افتتاح «قمة العشرين» بالدعوة إلى «الانسجام» في مواجهة «الحمائية»

اللقاءات الثنائية في أوساكا تسرق الأضواء من البرنامج الرسمي... وترمب يغازل بوتين ويخفف اللهجة مع الصين عشية لقائه شي

الرئيسان بوتين وترمب خلال لقاء على هامش قمة أوساكا (إ.ب.أ)
الرئيسان بوتين وترمب خلال لقاء على هامش قمة أوساكا (إ.ب.أ)
TT

افتتاح «قمة العشرين» بالدعوة إلى «الانسجام» في مواجهة «الحمائية»

الرئيسان بوتين وترمب خلال لقاء على هامش قمة أوساكا (إ.ب.أ)
الرئيسان بوتين وترمب خلال لقاء على هامش قمة أوساكا (إ.ب.أ)

سرقت اللقاءات الثنائية بين القادة المشاركين في «قمة العشرين» المنعقدة في أوساكا، أمس، الأضواء من جدول الأعمال الرسمي المخصص لمناقشة ملفات اقتصادية لا تقل تحديات التوافق عليها عن القضايا الاستراتيجية الكبرى بين الحاضرين. وتبادل القادة تصريحات خففت من وطأة التوتر الذي كان سائداً عشية انعقاد القمة مع حصول اختراقات ثنائية بين متخاصمين، لكن الأنظار تتجه اليوم إلـى قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ على أمل الوصول إلى هدنة لـ«الحرب التجارية» بين البلدين.

- بوتين - ماي
بين آخر اختراقات الاجتماعات الثنائية في اليوم الأول للقمة، لقاء رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث حضته على «الكف عن أعمال زعزعة الاستقرار التي تهدد المملكة المتحدة وحلفاءها. وخلافاً لذلك، فلن يكون هناك تطبيع للعلاقات الثنائية»، بحسب بيان رسمي بريطاني.
كان ذلك الاجتماع هو الأول بين بوتين وماي منذ تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال في عام 2018 على الأراضي البريطانية. وقال مصدر دبلوماسي لـ«الشرق الأوسط» إن زيارات غير علنية بين البلدين وخصوصاً من الطرف البريطاني مهدت لهذا الاجتماع.
وخلال لقائها مع بوتين، أكدت ماي أن لديها «أدلة دامغة على أن روسيا تقف خلف الاعتداء» على سكريبال (وابنته يوليا). وأعلنت ماي أن لندن «منفتحة على احتمال تغيير في العلاقة، لكن لتحقيق ذلك على الحكومة الروسية أن تختار سبيلاً مختلفاً».
وحرصت لندن على التأكيد في وقت سابق على أن هذا اللقاء لا يشكل تطبيعاً للعلاقات مع روسيا.

- ترمب - بوتين
لم يكن لقاء ترمب مع بوتين مفاجئاً في ضوء اجتماع رؤساء مجالس الأمن القومي في أميركا وإسرائيل وروسيا في القدس الأسبوع الماضي وزيارة وزير الخارجية مايك بومبيو إلى سوتشي ولقاء بوتين الشهر الماضي. لكن اللافت أن الانتقادات التي وجهها ترمب عشية «قمة العشرين» إلى أكثر من جهة لم تشمل روسيا أو بوتين، إضافة إلى ملاحظة الدفء بين الرئيسين الأميركي والروسي.
وقبيل الصورة التقليدية لزعماء «مجموعة العشرين»، صباح أمس، صعد ترمب إلى المنبر وهو يسير إلى جانب بوتين، متبادلاً معه أطراف الحديث ومربتاً على ظهره. وبعد ذلك، ألقى ترمب دعابة على صلة باتهام روسيا بالتدخل الروسي في الانتخابات التي أوصلته للسلطة، فيما تتواصل التحقيقات البرلمانية في الولايات المتحدة حول علاقات حملة الرئيس الانتخابية في عام 2016 مع روسيا. وسئل ترمب عما إذا كان سيطلب من نظيره الروسي عدم التدخل في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2020 التي ترشح إليها ترمب رسمياً. فاستدار ترمب إلى بوتين وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، وقال: «لا تدخّل في الانتخابات أيها الرئيس»، ثم كرر «لا تدخّل»، ملوحاً بسبابته. فابتسم بوتين، وهو يسمع الترجمة.
وخلال لقائه الأخير مع نظيره الروسي في هلسنكي في يوليو (تموز) العام الماضي، تعرض ترمب لانتقادات شديدة في الولايات المتحدة حيث اعتبر أنه اعتمد لهجة تصالحية للغاية.
وإذ نوه ترمب بعلاقاته {الجيدة جداً وإنه شرف كبير لي أن أكون مع الرئيس بوتين»، أعلن مستشار الكرملين أن الرئيس الروسي دعا نظيره الأميركي خلال اللقاء إلى زيارة روسيا في مايو (أيار) 2020 في مناسبة الاحتفالات بالذكرى الخامسة والسبعين للانتصار في الحرب العالمية الثانية.
من جهته، قال بوتين «مضى وقت طويل لم نلتق خلاله»، مشيراً إلى أن إدارتي البلدين «عملتا كثيراً» في هذه الأثناء. وبحسب مصدر دبلوماسي غربي، تبادل ترمب وبوتين الآراء حول العلاقات الثنائية ونتائج اجتماع القدس الغربية، إضافة إلى الملف السوري والمقترح الأميركي لحل الأزمة بما في ذلك «تقليص النفوذ الإيراني» وملف إيران عموماً.

- لقاءان ثلاثيان
وعقد أمس لقاءان ثلاثيان، ضم الأول ترمب ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وآخر ضم بوتين وشي ومودي. وتناول الأول العلاقات الثلاثية اقتصادياً وعسكرياً ومساعي آبي للتوسط بين أميركا من جهة وكل من الهند والصين من جهة أخرى.
وقال بوتين خلال الاجتماع الثلاثي مع شي ومودي: «العمل معاً يأتي بفوائد واضحة سواء من وجهة نظر تطوير أو تقوية العلاقات مباشرة بين دولنا، ومن حيث مساهمة دولنا في حل المشكلات الدولية والإقليمية الحادة». وأضاف: «موقف روسيا والهند والصين حيال معظم القضايا الدولية متقارب ومتطابق ونعمل معاً من أجل الاستقرار الاستراتيجي».
وتابع بوتين أن روسيا والصين والهند «ملتزمة حماية المبادئ الرئيسية للعلاقات الدولية، بما فيها احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى». وذكر: «تبذل الدول الثلاث جهوداً مشتركة لتعزيز الاستقرار العالمي ومكافحة تهديد الإرهاب والتطرف والجريمة المرتبطة بالمخدرات والجرائم الإلكترونية. وبالتالي فهي تضع الأساس لإنشاء بنية أمنية متساوية في أوروبا».

- انسجام ياباني وهدوء أميركي
ودعا آبي في افتتاح «قمة العشرين» إلى «الانسجام» بحسب العصر الجديد الذي دخلته البلاد بعد تسلم الإمبراطور الجديد أكيهيتو وبدء عهد جديد باسم «الانسجام الجميل». وقال آبي: «أهلاً بكم في أوساكا. آمل في أن نتوصل معاً إلى انسجام جيد في أوساكا».
ووقف آبي محاطاً من جهة بالرئيس الصيني ومن الأخرى بالرئيس الأميركي، طرفي الحرب التجارية المستعرة حالياً، ودعا آبي إلى «إيجاد قواسم مشتركة بدل التركيز على المواجهات».
وربما يكون ترمب قد تلقّف الرسالة. فقد أطلق تصريحات تصالحية وأظهر ودية كبيرة بعد سلسلة هجمات أطلقها مؤخراً. فقد نوه الرئيس الأميركي بـ«المصانع الرائعة» التي بناها صانعو السيارات اليابانيون في الولايات المتحدة، بعدما كان انتقد علناً اعتماد اليابان عسكرياً على الولايات المتحدة. وأعرب ترمب عن رغبته في التوصل إلى «تفاهم» مع الهند التي ينتقد سياستها التجارية. كذلك وصف ترمب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنها «امرأة رائعة»، وذلك خلال لقاء ثنائي، بعدما كان قد اتّهم ألمانيا بأنها شريك «مقصر» في الإنفاق في حلف شمال الأطلسي.

- ترمب - شي
وقال ترمب أمس إنه يتوقّع عقد لقاء «بناء» مع نظيره الصيني اليوم بعد إعلانه أول من أمس أن «اقتصاد الصين ينهار، ويريدون إبرام اتفاق».
وتهدد واشنطن بفرض رسوم جمركية على كل السلع الصينية التي تستوردها الولايات المتحدة وهو ما سيشكل نقطة لا عودة في نزاع تجاري وتكنولوجي بين العملاقين. وأعلن مسؤول صيني أن «الأحادية والحمائية والمضايقات تتزايد؛ ما يشكل تهديداً خطيراً». ويرى خبراء أن الفرص ضئيلة للتوصل إلى اتفاق خلال قمة العشرين، معتبرين أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو هدنة تحول دون فرض واشنطن رسوما جمركية مشددة جديدة وتمنع المزيد من التصعيد. وقال دبلوماسيون غربيون لـ«الشرق الأوسط» إن الطرفين الأميركي والصيني يبحثان مسودة إعلان يتضمن إعلان هدنة لستة أشهر، بحيث يكون ذلك بمثابة برنامج زمني للتوصل إلى اتفاق قبل العودة إلى الحرب التجارية في حال فشل المفاوضات. لكن حتى هذا الاحتمال ليس مضموناً. وكتبت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن بكين تطالب واشنطن مسبقاً بالتخلي عن منع الشركات الأميركية من التعامل مع مجموعة «هواوي» الصينية للاتصالات التي تعتبرها واشنطن خطرا على أمنها القومي. وقال دبلوماسيون: «يجب تذكر أنه لا يمكن التنبؤ بموقف ترمب».
من جهتها، أعلنت بكين أن الحمائية و«أساليب المضايقة» تهدد النظام العالمي. والتقى شي ثلاثة رؤساء أفارقة هم رؤساء مصر عبد الفتاح السيسي وجنوب أفريقيا سيريل رامافوسا والسنغال ماكي سال، على هامش القمة، حيث «أشار جميع القادة في هذا الاجتماع إلى أن النهج الأحادي والحمائية وأساليب المضايقة في تزايد، ما يشكل خطراً كبيراً على العولمة الاقتصادية والنظام الدولي، وتحديات كبرى للبيئة الخارجية للدول النامية».
وتنتهي القمة بعد ظهر اليوم بجلسة ختامية، عقب لقاء بين بوتين وآبي وتوقيع اتفاقات استراتيجية بين اليابان وروسيا.

- إيران وتركيا
وشكل الملف الإيراني أحد المواضيع التي بحثت بين القادة في أوساكا. وقال ترمب إنه «لا داعي للعجلة» بما يتعلق بمسألة حل التوترات بين الولايات المتحدة وإيران التي أثارت مخاوف من نشوب صراع عسكري. وأضاف: «نأمل بأن ينجح الأمر بنهاية المطاف. إذا نجح، فسيكون جيداً، وفي حال العكس، فإنكم ستسمعون بذلك».
وتطرق الرئيس الأميركي الأربعاء إلى إمكان اندلاع حرب مع إيران لا يتوقع «أن تطول كثيراً». لكنه أعرب في تصريحات عن أمله بـ«ألا يحصل ذلك».
إلى ذلك، يلتقي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على انفراد مع كل من ترمب وبوتين. وهو سيبحث التوتر مع واشنطن بسبب شراء منظومة «إس 400» الروسية وتهديد واشنطن بتجميد التعاون في مشروع طائرات «إف 35». ويتوقع أن تتناول المحادثات المنفردة مع ترمب «المنطقة الأمنية» شمال شرقي سوريا، ومع بوتين مستقبل اتفاق خفض التصعيد في إدلب شمال غربي سوريا.


مقالات ذات صلة

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يستبعد جنوب إفريقيا من «قمة العشرين» في ميامي عام 2026

أعلن دونالد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، أن جنوب إفريقيا لن تكون مدعوّة لحضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام المقبل في ميامي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال جلسة اليوم الثاني لقمة قادة «مجموعة العشرين» (واس)

السعودية تؤكد التزامها بالعمل مع «العشرين» لمنظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة

أكدت السعودية، الأحد، التزامها بمواصلة العمل مع دول مجموعة العشرين لتعزيز منظومة اقتصادية أكثر شمولاً وعدالة واستدامة، تقوم على التعاون والابتكار وتكافؤ الفرص.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
أفريقيا جانب من الجلسة الختامية لقمة العشرين في جوهانسبرغ يوم 23 نوفمبر (حساب مجموعة العشرين على منصة إكس)

«قمة العشرين» تختتم أعمالها بتجديد الالتزام بالتعددية

اختتمت قمة مجموعة العشرين أعمالها في جنوب أفريقيا، الأحد، وسط غياب الولايات المتحدة التي ستتولى رئاسة المجموعة بعد جوهانسبرغ.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الخليج وزير الخارجية السعودي ونظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس (واس)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره الإسباني المستجدات الإقليمية والدولية

التقى الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، الأحد، نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وذلك على هامش اجتماع قمة قادة دول «مجموعة العشرين».

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)
الولايات المتحدة​ شعار مجموعة العشرين في مقر انعقاد قمة قادة المجموعة في جوهانسبرغ (ا.ف.ب)

واشنطن تتهم جنوب أفريقيا بتقويض المبادئ التأسيسية لمجموعة العشرين

قال البيت الأبيض اليوم السبت إن جنوب أفريقيا ترفض تسهيل الانتقال السلس لرئاستها لمجموعة العشرين لأكبر اقتصادات عالمية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

يُصنّف الخبراء الجيوش الحديثة بناء على حجم استعمال هذه الجيوش للذكاء الاصطناعيّ في عمليّاتها العسكريّة، كما بناء على حجم تصنيع منظومات بما يُسمّى «التحكّم الذاتي»، وفي كل الأبعاد (Autonomous).

كذلك يُقاس مستوى فاعليّة الجيوش بمقدار ما تنخرط هذه الجيوش في قتال مشترك (Combined) بين كل الأسلحة والاختصاصات؛ من قوى برّ، وبحر، وجوّ، وسيبرانيّة وغيرها. يُطلق على هذه المنظومة القتاليّة اسم «العمليات المشتركة والمتكاملة» (Integrated joint operations). فما المقصود بهذه التسميّة؟

حسب التقرير الأخير لـ«البنتاغون» حول استعدادات الجيش الصيني لعام 2027، العام الذي حدّده الرئيس الصيني للهجوم على جزيرة تايوان وضمّها للوطن الأم، كما يقول، فإن الأمر يُحتّم توافر 3 إمكانيّات استراتيجيّة؛ هي: القدرة على تحقيق الانتصار بتكلفة معقولة؛ وردع أميركا، أو تقييد قدرتها على التدخّل في النزاع حول تايوان، مع التلويح بالنووي إذا لزم الأمر؛ كما منع إمكانيّة فتح جبهات إضافية من قبل حلفاء أميركا. وعليه قد تتعدّد سيناريوهات الحرب الصينيّة على تايوان، بدءاً من الإكراه (Coercion) للاستسلام من دون حرب فعليّة تيمناً بما قاله المفكر الصيني، صان تسو، بمهاجمة استراتيجية العدو والانتصار دون حرب، وذلك وصولاً إلى الاجتياح الكامل للجزيرة، عبر القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل التايوانيّة، مع عملية إنزال بحريّة ضخمة لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ «إنزال النورماندي» في الحرب العالميّة الثانية.

لكن السؤال يبقى: هل أخذت الصين الدروس من الحرب الروسيّة على أوكرانيا؟ وماذا عن السلوك وردّة الفعل الأميركيّة؟ هل فعلاً سيلتزم الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بنصف الكرة الغربيّ بوصفه منطقة نفوذ أميركيّة؟ أم سيتدخّل على الأقلّ عبر مساعدة الحلفاء وعلى رأسهم اليابان؟

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

 

إلى الذكاء الاصطناعي في الحرب

لا تشذّ الصين عن سلوك القوى العظمى خصوصاً الولايات المتحدة، في اعتمادها على استراتيجيّة القتال المشتركة والمتكاملة. ترتكز هذه الاستراتيجيّة في جوهرها على ربط كلّ الأسلحة (بر، وبحر، وجو، وفضاء وسيبراني) بعضها ببعض، لتعطي صورة ثلاثيّة الأبعاد عن حقل الحرب - المعركة (Battlespace). فما المقصود بحقل المعركة؟ إنها بيئة العمليات العسكريّة (Operational). تربط كلّ الأسلحة بعضها ببعض، آخذة في الحسبان كل ما يمتّ بصلة لمسرح الحرب؛ من تضاريس، وطقس، وبنى تحتيّة، وأسلحة مستعملة، وأجهزة استشعار (Sensors)، ومسيّرات، وحرب إلكترونيّة (EW)، وأقمار اصطناعيّة، وكل ما هو قادر على توفير «داتا» عن العدو بهدف تحقيق النصر. والهدف دائماً، هو تقصير عملية اتخاذ القرار للقيادة البشريّة (حتى الآن) كي تحتفظ بحريّة المناورة واستباق ردّة فعل العدو.

لكن الربط بين كل هذه الوسائل في أرض المعركة، سيؤدّي إلى فائض من «الداتا» (Overwhelming) لا يستطيع العنصر البشري التعامل معها بسرعة، عبر تحليلها، وتحويلها إلى معرفة، واتخاذ القرار وتوزيعها على القوى العسكريّة للتنفيذ. هنا يأتي الحل عبر استعمال الذكاء الاصطناعي (AI). لكن الحلّ بطبيعته ينتج مشاكله الخاصة. ألم يقل الفيلسوف الإنجليزي، كارل بوبر، إن «الحياة عبارة عن عملية مستدامة لحل المشاكل؟ فإذا كان الحل عبر الذكاء الاصطناعي لتحليل (الداتا)، فهو بحد ذاته وبطبيعته سوف ينتج كثيراً من المشاكل». فما هي باختصار؟

من المعروف أن الذكاء الاصطناعي يستعمل خوارزميّات (Algorithm) قادرة على إعطاء أجوبة عما يُقارب 500 مليون سؤال من المُستعمل وأكثر. لكن الأجوبة لا تأتي من الفراغ، فهي، أي الخوارزميات، تُدرّب على كميّة كبيرة من «الداتا» قد تصل إلى كثير من «البيتا بايت» (Petabyte) - كل بيتابايت يساوي 500 مليار ورقة مطبوعة تقليديّة. وهذه «الداتا»، تُجمّع أغلبها من المصادر المفتوحة، كما السريّة. فماذا لو سُمّمت هذه «الداتا»؟ وكيف ستكون عملية السيطرة على مسرح الحرب وإدارته بشكل منتظم بناء على معلومات مغلوطة؟

جندي روسي يحضّر مسيرة لإطلاقها في أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع عملية اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية من ضمن المنظومة للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة؟

إن الاعتماد الكلّي في الحرب على الذكاء الاصطناعيّ، قد يحوّل الحرب إلى عمليّة حسابيّة - خوارزميّة، الأمر الذي يُسرّع الحرب، يُسرّع التصعيد. فماذا لو وصل وضع التصعيد إلى استعمال السلاح النووي بناء على «داتا» مسمومة؟

يقول المفكّر البروسي الشهير، كارل فون كلوزفيتز، إن الشك وعدم اليقين يسيطران عادة وباستدامة على مسرح المعركة (Fog of War). وهذا أمر يُعقّد قرارات القائد العسكريّ. نظّر البعض في هذا المجال بأن الذكاء الاصطناعي سيُقّلل أو يزيل هذه الضبابيّة، عبر توفير كثير من «الداتا» والاستعلام عن العدو. فماذا لو كانت «الداتا» مسمومة؟ إذن، سيبقى عدم اليقين والضبابيّة في ساحة المعركة، حتى مع الذكاء الاصطناعيّ.

لكن الوضع الأخطر هو فيما يُسمّى «فجوة الفهم» بين الذكاء الاصطناعي والقائد (Cognitive Gap)، فما المقصود بذلك؟ قد يقترح الذكاء الاصطناعي أمراً معيّناً على القائد. وقد لا يفهم أو يعي القائد هذا الاقتراح، بسبب الفجوة الهائلة في كميّة «الداتا» التي يملكها الطرفان. فماذا يفعل القائد؟ وكيف يتّخذ القرار بناء على اقتراح لا يفهمه؟ وماذا سيكون عليه الوضع لو كانت «داتا» الذكاء الاصطناعي مسمومة؟ ألا يدخل هنا مبدأ الخداع (Deception) للذكاء الاصطناعي عبر تزويده بـ«داتا» مسمومة؟ وألا يُعدّ هنا قول المفكّر الصيني، صان تسو، إن الحرب تقوم على الخداع، قولاً صالحاً للأزل؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هوارد لوتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض مبادرته الموقعة بشأن الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض - 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وأخيراً، لا بد أن تكون للذكاء الاصطناعي بنى تحتيّة يرتكز عليها في الحرب. والمقصود بذلك هو ذلك الوسيط (Medium) الذي ينقل «الداتا» من مكان إلى آخر؛ من الذكاء الاصطناعي إلى القائد العسكريّ. وإذا كنّا نعيش اليوم في عالم رقميّ (Digital)، فإن هذا العالم لا يزال يرتكز على العالم الملموس، والماديّ (البرّ، والبحر، كما الفضاء). وفي هذا الإطار، ألا ينقل العالم أكثر من 90 في المائة من «الداتا» عبر الكوابل البحريّة، والباقي عبر الأقمار؟ فهل لدى القيادات العسكريّة بدائل عن هذه الكوابل؟ ولماذا يتم التخطيط لقطعها؟ ألا يمكن تسميم «الداتا» عبر خرق هذه الكوابل؟

 

 

مسارح الحرب الجديدة

تستدعي حروب القرن الحادي والعشرين مبدأ الدفاع الشامل والكامل، في ظل الهجوم الشامل والكامل. مبدأ الدفاع عن الداخل عبر حماية البنى التحتيّة كونها مرتبطة بعضها ببعض عبر العالم الرقميّ، وهي تخدم المجهود الحربي بعدّة أبعاد. أما مبدأ الهجوم الشامل، فهو يندرج في الحرب الهجوميّة، إن كان على القوى العسكريّة أو على البنى التحتية للعدو عبر الهجمات السيبرانيّة. وفي كل الحالات، ترتبط القوى العسكرية بعضها ببعض كونها تقاتل قتالاً مشتركاً (Combined) عبر العالم الرقميّ (Digital World).

في الحرب العالميّة الثانية، كانت استراتيجية القصف الاستراتيجي لألمانيا تُركّز على قصف القدرات الاصطناعية التي تخدم الحرب. حالياً ومع العصر الرقميّ، حلت الحرب السيبرانية مكان القصف الاستراتيجيّ لمراكز الثقل، خصوصاً أن أغلب الأسلحة الحديثة أصبحت تعمل بواسطة خوارزميات، وأن القطاع الخاص هو الذي ينتجها. وعليه، أصبح من الحيويّ والمُلحّ أن تكون هناك جهود جبّارة لإدارة الأزمات الداخليّة التي تسببها الهجمات السيبرانيّة.

في الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب على الجبهات، ومن بعدها انتقلت إلى الداخل. حالياً، ومع العصر الرقميّ والحرب السيبرانيّة؛ قد تبدأ الحرب في الداخل بهدف شلّه، وبعدها الحرب على القوى العسكريّة. لذلك قد يمكن القول إنه لا جبهات (Fronts) مُحدّدة في حروب المستقبل.


السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
TT

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)
يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية وتشغيلية للسفن وأنظمة التشغيل، إلى ضابط استخبارات يعمل لصالح الصين، وحُكم عليه أمس (الاثنين) بالسجن لأكثر من 16 عاماً، بحسب الادعاء.

وحكم قاضٍ فيدرالي في سان دييغو على جينتشاو وي، البالغ من العمر 25 عاماً، بالسجن لمدة 200 شهر. وكانت هيئة محلفين فيدرالية قد أدانته في أغسطس (آب)، بارتكاب 6 جرائم، بينها التجسس. وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان، إن وي تلقّى أكثر من 12 ألف دولار مقابل المعلومات التي باعها.

وكان وي، وهو مهندس على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس إيسيكس» (USS Essex)، أحد بحارين اثنين مقيمين في كاليفورنيا وُجّهت إليهما الاتهامات في 3 أغسطس 2023، بتزويد الصين بمعلومات عسكرية حساسة. أما الآخر، وينهينغ تشاو، فقد حُكم عليه في عام 2024 بالسجن لأكثر من عامين بعد أن أقرّ بذنبه في تهمة التآمر وتهمة تلقي رشوة واحدة في انتهاك لواجباته الرسمية.

وعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات، عن قلقهم من خطر التجسس الذي يقولون إن الحكومة الصينية تمثّله، ورفعوا في السنوات الأخيرة قضايا جنائية ضد عناصر استخبارات تابعين لبكين سرقوا معلومات حكومية وتجارية حساسة، بما في ذلك عبر عمليات قرصنة غير قانونية.

وقال الادعاء إن وي جرى استقطابه عبر وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2022، من قبل ضابط استخبارات قدّم نفسه على أنه هاوٍ للشؤون البحرية، ويعمل لدى شركة صناعة السفن الصينية المملوكة للدولة.

وأظهرت الأدلة المقدَّمة أمام المحكمة أن وي قال لصديق له، إن الشخص «مريب للغاية»، وإن الأمر «واضح تماماً أنه تجسس». غير أن وي تجاهل نصيحة صديقه بحذف جهة الاتصال، ونقل محادثاته مع ضابط الاستخبارات إلى تطبيق مراسلة مشفّر آخر كان يعتقد أنه أكثر أماناً، بحسب الادعاء.

وخلال 18 شهراً، أرسل وي إلى الضابط صوراً ومقاطع فيديو لسفينة «إيسيكس»، وأبلغه بمواقع عدد من سفن البحرية الأميركية، كما قدّم له معلومات عن الأسلحة الدفاعية للسفينة، وفقاً للادعاء.

وباع وي لضابط الاستخبارات 60 كتيّباً تقنياً وتشغيلياً، بينها كتيّبات خاصة بأنظمة التحكم بالأسلحة والطائرات ومصاعد سطح السفينة. وكانت هذه الكتيّبات تتضمن تحذيرات تتعلق بضوابط التصدير، وتشرح بالتفصيل كيفية تشغيل عدة أنظمة على متن «إيسيكس» وسفن مماثلة.

وكان وي يحمل رتبة ضابط صف من الدرجة الثانية، وهي رتبة ضمن فئة الأفراد المجنّدين.

ويذكر موقع البحرية الأميركية أن «إيسيكس» مجهّزة لنقل ودعم قوة إنزال من مشاة البحرية (المارينز) قوامها أكثر من 2000 جندي خلال عمليات إنزال جوي وبرمائي.

وفي رسالة إلى القاضي قبل النطق بالحكم، اعتذر وي وقال إنه لم يكن ينبغي له أن يشارك أي شيء مع الشخص الذي كان يعدّه صديقاً. وأضاف أن «الانطواء والشعور بالوحدة» أثّرا على حكمه وتقديره للأمور.


«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«بي بي سي» تعتزم التقدم بطلب لرفض دعوى ترمب البالغة 10 مليارات دولار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أظهرت وثائق قضائية أن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ستتخذ إجراءات قانونية لطلب رفض دعوى التشهير البالغة قيمتها 10 مليارات دولار التي رفعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضدها، والمتعلقة بتحرير برنامج «بانوراما».

وتَعرّض برنامج «بانوراما» لانتقادات في أواخر العام الماضي بسبب حلقة بُثت في 2024، إذ أعطت الانطباع بأن الرئيس الأميركي كان يشجع مؤيديه على اقتحام مبنى الكابيتول في 2021، بحسب وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا).

وفي الحلقة، تم دمج مقطع من خطاب ترمب بتاريخ 6 يناير (كانون الثاني) 2021 ليُظهره وهو يقول: «سننزل إلى الكابيتول... وسأكون هناك معكم. وسنقاتل. سنقاتل بشراسة».

ويطالب ترمب بتعويض يصل إلى 10 مليارات دولار رداً على تعديل الخطاب، فيما زعم محاموه أن التحرير كان «زائفاً ويفتقر إلى الحقيقة ويشوه سمعته»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وستقدم هيئة الإذاعة البريطانية طلباً لرفض الدعوى، بحجة أن محكمة فلوريدا لا تتمتع بالاختصاص الشخصي عليها، وأن مكان انعقاد المحكمة غير مناسب، وأن ترمب فشل في تقديم دعوى صحيحة، وفقاً للوثائق المقدمة، مساء الاثنين، بتوقيت بريطانيا.

وستؤكد الهيئة أنها لم تقم بإنشاء أو إنتاج أو بث الوثائقي في فلوريدا، وأن ادعاء ترمب بأن الوثائقي كان متاحاً في الولايات المتحدة عبر خدمة البث «بريت بوكس» غير صحيح.

كما ستزعم الهيئة أن الرئيس فشل في تقديم دليل مقنع على أن «بي بي سي» نشرت الوثائقي بقصد إساءة أو نية خبيثة فعلية، وهو ما يُطلب من المسؤولين العموميين إثباته عند رفع دعاوى التشهير في الولايات المتحدة.

وطلبت الهيئة من المحكمة وقف جميع عمليات الاكتشاف الأخرى، وهي العملية التي يجمع فيها الطرفان معلومات قبل المحاكمة، إلى أن يصدر قرار بشأن طلب رفض الدعوى.

وتم اقتراح موعد محاكمة عام 2027 إذا استمرت القضية.