«قمة العشرين» تختتم على وقع «تهدئة» أميركية ـ صينية

ترمب يرى «مشكلة» في شراء تركيا منظومة «إس 400» الروسية... وقمة بين بوتين وآبي تبحث «التطبيع» الروسي ـ الياباني

TT

«قمة العشرين» تختتم على وقع «تهدئة» أميركية ـ صينية

إذا كان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي حرص على لقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ وتناول العشاء معه مساء الخميس، عشية انطلاق قمة «مجموعة العشرين» في أوساكا، فإن حرصه قاده أيضاً إلى تخصيص مساء أمس للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتناول العشاء معه بعد ختام أعمال القمة.
وبين الاجتماعين مع رئيس الصين «الصاعدة» ورئيس روسيا «اليقظة»، التقى آبي جميع ضيوفه من القادة، في وقت كانت الأنظار تترقب لقاء الرئيس دونالد ترمب والرئيس الصيني خصوصاً بعد انتقادات وجهها ترمب لبكين، وليس إلى اجتماعات القمة بين ترمب وقادة دول غربية مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أو رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي ستغادر منصبها قريباً.

- ترمب - شي
ترك الصحافيون الموجودون في المركز الصحافي بأوساكا متابعة أعمال القمة والخلافات حول صياغة البيان حول الموقف من «الحمائية» و«التغيير المناخي» وإصلاح منظمة التجارة العالمية، وخصصوا الوقت لمتابعة قمة ترمب - شي لترقب نتائجها وقراءة إشاراتها.
وبعد القمة، قال ترمب: «عقدنا لقاء جيّداً جداً مع الرئيس شي، يمكن أن أقول (لقاء) ممتازاً». وأكد أنه لا ينوي «زيادة» الرسوم الجمركية على الواردات الصينية كما أنه لا ينوي إلغاءها «على الأقلّ في الوقت الراهن»، في وقت أفادت وكالة «شينخوا» الصينية الرسمية بأن المفاوضات، التي توقفت بشكل مفاجئ في مايو (أيار) الماضي، ستُستأنف.
ووافقت واشنطن على وقف تهديدها بفرض رسوم جمركية جديدة على الواردات، بعدما استهدفت سلعاً صينية تزيد قيمتها على 500 مليار دولار تشتريها الولايات المتحدة سنوياً.
وأضاف ترمب أنه سيسمح للشركات الأميركية ببيع منتجاتها لشركة «هواوي» الصينية، لكن السماح للشركة العملاقة في مجال الاتصالات بدخول الأسواق الأميركية سيتم التعامل معه في المستقبل، إذا تم إحراز تقدم في المحادثات. وأوضح ترمب في مؤتمر صحافي: «إننا نرسل ونبيع لشركة (هواوي) كمية هائلة من المنتجات. حسناً أن نواصل بيع ذلك المنتج». وأضاف أنه سيلغي تهديده بفرض رسوم إضافية على واردات صينية بقيمة 325 مليار دولار «خلال الوقت الحاضر على الأقل».
ولو أن ترمب مضى قدماً في إجراءاته، فإن ذلك كان سيعني إلحاق ضرر بكل منتج صيني تقريباً يتم توريده إلى الولايات المتحدة بسبب الرسوم التي تم تبنيها خلال الحرب التجارية المستمرة على مدار العام. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت حتى الآن رسوماً جمركية على سلع صينية تقدر قيمتها بـ250 مليار دولار، بينما ردت الصين بفرض رسوم على سلع بقيمة 110 مليارات دولار.
وقال ترمب بعد اجتماعه مع شي: «نعود إلى المسار» من خلال المحادثات التجارية، فيما ذكر شي من خلال مترجم في مستهل الاجتماع أن «التعاون والحوار أفضل من المواجهة».
وبذلك كرّر ترمب وشي السيناريو الذي حصل في قمة «مجموعة العشرين» السابقة التي عُقدت في الأرجنتين في أواخر عام 2018، إذ علّقا نزاعهما لبضعة أشهر بهدف استئناف المفاوضات التجارية المعمّقة التي سرعان ما تعثّرت.
وأفادت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحديث يجري حالياً عن «هدنة» لمدة ستة أشهر للوصول إلى اتفاق بين البلدين، علما بأن «قمة العشرين» السابقة في الأرجنتين أسفرت عن هدنة لثلاثة أشهر وسرعان ما انهارت.
وفيما بدا ردّاً على القمة الصينية - الأميركية، توصّل الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في السوق المشتركة لدول أميركا الجنوبية (ميركوسور)، وهي البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي، إلى اتفاق بشأن اتفاقية تبادل حرّ، هي ثمرة عشرين عاماً من المفاوضات الصعبة.

- ترمب - كيم
وكان ترمب بدأ يومه أمس بزخم قبل لقائه شي وغداة «غزله» بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ أعلن أنه في طريقه لمغادرة اليابان إلى كوريا الجنوبية، مشيراً إلى احتمال عقد لقاء غير مسبوق مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ - أون في المنطقة المنزوعة السلاح الفاصلة بين الكوريتين الشمالية والجنوبية. وقال أيضاً إنه مستعدّ لدخول الأراضي الكورية الشمالية. ويأتي هذا الإعلان المفاجئ بعد أربعة أشهر من قمة هانوي بين ترمب وكيم والتي باءت بالفشل لعدم إحراز تقدم في ملف نزع الأسلحة النووية الكورية الشمالية. ومذاك، لا تزال المفاوضات متعثرة بين البلدين.
وكتب ترمب على «تويتر» من أوساكا: «بعد عدد من الاجتماعات المهمّة، بما في ذلك لقائي مع شي، سأغادر اليابان متوجّهاً إلى كوريا الجنوبية». وأضاف: «أثناء وجودي هناك، إذا رأى زعيم كوريا الشمالية كيم هذه الرسالة، يمكنني أن أقابله على الحدود - المنطقة المنزوعة السلاح - لمجرد مصافحة يده والقول مرحباً».
وأوضح لاحقاً أنه تصرّف من دون تفكير ولم تحصل أي تحضيرات، قائلاً: «فكّرت في ذلك هذا الصباح». ورداً على سؤال بشأن إمكانية عبوره الحدود نحو كوريا الشمالية إذا التقى كيم في المنطقة المنزوعة السلاح، قال: «بالتأكيد سأفعل. وسأشعر بالارتياح للقيام بذلك. لن تكون هناك أي مشكلة لديّ». وأكد ترمب أن كيم يتابع حسابه على موقع «تويتر» وأنه تواصل معه «بسرعة» بعد اقتراحه العفوي.
واعتبرت كوريا الشمالية أن العرض «مثير للاهتمام جداً»، غير أنها أكدت عدم تلقيها دعوة رسمية بذلك بعد. ملمحة إلى احتمال انعقاد اللقاء. ونقلت وكالة الأنباء الكورية الشمالية الرسمية عن نائب وزير الخارجية شو سون هوي قوله إن انعقاد قمة في المنطقة المنزوعة السلاح سيشكل «فرصة جديدة مهمة لتعميق العلاقات الشخصية بين الزعيمين وتطوير العلاقات الثنائية».

- اليابان والمعاهدة الأمنية
في المقابل، قال ترمب إنه أبلغ آبي بأنه يتعين تعديل معاهدة أمنية أبرمت قبل عقود بين بلديهما، واصفاً المعاهدة مجدداً بأنها «جائرة»، مضيفاً: «أخبرته بأنه سيتعين علينا تعديلها».
وتوفر طوكيو قواعد عسكرية تستخدمها واشنطن لنشر قواتها في عمق آسيا، بما في ذلك أكبر تركيز لقوات البحرية الأميركية في الخارج في أوكيناوا ونشر حاملة طائرات ومجموعتها الهجومية في قاعدة يوكوسوكا قرب طوكيو.

- بوتين - آبي - ماي
وقالت مصادر دبلوماسية إن آبي وبوتين عقدا اجتماعاً مطولاً مساء أمس تضمن توقيع اتفاقات وعشاء عمل وحفلاً موسيقياً لإحياء الصداقة، في وقت يسعى الجانبان إلى تطبيع العلاقات وتجنب القضية الخلافية حول جزر الكوريل والفشل في توقيع اتفاق سلام بسبب مطالبة طوكيو بالاعتراف بالسيادة اليابانية على هذه الجزر ومطالبة موسكو لطوكيو بالاعتراف بالأمر الواقع. وعقد بوتين سلسلة لقاءات على هامش القمة أحدها مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، علما بأنه التقى أول من أمس برئيسة الوزراء البريطانية وقال إنه أراد تحسين العلاقات مع لندن بعد تدهورها بسبب تسميم جاسوس روسي سابق على أراضي بريطانيا. وأوضح الرئيس الروسي أن رئيسة الوزراء البريطانية عبّرت عن موقفها تجاه القضية بـ«أسلوب حاد». وكان مكتب تيريزا ماي قال إنها طلبت من موسكو تسليم المشتبه بهم الروس الذين تتهمهم لندن بتسميم العميل المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته بغاز الأعصاب في سالزبري في بريطانيا العام الماضي.
وعن لقائه بها على هامش قمة مجموعة العشرين، قال إن الاجتماع كان «خطوة صغيرة لكنها إيجابية في الاتجاه الصحيح. وأنا مقتنع بضرورة عودة العلاقات الكاملة» بين البلدين. إلى ذلك، قال بوتين إن قضية البحارة الأوكرانيين الذين احتجزتهم روسيا في عام 2018 تصدرت محادثاته مع ترمب أول من أمس، لكن لم يتخذ أي قرار بشأن مصير هؤلاء البحارة حتى الآن.

- ترمب: مشكلة
في غضون ذلك، أكد الرئيس ترمب لنظيره التركي رجب طيب إردوغان أن عملية شراء أنقرة لمنظومة صواريخ «إس 400» الدفاعية الروسية تعد «مشكلة»، وذلك خلال اجتماع عقد على هامش قمة «مجموعة العشرين» أمس.
وأعربت واشنطن مراراً عن معارضتها الصفقة وأمهلت تركيا حتى 31 الشهر المقبل للتخلي عنها؛ إذ اعتبرت أن شراء أنقرة للمنظومة الروسية يتعارض مع مشاركتها في برنامج مقاتلات «إف 35» الأميركية.
وشدد ترمب على هذا الموقف خلال المحادثات التي أجراها مع إردوغان. وقال ترمب «إنها مشكلة، لا شك في ذلك. إنه أمر ليس بجيد». لكنه أضاف أن تركيا «كانت صديقة لنا (...) نحن شريك تجاري كبير (بالنسبة لها). وسنصبح أكبر».
وأفادت واشنطن بأنها ستمنع أنقرة من شراء مقاتلات «إف 35» وستطرد الطيارين الأتراك الذين يتدربون حالياً في الولايات المتحدة ما لم تتراجع تركيا عن صفقتها مع موسكو للحصول على منظومة «إس 400» بحلول 31 الشهر المقبل. لكن تركيا تمسكت بالصفقة
من جهته، أكد إردوغان خلال لقاء مع بوتين على أن اتفاقية الصواريخ تحمل «أهمية بالغة» بالنسبة لتركيا. وأعرب عن ثقته بأن واشنطن لن تفرض عقوبات على أنقرة على خلفية شرائها منظومة «إس 400».


مقالات ذات صلة

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا جانب من الجلسة الختامية لقمة العشرين في جوهانسبرغ يوم 23 نوفمبر (حساب مجموعة العشرين على منصة إكس)

«قمة العشرين» تختتم أعمالها بتجديد الالتزام بالتعددية

اختتمت قمة مجموعة العشرين أعمالها في جنوب أفريقيا، الأحد، وسط غياب الولايات المتحدة التي ستتولى رئاسة المجموعة بعد جوهانسبرغ.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الخليج وزير الخارجية السعودي ونظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره الإسباني المستجدات الإقليمية والدولية

التقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وذلك على هامش اجتماع قمة قادة دول «مجموعة العشرين».

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الولايات المتحدة​ شعار مجموعة العشرين في مقر انعقاد قمة قادة المجموعة في جوهانسبرغ (ا.ف.ب)

واشنطن تتهم جنوب أفريقيا بتقويض المبادئ التأسيسية لمجموعة العشرين

قال البيت الأبيض اليوم السبت إن جنوب أفريقيا ترفض تسهيل الانتقال السلس لرئاستها لمجموعة العشرين لأكبر اقتصادات عالمية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.