الاشتراكيون الألمان في رحلة البحث عن هوية

بعد نكسة الانتخابات الأوروبية وقبل انتخابهم زعيماً جديداً

الاشتراكيون الألمان في رحلة البحث عن هوية
TT

الاشتراكيون الألمان في رحلة البحث عن هوية

الاشتراكيون الألمان في رحلة البحث عن هوية

كانت قد تبقت أيام معدودة على انطلاق الانتخابات الأوروبية، عندما بدأ سياسيون في الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا الكلام عن البيئة بوصفها النقاط الأساسية في برنامجهم الانتخابي.
تصريحات الزعماء الاشتراكيين المفاجأة أيقظتها مظاهرة كبيرة قادها شبان وشابات في برلين يطالبون برفع قضية المناخ إلى أعلى أجندة السياسيين، بينهم شاب عشريني أزرق الشعر. لهذا الشاب الذي يسمي نفسه «ريزو» محطة على «يوتيوب» ينشر عليها عادة أموراً فكاهية. ولكن قبل أسبوع من الانتخابات نشر شريطاً مدته ساعة تقريباً اتهم فيه الحزبين الحاكمين، الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي بـ«تحطيم مستقبل الشباب وتدمير البيئة» داعياً لحجب الأصوات عنهما.
شوهد هذا الشريط 13 مليون مرة. والسواد الأعظم من الساسة، على ما يبدو، رغم انشغالاتهم ومواعيدهم، شاهدوا «ريزو» بعد الموجة التي تسبب بها. ومن هم في مرحلة الشباب وجدوا مَن يتكلّم بلسانهم.
وهكذا، فجأة استيقظ الحزبان الحاكمان.
الاشتراكيون حاولوا في اللحظة الأخيرة تكلم «لغة الشباب»... ولكن الأوان كان قد فات. إذ خسروا 12 من مقاعدهم في الانتخابات الأوروبية مقارنة برصيدهم في عام 2014، وهكذا تراجعوا إلى المرتبة الثالثة من حيث عدد مقاعدهم في البرلمان الأوروبي. ومن ثم، تقدّمت زعيمتهم أندريا ناهلس باستقالتها نتيجة هذه الانتكاسة الموجعة، تاركة حزباً من دون رأس منشغلاً بالبحث عن هويته.

منذ دخول الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) العريق الحكومة الألمانية الائتلافية برئاسة المستشارة أنجيلا ميركل الأولى عام 2005، والتأييد الشعبي لهم يتضاءل سنة بعد سنة. ولكن الانحدار الأكبر والأسرع بدأ قبل سنتين عندما قرّر الحزب المشاركة في حكومة ثالثة تقودها ميركل، التي كانت حينذاك زعيمة الاتحاد المسيحي الديمقراطي، الحزب اليميني المحافظ الذي يختلف في كثير من أولوياته عن الحزب اليساري المعتدل.
لم يكن قرار المشاركة في حينه سهلاً. بل على العكس، بدأ الحزب بقيادة مارتن شولتز مصراً في بداية الأمر على الجلوس في مقاعد المعارضة بعدما تعرّض لأسوأ نتائج له في انتخابات عامة منذ عام 1933. ولكن بعد 4 أشهر على الانتخابات، وفشل ميركل في مفاوضاتها مع أحزاب أخرى لتشكيل حكومة، قبل الاشتراكيون تحت الضغوط المتزايدة عليهم بدخول ائتلاف حكومي يميني - يساري مرة ثالثة، رغم تخوفهم من النتائج. وبالتالي، غيّروا زعيمهم، وانتخبوا أول امرأة لرئاستهم هي آندريا ناهلس، وتقاسموا الوزارات مع المحافظين وبدأوا فترة حكم جديدة بأصابع مشبوكة.
مع هذا، ظلت شعبية الاشتراكيين تتراجع. إذ خسروا الانتخابات المحلية في ولاية بريمن التي حكموها بلا انقطاع خلال السنوات الـ73 الأخيرة. وفي أحدث استطلاعات للرأي العام، تبين أنهم لا يتمتعون بأكثر من على 12 في المائة فقط من أصوات الناخبين... وهو ما يضعهم في المرتبة الثالثة بين الأحزاب الألمانية، في المستوى نفسه مع حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف الذي لم يكن موجوداً أصلاً قبل 5 سنوات فقط. أما الصدارة فكانت لحزب «الخضر» البيئي اليساري، الذي تقدّم حتى على الديمقراطيين المسيحيين.
والآن بات هذا الحزب، الذي يُعد أقدم الأحزاب الاشتراكية في أوروبا، مهدّداً بالضمور إلى حد الاختفاء كما حصل مع الاشتراكيين في كل فرنسا وإيطاليا. فهل يختفي فعلاً حزب تأسس عام 1863 ونجا من حظره وانقسامه وسجنه وقتل أعضائه أيام النازيين؟ أم أنه ما زال قادراً على إنقاذ نفسه؟

- أهي بداية النهاية؟
أوسكار لافونتين، الوزير الاشتراكي السابق والزعيم السابق للحزب، الذي انشق عنه عام 2005 وأسّس لاحقاً حزب «دي لينكه» اليساري، يرى فعلاً أن الحزب العريق مهدد بالمصير نفسه الذي أصاب الاشتراكيين في فرنسا وإيطاليا. إذ قال في تصريحات صحافية: «هذا يمكن أن يحصل للحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا ما لم يغيّر سياساته. ذلك أنه منذ عام 1999 يخسر الحزب ناخبيه بسبب تمريره قوانين في ظل حكومة غيرهارد شرودر ويوشكا فيشر، بالتعاون مع الديمقراطيين المسيحيين والديمقراطيين الأحرار، جعلت نصف الشعب في وضع أسوأ مما كان عليه». وتابع لافونتين - الذي كان رئيس وزراء ولاية السار - «لم يتغير شيء حتى اليوم، لم يعِ أحد في قيادة الحزب ذلك بعد».
من جهته، يصف كريستيان كاستروب، المحلل السياسي في معهد برتلسمان شتيفتونغ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قرار الاشتراكيين المشاركة في الحكومة الأخيرة، بأنه «من أسوأ القرارات التي اتخذوها». ويتابع: «لقد تسبب لهم هذا القرار بأذى كبير، إذ ما كان عليهم المشاركة في الحكومة الأخيرة، بل كان عليهم أخذ استراحة من الحكم وتجديد أنفسهم».
جدير بالذكر أن الاشتراكيين كانوا تحت ضغوط شديدة مورست عليهم من كل جانب لدخول ائتلاف حكومي، حتى من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير - وهو ابن الحزب - الذي دعاهم للتصرف بحكمة ووطنية. والفكرة كانت أن مشاركة ميركل في الحكومة «تنفذ البلاد» من انتخابات جديدة كانت ربما لتعطي تقدماً أكبر لحزب «لبديل لألمانيا» المتطرف التي دخل «البوندستاغ» (مجلس النواب) للمرة الأولى بعد الانتخابات الأخيرة عام 2017، بيد أن كاستروب يقول إنهم عملياً لم ينقذوا البلاد، بل كان يمكن للديمقراطيين المسيحيين تغيير سياستهم والبحث عن شركاء آخرين في الحكم.
وحقاً، في نهاية المطاف، فإن أصواتا كثيرة كانت مؤيدة للاشتراكيين في الأساس ذهبت يميناً إلى «البديل لألمانيا»، وغيرها ذهبت يساراً لحزب «الخضر»، وأقل منها لحزب «دي لينكه» اليساري المتشدّد المنشق عن الاشتراكيين الذي أسس عام 2007.

- الأجندة و«الطبقة الوسطى»
ضياع الأصوات وتشرذمها يفسّره كريستيان كاستروب بـ«غياب أجندة (برنامج سياسي) واضحة للحزب وفشله في تطوير خطابه لمحاورة الطبقة الوسطى. ذلك أن الطبقة الفقيرة، التي كانت تُعد قاعدة الحزب الرئيسي منذ تأسيسه، تقلصت كثيراً وتحوّلت إلى طبقة وسطى مع تطور ألمانيا إلى دولة اقتصادية قوية. وهذا ما يفسر تأثر الاشتراكيين سلباً أكثر من الديمقراطيين المسيحيين الذين لم تتغير قاعدتهم المحافظة كثيرا. ويستطرد المحلل السياسي كاستروب: «الاشتراكيون من المدرسة القديمة ويُعتبرون حزب الطبقة العاملة إلا أن هذه الطبقة تموت بفعل تطور التكنولوجيا والتعليم». ومن ثم، فإن ما تبقى من عمّاليين - حسب كاستروب - باتوا يتجهون إلى أحزاب تحمل أجندات أوضح وأكثر مباشرة وصراحة مثل «الخضر» و«دي لينكه» و«البديل لألمانيا».
محمد ثور، شاب عضو في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، يثير مسألة أخرى بقوله إن الحزب «فقد التواصل مع الشباب». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً «القيادة السياسية للحزب تعاني من الشيخوخة. الوجوه هي نفسها منذ نحو 20 سنة... يحتاج الحزب إلى تغيير راديكالي يكون معه وفياً لكونه حزباً يسارياً، إلا أنه في الوقت نفسه يُشعر العضو والناخب بأنه ما زال هو نفسه ولكنه يهتم بمواضيع الشباب». وهنا، يتطرق ثور إلى فيديو «ريزو»، فيقول إنه فعلاً يتحدث بلغة الشباب، ويستطرد «التفكير السائد الآن هو أن الذين يقودون الحزب مجموعة من الكهول الذين لن يعيشوا معنا لرؤية نتائج سياساتهم، ومع ذلك فهم الذين يرسمون هذه السياسات اليوم».

- فكرة الجنوح يساراً
في الواقع حاول الحزب في الآونة الأخيرة تغيير مساره نوعاً ما، متجها نحو اليسار، لكنه وجد صعوبة في ذلك بسبب وجوده داخل حكومة يقوده حزب محافظ، وبالنتيجة لم تفلج جهوده. ولكن حول هذا الجانب، يرى كاستروب أن الحزب أخطأ بالظن أن الجنوح إلى اليسار سيعيد له الأصوات المفقودة، معرباً عن اعتقاده بأن الحزب «لم ينجح بتطوير قاعدة قوية في الوسط، وهذا يعني أن عليه التطور للتحول إلى حزب ليبرالي لأن هذا ما ينقص ألمانيا... يمكنه أن يربط النمو والعولمة بالقضايا المناخية والاقتصاد».
ومع أن حزب «الخضر» اليساري الليبرالي متقدم الآن على الاشتراكيين، يعتقد كاستروب أن هذا الأمر آني لأن «حزب الخضر أخضر جداً، أي أن مشاكله ستبدأ عندما سيُطلب منه وضع برنامج اقتصادي يتماشى مع سياسته الخضراء. إنهم الآن يركبون موجة شعبية، ولكن عندما يكتشف ناخبوهم أن أجندتهم الخضراء ستكلف الشعب وظائف وسترتفع أسعار الكهرباء وغيرها، ستبدأ مشاكلهم».

- الشعبوية... و«التجربة الدنماركية»
على صعيد آخر، حقق الاشتراكيون في الدنمارك «جارة» ألمانيا الشمالية، قبل أيام نجاحاً كبيراً عندما فازوا في الانتخابات العامة الدنماركية حاصدين نسبة 52 في المائة، وملحقين هزيمة موجعة باليمين المتطرف. فهل يتمكن اشتراكيو ألمانيا من الاقتداء بهم؟
في رأي محمد ثور، الإجابة سهلة: «أبداً... فالحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في الدنمارك فاز معتمداً أجندة يمينية متطرفة». والحقيقة، أن تبني الاشتراكيين الدنماركيين نهجاً متشدداً ضد اللجوء والهجرة أكسبهم على ما يبدو كثيرا من الأصوات. ولذا فإن ثور ليس سعيداً بذلك، بل يقول إن كثيرين من أعضاء الحزب الاشتراكي في الدنمارك، من الذين هم على تواصل معه يشاركونه رأيه، مضيفا: «معظم أصدقائي في الحزب الاشتراكي بالدنمارك غير سعداء لأن البرنامج الذي تبنّاه يميني وليس يسارياً. لذلك لم يعد فيه من الاشتراكية إلا الاسم فقط».
وفعلاً، وصفت الكاتبة سونيا غيلبرت في مقال نشرته بصحيفة «دي فيلت» الألمانية الطريق الذي اختاره الاشتراكيون في الدنمارك بأنه «خطير». إذ قالت: «النجاح الذي حققه الاشتراكيون في الدنمارك يمكن فقط أن يحلم به الاشتراكيون في ألمانيا. غير أن هذا النجاح أساسه التقارب مع اليمين... وهذا طريق خطر». وأضافت مشيرة إلى زعيمة الحزب ميتي فريدريكسون: «لقد وعدت بهجرة أقل من دول ليست غربية. وعوضاً عن الاندماج، تعهدت بالمزيد من الترحيل، ولم تجادل ضد قانون لإرسال طالبي لجوء ارتكبوا جرائم إلى جزيرة كانت تحوي في الماضي حيوانات مريضة لقتلها». وأضافت الكاتبة: «تركيبتهم هي أنه إذا أرادت الدنمارك الحفاظ على ما حققته في السابق من إنجازات اجتماعية، لا يمكن للدنماركيين مشاركتها مع الجميع. وهذا ما يهم الدنماركي الذي يدفع كثيرا مقابل الخدمات الاجتماعية».
غيلبرت كتبت أيضاً أن الاشتراكيين وعدوا بتحسين الخدمات الاجتماعية، من صحة وتعليم وغيرها، لكنهم «ساروا في طريق خطر لتحقيق النجاح. زعيمة الحزب اقتبست سياسة الهجرة من حزب الشعب اليميني المتطرف، وهذا يكشف مدى قوة ونجاح الأحزاب اليمينية الشعبوية، ومدى يأس الاشتراكيين الديمقراطيين من منافستهم على أصوات الطبقة الوسطى».

- الطبقة الوسطى... مفتاح؟
مع هذا، يبدو أن سياسة أكثر تشدداً تجاه الهجرة هي ما يكون الاشتراكيون الألمان بحاجة إليه كذلك، لوقف هجرة الأصوات نحو «البديل لألمانيا». المفتاح، حسب رأي كاستروب، الطبقة الوسطى، فإذا ما نجحوا باستعادة هذه الطبقة فقد يتمكنون من تفادي الانقسام والذوبان. ويضيف: «لا أعتقد أن الحزب سينهار، فهو ما زال يشكل تقليداً، ويمكن لأعضائه إعادة تجميع أنفسهم إذا ما نجحوا بتحديد أسلوب متطور للتواصل مع الناخبين والطبقة الوسطى. إنهم الآن يركّزون على اليسار وهذا خاطئ. الناس غير مهتمين بالمواضيع التي يطرحونها». ثم يستطرد: «ما يتوجب عليهم فعله، هو مغادرة الحكومة من دون تأخير، حتى وإن كان هذا يعني انتخابات مبكرة ونتائج سيئة... يمكنهم أن ينتظروا فرضة للانسحاب من الحكومة، ربما بعد انتخابات ولاية براندنبرغ في الخريف المقبل، إذا أظهرت نتائج سيئة جداً لهم». ثم يقول: «الحزب بحاجة ماسة إلى تغييرات، وهو لن يستطيع إنجازها ما دام في الحكم».

- بانتظار الزعيم الجديد
كل هذا، طبعاً، قد يعتمد على الزعيم الجديد للحزب الذي من المتوقع انتخابه قريباً، بعد استقالة ناهلس، التي لم تستمر في منصبها أكثر من سنة وبضعة أسابيع. ففي نهاية الشهر الحالي سيجتمع الحزب الديمقراطي الاجتماعي ليحدد يوم انتخاب زعيمه الجديد. إلا أن المشكلة التي تواجه الاشتراكيين غياب وجه قيادي «كاريزماتي» يمكنه أن يجتذب الشباب ويطوّر الحزب.
كاستروب يلفت هنا إلى أن هذه المشكلة ليست حكراً على الاشتراكيين، إذ إن الأحزاب الأخرى لا تملك كذلك وجهاً «كاريزماتياً»، ربما باستثناء حزب «الخضر» الذي يقوده روبرت هابيك، الشاب الوسيم والمتحدث اللبق. «فأنجيلا ميركل لا تتمتع بكاريزماتية بل حكمت طوال الفترة بأساليب أخرى، وأنيغريت كرامب كارنباور التي خلفتها في زعامة الحزب أيضاً لا تملك شخصية مميزة». ومن ثم بين المرشحين البارزين وزير الخارجية الألماني الحالي هايكو ماس الذي ينتمي للحزب.
ولكن، في حال، وكائناً من كان الزعيم الجديد، فإن الاشتراكيين في ألمانيا مقدمون على شتاء بارد وقرارات صعبة وتغييرات لا بد منها.
ولكن هذه التغييرات «لا يجوز أن تكون بأي ثمن» بالنسبة لمحمد ثور... «وحتماً ليس بثمن الجنوح نحو اليمين المتطرف كما حصل مع الاشتراكيين في الدنمارك».


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.