بروفايل: سوزانا شابوتوفا... «حارسة البيئة» ترفع شعار مكافحة الفساد

رياح التغيير تحمل المحامية العنيدة إلى رئاسة سلوفاكيا

بروفايل: سوزانا شابوتوفا... «حارسة البيئة» ترفع شعار مكافحة الفساد
TT

بروفايل: سوزانا شابوتوفا... «حارسة البيئة» ترفع شعار مكافحة الفساد

بروفايل: سوزانا شابوتوفا... «حارسة البيئة» ترفع شعار مكافحة الفساد

قبل عام واحد، لم يكن يدور في خلد المحامية والناشطة في مجال حقوق الإنسان، سوزانا شابوتوفا، أنها ستغدو رئيسة لبلدها سلوفاكيا. كانت أحلامها تقتصر على حياة آمنة في مدينة صغيرة لعبت دوراً كبيراً في حمايتها من التلوث البيئي. كان يكفيها عملها نائبةً لرئيس بلدية بيزينوك التي وُلدت فيها، في ضواحي العاصمة براتيسلافا. لكن عناد الناشطة الحقوقية، التي كانت قد خاضت معركة قضائية لمدة 14 سنة ضد الفساد الحكومي ونفوذ «حيتان المال» المرتبطين، كما تقول روايات، بـ«المافيا الإيطالية»، لعب دوراً أساسياً في دخولها معترك السياسة العليا راكبة موجة المطالبة بالتغيير، بعدما شهدت الجمهورية الصغيرة الهادئة تقليدياً في شرق أوروبا منعطفاً سياسياً حاداً عكسَ تصاعد مزاج النقمة على الفساد المستشري والرغبة في دخول عهد جديد.

قال أحد الخبراء الروس البارزين تعليقاً على فوز شابوتوفا، في الانتخابات لتغدو أول امرأة سلوفاكية تجلس على مقعد الرئاسة في تاريخ البلاد، إن «ظاهرة شابوتوفا شكلت استجابة للرغبة في التغيير والعدالة، ووجهة جديدة في السياسة، أتت ليس من أعلى، وليس من أسفل، ولكن من حيث يوجد الدليل على أن العدالة تمتلك مقومات لحماية ذاتها».
غدت سوزانا شابوتوفا خامس رئيس للجمهورية السلوفاكية وأول امرأة تُنتخب لهذا المنصب منذ إعلان الاستقلال في عام 1993. وتبدو نسبة الأصوات التي حصلت عليها في الجولة الانتخابية التي جرت أخيراً كبيرة، بالمقارنة مع الاستحقاقات المماثلة عادة في أوروبا، فهي حصدت أصوات 58 في المائة من الناخبين، متقدمة بشكل واضح على خصمها الدبلوماسي، وعضو المفوضية الأوروبية ماروس شيفتشوفيتش الذي أقر بالهزيمة، وأرسل باقة من الزهور إلى السيدة التي غدت تحمل اللقب الرئاسي. ومع كونها أول سيدة تحصل على المنصب، فهي تُعدّ حالياً أصغر رئيس في تاريخ البلاد، إذ احتفلت في 21 يونيو (حزيران) الحالي، ببلوغها 46 سنة.
وقد تكون الكلمات الأولى التي قالتها شابوتوفا بعد أداء القسم الدستوري أفضل تعبير عن قناعاتها ورؤيتها لدورها في المنصب الجديد، فضلاً عن الانسجام مع مسيرة حياتها التي قضت الجزء الأعظم منها في مدينتها الصغيرة. فهي أعربت عن سعادتها «ليس فقط بالنتيجة التي حصلت عليها، ولكن أيضاً بظهور فرصة لعدم الخضوع للشعوبية، ولرفع الصوت بالحديث عن الحقيقة وجذب الانتباه إلى القضايا العادلة، والتخلي عن لغة العدوان».
تلخص الإشارة إلى هزيمة التيار الشعوبي في سلوفاكيا منطلقاً مهماً لتقييم رؤية المحامية السلوفاكية للمسار الذي يجب أن تسلكه بلادها، فهي تشير هنا إلى المحافظة على الاتحاد الأوروبي وسياسة الاندماج، على العكس من المزاج القومي الذي برز في كثير من الدول الأوروبية، بما في ذلك في المجر (هنغاريا) وبولندا والنمسا. عملياً، يبدو نجاح شابوتوفا نجاحاً للتيار المتمسك بالقيم المشتركة للاتحاد الأوروبي وبالمصالح المشتركة في منطقة اليورو، ودفعة إضافية للمطالبين بمزيد من التكامل.

- المحامية العنيدة حارسة البيئة
لا يمكن بطبيعة الحال المبالغة في التوقعات السياسية، خصوصاً لأن سلوفاكيا تُعدّ جمهورية برلمانية. ورغم امتلاك الرئيس صلاحيات كثيرة، لكن القوة الرئيسية تتركز في أيدي رئيس الوزراء. ورغم ذلك، يرى كثيرون أهمية خاصة لهذا الصعود الكبير لنجم المحامية التي بالكاد كانت الأوساط السياسية في بلدها ترشحها لدخول المعترك الرئاسي قبل عام واحد. ومع أنها كانت ناشطة اجتماعية ومدافعة نشطة عن البيئة النظيفة، فإن نشاطها السياسي كان فقيراً، واقتصر على كونها عضواً في الحزب الليبرالي «سلوفاكيا التقدمية» الذي تم تسجيله رسمياً في نهاية عام 2017. ولم يحظَ بتمثيل بعد في البرلمان، كما لم يحقق وزناً سياسياً في البلاد، وبات معلوماً بعد انتخابها أن شابوتوفا تنوي الانسحاب من الحزب حتى تحافظ على مسافة واحدة مع كل القوى السياسية في البلاد.
ولا تخفي الرئيسة الجديدة افتقارها للخبرة السياسية العملية، إذ اقتصر نشاطها السياسي على عملها نائبةً لرئيس إدارة مدينة بيزينوك.
لكن هذه البلدة الصغيرة في الجنوب الغربي من البلاد التي لا يزيد عدد سكانها على 20 ألف نسمة، كان لها الدور الحاسم في رسم ملامح شخصية المحامية وبلورة أهدافها العملية، فهي نشأت هناك في أسرة عاملة، وفيها درست، وخاضت تجربة زواج خرجت منها بابنتين تبلغان من العمر 15 و18 عاماً. ورغم طلاقها من زوجها لكنها فضلت الاحتفاظ باسم عائلته شابوتوف.
حصلت الرئيسة الجديدة على شهادة في القانون من جامعة كومينيوس في براتيسلافا. وهي ذكرت في مقابلة صحافية أخيراً، أنه عندما بدأ زملاء الدراسة في اليوم الأول من الدراسة في مناقشة سبب اختيار كل منهم للقانون كمهنة للمستقبل، اتضح أنه لم يكن لدى أي من الطلاب الثلاثين في الفصل دوافع مالية. لم تكن شابوتوفا مهتمة أيضاً بالجانب المادي، وهو أمر برز خلال حياتها العملية لاحقاً، إذ ناضلت من أجل حقوق النساء والأطفال، وعملت لمدة 16 عاماً في قطاع غير ربحي ناشطة في جمعية مدنية عملت في مجال حماية حقوق الإنسان وتطوير الديمقراطية وتحسين نوعية حياة المواطنين وحماية الطبيعة والبيئة عبر الوسائل القانونية.
خلال عملها في هذه المؤسسة برزت «قضية عمرها» التي حولتها إلى مناضلة للحفاظ على البيئة، إذ واجهت قراراً بإنشاء مكبّ للنفايات بالقرب من مبان سكنية في مسقط رأسها، وخاضت معركة قضائية استمرت لمدة 14 عاماً وانتهت بفوزها بإلغاء القرار بعدما حشدت تأييداً شعبياً واسعاً، وأوصلت القضية إلى المحكمة الأوروبية العليا.
وقالت في وقت لاحق إنها واجهت محاولة لإنشاء مكب ضخم للنفايات يصل حجمه إلى نحو 12 ملعباً لكرة القدم، على بعد 280 متراً من المباني السكنية. واللافت في الموضوع أن شابوتوفا المحامية قادت احتجاجات شعبية وشكاوى قضائية في وجه أحد أبرز «حيتان المال» في بلادها، وهو رجل الأعمال ماريان كوشنر، الذي ارتبط اسمه بالجريمة المنظمة، وهي اعترفت في وقت لاحق بعد حسم المعركة لصالحها بأنها كانت خائفة على حياتها وعلى حياة ابنتيها، ولفترات طويلة لم تكن تسمح لهما بالتجول أو القيام بنزهات من دون مرافقة دقيقة.
في عام 2016 تم تقييم عمل شابوتوفا، إذ حصلت على جائزة «غولدمان»، وهي الجائزة الأهم التي تُمنح للناشطين في مجال حماية البيئة، وغالباً ما يُطلق عليها «نوبل الخضراء».
أهمية المواجهة مع ماريان كوشنر أن اسمه عاد إلى الواجهة مع الأحداث التي شهدتها البلاد خلال العام الأخير، وربما تكون هذه المصادفة لعبت دوراً أساسياً في اتخاذها قرار خوض المعترك الانتخابي.
ففي مارس (آذار) الماضي، اتُّهم كوشنر بالتورط في جريمة اغتيال الصحافي الاستقصائي يان كوتسيك الذي كان معروفاً بتحقيقاته التي تواجه الفساد، وقُتل مع خطيبته مارتينا كوشنيروفا العام الماضي. وأثار الحادث موجة سخط واسعة النطاق في البلاد، خصوصاً بعدما برزت محاولات للتواطؤ وإغلاق ملف الجريمة من جانب السلطات. في تلك الفترة أعلنت شابوتوفا نيتها خوض معترك السياسة، وقالت لصحافيين: «يجب أن تشهد البلاد تغييراً، وأريد أن أشارك في حدوث هذا التغيير».

- رياح التغيير
بدأت الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد، وغيّرت مسار حياة شابوتوفا تماماً، قبل عام كامل. بعد وقت قصير من العثور على الصحافي يان كوتسيك مقتولاً في منزل بالقرب من براتيسلافا. لم يكن لدى الشرطة أو الجمهور أي شك في أن جريمة الاغتيال مدبَّرة، وأن هياكل الجريمة المنظمة تقف وراءها. كان كوتسيك البالغ من العمر 27 عاماً أجرى سلسلة تحقيقات استقصائية في ملف الاحتيال المالي، وأبرز تهرباً واسعاً من دفع الضرائب لدى شخصيات بارزة ورموز النخبة السياسية في البلاد، بما في ذلك رئيس الوزراء روبرت فيكو. في المقال الأخير المنشور للصحافي، أكد كوتسيك أن فيكو مرتبط بهياكل الجريمة المنظمة في إيطاليا.
كانت هذه أول جريمة اغتيال سياسي صاخبة في الجمهورية الهادئة والمسالمة، وقد هزّت المجتمع بقوة. خرج نحو 25 ألف شخص إلى شوارع براتيسلافا، مطالبين باستقالة فيكو على الفور. وسرعان ما اندلعت مظاهرات حاشدة في جميع أنحاء البلاد. لم يُشهَد هذا التضامن في شوارع سلوفاكيا منذ أحداث عام 1989 التي أدت إلى انتقال تشيكوسلوفاكيا في ذلك الحين إلى المعسكر الغربي. وأكد فيكو عدم وجود صلة له بعملية الاغتيال، في حين اتجهت أصابع الاتهام إلى رجل الأعمال الموقوف ماريان، لكن رئيس الوزراء سرعان ما اضطر لتقديم استقالته تحت ضغط الحراك في الشارع، وأعلن حل الحكومة في منتصف مارس (آذار).
في هذه الأجواء من عدم الثقة بالسلطات، كان ينبغي أن يظهر شخص ما من شأنه أن يتحدى النخبة الحاكمة، وأصبحت شابوتوفا هذا الشخص، داعية المواطنين إلى «التمرد على الشر». أعلنت قرارها الترشح للرئاسة بعد أسبوعين من استقالة فيكو، وقالت إن مكافحة الفساد الهدف الرئيسي لبرنامجها. بالإضافة إلى ذلك، استطاعت أن تجمع حولها معارضة غير ممثلة في البرلمان ذات توجه ليبرالي تمثل مختلف الجماعات العرقية والاجتماعية. وعدت شابوتوفا أيضاً بدعم حق المرأة في الإجهاض، وأيّدت حقوق المثليين.

- إيرين بروكوفيتش... السلوفاكية
سرعان ما تحولت السياسية الصاعدة إلى رمز للتغيير، وعقدت وسائل الإعلام مقارنات بين مسيرتها ومسيرة المحامية الأميركية والناشطة في مجال حماية البيئة إيرين بروكوفيتش، التي تحولت سيرتها الذاتية إلى فيلم سينمائي قدمته جوليا روبرتس. كان التشابه كبيراً إلى حد لافت: محامية تربّي طفلين بعد الطلاق، عارضت بناء مكب نفايات في مسقط رأسها، وبعد أربعة عشر عاماً من المواجهة كسبت المعركة. وهناك ناشطة بيئية ومحامية خاضت معركة كبرى أيضاً، واشتهرت بسبب قضيتها ضد شركة «باسيفيك» للغاز والكهرباء في ولاية كاليفورنيا، عام 1993.
ثمة إشارات بالطبع إلى أن مهمة الرئيسة الجديدة لن تكون سهلة. ويقول بعضهم إن شابوتوفا ستناضل من أجل العدالة منذ لحظة أداء القسم الدستوري على الجانب الآخر من المتاريس، أي من داخل السلطة. ويُتوقع أن تعمل على تنفيذ النقاط الرئيسية في برنامجها الانتخابي في خصوص حماية البيئة، لا سيما وعدها بوقف إزالة الغابات. وخلال حملتها الانتخابية أيضاً، وعدت شابوتوفا بالقضاء على الفساد، وزيادة الإنفاق الاجتماعي، وإصلاح النظام القضائي.
شابوتوفا تشاطر وجهات النظر الحديثة حول مؤسسة الأسرة، وتدافع عن حماية حقوق المرأة في الإجهاض، لكن دعمها لمجتمع المثليين أثار الكنيسة ضدها، وقال رئيس أساقفة ترنافا الحالي، يان أوروش، إن التصويت لشابوتوفا سيكون «خطيئة خطيرة». وقد ردت ناشطة حقوق الإنسان عليه، خلال حملتها الانتخابية، بشكل دبلوماسي، وقالت في إحدى خطبها: «يمكنك أن تتدخل في السياسة برأيك الخاص، من دون أن تكون عرضة للشعبوية. يمكنك أن تكون قوياً وواثقاً من دون الخطب العدوانية والهجمات الشخصية».

- حوار مع روسيا ومقارنات مع أوكرانيا
حددت شابوتوفا ملامح خطواتها الأولى السياسية بعد أداء اليمين الدستورية. فهي مع تمسكها ببرامجها الداخلية أكدت على مواصلة سياسة الاندماج مع الاتحاد الأوروبي والدفاع عن سياساته، وهي في الوقت ذاته أبدت انفتاحاً على الحوار مع روسيا التي بات هاجس تدخلها في الاستحقاقات الانتخابية في الغرب مصدر قلق للسياسيين الغربيين. قالت شابوتوفا إنها ترى ضرورة إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وأيدت موقف الكرملين المعارض لممارسة ضغوط عبر فرض سياسات العقوبات. هذه العبارات تلقفتها موسكو بحماسة، وتناقلتها وسائل الإعلام الروسية بقوة.
في الوقت ذاته، يعقد كثيرون في روسيا مقارنات لافتة بين نتائج الانتخابات الرئاسية أخيراً، في سلوفاكيا، التي فازت بها شابوتوفا، والاستحقاق الانتخابي الرئاسي قبل ذلك في أوكرانيا الذي حمل إلى مقعد الرئاسة الممثل الهزلي فلاديمير زيلينسكي. وبالفعل فإن بين الحدثين عناصر متشابهة كثيرة. في الحالين جاء الرئيس من خارج النخب السياسية وبشكل مفاجئ قلب توقعات المراقبين. وفيهما برز شعار مكافحة الفساد ومواجهة تحكم بعض «حيتان المال» في مفاتيح القرار. وفي البلدين أظهرت النتائج انقلاب الناخبين على التيارات الشعبوية والقومية لصالح خطط الإصلاح الليبرالي. وفي البلدين كان مزاج التغيير والرغبة في دخول عهد جديد العنصر الأهم الذي حمل مرشحاً عديم الخبرة تقريباً بالسياسة إلى مقعد الرئاسة. يبقى أن تأثير شابوتوفا على سياسات الكرملين محدود، بينما تراقب موسكو بحذر شديد كل خطوة يقوم بها الرئيس الأوكراني الجديد.


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.