زلنسكي يلتقي ميركل ويدعو إلى موقف ألماني أقوى تجاه روسيا

«البنتاغون» يخصص 250 مليون دولار لدعم القوات الأوكرانية

ميركل أكدت للرئيس الأوكراني التزام بلادها بإبقاء العقوبات الاقتصادية على روسيا ما دام «الوضع على حاله» (إ.ب.أ)
ميركل أكدت للرئيس الأوكراني التزام بلادها بإبقاء العقوبات الاقتصادية على روسيا ما دام «الوضع على حاله» (إ.ب.أ)
TT

زلنسكي يلتقي ميركل ويدعو إلى موقف ألماني أقوى تجاه روسيا

ميركل أكدت للرئيس الأوكراني التزام بلادها بإبقاء العقوبات الاقتصادية على روسيا ما دام «الوضع على حاله» (إ.ب.أ)
ميركل أكدت للرئيس الأوكراني التزام بلادها بإبقاء العقوبات الاقتصادية على روسيا ما دام «الوضع على حاله» (إ.ب.أ)

حتى بعد أن أصبح رئيساً وترك التمثيل الكوميدي، مهنته الأصلية، ما زال الرئيس الأوكراني الجديد فولوديمير زلنسكي، قادراً على إحداث الضحكات حتى في أكثر الحالات جدية. وفي برلين لم يختلف الوضع كثيراً. فرغم أن استقباله في العاصمة الألمانية بدأ بحالة رجفان أصابت مضيفته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في أثناء المراسم الرسمية، نجح زلنسكي في التخفيف من الواقعة في المؤتمر الصحافي الذي عقداه معاً بعد ساعة من لقائهما. وفيما أكدت ميركل أن الأمر لم يتعد كونه جفافاً بسبب الحر في يوم وصلت فيه درجة الحرارة إلى 30، وأنها تشعر بتحسن كبير بعد شرب 3 أكواب ماء، سارع زلنكسي إلى القول بأنه كان واقفاً إلى جانبها وأنها «كانت بأمان تام»، ما استدعى ضحكات من ميركل والصحافيين الموجودين.
وفي مواضيع أكثر جدية، أكدت ميركل التزام بلادها بإبقاء العقوبات الاقتصادية على روسيا ما دام «الوضع على حاله» فيما يتعلق بالقرم التي ضمتها روسيا إليها قبل 5 أعوام، ما استدعى عقوبات أوروبية عليها. وقالت ميركل في المؤتمر الصحافي: «ما دام ليس هناك تقدم في هذا الأمر فلا يمكن رفع العقوبات المتعلقة بالقرم. العقوبات تُرفع فقط في حالة إعادة القرم إلى أوكرانيا».
وكان زلنسكي قد دعا قبل لقائه ميركل في مقابلة مع صحيفة «بيلد» الألمانية، إلى موقف ألماني أقوى تجاه روسيا، محذراً من تخفيف العقوبات الأوروبية عليها. ودعا حتى إلى عقوبات أقسى لحث موسكو على الانسحاب من القرم التي ضمتها إلى أراضيها، ووقف دعم الميليشيات في شرق أوكرانيا. وكرر زلنسكي دعوته لتشديد العقوبات على موسكو خلال المؤتمر الصحافي وقال: «إذا لم تنفع العقوبات الموجودة حالياً، يجب النظر في أدوات أخرى»، مضيفاً أن العقوبات الاقتصادية هي «الطريق الوحيد لوقف الصراع من دون دماء».
ويتصاعد في ألمانيا مؤخراً الجدل حول رفع العقوبات عن روسيا، ولم تعد الدعوات إلى رفع العقوبات عن موسكو تخرج فقط عن حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف وأكبر كتلة معارضة في البرلمان، بل أيضاً من أعضاء داخل حزب ميركل، الاتحاد المسيحي الديمقراطي.
وحذّر زلنسكي كذلك في مقابلته مع «بيلد» من استمرار مشروع أنانبيب الغاز الجديد مع روسيا «نورد ستريم 2» الذي سيقلل مرور الغاز الطبيعي عبر أوكرانيا ويصل روسيا بألمانيا مباشرةً، ما سيؤثر على أرباح أوكرانيا بشكل كبير. ووصف زلنسكي أنبوب الغاز الجديد بأنه يشكل «خطراً على الأمن، أمن الطاقة في أوكرانيا وأوروبا». ويعارض أنبوبَ الغاز هذا الاتحادُ الأوروبي وواشنطن ويخشيان من زيادة اعتماد برلين على موسكو في تأمين متطلباتها من الغاز الطبيعي.
وحاولت ميركل طمأنة الرئيس الأوكراني من هذا المشروع الجديد، وقالت إنه لن يكون له تأثير على استيراد الغاز عبر أوكرانيا، وقالت: «الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد لي أنه يعلم بطلب ألمانيا أن يستمر نقل الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا بعد الانتهاء من تركيب أنبوب (نورد ستريم 2)». وأضافت: «لقد كررت أكثر من مرة للرئيس الروسي أنه بالنسبة إليّ فإن مسألة أن تكون أوكرانيا نقطة ترانزيت للغاز هو أساس، ومهم للغاية، والرئيس بوتين أكد لي أنه يتفهم ذلك». ووصل زلنسكي إلى برلين قادماً من باريس، حيث التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد شهر من توليه منصبه. وتحاول ألمانيا وفرنسا التوسط بين أوكرانيا وروسيا لإعادة تحريك عملية السلام وإطلاق المفاوضات المتوقفة بينهما منذ أكتوبر 2016، ورغم تعهد ميركل بإبقاء العقوبات على روسيا فإنها قالت إنه لا يمكن التوصل للسلام «من دون محادثات وتواصل».
وزلنكسي وصل بشكل مفاجئ إلى الرئاسة بعد أن كان ممثلاً لعب دور الرئيس في برنامج تلفزيوني، وهو يدعو منذ حملته الانتخابية إلى عقوبات أقوى ضد روسيا لحثها على الانسحاب من الأراضي الأوكرانية التي احتلتها قبل 5 سنوات. ولم يهنئ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، زلنسكي بعدُ بالفوز بالانتخابات، بعد شهر عليها. وتأتي زيارة الرئيس الأوكراني الجديد لبرلين بناءً على دعوة رسمية وجهتها إليه ميركل بعد فوزه بالانتخابات.
كان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الذي زار الشهر الماضي كييف والتقى زلنكسي بعد الانتخابات، قد قال قُبيل وصول الرئيس الأوكراني إلى برلين إن الزيارة بالغة الأهمية لأن ألمانيا تريد مساعدة زلنسكي على «تحقيق السلام». وأضاف ماس أن «اتفاقية مينسك تبقى خريطة الطريق لحل الأزمة في أوكرانيا».
وفي سياق متصل أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، أمس (الثلاثاء)، عن خطط لتقديم 250 مليون دولار لأوكرانيا في صناديق التعاون الأمني لتوفير المزيد من التدريب والمعدات والجهود الاستشارية لبناء قدرات القوات المسلحة الأوكرانية. وأضاف بيان عن البنتاغون أن القرار يؤكد من جديد العلاقة الدفاعية طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، مشيراً إلى أن إجمالي المساعدات الأمنية الأميركية إلى أوكرانيا سيصل إلى 1.5 مليار دولار منذ عام 2014.
وأضاف البيان أن تلك الأموال ستوفر معدات لدعم برامج التدريب المستمرة والاحتياجات التشغيلية، بما في ذلك القدرات اللازمة لتعزيز الوعي بالظروف البحرية والعمليات كجزء من الجهود الأميركية المستمرة لزيادة الدعم لمشاة البحرية والبحرية الأوكرانية. كما ستعزز تلك المساعدة القدرة الدفاعية للقوات البرية والعمليات الخاصة في أوكرانيا وتوفير الحماية لها من خلال توفير بنادق القنص وقاذفات القنابل الصاروخية ورادارات المدفعية المضادة ومهمات القيادة والسيطرة، والتصدي للحرب الإلكترونية وتوفير الاتصالات الآمنة والتحرك العسكري والرؤية الليلية والعلاج الطبي.
وشدد البيان على أن التعاون الأمني بين البلدين أصبح ممكناً بفضل التقدم المستمر لأوكرانيا في اعتماد الإصلاحات المؤسسية الدفاعية الرئيسية لمواءمة هيكل الأمن القومي لأوكرانيا مع المبادئ الأوروبية الأطلسية. وأضاف البيان أن الولايات المتحدة ملتزمة بمساعدة أوكرانيا على تطبيق أحكام قانون الأمن القومي لعام 2018 في أوكرانيا لتعزيز السيطرة المدنية الديمقراطية على الجيش، وتعزيز إصلاحات القيادة وتعزيز الشفافية والمساءلة في عمليات الاستحواذ ووضع الميزانية، ودعم إصلاحات صناعة الدفاع. وختم البيان بأن تلك الإصلاحات ستدعم قدرة أوكرانيا على الدفاع عن سلامتها الإقليمية آمنة ومزدهرة وديمقراطية وحرة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».