تقرير علمي: جهود مكافحة الإرهاب تفيد الدول المتقدمة اقتصادياً

تؤدي إلى تقليص خطره في دولة ما وزيادة تهديداته في دولة أخرى

تقرير علمي: جهود مكافحة الإرهاب تفيد الدول المتقدمة اقتصادياً
TT

تقرير علمي: جهود مكافحة الإرهاب تفيد الدول المتقدمة اقتصادياً

تقرير علمي: جهود مكافحة الإرهاب تفيد الدول المتقدمة اقتصادياً

تفترض دراسة جديدة نشرتها دورية «أكسفورد إكونوميك بيبرز» أن عدداً من الدول المتقدمة ربما تجني مكاسب اقتصادية كبيرة من وراء جهودها لمكافحة التهديدات الإرهابية. وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن الدول النامية تعاني اقتصادياً بسبب جهود التصدي للإرهاب.
انحسار وتزايد
المعروف أن دولاً تجارية كبرى مثل الولايات المتحدة أو تكتلات تجارية مثل الاتحاد الأوروبي تعتبر أهدافاً للتنظيمات الإرهابية. وعادة ما توجد هذه التنظيمات، مثل «القاعدة» و«داعش»، داخل دول نامية تفتقر إلى الموارد اللازمة لردع هذه التنظيمات ومنعها من العمل.
وخلال العقدين الأخيرين، غالباً ما صاحبت هذه الندرة في الموارد آيديولوجيات راديكالية يمكن زرعها بسهولة وسط مجموعات الأفراد التي تشعر بالسخط، وبالتالي تشكل لاحقاً مصادر لتجنيد إرهابيين. ويترتب على ذلك، ظهور بؤر إرهابية في مناطق نائية تصعب السيطرة عليها مثلما الحال في أفغانستان وباكستان والصومال وسوريا واليمن.
وسعياً لحماية نفسها من هجمات مثل هذه التنظيمات، تعمد الدول المستهدفة إلى اتخاذ إجراءات دفاعية للتصدي للإرهاب في الداخل، مما يؤدي إلى تغيير مسار الهجمات بالخارج. بجانب ذلك، يؤدي الإرهاب إلى اضطراب في حركة إنتاج السلع والخدمات داخل الاقتصاد. وتؤثر الاعتبارات الإنتاجية تلك على العرض والطلب العالميين على السلع، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تبدل أنماط التجارة وأسعار الواردات والصادرات.
بالاعتماد على مواردها المحدودة، تستهدف تنظيمات إرهابية كلا النمطين من الدول.
وكلما زادت الجهود الدفاعية لمكافحة الإرهاب من قبل دولة ما، تقلص خطر الإرهاب في داخلها، لكنه ربما يزيد تهديده في دولة أخرى، حيث يعيد الإرهاب توجيه هجماته نحوها. وربما تتخذ مثل هذه الإجراءات الدفاعية شكل تعزيز أمن الحدود وفرض إجراءات مراقبة أكبر.
وتفرض جهود مكافحة الإرهاب قيوداً على إنتاج السلع المصنعة من خلال الطلب على موارد شديدة الصلة ببعضها بعضاً. فالمعروف أن ثمة حاجة إلى أسلحة وكاميرات مراقبة وطائرات مروحية وسيارات شرطة ووسائل اتصال وسلع أخرى مصنعة من أجل ضمان تنفيذ جهود مكافحة إرهاب فاعلة. علاوة على ذلك، تتطلب الإجراءات الدفاعية تشغيل عمالة في صورة حرس وشرطة، الذين يجب أن يحصلوا على معدات لحماية أهداف محتملة وتنسيق عمليات دفاعية.
التجارة والإرهاب
وتركز الدراسة على التفاعل بين التجارة والإرهاب في ظل تجارة حرة بين دولة متقدمة تصدر سلعاً مصنعة إلى دولة نامية، وتستورد منتجات أساسية منها. تستهدف التنظيمات الإرهابية كلا النمطين من الدول وتقلص هجماتها استجابة للجهود الدفاعية لمكافحة الإرهاب داخل بلد ما. ويؤدي هذا الواقع إلى تعزيز الدولة المتقدمة لجهود مكافحة الإرهاب، وبالتالي يتضاعف تنفيذ الإجراءات. على النقيض، تحد الدول المتقدمة إجراءات مكافحة الإرهاب الدفاعية بسبب تراجع أسعار صادراتها.
وقد درس الباحثون الذين وضعوا الدراسة نموذجاً من الدول المتقدمة (الولايات المتحدة) وآخر من دولة نامية (باكستان) بالنظر إلى سلعتين ـ واحدة مصنعة وأخرى أساسية. تستورد الدولة النامية السلعة المصنعة وتصدر السلعة الأساسية. أما الدولة المتقدمة، فتستورد السلعة الأساسية، وتصدر السلعة المصنعة إلى دول نامية.
وعند اتخاذ قرار بخصوص أي الإجراءات الدفاعية المكافحة للإرهاب يتعين اتخاذها، يجب على الدولة النامية موازنة الخسارة التجارية في مواجهة المكاسب التي ستحصل عليها من وراء احتواء الإرهاب بالداخل. بينما ينطبق النقيض تماماً على الدولة المتقدمة، والتي يسهم خيارها الدفاعي المستقل ليس فقط في تعزيز مواقفها التجارية كدولة مصدرة لسلع مصنعة تتولى هي إنتاجها والتي تصبح بمرور الوقت أغلى سعراً، وإنما كذلك في إعادة تغيير مسار الهجمات المحتملة باتجاه الخارج. وعليه، فإن لدى الدولة المتقدمة حافزاً لزيادة إجراءاتها الدفاعية.
ويعتبر هذا التباين بين هذين النمطين من الدول اكتشافاً جديداً تماماً.
وعليه، فإن احتمالات الرفاه العالمية ترتفع إذا ابتليت الدولة النامية بالإرهاب بدرجة أكبر، وبالتالي يصبح توجيهها الأولي للموارد لمجال مكافحة الإرهاب أكبر نسبياً عنه داخل الدولة المتقدمة.
مكافحة الإرهاب
والآن، لننظر إلى الإجراءات الفاعلة بمجال مكافحة الإرهاب والتي تقلص الموارد الإرهابية وعادة ما تعاني من النقص في الدول المستهدفة. الآن، تشعر الدولة المتقدمة بحافز كي تعزز الإجراءات الفاعلة لديها. ونظراً لأنها تنتج وتستفيد من السلع الأمنية المصنعة، فإنها سوف تستفيد من إنتاج المزيد منها. أما الدولة النامية فلديها حافز لتقليص جهودها الفاعلة دون المعيارية.
ومع هذا، يحمل هذا الوضع دلالات مختلفة بالنسبة للرفاه العالمي، ذلك أن الدولة المتقدمة تبذل مزيداً من الجهد لتناول نقص الإمداد بها من أجل تحقيق مكاسب أمنية واقتصادية، مما قد يرفع مستوى الرفاه العالمي.
وعلى المدى الطويل، تؤدي مثل هذه الإجراءات إلى خفض أسعار السلع الأساسية المصدرة. ويسلط هذا التباين بين الإجراءات الفاعلة من جانب الدول المستهدفة، الضوء على كيف أن التجارة تضيف اعتبارات جديدة تؤدي بطريقة ما إلى نتائج أكثر تفاؤلاً على صعيد الرفاه.
وفيما يتعلق بالتداعيات بمجال الرفاه، فإن التباين بين كيفية تحديد الدولة النامية والأخرى المتقدمة لأولوياتها المرتبطة بخيارات مكافحة الإرهاب تتبدل، وذلك مع تحرك الدولة المتقدمة نحو تحسين مستوى كفاءتها. ونظراً لأن الدولة المتقدمة عادة ما تكون المصدر الأساسي للإجراءات الفاعلة بمجال التصدي للإرهاب، من المحتمل أن تؤدي إجراءات مكافحة الإرهاب إلى تأثير تجاري يحسن مؤشرات الرفاه العالمية.
وأوضح تود ساندلر، أحد القائمين على الدراسة أن: «هذه الدراسة تكشف ضرورة تفحص الإرهاب على نحو يأخذ في الاعتبار التداعيات التجارية الدقيقة والمهمة». وقد نشرت الدراسة الموسومة: «شروط التجارة والعوامل الخارجية لمكافحة الإرهاب»، في الدورية التي تصدرها مطبعة جامعة أكسفورد، في الولايات المتحدة الأميركية. ويمكن الاطلاع عليها عبر الرابط الإلكتروني: https:--doi.org-10.1093-oep-gpz037.


مقالات ذات صلة

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

المشرق العربي صورة موزعة من المخابرات التركية للجاسوس الذي عمل لمصلحة نظام بشار الأسد أوندر سيغرجيك أوغلو بعد القبض عليه بالتعاون مع المخابرات السورية وإعادته إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا وسوريا توقعان بمختطِف قائدَين كبيرين في «الجيش السوري الحر»

نجحت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية في القبض على مواطن تركي اختطف اثنين من قادة «الجيش السوري الحر» في عام 2011.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

عاد «شبح داعش» ليثير قلقاً بين الليبيين بعد عشر سنوات على سقوط ما كانت تعرف بـ«إمارة التنظيم» في سرت، مدفوعاً بتحذيرات أميركية

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (متداولة)

السلطات المغربية تنجح في تفكيك خلية مُوالية لـ«داعش»

تمكّن الأمن المغربي، في عملية متزامنة ومشتركة مع نظيره الإسباني، اليوم الأربعاء، من تفكيك خلية إرهابية مُوالية لتنظيم «داعش» الإرهابي.

«الشرق الأوسط» (الرباط )
شؤون إقليمية اعتقلت السلطات التركية عشرات من بين آلاف المشاركين في الاحتفال بعيد نوروز في إسطنبول الأحد الماضي لرفعهم صوراً ولافتات تروج لحزب «العمال الكردستاني» (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - إكس)

تركيا: صدام بين القوميين حول «السلام» مع الأكراد

تصاعد جدل جديد بشأن إقرار اللوائح القانونية والإصلاحات الديمقراطية المطلوبة لإتمام «عملية السلام» في تركيا التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».