في الإصلاحات قد يقود لتآكل الثقة.
وقد كشفت البيانات المالية المنجزة للعام الماضي عن ارتفاع في النفقات الإجمالية بنسبة 16.2 في المائة، مقابل عدم تحقيق أي تقدم مماثل في الإيرادات التي تقلصت بنسبة 0.36 في المائة. وبذلك بلغ العجز الكلي نحو 5.6 مليارات دولار، موازياً نحو 34.6 في المائة من إجمالي النفقات، بينما العجز الإجمالي نحو 6.3 مليارات دولار بقفزة نسبتها 66 في المائة مقارنة بالعام الأسبق.
وبلغت خدمة الدين العام، بين تسديد مستحقات وتسديد فوائد على سندات قائمة بالليرة وبالدولار الأميركي، نحو 5.4 مليار دولار. بينما بينت البيانات اقتصار الزيادة في الإيرادات على بند «الضريبة على القيمة المضافة» بنحو 240 مليون دولار نتيجة زيادتها من 10 إلى 11 في المائة، وثمة معلومات عن التوجه لرفعها إلى 15 في المائة.
كذلك فإن الإيرادات غير الضريبية تراجعت بنسبة تفوق 11 في المائة، وتوازي نحو 295 مليون دولار، يعود الجزء الأكبر منها لتراجع واردات الاتصالات بنحو 215 مليون دولار.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.