خادم الحرمين أمام قمة مكة الإسلامية: لا مساس بالوضع التاريخي للقدس

أكد أن التطرف والإرهاب من أخطر الآفات التي تواجهها الأمة الإسلامية والعالم أجمع

خادم الحرمين الشريفين لدى ترؤسه القمة الإسلامية الرابعة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي (واس)
خادم الحرمين الشريفين لدى ترؤسه القمة الإسلامية الرابعة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي (واس)
TT

خادم الحرمين أمام قمة مكة الإسلامية: لا مساس بالوضع التاريخي للقدس

خادم الحرمين الشريفين لدى ترؤسه القمة الإسلامية الرابعة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي (واس)
خادم الحرمين الشريفين لدى ترؤسه القمة الإسلامية الرابعة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي (واس)

جدد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للأمة الإسلامية، وأنها «تمثل الركيزة الأساسية لأعمال منظمة التعاون الإسلامي»، مشدداً على رفضه القاطع لأي إجراءات من شأنها المساس بالوضع التاريخي والقانوني للقدس الشريف.
وقدم الملك سلمان في افتتاح القمة الإسلامية لمنظمة التعاون الإسلامي، الشكر للرئيس التركي رجب طيب إردوغان «على ما قام به من جهود خلال رئاسته الدورة السابقة للقمة الإسلامية». واستذكر مرور 50 عاماً على تأسيس المنظمة، «التي جاء تأسيسها بعد حادثة إحراق المسجد الأقصى الذي لا يزال يرزح تحت الاحتلال ويتعرض لاعتداءات ممنهجة».
وعقدت القمة، وهي الرابعة عشرة، في قصر الصفا بجوار المسجد الحرام، تحت شعار «قمة مكة... يداً بيد نحو المستقبل»، بحضور عدد تاريخي لافت من قادة وزعماء المنظمة عن القمم التي نظمت خلال السنوات الماضية.
وشدد الملك سلمان في كلمته على أن التطرف والإرهاب يعدان من أخطر الآفات التي تواجهها الأمة الإسلامية والعالم أجمع، وقال: «للأسف الشديد يضرب الإرهاب في منطقتنا من جديد».
وأكد أن الهجوم على سفن تجارية قرب المياه الإقليمية للإمارات، وعلى منشآت نفطية في السعودية، يشكل تهديداً خطيراً لأمنِ وسلامة حركة الملاحة البحرية والأمن الإقليمي والدولي، وبيّن أن هذه الأعمال التخريبية «لا تستهدفُ المملكة ومنطقة الخليج فقط، وإنما تستهدف أمن الملاحة وإمداداتِ الطاقة للعالم».
وأبدى الملك سلمان ألمه بأن يشكل المسلمون النسبة الأعلى بين النازحين واللاجئين على مستوى العالم جراء الاضطراباتِ والحروب، مؤكداً أن بلاده، كانت ولا تزالُ «تسعى ما استطاعت إلى الإصلاحِ، وتوفيق وجهات النظر المختلفة، خدمة للدولِ الإسلامية وشعوبها»، مع الاستمرار في مدِ يد العونِ والمساعدة عبر الجهدِ الإنساني والإغاثي، «حرصاً على سيادة وأمن واستقرار الدول الإسلامية في ظل وحدة وطنية وسلامة إقليمية».
وأشار خادم الحرمين الشريفين في كلمته أمام القمة، إلى أن إعادة هيكلة منظمة التعاون الإسلامي وإصلاح أجهزتها، أصبحت ضرورة ملحة، «لمجابهة التحديات الإقليمية والدولية التي تمر بها أمتنا»، مشيراً إلى أن المملكة ستسعى من خلال رئاستها لأعمال القمة إلى العمل مع الدول الأعضاء والأمانة العامة للمنظمة للإسراع في تفعيل أدوات العمل الإسلامي المشترك «تحقيقاً لما تتطلعُ إليه شعوبُ أمتنا الإسلامية».
وثمن الدكتور يوسف العثيمين الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، في كلمته أمام خادم الحرمين الشريفين والقادة المشاركين في القمة، حرص السعودية التي تستضيف مقر المنظمة، على دعم «التعاون الإسلامي» وتعزيز دورها في محيطيها الإقليمي والدولي بما توفره من تسهيلات وإمكانات تسند عمل الأمانة العامة، مبدياً ثقته بأن تشكل قمة مكة «علامة فارقة في تاريخ المنظمة التي تتوّج عامها الخمسين».
ولفت إلى أنّ منطقة العالم الإسلامي ودوله، تقع في قلب التداعيات الخطيرة لتقلبات هذه الأوضاع، التي تفاقمت بسبب الأزمات والتحديات القائمة، وأن في مقدمة هذه التهديدات «آفتي الإرهاب والتطرف، طاعون العصر وسرطانه، اللتين ما زالتا تتربصان بالأمن والاستقرار في المنطقة والعالم»، ودلل على ذلك، بالعمليات الإرهابية التي شهدتها دول غير إسلامية، والتي أثبتت أن الإرهاب لا دين له أو جنسية أو عرق، وكان أبرزها الحادث الإرهابي الذي وقع شهر مارس (آذار) الماضي وراح ضحيته 50 آمناً من المصلين في مسجدين بنيوزيلندا.
وأضاف أن المملكة شهدت اعتداءً إرهابياً آثماً على محطات الضخ البترولية، استهدف مصالح الدول وإمدادات النفط العالمية، كما تعرضت 4 سفن تجارية لأعمال تخريبية في المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، في تهديد لأمن وسلامة حركة الملاحة البحرية العالمية. وجدد إدانة منظمة التعاون الإسلامي الشديدة لهذه الأعمال الإرهابية، ودعا المجتمع الدولي للنهوض بمسؤولياته للحفاظ على السلم والأمن في المنطقة.
وتطرق إلى المحاولات التي تقوم بها الميليشيات الإجرامية الحوثية لاستهداف المملكة، «موجهة صواريخها الإرهابية إلى أقدس بقاع الأرض، ومستهدفة مهوى أفئدة ملايين المسلمين المعلقة أرواحهم في هذا المكان الطاهر»، مؤكداً أن المساس بأمن المملكة العربية السعودية «مساس بأمن وتماسك العالم الإسلامي بأسره».
وأشار العثيمين إلى أن المنظمة تجدد رفضها المطلق للمحاولات المقصودة لربط الدين الإسلامي الحنيف بالأعمال الإرهابية، التي تقترفها جماعات إجرامية مارقة «لا علاقة لها بالإسلام وتعاليمه النيّرة وقيمه السمحة»، لافتاً إلى الدور المهم الذي يضطلع به مرصد «الإسلاموفوبيا»، ومركز صوت الحكمة في الأمانة العامة الذي يسهم في نشر قيم الاعتدال والوسطية.
وأكد أن القضية الفلسطينية ستبقى في أعلى سلم أولويات العمل الإسلامي بالنظر لمكانتها المركزية لدى جميع الدول الأعضاء.
وأشاد بالدور الذي يضطلع به البنك الإسلامي للتنمية وصندوق التضامن الإسلامي، اللذان لهما برامج ثرية وعملية تعود بالنفع على الشعوب الإسلامية وحققا نتائجَ ومشاريعَ ملموسة في عدة مجالات تستحق الإشادة والتقدير.
وأعرب عن ارتياحه لما تقوم به الدول الأعضاء من جهود مقدرة لتعزيز دور المرأة وتوسيع مجالات مشاركتها في جميع الميادين، مشيراً إلى أهمية استكمال إجراءات المصادقة على النظام الأساسي لمنظمة تنمية المرأة، حتى يدخل حيز التنفيذ، ويمكن منظمة تنمية المرأة من مباشرة نشاطها.
وفي كلمته، جدد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، وقوف بلاده إلى جانب المملكة في الدفاع عن أمنها واستقرارها، معربا عن إدانة الكويت للهجمات التي تستهدف أمن واستقرار المملكة وسلامة مواطنيها، ودعا إلى الوقوف أمام واقع الأمة الإسلامية وتأمل مدلولاته والعمل بجد لتفعيل آليات العمل التنموي لدعم هذه الآليات والارتقاء بها إلى المستوى الذي يحقق آمال وطموحات أبنائها، وأكد أن القضية الفلسطينية تبقى على رأس أولوياتنا، «نتألم لتعثر جهود حلها ونعاني استمرار معاناة أبنائها»، داعيا المجتمع الدولي إلى أن يفعل جهوده لإحياء عملية السلام.
وأكد العاهل الأردني عبد الله الثاني، أهمية القمة الإسلامية لتوحيد المواقف والجهود لتمكين الفلسطينيين من نيل حقوقهم العادلة ودعم صمودهم، وقال إن المبادرة العربية للسلام، التي تبنتها دول منظمة التعاون الإسلامي، «تؤكد التزامنا بخيار السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين كخيار استراتيجي يضمن حقوق الأشقاء الفلسطينيين ويلبي طموحاتهم المشروعة بإقامة دولتهم المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ويعالج جميع قضايا الوضع النهائي وعلى رأسها القدس واللاجئين».
وشدد ملك الأردن على أن «رسالتنا للعالم أجمع هي أن لا مكان للفكر الظلامي في ديننا الإسلامي الحنيف، دين الرحمة والتسامح الذي يؤكد على قيم الحياة والمحبة وصون النفس البشرية، ولذلك فنحن مستمرون بالعمل مع شركائنا، ضمن نهج شمولي، لمواجهة الفكر المتطرف، وتوحيد خطابنا للتصدي لخطاب الكراهية والإقصاء وتنامي ظاهرة الخوف من الإسلام».
بدوره، قال الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين، إن الظروف الإقليمية الراهنة «تتطلب تبني صيغة عملية لحلول ومعالجات حاسمة وفورية، لما نشهده من قضايا وأزمات وتداعياتها التي نحن في غنى عنها، ونجد في إطالة أمدها سبباً في هدر مواردنا، وتهديد مصالحنا، وإرباك مسيرتنا الإنسانية نحو العيش المشترك والحياة الطيبة الآمنة التي تستحقها شعوبنا». وأكد ضرورة الالتزام بمبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل لسيادة واستقلال الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، «لنصل إلى مرحلة متقدمة تتقارب فيها مواقفنا وسياساتنا تجاه صد قوى التطرف والإرهاب، وردع المحاولات المغرضة التي تتعمد شق الصفوف وإثارة الفتن وإضعاف جسد الأمة».
من جانبه، أعرب الرئيس النيجيري محمد بخاري في كلمته نيابة عن المجموعة الأفريقية، عن تقديره للجهود التي تبذلها السعودية، ولدعمها المتواصل واهتمامها بقضايا السلام والتضامن بين دول منظمة التعاون الإسلامي ورفاهية ورخاء الشعوب في الدول الأعضاء بالمنظمة.
وأشار إلى أهمية العمل من أجل التعامل مع كثير من القضايا الأمنية الخطيرة التي تتمثل في الأنشطة الهدامة للإرهابيين والمتطرفين في كثير من الدول الإسلامية.
ونيابة عن المجموعة الآسيوية، أعربت رئيسة وزراء بنغلاديش الشيخة حسينة واجد عن مخاوف بلادها جراء ما يعترض الإسلام وينسب إليه بصورة خاطئة (التطرف والإرهاب)، متطرقة إلى جهود بلادها تجاه النازحين من ميانمار وضرورة أن تكون هناك بيئة ملائمة لعودتهم، مشيرة إلى جهود دولة الإمارات عبر دعوة محكمة العدل الدولية من أجل مواجهة قضية الروهينغا وتحقيق العدالة، داعية دول المنظمة لمساعدة بنغلاديش التي تؤوي نحو مليون وأكثر، وهو ما يشكل عبئا على بلادها.
من جهته، تحدث رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في كلمته عن القضية الفلسطينية، مؤكداً خلالها أن الفلسطينيين حرموا من حقوقهم الإنسانية والديمقراطية، مجدداً في هذا الشأن أهمية تسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وأشار رئيس الوزراء الباكستاني إلى قضية جامو وكشمير، داعياً إلى أن يحظى شعبهم بحقه في تقرير مصيره، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة. كما تطرق دولته إلى ظهور «الإسلاموفوبيا»، داعياً إلى تكثيف الجهود وإيضاح الصورة أمام العالم الغربي بأن الإسلام «ليس له أي صلة ولا علاقة له بالإرهاب».
ضم الوفد السعودي للقمة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، والأمير تركي بن محمد بن فهد وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية، والأمير عبد الله بن بندر وزير الحرس الوطني، والشيخ صالح آل الشيخ وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والدكتور مساعد العيبان وزير الدولة عضو مجلس الوزراء، والدكتور إبراهيم العساف وزير الخارجية.
من جهته، عبر مولود جاويش أوغلو وزير الخارجية رئيس الوفد التركي، عن شكره لخادم الحرمين الشريفين على الإعداد والتحضير لأعمال هذه القمة في رحاب مكة المكرمة. وقال إن «رئاسة المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين ستتم الاستفادة منها في تعزيز وحدتنا من أجل خدمة قضايانا المشتركة وتحقيق أهدافنا النبيلة»، معرباً عن أمله في أن تخرج القمة بما يعزز مسيرة العمل الإسلامي المشترك.
وقال الوزير التركي الذي كانت بلاده ترأس الدورة السابقة للقمة: «بعد 50 عاماً من إنشاء المنظمة، ما زلنا نواجه التحديات المعقدة في قضية مستقبل فلسطين والقدس التي كانت السبب الأساسي لإنشاء هذه المنظمة، ونحن مع حق العودة ووضع القدس الشريف وقيام دولة فلسطينية».
وأكد أن قضية فلسطين ستبقى دوماً هي القضية الأساسية، وأن أي عملية سلام لا تنص على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف فإنها مرفوضة في مجتمع منظمة التعاون الإسلامي.
كما أكد أن بلاده ماضية في جهودها في إطار عمل منظمة التعاون الإسلامي نهوضاً بالقضايا المشتركة بين الأمة الإسلامية.
ودعا الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في كلمة نيابة عن مجموعة الدول العربية، إلى موقف إسلامي قادر على مواجهة التحديات وتعزيز الأمن والاستقرار، مبيناً حرص الدول العربية على المشاركة الفاعلة في اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي والانخراط في مختلف برامج عملها وفي كلّ الجهود والمبادرات الرامية إلى خدمة القضايا العربية والإسلامية وتعزيز مقوّمات الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. وأكد السبسي ثقته في أن السعودية ستسهم في هذه الدورة بإعطاء دفع جديد للعمل الإسلامي ومزيد من التوفيق والتضامن بين بلداننا الإسلامية.



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.