المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات

ثلاثة أسابيع في نيويورك وواشنطن وديربورن

المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات
TT

المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات

المغامرة الأميركية بين هجرة البشر... والكلمات

سيكون من المكابرة بمكان أن أدّعي، أنا الذي زرت بلداناً ومدناً كثيرة، أنني لم أشعر بالغبطة البالغة وأنا أتلقى الدعوة لزيارة الولايات المتحدة وإحياء أمسية شعرية في نيويورك، وفي المقر الإداري للجامعة الأميركية في بيروت على وجه التحديد. لم يدر في خلدي إذ ذاك أي شيء يتصل بالدور السلبي الذي لعبته، وما زالت تلعبه، الدولة الأقوى في العالم في تقرير مصائر الشعوب والاستحواذ على مقدراتها وثرواتها الطبيعية. ولم تكن الغبطة تلك لتقع في خانة التغاضي عن السياسات الظالمة والهوجاء لمن تسببوا، وهم يتربعون على سدة الإدارات المتعاقبة، في إجهاض الكثير من الثورات، وإخماد الكثير من الوعود، ووأد الكثير من الأحلام وهي لا تزال طفلة في المهد. ولم أكن لأنسى بالقطع أن أميركا، وفق ما يقوله تزفيتان تودوروف، قامت على خطيئتين أصليتين، تتمثل الأولى في كون الدعم الذي تلقاه كريستوفر كولومبوس من ملكي إسبانيا المنتشيين بسقوط الأندلس، كان هدفه الحصول على المعدن الأصفر الذي يمكّنهما لاحقاً من استئناف الحروب الصليبية المجهضة واسترجاع بيت المقدس، وتتمثل الثانية في التسبب بمذابح الهنود الحمر وبناء الهيكل الرمزي لروما الجديدة على أنقاض أهل البلاد وسكانها الأصليين. لم يكن كل ذلك غائباً بالطبع عن ذهني ووعيي المعرفي، لكن ما كان حاضراً بموازاة ذلك هو البعد الآخر للحلم الأميركي الأعمق الذي لا تعكسه الرطانة السمجة لخطب الرؤساء والطامحين للرئاسة، بل قولة المفكر والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث بأن «كل مفكر خلاق هو بمثابة كولومبوس جديد يبحث على طريقته عن (أميركاه) الشخصية وعن أرضٍ جديدة لأحلامه». وما كنت أبحث عنه في تلك الزيارة هو الوجه الأكثر نصاعة لأميركا البراءة والعدالة والمغامرة الإنسانية التي رسمها شاعرها الأعظم والت ويتمان في ديوانه «أوراق العشب»، حيث نقرأ له نصوصاً من مثل: «أغني الأنثى بالتساوي مع الذكر \ أغني الحياة الهائلة في الشغف والنبض والعنفوان \ البهيجة من أجل أقصى فعل متحرر تشكَّل في ظل القوانين السماوية \ أعني الإنسان الحديث».
في الطريق الطويلة والشاقة إلى نيويورك كانت تنتابني مشاعر متناقضة تتراوح بين الفضول ومتعة التعرف إلى المدينة الكوزموبولوتية التي تجسد الحداثة في أكثر تجلياتها المعرفية والتقنية من جهة، وبين المدينة التي لم ير فيها معظم الشعراء سوى أبراج صماء وسوق عملاقة للجشع وتنافس البورصات المالية على سحق الإنسان وتفريغ الحياة من مخزونها الروحي، من جهة أخرى. فغارسيا لوركا الذي خاطب والت ويتمان في ديوانه «شاعر في نيويورك» بقوله: «لم أكفّ للحظة واحدة يا والت ويتمان العجوز والجميل \ عن التملي برؤية لحيتك المغمورة بالفراشات \ وكتفيك المخمليين المصقولين بضوء القمر»، يعبر عن مشاعره السلبية إزاء مدينة الأبراج الشاهقة والأضواء التي تعشي العيون بالقول: «إنها رهبة البرودة والقسوة، مشاهد الانتحار ومصابي الهستيريا وحالات الإغماء. شعور مروع ولكن دون عظمة». ولم تكن مشاعر أدونيس العربي، حين زار المدينة بعد عقود، لتختلف كثيراً عن مشاعر سلفه الإسباني، وهو الذي بدت قصيدته الشهيرة «قبر من أجل نيويورك» بمثابة استشعار حدسي بما أصاب المدينة في الحادي عشر من أيلول سبتمبر من العام 2001 حيث يقول: «نيويورك - هارلم، مَن الآتي في مقصلة حرير؟ من الذاهب في مقصلة بطول الهدسون؟ انفجرْ يا طقس الدمع، تلاحمي يا أشياء التعب، هل جاءك طائر الموت وسمعت آخر الحشرجة؟ حبْلٌ والعنق يجدل الكآبة، وفي الدم سويداء الساعة». وحتى الشاعر الأميركي ألن غينسبيرغ الذي أطلق قصيدته «عواء» ضد التصحر الروحي الأميركي، لا يتردد في رمي المدينة بشظايا نقده الجارح، متحدثاً عن «الهبائيين برؤوس ملائكة الذين يتحرقون للوصال السماوي العتيق بالدينمو النجومي لمكننة الليل \ والذين بفقرٍ وفي خِرَق وبعيون مجوفة جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشقق بلا ماء حار \ ومن قُبض عليهم في لحاهم العانيّة عائدين إلى نيويورك بحزام من الماريغوانا».
قد لا يستطيع عابر مثلي، يزور نيويورك للمرة الأولى ولأيام معدودة فقط، أن يصدر حكماً حاسماً وعادلاً على واحدة من أكثر المدن غرابة واكتظاظاً وإرهاصاً بمآلات الحداثة ومصائر الكوكب الأرضي. صحيح أنني زرت على عجل معالم المدينة الأبرز، متنقلاً بين شارع برودواي والتايمز سكوير، وبين مبنيي الأمم المتحدة والأمباير ستيت، وبين جسري بروكلين وجورج واشنطن، وبين فندق الفير فارم الهادئ في نيو جيرسي وتمثال الحرية، وغير ذلك من المعالم، لكن الصحيح أيضاً أن التعرف إلى أحشاء المدينة وسريرتها العميقة وإيقاعها الباطني يحتاج إلى أشهر أو سنوات عدة. ومع أنني وقفت ذاهلاً إزاء ذلك الخلل الواضح في علاقة الجسد الإنساني الضئيل بفضائه المكاني الهائل الذي يعكسه أفراط الأبراج في الارتفاع وضخامة المباني المتخاصرة.
ومع ذلك فلم تبد لي المدينة بالقسوة التي تخيلتها أو قرأت عنها. ربما لأنني كنت أتوقع مسبقا مشاهدة ما شاهدته، وربما لأن الزمن قد تغير ولم يعد ذلك الاصطدام القاسي بين القادمين من الأرياف وبين المدن المعولمة يخلف وراءه ذلك النوع السلبي من ردود الفعل الرومانسية التي وسمت الأدب قبل عقود من الزمن. أما الأمسية الشعرية التي أقمتها هناك تحت عنوان «هجرة الكلمات»، فقد جاءت تلبية لدعوة مشتركة من الرابطة القلمية الجديدة التي أسسها الشاعر اللبناني المقيم في نيويورك يوسف عبد الصمد، والجامعة الأميركية في بيروت ممثلة بمسؤولة إعلامها لينا بيضون، والقنصل اللبناني العام في المدينة مجدي رمضان، فقد عكس الحضور الكثيف الذي ملأ قاعة اجتماعات الجامعة تعطش المهاجرين اللبنانيين والعرب إلى هذا النوع من الأنشطة الثقافية التي تكسر رتابة الحياة اليومية وتخفف من وطأة السباق المرهق لتحقيق الاكتفاء المادي والمكانة الاجتماعية المرموقة. وحيث تبدلت صروف الزمن ومآلاته عما كانت في مطالع القرن الفائت، حيث أخلى مهاجرو مطالع القرن الفائت من العمال وباعة «الكشة» أماكنهم وأدوارهم للأجيال اللاحقة من المثقفين وذوي الاختصاصات العلمية العالية، فقد بدا الحضور النيويوركي المستند إلى خلفية معرفية عميقة، والذي ضم نخبة من المثقفين والإعلاميين والسياسيين والشعراء اللبنانيين والعرب، قادراً على التفاعل مع القصائد الملقاة بما يتلاءم مع طبيعة النصوص والصور والمناخات التعبيرية، بعيداً عن التطريب السمعي والصخب الاحتفالي.
كان من المفترض أن تكون نيويورك هي المحطة الوحيدة في زيارتي الأولى إلى الولايات المتحدة، غير أن الأمور جرت على غير ما كان مخططاً لها. فقد حدث خلال وجودي هناك أن تلقيت «عرضاً» يصعب رفضه من الصديق عمر خالدية الذي اقترح استضافتي في منزله في فيرجينيا وإقامة أمسية هناك بدعوة من «مجلس الفكر العربي» الذي أسسه قبل سنوات الكاتب الفلسطيني محمد ربيع. وما شجعني على قبول الدعوة هو عرض آخر سخي من قريب لي بأن يقلني ذهاباً وإياباً في سيارته الخاصة، وهو ما أتاح لي أن «أتصفح» بالعين المجردة تلك المنبسطات الأرضية المترعة بالألوان التي سبق لعاشق السفر جاك كيرواك أن وصفها بالتفصيل في كتابه «على الطريق»، وهو يقطع أميركا من الوريد إلى الوريد. ورغم قصر المدة الزمنية المتاحة لي هناك فقد بدت العاصمة الفيدرالية واشنطن بامتدادها الأفقي وحدائقها الوارفة ومبانيها التراثية الباذخة ذات الطراز الباروكي، مختلفة تماماً عن نيويورك ذات التصميم العمودي والاكتظاظ المفرط في البشر والمباني. أما الأمسية الشعرية التي تم التحضير لها على عجل فقد حوّلها الحضور النوعي إلى لقاء دافئ وحميم على مائدة اللغة الأم. وفيما كان جيل الشبان المولودين في أميركا، والذين يجهلون العربية، غائباً بشكل شبه تام عن المناسبة، كان معظم الحضور من المخضرمين وذوي الأعمار المتقدمة نسبياً، والذين وفر لهم الشعر سبيل الانفصال عن حاضرهم، واستعادة ذلك الشطر القديم من أعمارهم الذي قضوه في ربوع أوطانهم الأصلية. وهو ما انعكس أيضا في السهرتين الحميميتين اللتين توزعتا تباعاً بين المساررة الوجدانية والنقاشات الفكرية والسياسية التي تتناول شؤون العرب الراهنة في الأوطان والمهاجر.
ولم يدر في خلدي، وأنا أعود إلى نيويورك متهيئاً لرحلة الإياب إلى بيروت، أنني سأتلقى دعوة جديدة من الصديق عون جابر الذي تمنى علي أن أستهل بأمسية شعرية أنشطة المؤسسة الثقافية، التي أنشأها في ديربورن، تحت اسم «الندوة للفكر الحر». ولم تكن الأمسية بحد ذاتها هي ما دفعني إلى تلبية الدعوة، بل الرغبة في التواصل مع أصدقاء وأقرباء ورفاق مخذولي الأحلام قرروا إبان الحروب الطويلة والعقيمة أن يضعوا ما تبقى من رهاناتهم في عهدة المدينة الأميركية المكتظة بالمهاجرين العرب واللبنانيين، وخصوصا الجنوبيين الذين يشكلون القسم الأكبر من سكانها والذين عكَس الكاتب اللبناني أحمد بيضون أحوالهم وتفاصيل عيشهم في كتابه المميز «بنت جبيل - ميشيغان».
والحقيقة أن ديربورن، الشبيهة بقرية واسعة والتي تنتشر على جنبات شوارعها اللافتات التي تحمل بالعربية أسماء أصحابها وأنواع معروضاتها، تمنح زوارها شعوراً بالألفة والحنو، وتجعل اللبنانيين منهم يشعرون كما لو أنها واحدة من قراهم الجنوبية الوادعة. أما الأمسية الشعرية التي أقيمت في «المتحف العربي الأميركي» فقد كانت مفاجأة المدينة الحقيقية بالنسبة لشخص مثلي لم تسبق له زيارتها من قبل. ليس فقط بسبب الحشد الغفير الذي غصت به القاعة بل بسبب ذلك الفيض من الحب والتواصل الإنساني والتفاعل الوجداني مع القصائد الملقاة في الآن ذاته. وقد انعكس ذلك أيضاً في التقديم اللافت للشاعرة زينب عساف، وفي الكلمات الترحيبية المؤثرة لكل من صاحب الدعوة عون جابر، والقنصل سوزان ياسين، والسفير السابق علي عجمي. وإلى زيارة المتحف العربي الذي تكفل رئيسه حسن جابر باطلاعي على ما فيه من صور المهاجرين الأوائل ومقتنياتهم، وزيارة شركة فورد ومتحفها الصناعي الفريد، كانت اللقاءات المتكررة مع الأصدقاء الجدد والقدامى، وسهرات الألفة والحوارات المحببة التي تمتد حتى الصباح في بعض الأحيان، تطبع الرحلة إلى أميركا بطابعها الأليف والتلقائي والبعيد عن التكلف. حتى إذا حانت لحظة المغادرة بعد سبعة عشر يوماً من الصخب والشعر ومتعة المغامرة والتواصل الإنساني والمعرفي، كان على القلب أن يقسم نفسه بالتساوي بين التطلع إلى نبضه الأوّلي، وبين الالتفات إلى الوراء حيث يخلّف وراءه ذكريات لا تمّحي وأصدقاء لا سبيل إلى نسيانهم.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.