جماعة «المهاجرون» في بريطانيا تعيد تجميع صفوفها

الحكومة حظرتها وأعضاؤها تحت الإقامة الجبرية

أنجم تشودري زعيم جماعة «المهاجرون» في بريطانيا بعد الإفراج عنه بحلقة إلكترونية مثبتة في قدمه اليسرى من قبل شرطة اسكوتلنديارد (نيويورك تايمز)
أنجم تشودري زعيم جماعة «المهاجرون» في بريطانيا بعد الإفراج عنه بحلقة إلكترونية مثبتة في قدمه اليسرى من قبل شرطة اسكوتلنديارد (نيويورك تايمز)
TT

جماعة «المهاجرون» في بريطانيا تعيد تجميع صفوفها

أنجم تشودري زعيم جماعة «المهاجرون» في بريطانيا بعد الإفراج عنه بحلقة إلكترونية مثبتة في قدمه اليسرى من قبل شرطة اسكوتلنديارد (نيويورك تايمز)
أنجم تشودري زعيم جماعة «المهاجرون» في بريطانيا بعد الإفراج عنه بحلقة إلكترونية مثبتة في قدمه اليسرى من قبل شرطة اسكوتلنديارد (نيويورك تايمز)

فيما تعتري حالة من القلق العديد من الدول الأوروبية بشأن عودة المتطرفين من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي من سوريا والعراق، فإن بريطانيا تواجه مشكلة مختلفة تتمثل في عودة ظهور خلية إرهابية محظورة نشأت على أراضيها أطلقت على نفسها اسم «المهاجرون». ويعد التنظيم العائد المتورط في تفجيرات لندن 2005 أحد أكثر الشبكات إفرازاً للمتطرفين.
وعملت الحكومة البريطانية عقب وقوع هذه الاعتداءات على اعتماد قانون لمكافحة الإرهاب وشرعت بالفعل في اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتطرفين وحكمت على العديدين منهم بالسجن وعلى بعضهم بالإقامة الجبرية لعشر سنوات أو أكثر.
الاثنين الماضي، التقطت صورة للمتطرف أنجم تشودري، أحد مؤسسي تنظيم «المهاجرون» الأصولي المحظور، مرتدياً عباءة بيضاء طويلة وأسفلها جهاز إلكتروني أسود اللون ثبتته الأجهزة الأمنية عند كاحل قدمه لتعقبه. وكان مسؤولون حكوميون بريطانيون قد أكدوا أن تشاودري، أحد أكثر الدعاة الإسلاميين تطرفاً في بريطانيا، قد حصل على قرار بإطلاق سراح مشروط من فندق مخصص للإقامة الجبرية بعد أن أمضى أكثر من نصف عقوبة السجن الطويلة لتحريضه على مساندة تنظيم داعش الإرهابي.
لا يزال تشاودري حتى الآن يخضع لمراقبة صارمة، لكنه بدأ تدريجياً يعود إلى حياته الطبيعية ليصبح إنساناً كامل الحرية، لكنه ليس الوحيد في هذا الصدد.
بعد أن قضى الأعضاء بشبكة تشودري القديمة عقوبة السجن، فقد جرى إطلاق سراحهم جميعاً من مراكز الاعتقال. والعجيب في الأمر أنهم ما لبثوا أن خرجوا من السجون حتى عادوا إلى حشد صفوفهم وتعهدوا بالعودة إلى النهج المتطرف وإلى شن حملة للدعوة إلى القضاء على الديمقراطية في بريطانيا وتأسيس دولة «داعش» وتطبيق أحكام الشريعة على أراضيها، بحسب لقاءات صحافية أجريت مع عدد من العناصر السابقة.
حملت جماعة «المهاجرون» التي تأسست عام 1996 العديد من الأسماء خلال تلك السنوات واستمرت في السخرية من أجهزة الأمن البريطانية من خلال قدرتها على مواصلة العمل رغم حظرها عام 2006 لارتباطها بالإرهاب. وبعد فترة خمول، عاودت الجماعة حشد صفوفها بعد أن غيرت اسمها وتبنت تكتيكات أقل وضوحاً من سابقاتها واستخدمت تطبيقات مشفرة عبر الإنترنت وعقدت لقاءاتها في سرية تامة. وبحسب عضو سابق في الجماعة، فقد عاودت الشبكة عقد لقاءاتها في شرق لندن، تحديداً مدينة «لوتون» وكذلك ببلدة «بدفوردشاير» المجاورة.
وفي السياق ذاته، قال ليث، العضو السابق بجماعة «المهاجرون» الذي اكتفى بالتصريح باسمه الأوسط فقط خشية الملاحقة القضائية، إن «المسلمين يتعرضون لاعتداءات بمختلف أنحاء العالم، ومهمتنا الآن باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ومع خروج شودري وباقي الأخوة من السجون، فقد حان الوقت لإعادة حشد الصفوف والعمل بصورة أقوى من ذي قبل».
إن إمكانية عودة ذلك التنظيم المحظور للظهور مجدداً تمثل مصدر قلق بالغاً للسلطات البريطانية. الأسبوع الماضي أصدر أندرو باركر، مدير وحدة مكافحة الاستخبارات الداخلية البريطانية «إم أي 4»، تحذيراً عاماً نادراً ما يصدر عن الجهاز الأمني بشأن خطورة استمرار تهديد تلك الشبكة الإرهابية المتعاطفة مع تنظيم «داعش» الإرهابي.
وبحسب تصريح صدر عن باركر مؤخراً ونشرته صحيفة «إيفنينغ ستاندارد» البريطانية: «لا يزال في المملكة المتحدة بعض الأشخاص الذين يرون (داعش) وما يصدر عنه من دعاية باعتباره مصدر إلهام، وإن كانوا لم يعودوا متحمسين للسفر إلى سوريا».
وقد عبرت الأجهزة الأمنية عن قلقها الشديد من احتمالية ظهور تلك الشبكة مجدداً ومن سعيها لتجنيد عناصر جديدة في ظل محاولات عناصر تنظيم «داعش» العودة إلى بريطانيا بعد سقوط دولة الخلافة المزعومة في العراق وسوريا. ومن الجدير بالذكر أن المملكة المتحدة، قد ألغت جوازات سفر 150 بريطانياً انضموا إلى «داعش».
وفي سياق متصل، قال ديفيد فيديكت، خبير تحريات مكافحة الإرهاب، إن المواطنين البريطانيين الذين انضموا إلى «داعش» سيشكلون خطراً كبيراً حال عودتهم إلى البلاد، مضيفاً: «فجأة سيكون لدينا مقاتلون مدربون ربما كان لديهم الرغبة في الاستشهاد والقيام بعمليات انتحارية».
لا يزال تشودري ممنوعاً من الحديث العام ومن التواصل مع شبكته القديمة، غير أن العديد من أعضاء شبكته أفادوا بأن إطلاق سراحه هو وزملائه سيعمل على تعزيز كيان التنظيم الذي كان على صلة بنحو 25 في المائة من باقي التنظيمات الإرهابية التي جرى إدانتها في بريطانيا بين عامي 1988 - 2015.
وفي السياق ذاته، قال مايكل كيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بيترسبرغ الذي استمر لسنوات على تواصل مع تلك الجماعة في إطار الإعداد لكتابه الجديد الذي حمل عنوان «داعش في بريطانيا»، لقد «شرع بعض النشطاء في الالتقاء مجدداً ويجرون عملية أشبه بجس النبض واختبار الأوضاع في البلاد». من الصعب تجاهل الدور الذي لعبه تشودري في مساندة التطرف. فقد أذاعت قناة «بي بي سي» أن أحد المتورطين في اعتداء الكنيسة في سريلانكا ويدعى عبد اللطيف جميل، قد تحول إلى التطرف على يد «المهاجرون»، بعد أن حضر عدداً من الدروس خلال بعثة دراسية بالخارج استمرت عاماً كاملاً عام 2006.
وفي سياق متصل، قال نيك لوليس، رئيس مجموعة «هوب نوت هيت» المعنية بمكافحة العنصرية في بريطانيا، «ما من بريطاني استطاع التأثير على الإرهابيين بهذه الدرجة مثلما فعل تشودري»، مشيراً إلى أنه أحصى نحو 120 متطرفاً مسلحاً على صلة به.
من جانبها، أكد ممثل عن وزارة الداخلية البريطانية المعنية بمراقبة الجماعات المتطرفة أن الحكومة مدركة تماماً لما يمثله تشودري وشبكة «المهاجرون»، وأنها قد اتخذت الإجراءات الكفيلة للتعامل معهما.
وأشار إلى أنه «عند إطلاق سراح أي مدان من السجن فإننا نعمل على مراقبته، ولدينا من الصلاحيات ما يساعدنا على تحرى موقعه والتعامل مع أي تهديد قد يصدر عنهم. فكل من يفرج عنه بشروط لا بد أن يخضع للمراقبة الصارمة. وفي حال مخالفته للشروط فإنه يصبح عرضة للعودة إلى السجن مرة أخرى».
الجدير بالذكر أن غالبية الأعضاء البارزين في تنظيم «مهاجرون» المفرج عنهم قد أفادوا بأنهم استمروا تحت المراقبة خلال الإقامة الجبرية من خلال الأجهزة الإلكترونية المثبتة في أقدامهم فترة طويلة، وهو ما أكدته وزارة الداخلية البريطانية. ورغم ذلك، بحسب إفاداتهم، فإنهم يواصلون نشاطاتهم السابقة لكن دون ذكر الاسم القديم للتنظيم بعد أن يستبدلوه باسم جديد، ويتحاشوا التطرق إلى التطرف في المنابر والأحاديث العامة، ويستبدلونها بلقاءات سرية، وهو ما يجعل لقاءاتهم مشروعة.
* خدمة «نيويورك تايمز»



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.