عبث إيران بمياه مضيق هرمز بمثابة انتحار لمصالحها

كتاب فرنسي يحذر من نتائج التوترات الراهنة في المنطقة

مضيق هرمز
مضيق هرمز
TT

عبث إيران بمياه مضيق هرمز بمثابة انتحار لمصالحها

مضيق هرمز
مضيق هرمز

أبعاد جديدة للسياسة الإيرانية في محيطها الإقليمي والدولي، يكشف عنه كتاب «إيران ومضيق هرمز... استراتيجيات ورهانات القوة منذ عام 1970»، الصادر مؤخراً عن دار النشر الفرنسية «هارماتون»، للكاتبة ليا ميشلي Léa Michelis المتخصصة في التاريخ والجغرافيا السياسية بجامعة السوربون، خاصة صراعات الشرق الأوسط.
يقع الكتاب في 218 صفحة من القطع المتوسط، ويأتي صدوره في ظل حالة من الاضطراب تسببها إيران في المنطقة وما ترتب عليه من انشغال المجتمع الدولي بهذه المنطقة الاستراتيجية بالنسبة للعالم، ولا سيما ما يتعلق بحركة التجارة العالمية، لذلك تؤكد المؤلفة في مستهله على أهمية مضيق هرمز باعتباره يمثل مدخل الخليج العربي، وممراً مائياً استراتيجياً متاخماً لحدود المياه الإقليمية الإيرانية والعمانية. الأمر الذي يُعظم من موقعه كأداة بين يدي الإيرانيين في العبث باستقرار منطقة الخليج العربي.
ولكن باستقراء تاريخ طهران على المدى الطويل، توصلت المؤلفة إلى وجود تعقيدات وعوامل كثيرة تتأسس عليها السياسة الإيرانية في محيطها الإقليمي، في صدارتها إحداث توترات وتبادلات متنوعة وكثيرة. الأمر الذي يضع مضيق هرمز في قلب السياسة الدفاعية والتجارية التي تتبناها طهران، برغم حيازتها رابع احتياطي نفطي في العالم، وكذلك ثاني احتياطي عالمي من الغاز الطبيعي، أي أننا أمام نموذج، لا يسعى فقط لتهديد مصالح الغير، بل يضرّ بمصالحه أولاً.
يكتسب هذا الكتاب أهمية خاصة كذلك، ليس فقط لأهمية وحساسية الموضوع الذي يتناوله، ولكن أيضاً لأن مقدمة الكتاب كانت للباحث «كليمو تيرم» Clément Therme، الخبير بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن (IISS)، الذي يقول فيها: «إلى أي مدى غيّرت الثورة الإيرانية (1978 - 1979) مفهوم إيران وصورتها الذهنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، من جندي للخليج في عهد الشاه محمد رضا بهلوي 1941 – 1979، إلى جمهورية إسلامية تسعى جاهدة نحو زعزعة استقرار المنطقة والهيمنة على عدد من جيرانها. الأمر الذي يزيد من التساؤلات حول طبيعة وماهية سياسة طهران الإقليمية، التي تعتمد على آيديولوجية إسلامية، تأخذ في اعتبارها المسائل والأبعاد الدفاعية في رسم وتحديد سياستها الإقليمية؛ مؤكداً أن سياسة طهران في محيطها الإقليمي تعتمد على مفهوم آيديولوجي مناهض للإمبريالية، وفقاً للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي».
يكتسب هذا الكتاب أهمية كبيرة أيضاً لكونه يساعد على فهم الأسس والتوجهات العامة الحاكمة للسياسة الإيرانية في منطقة الخليج العربي، إذ نجحت المؤلفة في توصيف التعقيدات والمحددات، وكذلك العناصر المؤسسة للسياسة الإيرانية في محيطها الإقليمي اعتماداً على مصادر مباشرة، خاصة أرشيف الدبلوماسية الفرنسية، مع كشف النقاب عن بعض الملفات والقضايا التي توضح طبيعة السياسة الإيرانية، وخير دليل على ذلك ملف قضية «إير فرانس» مايو (أيار) 1975، واضطرار الشركة الفرنسية لنشر وثائق طيران تضم خريطة تؤكد على الطبيعة العربية للخليج، وليس الفارسية.
كما يكشف الكتاب النقاب عن استراتيجيات النفوذ الإيراني الراهن حيال محيطها الإقليمي في العراق وتركيا والقوقاز وآسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان، إضافة إلى منطقة البحر المتوسط بشكل عام، ولبنان بشكل خاص لوجود «حزب الله» اللبناني هناك، وضمّه لها في إطار ما يسمى بـ«ولاية الفقيه»، أي خضوع تام لـ«حزب الله» اللبناني لوصاية الجمهورية الإيرانية.
وتذكر المؤلفة أن إيران تسعى بطرق وأدوات كثيرة نحو تطبيق وتنفيذ سياسة الهيمنة في منطقة الخليج العربي، ومن أبرز هذه الأدوات استخدام بعض التنظيمات المرتبطة بها بروابط آيديولوجية، مثل «حزب الله» في لبنان، والحوثيين في اليمن، إلا أن هناك أداة أخرى تكمن في محاولاتها الفاشلة تحريك الفئات الشعبية في الخليج الذين يتقاربون مع طهران عقائدياً.
البعد الاقتصادي
توضح المؤلفة أن البعد الاقتصادي هو حاسم إلى حد كبير في فهم وضع إيران الاستراتيجي، ويمثل محدداً رئيسياً في رسم سياسة طهران الخارجية، فمع اكتشاف النفط هناك عام 1908 في محيط مسجد سليمان، وما ترتب عليه من إنشاء أول شركة إنجليزية فارسية للنفط، ومقرّها لندن (APOC)، وفي ظل حيازتها احتياطياً هائلاً من الطاقة، كونها تملك رابع احتياطي من النفط، بواقع 158 مليار برميل، وفقاً لإحصائيات 2017، و10 في المائة من إجمالي احتياطي الغاز العالمي، بواقع 1.191 تريليون متر مكعب، أي 17 في المائة من الإنتاج العالمي، منها 40 في المائة مركزة في أكبر حقل غاز في العالم بجنوب البلاد، وتتقاسمه مع قطر، ويسمى بـ«القبة الشمالية».
ويشير الكتاب إلى أن إجمالي إنتاج إيران من النفط بلغ 6 ملايين برميل يومياً عام 1970، إلا أن هذا المعدل توقف اليوم عند معدل 3.8 مليون فقط، منذ توقيع الاتفاق النووي مع إيران في 14 يوليو (تموز) 2015، كما أنه مع الإعلان عن عودة العقوبات الأميركية بحقّ طهران، فمن المتوقع أن يتراجع الإنتاج، ومن ثم التصدير، من 2.4 مليون برميل يومياً في 2018 إلى مليون برميل فقط خلال هذه السنة.
مضيق هرمز في الميزان
تذكر المؤلفة بعض الأرقام المهمة لفهم الرهانات الاستراتيجية في المنطقة، منها على سبيل المثال أن 90 في المائة من النفط الإيراني يتجه نحو الشرق عبر مضيق هرمز، وأن معظم الغاز الإيراني يتم تصديره هو الآخر نحو آسيا عبر المضيق نفسه، وأن 24 في المائة من إجمالي الصادرات النفطية العالمية قد مرّت عبر مضيق هرمز عام 2018، وبالتالي فمن غير المعقول أو المنطقي دخول التهديد الإيراني بالعبث بمضيق هرمز حيز التنفيذ، بما في ذلك على المدى الطويل. ويعود ذلك لأسباب كثيرة، تمكن الإشارة إليها فيما يلي...
أولاً؛ التفوق العسكري الأميركي في المنطقة، خاصة في ضوء مرابطة الأسطول الخامس فيها، أي أن الإدارة الأميركية لا يمكن لها أن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي عبث إيراني في المضيق.
ثانياً؛ استخدام إيران للمضيق في نقل معظم صادراتها النفطية، وبالتالي فمن غير المنطقي أن تسعى طهران نحو إلحاق الضرر بنفسها.
ثالثاً؛ اعتراض شركاء إيران الكبار في آسيا، مثل الصين، على أي عبث إيراني بالمضيق، خاصة أن 80 في المائة من النفط الذي ينقل عبر المضيق يتجه صوب الأسواق الآسيوية، وبالتالي يلعب المضيق دوراً فاعلاً في الازدهار الاقتصادي للدول الآسيوية.
إضافة إلى ذلك لم تستطع إيران خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980 - 1988) ولا خلال العقوبات النفطية الأميركية ضدها، تنفيذ تهديداتها بشأن إعلان مضيق هرمز طريقاً عسكرياً. ومن ثم تؤكد المؤلفة أنه لن يكون بمقدور طهران الآن اتخاذ أي تدابير أحادية الجانب بشأن المضيق أو العبث بمياهه.
وتخلص المؤلفة ليا ميشلي إلى الاستنتاج بأن إيران، رغم الموقع الاستراتيجي لها كملتقى لعدد من الدول، فإنها لم تستطع التوصل إلى صياغة طاقة أو قوة مرتبطة بهذا الموقع الجغرافي الفريد، كما أن عداءها لدول المنطقة ولأميركا أيضاً يعرقل مسيرتها التنموية، كما أن البعد «الثوري» للسياسة الإقليمية للجمهورية الإسلامية يمثل عقبة حقيقية في سبيل بناء تحالفات إقليمية تتسق مع المصالح القومية للبلاد.

> «إيران ومضيق هرمز..
استراتيجيات ورهانات القوة منذ عام 1970».
> المؤلفة: ليا ميشلي Léa Michelis
> الناشر: دار النشر الفرنسية «هارماتون»


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).