مهنة المتاعب... أصعب على الهواء

إعلامية بريطانية تكشف مصاعب العمل التلفزيوني التي لا يراها المشاهدون

إميلي مايلتس في تغطية خاصة في ذكرى تصويت «بريكست» على شاشة «بي بي سي 2»
إميلي مايلتس في تغطية خاصة في ذكرى تصويت «بريكست» على شاشة «بي بي سي 2»
TT

مهنة المتاعب... أصعب على الهواء

إميلي مايلتس في تغطية خاصة في ذكرى تصويت «بريكست» على شاشة «بي بي سي 2»
إميلي مايلتس في تغطية خاصة في ذكرى تصويت «بريكست» على شاشة «بي بي سي 2»

من أحدث الكتب الإعلامية التي صدرت في لندن أخيراً كتاب الإعلامية التلفزيونية إيميلي ميتليس، وهي وجه مألوف للملايين في بريطانيا لأنها تقدم نشرة الأخبار المسائية يومياً على قناة ««بي بي سي»» الثانية. الكتاب اسمه «إيرهيد»، ويحكي عن فن تقديم الأخبار والمصاعب التي تواجه الإعلامي الذي يعمل في برامج تُبث على الهواء. وقد تغلبت ميتليس على العديد من هذه المصاعب وحصلت على جائزة أفضل مقدمة برامج تلفزيونية لعام 2019.
الكتاب ليس سيرة ذاتية، فهي لا تحكي عن طفولتها ونشأتها ولا عن علاقاتها الشخصية ولا كيف حققت شهرتها كأذكى محاورة على الشاشة ضمنت لها تصدر برنامج إخباري يومي على شاشة «بي بي سي» بمفردها... ولكنها تحكي مسيرة عملها الإعلامي وأهم الشخصيات التي قامت بمحاورتها تلفزيونياً وما يحدث أمام الكاميرا وخلفها. وظل محور تركيز ميتليس في الكتاب على متاعب المهنة لا على حياتها الشخصية.
ويلمح القارئ للكتاب ومضات من المشاعر الشخصية للإعلامية ميتليس، فهي مثلاً تأثرت كثيراً بقضية الإيرانية نازانين زغاري - راتكليف التي عادت لإيران مع طفلتها لزيارة أسرتها فكان مصيرها الاحتجاز والسجن بتهمة التجسس. وتقول ميتليس إن أكثر ما تخشاه في مهنتها هو أن ينتهي بها المصير إلى السجن في دولة من العالم الثالث، فإن هذا يمكن أن يحدث بسهولة جداً كما في حالة نازانين التي ما زالت مسجونة حتى الآن. تقول ذلك عن تجربة حيث كانت نزيلة السجون عدة مرات بسبب عملها، في كامبوديا وكوبا. ولكن احتجازها انتهى بعد عدة ساعات عانت فيها من سجانين كانوا يصرخون في وجهها بأنها تكذب.
وترى أن العمل التلفزيوني مختلف تماماً عن العمل الصحافي المكتوب، فالعمل على الهواء لا يحتمل المراجعة اللغوية أو التصحيح، وما يراه المشاهدون على الشاشة هو الواقع كما يجري على الهواء.
ولا يقتصر عمل ميتليس على الجلوس في الاستوديو وقراءة الأخبار، فهي تغطي أيضاً الأخبار في مواقع الحدث. وأرسلتها إدارة «بي بي سي» لتغطية أحداث متنوعة منها الحادث الإرهابي على مسرح باتاكلان في باريس، وإلى هونغ كونغ لمتابعة احتجاجات شعبية هناك، وإلى الأرياف الأميركية في ولاية أيوا لتغطية جانب من الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وهي تذكر حوارات شخصية مع المشاهير الذين تذكر منهم الدالاي لاما، والرئيس دونالد ترمب، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والممثلة إيما تومسون. كما تذكر إعجابها الكبير بمقدم برامج الطبيعة ديفيد أتنبره.
وتتذكر استعداداتها لإجراء حوار مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، جرى في الهند. وكان كلينتون يسهم في التعريف بمرض الإيدز وبقضية حقوق المرأة. وكانت تفكر في سؤال الرئيس عن فضيحة علاقته مع متدربة البيت الأبيض مونيكا لوينسكي وعن سر اهتمامه بقضايا المرأة. ولكنّ مستشاري الرئيس أخبروها في الدقائق الأخيرة بأن الرئيس أُصيب بوعكة صحية ولكنه مع ذلك مصرّ على إجراء اللقاء. وتحولت مخاوف ميتليس من توجيه أسئلة حرجة إلى الرئيس إلى خوف من أن يصاب بمكروه على الهواء خلال الحوار. وحول هذا الحوار تقول ميتليس إنها اضطرت إلى تغيير ملابسها في كوخ مخصص للماعز وفي درجة حرارة 43 مئوية. وبعد اللقاء عبّرت ميتليس عن ندمها لعدم توجيه أسئلة صعبة إلى كلينتون عن علاقته بلوينسكي.
وتعلق ميتليس على الموقف بالقول إنها تعلمت في دقائق معدودة أن الإنسان قد يعتقد أنه يتحكم في المواقف ولكن ذلك هو أكبر وهم يمكن أن يصيب الإنسان. وترسم ميتليس صورة مغايرة لما هو معروف عن الشهرة والأضواء المصاحبة للعمل التلفزيوني. فالضغوط لا تتوقف والأرق مستمر والتوتر بين الزملاء في العمل اليومي هو من طبيعة العمل الإعلامي التلفزيوني.
من ضرورات العمل الإعلامي أيضاً أن الأحداث، وتغطيتها، لا تتوقف ويكون ذلك أحياناً على حساب الحياة الخاصة. فقد تم إرسال ميتليس إلى بودابست في المجر لتغطية أزمة شغب من مجموعة من المهاجرين في يوم عيد ميلادها الذي وعدت فيه عائلتها وأصدقاءها بالوجود معهم في المنزل.
ولا يخلو العمل التلفزيوني من متاعب أخرى، حيث عانت ميتليس من ترصدها المستمر من شخص متعلق بها بصورة مَرضية مما أدى به في النهاية إلى السجن. ولكن هذه الفترة من حياتها رسمت خطوطاً حزينة في ذاكرتها استمرت لسنوات طويلة.
من اللمسات الشخصية التي ذكرتها ميتليس في كتابها أنها تعتز بسوار ذهبي تم تصميمه من سوار قديم كانت ترتديه جدتها عندما هربت إلى بريطانيا من ألمانيا النازية. وهي لمسة شخصية نادرة لم تتكرر في الكتاب.
وهي تشرح حيرتها في بعض الأحيان عند محاورة أشخاص متطرفين، حيث تتساءل عما إذا كان مقبولاً التعبير عن الرأي بعيداً عن الحياد الإعلامي المطلوب لكي توضح للمشاهدين ما قد يخفى عليهم من الشخصيات المتطرفة. وعما إذا كان من المحبذ أصلاً إعطاء المتطرفين أكسجين الدعاية لآرائهم. وهي أسئلة مهمة ليست لها إجابات واضحة.
تبلغ إيميلي ميتليس من العمر 48 عاماً وهي من مواليد كندا لأبوين بريطانيين ودرست اللغة الإنجليزية في جامعة كامبردج ثم بدأت عملها الإعلامي مع محطة «إن بي سي آسيا»، ثم انضمت إلى «بي بي سي» في عام 2006، وهي متزوجة ولها ولدان وتعيش في لندن. وتعد ميتليس هي مقدمة البرامج الوحيدة في «بي بي سي» التي لم تلتحق بالمدارس الخاصة.
وتقول ميتليس إنها تعتبر الوقت الحاضر هو أسعد فترات حياتها. كما أنها لم تكن تحلم في طفولتها بالعمل الإعلامي وإنما بالعمل مصففة شعر أو راقصة باليه. وهي تعتبر العمل الصحافي مغامرة ولا تتردد في الإقبال على المخاطر من أجل تحقيق السبق الصحافي، الأمر الذي انتهى بها إلى السجن لعدة ساعات في العديد من البلدان، ومنها كامبوديا وكوبا. ولا تؤمن ميتليس بالقَدَر حيث تعتقد أن الإنسان يصنع مصيره بنفسه.
وتستعد ميتليس لاستضافة المرشحين لمنصب رئاسة الوزراء في بريطانيا لخلافة تيريزا ماي لحوار على الشاشة ضمن عملية انتخاب البديل. وتحاول «بي بي سي» أن تسبق عروضاً مماثلة لإجراء هذا الحوار من «سكاي نيوز» ومحطة «آي تي في». كما تقترح ميتليس أن تدير حواراً آخر بين آخر اثنين باقيين في السباق على المنصب. وسوف يبدأ السباق على المنصب الشاغر خلال النصف الثاني من شهر يونيو (حزيران) 2019.
وفي بحث أجرته صحيفة «صنداي تايمز» وجدت أن ميتليس تقاطع الشخصيات السياسية التي تجري معها الحوار مرة كل 28 ثانية مقارنةً بمتوسط 50 ثانية من المحاورين الآخرين من «بي بي سي». وتتبع ميتليس أسلوب المواجهة وتعتقد أن وظيفة الصحافي هي تحدي السياسي لا الموافقة على آرائه. ويقبل السياسيون بالمقاطعة لأن الظهور في برنامج الأخبار الذي تديره ميتليس يتمتع بالكثير من المصداقية.
وتعلق ميتليس على حواراتها السياسية بالقول إن المقاطعة تكون للإيضاح أحياناً ولا يمكن الحكم عليها بتوقيت معين. وأضافت أن من المهم أن يشمل الحوار السياسي عوامل التفاعل والحرفة والحيادية، ولذلك فإن أنظمة الروبوت لا تستطيع إجراء حوارات سياسية بعد.
وعن أصعب الأسئلة التي سألتها في حياتها تقول ميتليس إنه كان سؤال زوجها أن يتزوجها، فقد خالفت إيميلي العرف السائد وتقدمت لطلب يد خطيبها في أثناء رحلة سياحية إلى موريشيوس منذ 19 عاماً. وأضافت أن زوجها فكّر في الأمر لبعض الوقت قبل أن يوافق.



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».