إفلاس مطاعم جيمي أوليفر فاجأ الزبائن وليس النقاد

التألق في المطبخ لا يعني النجاح التجاري

إفلاس مطاعم جيمي أوليفر فاجأ الزبائن وليس النقاد
TT

إفلاس مطاعم جيمي أوليفر فاجأ الزبائن وليس النقاد

إفلاس مطاعم جيمي أوليفر فاجأ الزبائن وليس النقاد

جاء الإعلان في شهر مايو (أيار) الماضي عن إفلاس 22 مطعماً في بريطانيا تحمل اسم الشيف الشهير جيمي أوليفر، ويتخصص معظمها في الوجبات الإيطالية والباربيكيو، كمفاجأة مدوية لزبائن هذه المطاعم، خصوصاً أن وراءها شيف بارع اشتهر تلفزيونياً منذ تسعينات القرن الماضي، وكانت له أكثر من مبادرة لنشر الوجبات الصحية بين الشباب وتلاميذ المدارس. ونتج عن هذه الصدمة فقدان ألف عامل في هذه المطاعم لوظائفهم.
ولكن هذا السقوط المدوي لم يكن مفاجأة للنقاد والإعلام، حيث كان السر المباح للكثيرين هو أن مطاعم جيمي أوليفر تعاني من المتاعب المالية منذ فترة طويلة، كما أنها عانت من المنافسة المتزايدة، وتلقت الكثير من التعليقات السلبية من زبائنها. ولكن ربما كان السبب الأهم هو أن أوليفر الذي أدرك قمة النجاح في المطبخ لم يتقن أبداً فن الإدارة. وبلغت قيمة ديون مطاعم أوليفر عند إعلان إفلاسها نحو 71.5 مليون إسترليني (93 مليون دولار).
وعلى الرغم من الفشل الإداري، فإن جيمي أوليفر ما زال متعدد المواهب، فهو يتميز تلفزيونياً بأنه هادئ الأعصاب، وليس مثل غيره من سليطي اللسان فاقدي الأعصاب. وقد اختلط أوليفر في ذروة نجاحه بنجوم هوليوود والمشاهير في بريطانيا، يعلمهم فن الطبخ البسيط، ويتبادل معهم الحديث الضاحك، وهو أيضاً مؤلف ناجح لكتب الطبخ البريطانية التي كانت تسيطر عليها النساء من أمثال ديليا سميث. كما صرح مرات بأنه عازف للطبلة في فرقة موسيقية.
وكان من الطبيعي بعد هذا النجاح أن يفتتح أوليفر في عام 2008 أول مطاعمه الذي اختار له مدينة أكسفورد. وتبع ذلك توسع سريع، وربما غير محسوب، بلغ معه 43 مطعماً في عام 2016. وهنا، بدأت متاعب أوليفر تظهر جلياً، خصوصاً في جانب السيولة المالية. واحتاج أوليفر قبل 3 سنوات لقرار سريع لإنقاذ مطاعمه، وقرر ضخ 13 مليون إسترليني (17 مليون دولار).
ولكنه اضطر بعدها لتصفيه أعماله في 12 مطعماً، وتسريح أكثر من 600 عامل. وتهاوت الصورة الإيجابية لجيمي أوليفر ومطاعمه، وانهارت معها الروح المعنوية لعمال المطاعم. وتوالت التعليقات السلبية من الزبائن التي تراوحت في أفضل صورها بين أن الوجبات التي تقدمها مطاعم أوليفر أقل من العادية، ولا تستحق الثمن الباهظ الذي يدفع فيها. أما أسوؤها فقد أطلق العنان للأوصاف السلبية في تجربة تناول الطعام في مطاعم الشيف الشهير.
ما لم يقدره أوليفر في السنوات الأخيرة هو أن هيكلية السوق اختلفت ودخلت المنافسة كثير من المطاعم المجددة بوجبات جديدة وأسعار أرخص، منها أسماء مثل كارلوشيو وغاوتشو وبايرون وغورميه برغر وبريتزو ولا تاسكا. ولكن حتى هذه المطاعم واجهت متاعب مالية، واضطر بعضها لإغلاق فروع. وبسبب الحالة الاقتصادية غير المستقرة في بريطانيا هذه الأيام مع ترددات الخروج من الاتحاد الأوروبي، زادت حالات إفلاس المطاعم في بريطانيا بنسبة 35 في المائة إلى 1100 مطعم في العام الماضي.
وعانت المطاعم في بريطانيا بشكل عام من ارتفاع الإيجارات التجارية عليها، خصوصاً في المواقع الجيدة، مع ضرائب متصاعدة. وكانت متاعب مطاعم جيمي أوليفر أكثر حدة من غيرها بسبب التوسع العشوائي السريع، مع فقدان روح الإتقان التي تميز بها أوليفر في بداية حياته العملية قبل التوسع غير المحسوب.
ويقول المقربون من أوليفر إنه تلقى نصائح خاطئة من المستشارين الذي أحاط نفسه بهم، ونصحوه بالاقتراض والتوسع بوتيرة سريعة. وتقول خبيرة أسواق الاستهلاك جولي بالمر إن المطاعم عانت أيضاً في الفترة الأخيرة من توسع شركات توصيل الطلبات إلى المنازل، من ديلفرو وأوبر وغيرهما. وسحبت هذه الخدمات نسبة كبيرة من زبائن المطاعم، في الوقت الذي تصاعدت فيه الأجور والإيجارات والضرائب، مع تناقص العوائد. وفي ظل هذه الصعوبات، اتخذ أوليفر القرار بعدم تكرار ضخ المزيد من الملايين لإنقاذ المطاعم، وترك الأمور تجري في مسار إعلان إفلاسها.
أسباب السقوط
إلى جانب الأسباب العامة لمتاعب المطاعم البريطانية في حقبة توصيل الطلبات إلى المنازل، وارتفاع الإيجارات على المنافذ التجارية، التي أدت إلى إفلاس كثير من المتاجر الأخرى لصالح التسوق على الإنترنت، وتمحيص زبائن المطاعم لوجباتهم في المطاعم، وتعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، كان التوسع السريع في مناخ سلبي هو نقطة الضعف في خطة أوليفر التجارية.
ولكنه أيضاً على مر السنين ارتكب كثيراً من الأخطاء التي صدمت مشاهديه في فترة تألقه التلفزيوني. وبدأت متاعب أوليفر في عام 2005، عندما قام بذبح شاة صغيرة على الشاشة، وأثار هذا العمل غضب عائلات وأطفالها قررت بعده مقاطعته. وبعد ذلك بخمس سنوات، شدد أوليفر على أنه لا يستخدم سوى المنتجات المحلية في وجباته ومطاعمه حتى يشجع المزارع المحلية. وسرعان ما انكشفت بعد ذلك كثير من الحالات التي كانت محتويات الوجبات مستوردة من مواقع كثيرة من داخل بريطانيا ومن خارجها.
وواجه أوليفر أيضاً كثيراً من الشكاوى الخاصة بالنظافة العامة في أثناء تحضير الوجبات. وكانت أشهر هذه الحالات في عام 2014، عندما اكتشف مفتشون من الصحة بقايا فئران ولحوم متعفنة وأطعمه منتهية الصلاحية في مطعم باربيكيو في لندن. وكانت هذه الأحداث كافية لأن تبعد زبائن أوليفر عن مطاعمه، ولكن ربما كان فشله الإداري هو الأخطر على مستقبله.
وفي عام 2015، اضطر أوليفر إلى إغلاق سلسلة مطاعم «يونيون جاك» التي حاول من خلالها تشجيع المطبخ البريطاني، بإعادة اختراع البيتزا الإيطالية. ثم عاود أوليفر الكرة بافتتاح مطاعم أخرى على الطراز الإيطالي. وجاء التوسع في التوقيت الخطأ اقتصادياً. وفي العام الماضي، اضطرت المجموعة إلى إغلاق 6 مطاعم إضافية، وقالت إن مخاوف «بريكست» كانت السبب في اتخاذ هذا القرار. ثم كانت اللطمة الأخيرة التي تحولت بسببها النظرة إلى أوليفر من شيف ناجح يسعى لنشر الطعام الصحي إلى رجل أعمال فاشل يسعى إلى الربح السريع بأي ثمن.
وبدلاً من مشاركة جمهوره في كيفية تحضير الوجبات البسيطة الصحية التي تمنع السمنة بين الأطفال، وترفع درجة الوعي لدى الوالدين، ساهمت زوجته في تعزيز الفكرة الخطأ عن الشيف الماهر المتواضع، بنشر صور لمنزلها السوبر فاخر في لندن، الذي تبلغ قيمته 9 ملايين إسترليني، على وسائط التواصل الاجتماعي، مما عزز الهوة بين أوليفر ومتابعيه وزبائن مطاعمه.
ويقول أصدقاء أوليفر من النقاد إن سقوطه كان بسبب تفوقه الذي جذب آخرين لمنافسته ومزاحمته في السوق. ففي عام 2016، وفي ذروة نجاح أوليفر وإدارته لنحو 43 مطعماً في بريطانيا، بدأت المبيعات في التراجع، ولكن مدير الشركة حينذاك سايمون بلاغدين استمر في التوسع. وفي غضون سنتين بين 2015 و2016، تحولت النتائج المالية من 2.4 مليون إسترليني من الأرباح إلى 9.9 مليون إسترليني من الخسائر.
وأكد العاملون في مطاعم جيمي أوليفر أنهم كانوا مستبعدين تماماً عن معرفة متاعب المطاعم التي يعملون فيها، ولكنهم لاحظوا أن الاستثمار في الصيانة والنوعية بدأ يتدهور. وحتى مدفوعات الحوافز للعاملين التي كان مقرراً لها الصرف تأخرت لمدة 3 أشهر.
وفي بداية العام الجاري، حاول أوليفر العثور على شركاء في الاستثمار لإنقاذ مطاعمه من الإغلاق، ولكن دراسات الجدوى من شركات المحاسبة كشفت أن المخاطر أعلى من المكاسب المحتملة، ولم يتقدم أي مستثمر للمشاركة.
وتقول عاملة سابقة في أحد مطاعم أوليفر في مدينة باث البريطانية أن البداية كانت ناجحة للغاية، لدرجة أن الزبائن كانوا يصطفون حول المبنى انتظاراً لدورهم في تناول وجبة متميزة بأسعار رخيصة. ولكنها الآن تفضل عدم الذهاب إلى مطاعم أوليفر لأن البدائل أفضل وأرخص.
أما كيت نيكولز، رئيسة جمعية الضيافة البريطانية، التي تضطلع بمصالح المرافق السياحية، فتقول إن جيمي أوليفر كان ضحية «كوكتيل سام» من ارتفاع التكاليف واختفاء إقبال الزبائن على المنافذ التجارية بأنواعها والسمعة السيئة بعد إفلاس بعض مطاعمه. وتشير مصادر أخرى إلى أن أوليفر وزع جهوده على كثير من المجالات، ولم يركز انتباهه في مجال محدد. فهو إلى جانب الكتب والتلفزيون ومجموعة مطاعم دولية، لديه أيضاً تعاقدات من شركات يورد إليها أطعمة، مثل محطات وقود شل التي يورد إليها سندويتشات يومياً.
ويعتقد البعض أنه كان على أوليفر أن يقصر نشاطه على ما يجيده، مثل الظهور التلفزيوني وتأليف كتب الطبخ، ولكن إدارة المطاعم تختلف عن هذه المواهب، وتحتاج إلى رجل أعمال حريص، وليس إلى شيف ماهر.
وتعكس هذه الحقيقة تعليقات الزبائن على مواقع إلكترونية مثل «تريب أدفايزر» التي منحت أول مطعم لأوليفر 3.5 درجة من 5 درجات. ولكن التعليقات الأخيرة على مطاعم أوليفر تشير إلى أن الوجبات «غير متميزة» والأسعار باهظة. ويعلق البعض أن مطاعم أخرى تقدم خيارات أفضل بالأسعار نفسها.
ويعلق عامل سابق آخر في أحد مطاعم أوليفر بأن مواقع افتتاح الفروع الجديدة لم تكن ملائمة، مثل القرى والمدن الصغيرة. كما أن المطاعم تحولت إلى المسار التجاري البحت، بدلاً من العناية بالنوعية، حيث كان العمال تحت ضغوط لخدمة الزبائن بسرعة حتى يغادروا ويفسحوا المقاعد لغيرهم. ويضيف أن ثمن الوجبة في المتوسط لم يكن يقل عن مائة جنيه إسترليني، ومع ذلك كانت دورة تناول الوجبة تتم بسرعة مماثلة لمطاعم ماكدونالدز.
ولا شك أن المطابخ المتميزة تحتاج إلى شيف ماهر، ولكن إدارة المطاعم والشركات تحتاج بالتأكيد إلى مواهب أخرى.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

«وي مدام»... جوهرة فرنسية مخفية في شمال لندن

أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)
أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)
TT

«وي مدام»... جوهرة فرنسية مخفية في شمال لندن

أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)
أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)

غالباً ما يكون التركيز على المطاعم المنتشرة في مناطق في وسط لندن، مثل مايفير وفيتزروفيا ونايتسبريدج وكينزينغتون... وللأسف أحياناً تغيب عن بال الذوَّاقة مناطق أخرى ليست ببعيدة عن وسط البلد مثل منطقة «إزلينغتون» الواقعة إلى شمال لندن، التي تنتشر فيها المطاعم والمقاهي العصرية والنابضة بالحياة.

وهذه المرة زيارتنا كانت استكشافية لأننا تعرفنا إلى جوهرة فرنسية مخفية، تقع عند شارع «سانت بولز»، نقول «مخفية» لأن اللافتة الخارجية كتب عليها اسم «Sawyer & Grey» ولكن فعليا فاسم المطعم هو «وي مدام» Oui Madame والسبب هو أن هذا الأخير يتخذ من مقهى «سوير إند غراي» مقراً له على الطريقة المعروفة بالـ«بوب أب» أو المطاعم التي تفتح أبوابها في أماكن محددة ولأوقات محدودة.

تشكيلة من أطباق "وي مدام" (الشرق الاوسط)

أول ما يشدك إلى المطعم عند دخولك إليه، ابتسامة العاملين فيه، فكان كونور المسؤول عن خدمة طاولتنا، فكان بشوشاً ولطيفاً جداً، يعرف الأطباق جيداً ويدرك كيف يعطي رأيه دون فرضه على الزبون، وهذه صفة لا تجدها في الكثير من العاملين في المطاعم في أيامنا هذه.

يتألف Oui Madame من طابقين، الطابق العلوي تتوزع طاولاته بطريقة تمنح الزبائن نوعاً من الخصوصية لأنها منفصلة عن بعضها البعض بواسطة حواجز خشبية، وتتدلى فوقها إنارة مغلفة بحاويات من القش، أرضية خشبية وسلم قديم يأخذك إلى الطابق السفلي الذي تتوزع فيه الطاولات بطريقة غير مألوفة أيضاً، وهنا تكمن المفاجأة، لأنك ستشعر وكأنك في كهف، خاصة وأن التحف والمقتنيات قديمة جداً وتتناسب مع نمط المكان، يطالعك مطبخ مفتوح صغير جداً، يمكن القول إنه قد يكون من أصغر المطابخ إن لم يكن الأصغر على الإطلاق، وعندما تتذوق الأطباق التي يقوم بتنفيذها الشيف الكندي جايكوب باكلي سوف تفاجأ لسببين، الأول: كيف يستطيع الشيف تحضير مثل نوعية هذه الأطباق في مطبخ بهذا الحجم، والسؤال الثاني: كيف يمكن تفضيل طبق على آخر؟

"وي مدام" عنوان الباحثين عن الاكل الجيد والخصوصية (الشرق الاوسط)

طرحنا هذا السؤال على الشيف جايكوب باكلي، الذي اختصر أطباقه بكلمة «شغف»، مشيراً إلى حبه لمهنته الذي يترجمه في أطباق يتفنن فيها، وأضاف بأنه يتطلع اليوم لابتكار أطباق جديدة يضيفها للائحته التي تنقسم إلى فئة الـ«سناك» والأطباق الصغيرة والأطباق الرئيسية والأطباق الجانبية. ويعتمد الشيف باكلي أسلوباً جميلاً في مزج المطبخ الفرنسي - المتوسطي مع إضافة بعض النكهات الآسيوية مثل الكيمشي مما يخلق رونقاً مميزاً للنكهات الفريدة بطريقة متناغمة جداً تضيف أفقاً جديداً للمذاق من دون تشويه هوية الطبق ونكهته.

جلسات بسيطة وخصوصية تامة (الشرق الاوسط)

بدأنا بطبق السناك الأولي «سايفوري شو» وهو عبارة عن حبات صغيرة من العجين المحشو بجبن كونتي الفرنسي، وبعدها جربنا «Galbi Lettuce Taco»، وهو عبارة عن قطعتين من الخس تزينه صلصة الكيمشي، ومن الأطباق الصغيرة اخترنا Grilled Scallops سلطعون بحري مشوي، ومن الأطباق الرئيسة اخترنا الطبق الأشهر والذي أوصانا الشيف باكلي بتجربته وهو Rack of Lamb لحم الضأن المشوي، ومذاقه بالفعل رائع، لأنه طري وفيه عصارة لذيذة جداً تجعله يذوب في الفم، وطلبنا أيضاً طبقاً نباتياً Grilled Aubergine باذنجان مشوي يقدم على طبقة من الحمص المهروس.

تارتار اللحم في "وي مدام" (الشرق الاوسط)

ولمحبي المأكولات البحرية أنصحهم بتناول Seafood Orzotto وهو أرز إيطالي مع ثمار البحر مثل بلح البحر والأخطبوط، وعندما سألنا الشيف عن سر مذاق ثمار البحر الطري أجاب بأن طريقة الطهي ومدتها تؤثر على طراوة الأسماك بشكل عام، لا سيما القواعع والأخطبوط.

لائحة الطعام ليست طويلة جداً، وهذا ما يجعلها خفيفة على النظر قبل أن تحكم عليها إن كانت خفيفة على المعدة، فهي تناسب جميع الذائقات لأنها تضم الأطباق النباتية واللحوم بشكل متوازن.

بروسكيتا السردين (الشرق الاوسط)

من الأطباق الأخرى المتوفرة على اللائحة فوكاتشيا الطماطم والشمر مع زبدة الريحان المخفوقة؛ وبروشكيتا السردين مع الطماطم المبشورة والأعشاب، وتارتار اللحم البقري مع غوتشوجانغ.

وبالنسبة للحلوى، فيقدم «وي مدام» الشوكولاته الكريمية Chocolat Cremeux مع صلصة الفراولة و«باشن فروت» بالإضافة إلى تارت الخوخ، وإن لم تكن من محبي السكريات فيمكنك الاستعاضة عنها بتشكيلة من الأجبان الفرنسية.

اللافت في المطعم هو أنه يقدم شيئاً نادراً في لندن اليوم، وهو تفضيل الحرفية على الاستعراض ومساحة المكان الشاسعة والديكورات البراقة، فهذا المطعم هو ببساطة مكان إذا زرته مرة فلا بد بأن تعود إليه مرة أخرى.

يشار إلى أن «وي مدام» يفتح أبوابه أمام الذواقة من الثلاثاء إلى السبت، من السادسة مساءً حتى الحادية عشرة ليلاً.


أدوات مطبخك... متى تصبح غير صالحة للاستخدام؟

تتمتع ملاعق  السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها
تتمتع ملاعق السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها
TT

أدوات مطبخك... متى تصبح غير صالحة للاستخدام؟

تتمتع ملاعق  السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها
تتمتع ملاعق السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها

بعض الأدوات المطبخية لا تدوم؛ والاحتفاظ بها بعد فترة من استخدامها قد يؤثر على مذاق الطعام، أو الصحة. تعرف على أدوات المطبخ التي ربما تنسى استبدالها، ومتى تنتهي صلاحيتها وفق الطهاة المحترفين.

يرى الشيف المصري أحمد الشناوي أن مراجعة أدوات المطبخ القديمة والمستهلكة أمر حتمي؛ وربما تكون بعض أكثر الأشياء التي ينبغي تغييرها في مطبخك هي تلك التي تستخدمها بكثرة؛ فأدوات المطبخ الأساسية، كالإسفنج، ومناشف الأطباق، وألواح التقطيع، قد تصبح بيئة خصبة للجراثيم، والبكتيريا، أو ربما تحول مطبخك إلى حالة من الفوضى إذا لم تجددها.

عندما تتلف سلال القلي تشكل خطرا على سلامة الغذاء

ويرى أنه «نظراً لأن هذه الأدوات غالباً ما تلامس طعامك، أو أطباقك، أو يديك؛ فإن التأخير في استبدالها قد يضر بصحتك، أو نكهة أطباقك مهما برعت في تحضيرها». من هنا يقترح الشناوي إضافة هذه الأشياء إلى قائمة التجديد في مطبخك:

أواني الطهي

أواني الطهي هي أساس كل مطبخ، ويعتمد عمرها الافتراضي بشكل كبير على المادة المصنوعة منها؛ فعمرها يختلف من مادة إلى أخرى. فبالنسبة للأواني غير اللاصقة تبقى عادةً من سنتين إلى 5 سنوات، لكن مع مرور الوقت، قد تتعرض الطبقة الخارجية للخدش، أو التقشر، أو تفقد خصائصها غير اللاصقة، ويبدأ الطعام بالالتصاق، أو يبدو السطح متآكلاً، هنا تعرف أنه حان وقت استبدالها.

أما أواني الطهي المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ فهي تتميز بمتانتها حيث تدوم لأكثر من 10 إلى 20 عاماً، مع العناية المناسبة، ونادراً ما تحتاج هذه الأواني إلى الاستبدال إلا إذا انحنت، أو ظهرت عليها خدوش عميقة، أو بدأ الطعام يلتصق بها بشدة.

وعند النظر إلى أواني التيتانيوم الاحترافية، فإنها من أكثر الخيارات متانة، وخفة وزن؛ مما يجعلها صديقة للبيئة، وموفرة للتكاليف؛ حيث تدوم غالباً لأكثر من 20 عاماً. على عكس الطلاءات المانعة للالتصاق التي تتآكل، فإن قوة التيتانيوم الطبيعية تجعله مقاوماً للخدوش، والتآكل، والتشوه.

متى ينبغي تغيير ألواح التقطيع

إذن هي استثمار حقيقي في مطبخك، لكن مع ذلك عليك باستبدالها في حالة إساءة الاستخدام، وتعرضها للتقشر، أو التشقق. وبالنسبة للأواني المصنوعة من السيراميك فهي تستمر من سنة إلى 3 سنوات، ورغم تسويقها على أنها صديقة للبيئة، وغير لاصقة، فإنها تتآكل أسرع من الفولاذ المقاوم للصدأ، أو الحديد الزهر، وبمجرد أن يتشقق الطلاء أو يبدأ الطعام بالالتصاق، فإنك تتأكد أنه قد جاء وقت استبدالها.

علب الطعام البلاستيكية

نكون بحاجة إلى استبدال علب الطعام البلاستيكية أكثر مما نعتقد؛ فهي عرضة للبقع، والتشوه، وتصبح عندما تتلف أقل قدرة على الحفاظ على نضارة الطعام، وأكثر تأثيراً على تغيير مذاقه. بل تحتفظ برائحته، وقد تتسرب منها مواد كيميائية مضرة، لذلك يجب استبدلها فوراً إذا كانت متشققة، أو متغيرة اللون، وبشكل عام فإن الحاويات البلاستيكية تدوم عادة من سنة إلى سنتين بحد أقصى.

ألواح التقطيع

تُعد ألواح التقطيع البالية، سواء كانت بلاستيكية، أو خشبية، سبباً رئيساً للعديد من حالات التسمم الغذائي؛ فهي تُخدش بسهولة، وتُصبح هذه الخدوش بيئة خصبة، حيث تحبس آثار السكين جزيئات الطعام، وتوفر الأخاديد بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا؛ مما يجعل تنظيفها بالكامل أمراً مستحيلاً. ويشكل ذلك خطراً على السلامة، خاصة عند استخدامها لتقطيع الدواجن النيئة، أو المأكولات البحرية. في المتوسط، يجب استبدال لوح التقطيع البلاستيكي مرة واحدة سنوياً. أما ألواح التقطيع الخشبية فهي أكثر متانة، وتستمر مدة أطول، ولكن بشكل عام يجب تغيير أي لوح تقطيع ملتوٍ، أو متصدع، أو كريه الرائحة.

مراجعة أدوات المطبخ القديمة والمستهلكة أمر حتمي

صواني الخبز

حتى أفضل صواني الخبز لها عمر افتراضي، خاصة مع الاستخدام المتكرر في الفرن؛ فالتعرض المتكرر للحرارة، وتراكم الدهون، والتنظيف الدقيق في نهاية اليوم، كلها عوامل تسرع من تلفها. ومن هنا ينصح عادة باستبدال صواني الخبز كل سنتين إلى 5 سنوات، مع الوضع في الاعتبار أن هناك أموراً يتوقف عليها الاستبدال، ومنها جودتها، وعدد مرات استخدامها، أو ظهور علامات عليها، مثل الانبعاجات، أو الشقوق؛ لأنها تؤثر على نضج الطعام بشكل متساوٍ. كذلك أي تغير في اللون، أو وجود بقع محروقة على الصينية يدلان على تلفها؛ مما قد يؤثر على نكهة الطعام.

ملاعق السيليكون

توفر أدوات المطبخ المصنوعة من السيليكون، أو المطاط الصناعي مزيجاً رائعاً من المزايا التي تُسهل مهام المطبخ اليومية؛ إذ يفضلها الكثيرون لأنها على عكس الأدوات المعدنية، لا تخدش أواني الطهي غير اللاصقة، أو المصنوعة من الحديد الزهر. كما أن السيليكون على عكس البلاستيك لا يمتص النكهات، أو الألوان، أو الروائح، وهو يتحمل درجات حرارة مرتفعة؛ مما يجعله مثالياً في تقليب الصلصات، والحساء المغلي.

لكن رغم أن ملاعق السيليكون أكثر متانة من نظيراتها البلاستيكية، وتتطلب صيانة أقل من أدوات المطبخ الخشبية، فإنها ليست دائمة. وكقاعدة عامة يُنصح باستبدال ملعقة السيليكون كل 3 أو 4 سنوات، وذلك حسب جودتها، وعدد مرات استخدامها. لكن في حالة إصابتها بأي تشققات، أو فقدان للصلابة قبل ذلك، فإنه يتعين عليك استبدالها فوراً، ولا تنتظر مرور هذه الفترة. ولإطالة عمر ملعقة مطبخك، اغسلها يدوياً بدلاً من غسالة الأطباق، حتى وإن كانت معلنة بأنها آمنة للاستخدام في غسالة الأطباق.

سلال القلي

متوسط تغييرها من عام إلى عام ونصف؛ إذ تتعرض سلال القلي أيضاً للتلف في المطبخ، ومن الخطر للغاية استخدام سلال قلي مهترئة؛ لذلك حين تتعرض سلال القلي للصدمات والارتطام فإن الشبكة السلكية تتفكك، أو تبدأ بالانفصال؛ مما يشكل خطراً على سلامة الغذاء؛ وهنا عليك تغييرها على الفور.

الإسفنج

يتسخ الإسفنج بسرعة بسبب كثرة استخدامه. نظف الإسفنج يومياً بوضعه في الميكروويف أو غسالة الأطباق للمساعدة في قتل الجراثيم، أو انقع إسفنجة المطبخ لمدة 5 دقائق ثم اشطفها جيداً بالماء الدافئ. وبالرغم من ذلك فإن غسل إسفنجة المطبخ هو حل مؤقت فقط؛ إذ ينبغي استبدال الإسفنج كل أسبوعين أو شهر على الأكثر بحسب استخدامك.


أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».