النظام السوري يضيّق الخناق على «إعلامه المدلل»

وجوه تعلن اعتزالها بعد تزايد الضغوطات والاعتقالات

وسام الطير مع الجنود أثناء تغطيته المعارك
وسام الطير مع الجنود أثناء تغطيته المعارك
TT

النظام السوري يضيّق الخناق على «إعلامه المدلل»

وسام الطير مع الجنود أثناء تغطيته المعارك
وسام الطير مع الجنود أثناء تغطيته المعارك

«كنا ننتظر أن نحظى بكثير من الدلال بعد الحرب، لكن ما حصل كان العكس، فقد زاد التضييق علينا، وأهملت مشكلاتنا» قالت صحافية سورية لـ«الشرق الأوسط» تعليقاً على إعلان صحافيين سوريين يعملون في وسائل إعلام خاصة موالية للنظام اعتزالهم مؤخراً؛ الصحافية التي أمضت نحو عشرين عاماً في العمل بواحدة من مؤسسات الإعلام الرسمي السوري بدت محبطة تماماً من اشتداد تضييق الهوامش في الإعلام الرسمي إلى «حد الخرس»، حسب تعبيرها. وأضافت موضحة: «بعد أزمتي الغاز والبنزين، كان هناك تعليمات بمنع أي نقد سلبي للحكومة، علماً بأن انتقاد الحكومة والإدارات المحلية كان المجال الوحيد المتبقي لنا كإعلاميين لممارسة المهنة، وتغطية حجم العمل المطلوب شهرياً، ومعدله أربع مواد شهرياً، ولا يمكن لأحد تصور حجم المشقة في البحث عن موضوعات آمنة للنشر، إذ لم يتبق لنا سوى الأخبار والبيانات الرسمية التي تنشر دون تدخل يذكر». وما يؤسف له، بحسب الصحافية، أن يعزا ذلك إلى «ضعف الإعلامي»!!
كان الصحافي علي حسون رئيس تحرير جريدة «الأيام» غير الرسمية، وياسر العمر المراسل الحربي المعتمد لدى الإعلام الحربي للنظام، قد أعلنا الأسبوع الماضي اعتزالهما «العمل الإعلامي»، تضامناً مع زميلهما المراسل الحربي رئيف سلامة الذي اعتقل قرابة الشهر: 23 يوماً في الأمن الجنائي، و7 أيام في سجن عدرا.
ويعمل الصحافي رئيف سلامة مراسلاً لعدة جهات، منها قناة «العالم - سوريا» والإعلام الحربي، والقيادة القطرية، وفرع الحزب في حمص، وقد كشف في منشور له فور إطلاق سراحه أن التهمة التي وجهت إليه هي «الاشتباه بامتلاك صفحة (فيسبوك) نشرت منشوراً مسيئاً لوزير الصحة»، مشيراً إلى أنه لم يكن هناك أي دليل أو إثبات على هذا الاتهام»، مستغرباً أنه «رغم عدم وجود دليل إثبات، مكث شهراً في السجن.. ماذا لو كان هناك دليل؟».
وفي رد فعل على ذلك، أعلن الصحافي علي حسون اعتزاله العمل الصحافي، وكتب: «أنا شخصياً بتُّ مقتنعاً بأن العمل في هذه المهنة المسماة إعلام أصبح ضرباً من الجنون. وبناء عليه، اتخذت وأنا بكامل جبني وخوفي قراراً حاسماً بهجر مهنتي التي أحب إلى أجلٍ غير مسمى، وأبحث حالياً عن عمل يطعمني خبزاً من دون أي مخاطرة... لأنو أساساً ما في شي بيستاهل المخاطرة، واستروا ما شفتوا منا»، ملمحاً إلى خشيته من أن ينال ما ناله رئيف سلامة، فهو «مراسل حربي منذ ٧ سنوات، وتقديراً لجهوده أكرموه بأن اتهموه بوهن نفسية وزير الصحة، والمساس بهيبة الدولة»، لافتاً إلى إنه قبل رئيف «كثر تعرضوا لنفس الموقف، وهنالك المزيد ممن ينتظر».
المراسل الحربي ياسر العمر أيضاً أعلن اعتزاله العمل «الإعلامي» بشكل نهائي، مكتفياً بنشر ما يصدر من البيانات الرسمية. وتحدث مطولاً عن الضغوط التي يتعرض لها العاملون في الإعلام السوري، وكشف عن تعرضه للاعتقال والسجن 3 مرات في الأفرع الأمنية والجنائية بحمص ودمشق، وتبليغه لحضور أربع محاكم في حقه بتهم النيل من هيبة الدولة، وشق الصف، والنيل من الحرية الشخصية، ووصولاً للاشتباه الأمني (أي العمالة).
ويشار إلى أنه منذ بدء النظام حربه على معارضيه عام 2011، جند عشرات الشباب في الإعلام الإلكتروني، وأخضعهم لدورات تدريبية مكنتهم من إغراق السوشيال ميديا بمئات الصفحات الإعلامية، ذات الصبغة الإخبارية التي تغطي المناطق السورية كافة، كان الهدف منها تعويم الإعلام المعارض، ونسف مصداقيته. إعلامي سوري مستقل قال لـ«الشرق الأوسط» إن تلك المواقع الإلكترونية والصفحات الإخبارية التي رعى النظام ظهورها خلال السنوات الماضية، «تزايدت بسرعة، حتى باتت اليوم تشكل تحدياً أمام النظام. فبعد انتهاء مهمتها، فهناك صفحات باتت أشبه مؤسسات إعلامية، من حيث عدد المحررين والمراسلين وحجم التمويل والإعلانات، والأهم أعداد المتابعين الذين يعدون بمئات الآلاف والملايين، بعض تلك الصفحات كسبت «ثقة الشارع» لمصداقية معلوماتها وسرعة نقلها، لا سيما أيام اشتداد المعارك وانهمار القذائف على دمشق، أبرزها صفحة «يوميات قذيفة هاون» وصفحة «دمشق الآن»، فقد حظيت تلك الصفحات بدعم «سياسي ولوجيستي من الرئاسة والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، إضافة إلى دعم مالي من رجال المال الداعمين للنظام»، بحسب ما قاله الصحافي السوري الذي أكد تفوق تلك الصفحات على الإعلام الرسمي الذي صارت «مهمته تأكيد أو نفي معلومات تلك الصفحات في منافسة غير متكافئة، بين إعلام غير رسمي مدلل وإعلام رسمي متهالك ومقيد بسلسلة ممنوعات لا تنتهي».
ويرى الصحافي السوري أن السياسة الإعلامية التي انتهجها النظام خلال الحرب فرضت «واقعاً جديداً» أدى إلى «ظهور جيش من الإعلاميين والمراسلين الحربيين الشباب، بينهم نجوم لمعوا في ميادين المعارك والمصالحات، وراحوا يشكلون قوة إعلامية تحظى بشعبية واسعة في أوساط الموالاة، عززت الشعور بأنهم سلطة رابعة وجدت نفسها بعد انحسار المعارك مسؤولة عن مراقبة الأداء الحكومي، وملاحقة الفساد بزعم حماية انتصار النظام الذي يعتبرون أنفسهم شركاء به». ويتابع الصحافي السوري توصيفه للواقع الإعلامي الجديد في سوريا: «النظام الذي وجد نفسه أمام استحقاق الحصار الاقتصادي لا يتحمل وجود سلطة رابعة تهيج الشارع من حين لآخر»، وحان الوقت لتحجيم «الإعلام المدلل»، فتم إصدار قانون خاص بـ«الجرائم المعلوماتية». وتحت مظلته، جرى وضع عشرات الصفحات الموالية تحت رقابة الجيش الإلكتروني، ومساءلة واعتقال عشرات الناشطين في الإعلام الإلكتروني الموالي للنظام، أبرزهم مراسلي إذاعة «النور»، التابعة لـ«حزب الله» اللبناني في حلب: عمار العزو وعامر دارو، بتهمة التواصل مع صفحة على مواقع التواصل تهتم بنشر قضايا المسؤولين. والمسؤول عن صفحة «دمشق الآن»، وسام الطير، الذي غاب قسرياً قبل 6 أشهر، وما يزال مصيره مجهولاً، علماً بأن وسام الطير أنشأ صفحة وموقع «دمشق الآن» خلال خدمته العسكرية في الحرس الجمهوري. ونالت صفحته اهتماماً غير مسبوق على المستوى المحلي، استحق عليه تكريماً من عقيلة رئيس النظام: أسماء الأسد. الأمر الذي خلف دهشة كبيرة حين تمت مداهمة مكتب الموقع، وسط دمشق، واعتقال مديره، والتكتم على مصيره، رغم مناشدات عائلته.
المؤشر العالمي لحرية الصحافة للعام الحالي صنف سوريا في المرتبة 174 من أصل 180 دولة حول العالم، وفقاً لتقييم منظمة «مراسلون بلا حدود» التي قالت، في تقريرها السنوي، إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال المنطقة الأصعب والأخطر على سلامة الصحافيين. فيما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 543 تحت التعذيب أو في عمليات القصف العشوائي التي نفذتها قوات النظام منذ مارس (آذار) 2011 حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. إضافة لتسجيلها 346 حالة خطف واعتقال على يد قوات النظام، مؤكدة مسؤولية النظام عن 90 في المائة من مجمل من الانتهاكات التي تعرض لها الصحافيون السوريون.


مقالات ذات صلة

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

إعلام اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (وزارة الدولة للإعلام)

«مؤثرون» أم «منتشرون»؟ جدل حول تعريف صُنّاع المحتوى في مصر

ما زال الجدل مستمراً في مصر حول لقاء وزير الدولة للإعلام بعدد من صانعي المحتوى، وسط انتقادات للقاء وتساؤلات عن المعايير التي اختير على أساسها المشاركون.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

استعان برنامج «صار الوقت»، على شاشة «إم تي في»، بالذكاء الاصطناعي لتطوير التحضير للحلقات ومقارنة تصريحات الضيوف بمواقفهم السابقة.

فيفيان حداد (بيروت)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

مخاوف حيال تعديل شروط استخدام الحسابات على «فيسبوك» و«إنستغرام»

أجرت شركة «ميتا» تعديلاً على شروط الاستخدام قد يمنحها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتوى المواقع الإخبارية ونسخه وإعادة استخدامه

إيمان مبروك (القاهرة)

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».