«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

الكاتب الألماني مزج بين السخرية اللاذعة والحس الإنساني

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات
TT

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«آيرلندا موجودة لكن الكاتب لا يتحمل وزر إن زارها أحدهم ولم يجدها»، بهذه العبارة يقدم الكاتب الألماني الشهير هاينريش بول (1917 - 1985) لكتابه المعنون «يوميات آيرلندية» لأنه يعرف عن يقين أن الآخرين لن يشاهدوا آيرلندا بعينيه، التي وثق رحلته إليها بمزيج نادر من الحس الإنساني مع الملحوظات العفوية المشحونة بالسخرية اللاذعة.

الكتاب صدرت ترجمة جديدة له أنجزها ماجد الخطيب عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، وتبلغ أهمية الكتاب أنه أدار في ستينات القرن الماضي دفة مئات الآلاف من السياح الألمان نحو آيرلندا؛ مواطنين يودون مشاهدة آيرلندا بعيني الكاتب بعد أن قرأوا القصص الغريبة والطريفة والانطباعات الذكية التي أوردها بول في نصوصه، حتى أن الكاتب الآيرلندي البارز هوغو هاملتون يعترف بأنه تحول إلى سائح في بلده ينظر إلى البشر والحواضر بشكل آخر بعد أن قرأ هذا العمل الأيقوني ضمن سياق أدب الرحلات.

يضم الكتاب انطباعات ومشاهدات وسرداً قصصياً من الحياة اليومية للآيرلنديين آنذاك عبر الغور العميق في الروح الإنسانية، الذي عُرف به الكاتب المنحدر من مدينة كولونيا، مؤكداً أن الآيرلنديين كانوا شعباً يحاول الاستفاقة من كابوس التاريخ في أوروبا، أو مجرد بقعة منسية من أوروبا على المحيط الأطلسي لا تزال تغط في سباتها رغم أن غبار الحرب العالمية الثانية لم يبلغها، كما لاحظ جيمس جويس.

يرى بعض النقاد الألمان أن بول كان يبحث في آيرلندا عن هويته التي طمستها إلى حد ما سنوات الحكم النازي والحرب العالمية، فراح يبحث في هذه البقعة من الأرض عن السلام والاطمئنان الذي فقده في ألمانيا بسبب التهم السياسية والأمنية التي كانت تلاحقه. أراد أن يعثر على ما يفتقده في شخصيته من مرح وسخرية وعفوية، فالألماني نقيض الآيرلندي في العديد من النواحي، حيث إنه منضبط ودقيق وجاد ومبرمج، على عكس فوضوية وسخرية وعفوية الآيرلندي.

يقول الآيرلندي: «حينما خُلق الزمن... خلق منه الكثير»، لذلك لم يكن للزمن قيمة عنده في تلك السنوات في حين يسابق الألماني الوقت لإعادة بناء ما خلفته الحرب، حتى أنه عندما يتأخر عرض الفيلم ساعتين في السينما لا يتذمر أحد، وربما لن تجد ساعة حائط حتى في محطة قطارات دبلن الرئيسية في ذلك التوقيت.

يقدم بول لوحة غنية بالتفاصيل عن حياة الآيرلنديين التي لا تحسب حساباً للوقت ويصف تعلقهم بشرب الشاي ليلاً ونهاراً وتدينهم المفرط وإدمانهم الكحول والمراهنات في سباق الخيول. اللافت أن الآيرلنديين في الخمسينات قاموا بتحويل دور السينما إلى مجتمع صغير تتطاير فيه أغطية الشمبانيا في حين يسرد أحدهم وهو جالس في الصف الثالث من قاعة العرض نكتة إلى آخر يجلس في الصف العاشر. لم يكتف بول بوصف «قمرة النوتي» في أماكن اللهو والشراب، بل دخلها وعاش تجربة احتساء الكحوليات في كبائن صغيرة لا تزيد مساحتها على متر مربع يجلس فيها الزبون منفرداً، ويظل يحتسي الشراب ولا يخرج منها إلا إذا انتهت نقوده أو سقط مغشياً عليه وتم نقله بعربة الإسعاف.

يلاحظ الكاتب أن كثيراً من الآيرلنديين يعزون مصائبهم وفقرهم إلى الأقدار التي لا يمكن مقاومتها، وهي ظاهرة سلبية تنطوي على مفارقة لافتة، فهم لا يفعلون شيئاً لتغيير ذلك، بل يفقد الواحد ساقه في حادث أو ينهار بيته في حريق أو يغرق المركب الذي يهاجر فيه إلى الولايات المتحدة لكنه يكتفي بترديد مقولة «أنه كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ».

المطر العاصف ظاهرة يومية في حياة الآيرلنديين، بفضله تحوّل البلد إلى بقعة خضراء من الأرض ينمو عليها العشب والأشجار والمحاصيل الزراعية، لكن الشمس نادرة للغاية حتى أن البعض يؤرخون للوقائع الشهيرة في حياتهم باليوم المشمس الفلاني أو الصباح المشرق في سنة كذا. ومن أمثلة ذلك أن يحكي شرطي المرور للمؤلف عن ابنته التي وُلدت في يوم مشمس قبل اليوم الذي قتلت فيها امرأة مجنونة أحد رجال الدين الذين تحبهم بدعوى إرساله إلى الجنة.

ولد هاينريش بول عام 1917 في مدينة كولونيا لعائلة ذات جذور إنجليزية، وطبعت مرارة العيش بصماتها على طفولته، فعانى ويلات الجوع بعد الحرب العالمية الأولى، ثم زجّت به الأقدار جندياً في أتون الحرب العالمية الثانية، لتشكل التجارب القاسية في جبهات القتال جوهر رؤيته الأدبية ومواقفه السياسية الرافضة للظلم. ويعد بول مهندس «إعادة الاعتبار» للأدب الألماني بعد عام 1945؛ إذ نجح في كسر العزلة الثقافية لبلاده ومنح أدبها اعترافاً دولياً، وبحسب كاتب سيرته «هاينريش فومفيغ»، لم يحظَ أديب ألماني في العصر الحديث بمثل ذلك التأثير العميق والحب العالمي الذي ناله بول.

وكان قطباً بارزاً في «مجموعة 47»؛ تلك النخبة الأدبية التي سعت لبناء وعي ألماني جديد فوق ركام الهزيمة، وبصفتهم رواداً لهذا التحول، حاول هو ورفاقه - مثل غونتر غراس - تطهير اللغة من الآيديولوجيا النازية، معالجين قضايا الذنب، والعدمية، والمسؤولية التاريخية، مستلهمين ذلك من الفلسفة الوجودية.

أثمرت موهبته الاستثنائية سلسلة من الروائع الخالدة التي تُرجمت للعربية، وحُوّلت لأعمال سينمائية ومسرحية، منها «وصل القطار في موعده»، و«لم ينطق بكلمة واحدة»، و«بلياردو في التاسعة والنصف». وتوجت هذه المسيرة الإبداعية بحصوله على جائزة نوبل للآداب، ليبقى رمزاً للجندي الذي تمرد بقلمه على بشاعة الحرب.


مقالات ذات صلة

شخصية المثقف في واقع مضطرب

ثقافة وفنون غلاف مذكرات خاتون كرخية

شخصية المثقف في واقع مضطرب

تقدّم رواية «مذكرات خاتون كرخية» للروائي خضير فليح الزيدي تصويراً مركّباً ومعمّقاً لشخصية المثقف في سياق اجتماعي وسياسي مضطرب،

د. إحسان الزبيدي
ثقافة وفنون تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

بعد نصف قرنٍ على ولادة «أبل» في مرآبٍ صغيرٍ بوادي السيليكون، يبدو الاحتفاء بها أقرب إلى تأملٍ في سيرة عصرٍ كاملٍ تشكّل على وقع الشاشة، واللمس، والصورة، والسرعة…

ثقافة وفنون صراع الهجرة وهشاشة الحدود

صراع الهجرة وهشاشة الحدود

في روايتها «ليالي سان دوني» الصادرة أخيراً عن دار «العين» بالقاهرة، لا تراهن الروائية اللبنانية لنا عبد الرحمن على الإيقاعات الباريسية الصاخبة،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون «مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه

«مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه

«مواقع للتذكّر»، لأبيبي زيغايي (Abebe zegeye)، كتاب غني بالرسوم التوضيحية، المثيرة للتفكير. وهدف الكتاب، كما يدل عنوانه، هو استكشاف معنى ومفهوم الفن من منظور أف

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون صادق الصايغ

صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

نعى «اتحاد الكتاب العراقيين»، والوسط الثقافي العراقي، الشاعر صادق الصايغ، الذي رحل مساء الجمعة في العاصمة البريطانية.

زهير الجزائري

شخصية المثقف في واقع مضطرب

غلاف مذكرات خاتون كرخية
غلاف مذكرات خاتون كرخية
TT

شخصية المثقف في واقع مضطرب

غلاف مذكرات خاتون كرخية
غلاف مذكرات خاتون كرخية

تقدّم رواية «مذكرات خاتون كرخية» للروائي خضير فليح الزيدي تصويراً مركّباً ومعمّقاً لشخصية المثقف في سياق اجتماعي وسياسي مضطرب، وذلك من خلال عدسة مقهى شعبي يتحوّل إلى مرآة لأزمات المثقف العربي عامة، والعراقي على وجه الخصوص، إذ تعكس الرواية صورة المثقف، ليس كشخصية نخبوية منعزلة، بل ككائن منغمس في هموم اليومي، ويعاني من التناقضات بين المثال والواقع، بين الحلم بالفاعلية والوقوع في شراك الهامشية والوضع الاقتصادي المزري.

من خلال تحليل الرواية، نستكشف تشريحاً وجوديّاً واجتماعيّاً لصورة المثقف بوصفه شاهداً، وضحية، وحاملاً للذاكرة، إذ يظهر «جميل القربان» ككاتب شكاوى وناقل للحكايات، وهو نموذج للمثقف العضوي الذي يعيش بين الناس ويكتب همومهم. مهنته في كتابة الشكاوى سمحت له بأن «مرّت من خلف نظارته كل مشكلات الكون»، ممَّا يجعله أرشيفاً حيّاً للألم اليومي. هذا الدور يشبه دور المؤرخ الشعبي الذي يسجل ما يتجاهله التاريخ الرسمي، فضلاً عن أن اهتمامه بحكاية سعاد خاتون الكرخية التي اغتصبها أحد أقاربها، يضعه في موقع حامل الذاكرة الجريحة، ممَّا يعكس مسؤولية المثقف في حفظ قصص المظلومين والمهمّشين وإعادة الاعتبار لهم.

أمَّا شخصية الكاتب الراحل حسب الحاج (والد الراوي) فتقدّم كنموذج للمثقف الذي وقع في فخّ النجاح المبكر، وعانى من عقدة الإبداع والإخفاق، ولم يستطع تجاوزه. قصته (منشور سري) التي نشرها على جدران المدينة، أصبحت بمثابة العقدة التي منعته من الإنتاج الأدبي اللاحق، هذه العقدة ترمز إلى أزمة المثقف العربي الذي يقع تحت وطأة النجاح الأول أو الصورة النمطية، فيفشل في تطوير ذاته أو تجاوز ذاك الإنجاز. كما أن موته من دون تحقيق حلمه الأدبي يكشف عن الفجوة بين الطموح الرومانسي والإمكانات الواقعية، وهي فجوة يعيشها العديد من المثقفين في عالم تخلّى عن دعمه للثقافة بشكل عام.

ويبدو أن الراوي ومن خلفه (خضير فليح الزيدي) أراد من خلال علاقة المثقفين في المقهى بنظام الديون (جدولة الديون) أن يقدّم نقداً لاذعاً لوضعية المثقف الاقتصادية الهشّة، فـ«جميل القربان» نفسه مدين للحاج حمادة، وهذا الدين يحدُّ من حريته ويجعله رهينة لانتظار عمل كتابي يسدّد به دينه. هذه الحالة تظهر التبعية المادية التي تقوض استقلالية المثقف وتجعله خادماً لمن يملك المال. حتى المثقف المغترب القادم حديثاً من النرويج، الذي قدّم مفهوم «الجدولة» يظهر كمحاولة لإبراز الذات الثقافية من دون فهم عميق للواقع المحلي، الأمر الذي يعكس أزمة المثقف المنفصل عن سياقه.

ومن تجليات صور المثقف في الرواية نجد صورة المثقف الهامشي والمهمّش الذي يعيش صراعاً بين الحفاظ على ما تبقى من كرامته أو التخلي عن ثوابته الأخلاقية، فالشخصيات المثقفة في المقهى مثل: ياسر الطويل، والمطرب العاطل، تعيش على هامش المجتمع، فياسر الطويل، الذي «يقرأ المقامات الأكثر صعوبة بنشاز واضح»، يرمز إلى المثقف أو الفنان الذي فقد مكانته في زمن التحولات الثقافية والسياسية، إذ لم يعد «سوق له بعد اليوم ولا مقبوليّة، حتّى إن ركب الموجة العارمة، فصورته الماثلة لا تنسجم مع روح العصر». هذه الهامشية تجعل المثقف يلجأ إلى التكيف السلبي أو الخنوع، كما يظهر في توقيع الشهود على الكمبيالة بدافع الخوف أو المصلحة. المقهى هنا يصبح ملجأ للمثقفين المنكسرين الذين فقدوا صوتهم في الفضاء العام. كما يسلط النص – بحرفيّة عالية - الضوء على التوتر بين دور المثقف كناقد وواجبه كفرد يحاول البقاء. «سمّوعي اللئيم» (إسماعيل عبد الحق) الذي كان يعمل في النظام السابق «رجل أمن كان مخلصاً في عمله، بدراجة هوائيّة يراقب حتّى النمل والصراصير في المقاهي والسينمات، لكنّه الآن لم يُعد من أزلام النظام المنهار»، ويحاول الآن التكيف مع النظام الجديد، يمثل نموذجاً للمثقف الذي يضحي بمبادئه من أجل الأمان. توقيعه كشاهد على الكمبيالة مقابل تخفيف ديونه يظهر كيف يمكن أن يتحوّل المثقف (أو من يحمل وعياً) إلى أداة في يد السلطة المتمثلة بصاحب المقهى عندما تكون مصلحته الشخصية على المحك.

إنّ الوصايا المعلقة على جدران المقهى، التي تشكل «مخطوطة كتاب الحياة»، تمثل حكمة جماعية راكمها «الرحالون» من المثقفين والعارفين بالحياة. هذه الوصايا مثل: «كن حذراً في التكيّف مع الحياة» و«إيّاك أن تنغمس في حبّ الحياة»، تعكس وعياً وجوديّاً متشائماً، وتُظهر المثقف بوصفه حاملاً لوعي تاريخي متشظٍّ شكّلته تجارب مريرة في تاريخ العراق المضطرب، فالمثقف – في هذا السياق - هو ناقل لهذا الوعي التراجيدي، الذي يخلق خطاباً موازياً للخطاب الرسمي المتفائل، ممَّا يجعله حارساً للذاكرة النقدية، وضحية لتاريخ دموي، وشاهداً منهكاً يحمل عبء الحكايات والديون والذاكرة، لكنّه يظل حاملاً لمشعل الحكاية، حتى إن كان ضوءه خافتاً، فقد أصبح المقهى بوصفه فضاءً مغلقاً وزمناً متجمّداً سجناً وجوديّاً للمثقف، لكنَّه أيضاً منبره الوحيد من خلال شخصيات مثل: «جميل»، و«حسب الحاج»، و«ياسر الطويل». وأصبح السرد نفسه محاولة أخيرة للخلاص، أو على الأقل للمقاومة عبر الكلمة، في عالم حيث «الحياة ليست سوى جدولة الماضي وحساباته المبررة».


تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ
TT

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

بعد نصف قرنٍ على ولادة «أبل» في مرآبٍ صغيرٍ بوادي السيليكون، يبدو الاحتفاء بها أقرب إلى تأملٍ في سيرة عصرٍ كاملٍ تشكّل على وقع الشاشة، واللمس، والصورة، والسرعة، والرغبة الدائمة في امتلاك الأحدث. الحكاية التي بدأت تجربة تقنية محدودة، اتسعت لتغدو إحدى أكثر العلامات حضوراً في الوعي اليومي للإنسان المعاصر. عبر خمسة عقود تحولت «أبل» من مشروعٍ صغيرٍ إلى كيانٍ ينسج صلته بتفاصيل حياة مئات الملايين من البشر: في العمل، والتواصل، والذاكرة، والذائقة، وتمثيل الذات أمام الآخرين. تبدو هذه الرحلة أبعد من قصة صعودٍ مالي، وأعمق من سجل ابتكاراتٍ ناجحة؛ إنها درسٌ في قدرة التكنولوجيا على التحول إلى ثقافة، وقدرة المنتج على اكتساب معنى رمزيّ يتجاوز وظيفته المباشرة. لذلك يمنح اليوبيل الذهبي لـ«أبل» مناسبةً لتفكيك الشيفرة التي جعلت «التفاحة المقضومة» علامةً على الحداثة، والتميز، والانتماء إلى زمنٍ يرى العالم فيه نفسه من خلال شاشات مضيئة.

قبل أن تبلغ «أبل» منزلة الأيقونة الثقافية المعولمة، وجب عليها استيعاب درسٍ تأسيسيٍ: الجودة ثقافة قبل أن تكون تقنية. درس تمتد جذوره إلى اليابان الخارجة من الحرب العالمية الثانية، حين أرسل الجنرال دوغلاس ماك آرثر الفيزيائي هومر ساراسون للمساهمة في إعادة بناء قطاع الاتصالات الياباني، حيث وجد أن جوهر الأزمة يتصل بالعقلية المؤسسية: خوفٌ من مساءلة السلطة، وترددٌ في اتخاذ القرار، وانعدام المبادرة. كان الخلل في تصور العمل ذاته: العلاقة بين العامل والنظام، والفرد والمسؤولية، والمنتج ومعناه الأخلاقي.

علّم ساراسون اليابانيين أن الجودة تبدأ من طريقة التفكير، والثقافة التي تحيط بالإنتاج، والقدرة على تحويل كل تفصيلٍ صغيرٍ إلى جزءٍ من منظومةٍ واعية. غادر اليابان عام 1950، وبقيت أفكاره طازجة في فضاء الصناعة اليابانية حتى صارت فلسفةً شاملةً تحكم أداء كبرى الشركات. وبحلول أواخر السبعينات، كانت المنتجات اليابانية قد رسخت سمعةً عالميةً في الدقة والإتقان. أما «أبل»، التي تأسست عام 1976، فاحتاجت زمناً أطول كي تجعل هذا الدرس جزءاً من بنيتها الداخلية.

عندما أسس ستيف جوبز شركة «نيكست» بعد خروجه من «أبل»، تصوّر أن جمع العقول اللامعة تحت ضغطٍ عالٍ يكفي لإنتاج أشياء عظيمة. لكن تجربته كشفت سريعاً أن العبقرية الفردية تحتاج إلى هندسةٍ ثقافيةٍ تنظّمها، والطاقة الخلاقة تبلغ أثرها حين تتحول إلى عمليةٍ قابلةٍ للتكرار والتحسين. وقد أيقن أن الموهبة الخام تحتاج إلى نظام، والإلهام يحتاج إلى بنية، والمنتج العظيم يولد من عقلٍ جمعي يقيس، ويصحح، ويعيد البناء.

في تلك المرحلة استنار جوبز بأفكار الثمانيني جوزيف غوران، أحد كبار مهندسي الجودة في الولايات المتحدة، الذي دعا إلى النظر في كل شيء بوصفه عملية متكررة، وأن القياس طريق السيطرة على الجودة. انجذب جوبز إلى هذه الرؤية، التي منحت الحدس الإبداعي جسداً قابلاً للإدارة. لكن التحول جاء متأخراً بالنسبة إلى «نيكست»، التي توقفت عن التصنيع عام 1993. انتقل هذا الإدراك مع جوبز إلى تجاربه التالية، وتحول إلى ذخيرةٍ فكريةٍ ستظهر آثارها لاحقاً.

ولدى شرائه شركة «بيكسار»، واجه معضلة ثقافية مغايرة، إذ ضم الاستوديو نخبةً مبدعةً قادرةً على إنتاج فيلمٍ ناجح، ثم تخرج منهكةً عقب كل مشروع، وكأن النجاح يستنزف شروط استمراره. طبق جوبز فلسفة العملية المنظمة: بناء نظامٍ يسمح بانتقال العمل، وتراكم المعرفة، واستكمال المشروع من أي نقطة. وبهذا المعنى، تحولت «بيكسار» من ورشةٍ إبداعيةٍ عميقة الموهبة إلى مؤسسةٍ قادرةٍ على الاستدامة، ومن حالةٍ فنيةٍ استثنائيةٍ إلى بنيةٍ تنتج الخيال بانتظام.

عاد جوبز إلى «أبل» في 1997، وكانت الشركة على حافة الانهيار وجلب معه خبراء تشربوا دروس الجودة من «هيوليت باكارد» و«موتورولا»، ومزج خبراتهم بما تعلمه في «بيكسار» و«نيكست» ليقدم بهم منجزه الأكثر تأثيراً: المنتج الأيقوني ثمرة منظومةٍ كاملة، والجمال الصناعي نتاج ثقافةٍ مصنعية تجعل الجودة قابلةً للتوسع على نطاقٍ هائل. ومع جهاز «iPod nano» عام 2005، بدأت العناصر المتفرقة تتجمع في صيغةٍ واحدة: تصميمٌ رشيق، تصنيعٌ دقيق، تجربة مستخدمٍ سلسة، ورغبةٌ قادرةٌ على تحويل الجهاز الصغير إلى علامةٍ على زمنٍ جديد.

تجاوز مشروع «أبل» مسألة التصنيع إلى طرح ثقافيٍّ أعمق: تحويل الحرفة إلى خوارزمية، واللمسة الإنسانية إلى إجراءٍ قابلٍ للتكرار. لقد تعاونت الشركة مع حرفيين في اليابان لتطوير عملياتٍ دقيقة، من بينها صناعة الهيكل الفولاذي العاكس. سُجلت أدق التفاصيل: زاوية المعصم، ومقدار الضغط، والسرعة، وإيقاع الحركة، وحتى صوت التلميع. تحولت الحرفة، التي كانت تنتقل بالتوارث والخبرة اليدوية، إلى كودٍ رياضي، ثم نُقلت إلى الصين كي تُعاد على نطاقٍ صناعيٍّ شاسع. عند تلك اللحظة أبرق نجم «أبل»: الجمع بين روح الفن ومنطق المصنع، وبين أثر اليد وصرامة الآلة، وبين الهالة الجمالية ومتطلبات الإنتاج الضخم.

خارج المصانع، بنت «أبل» لنفسها موضعاً خاصاً في المخيلة العالمية. فمنذ ظهوره، تجاوز الآيفون وظيفة الاتصال، وصار حاملاً لمعانٍ اجتماعيةٍ وثقافية، ومرآةً لطريقة حضور الفرد في العالم. الهاتف هنا وسيلةٌ للحديث، وكاميرا للذاكرة، ومحفظة للهوية، ومسرحٌ صغيرٌ يمارس عليه الإنسان صورته اليومية. هكذا غدا اقتناء الجهاز إشارةً إلى موقعٍ رمزي، وانضماماً إلى جماعةٍ متخيلةٍ ترى نفسها أقرب إلى الإبداع، والأناقة، والتميز.

روّجت «أبل» لنفسها عبر فكرة «التفكير بشكل مختلف»، فشيدت حول منتجاتها وعداً ثقافياً: من يختارها يقترب من عالمٍ أكثر صفاءً وجرأةً وقدرةً على تحويل العمل إلى أسلوب حياة. بهذا الوعد تشكل ولاءٌ استثنائيٌّ، حيث ارتبطت الأجهزة بصورة الذات الحديثة: ذات أنيقة، خفيفة، خلاقة، واثقة من أدواتها. وتظهر إعلانات «أبل»، في معظمها، كدعوةٍ إلى نمط عيشٍ مرغوب، أكثر من كونها شرحاً لمواصفاتٍ تقنية. الشاشة اللامعة نافذةٌ على هوية، والجهاز امتدادٌ للجسد، والواجهة البيضاء لغةٌ بصريةٌ توحي بالنقاء والسيطرة والانسجام.

تشير القراءات السيميائية إلى أن «أبل» بنت علامتها عبر ثلاثية: الاسم، والمنتج، والمزاج. الاسم/ الشعار «تفاحة»، يحمل خفةً ومرحاً وسهولةً في التحول إلى أيقونةٍ عابرةٍ للغات والثقافات. والمنتجات تمنح العلامة أرضيتها العملية عبر الأداء والجودة والتكامل. أما المزاج فقد تحرك عبر مراحل متوالية: روح التمرد في الثمانينات، طموح الريادة في التسعينات، ثم الراحة الواثقة في الألفية الجديدة. ومن هذا التداخل بين الاسم والشيء والإحساس، صارت «أبل» ظاهرةً تتجاوز حدود الشركة، ورمزاً ثقافياً معولماً لعصر الإنترنت بأكمله.

بحلول عام 2011، اعتلت «أبل» قمة القيمة السوقية العالمية. وبعد رحيل جوبز المبكر، قاد تيم كوك الشركة إلى طورٍ جديدٍ تضاعفت فيه أرباحها، واتسع فيه مفهومها لذاتها، إذ تحولت تدريجياً من شركةٍ تتمحور حول دورة الأجهزة الكبرى إلى منظومةٍ رقميةٍ واسعة، يشكل قطاع الخدمات فيها رافداً مركزياً من روافد الربح: عمولات متجر التطبيقات، واشتراكات التخزين، وصفقات البحث، ومجمل البنية التي تجعل المستخدم يعيش داخل فضاءٍ مغلقٍ ومريحٍ في آنٍ واحد. تجاوزت قاعدة المستخدمين ملياراً ونصف المليار إنسان، وتحولت هذه الكتلة إلى مجتمعٍ رقميٍّ هائل، وسوقٍ ثقافيةٍ يحرص صانعو التطبيقات والمحتوى والمنافسون على الوجود داخلها.

هذا التحول يعيد تعريف معنى شركة التكنولوجيا. صارت «أبل» صانعة أجهزة، وحارسة بوابة، ومنسقة نظامٍ بيئيٍّ كامل. المستخدمون داخل هذا العالم يصنعون المحتوى، ويستهلكونه، ويشترون التطبيقات، ويدفعون الاشتراكات، ويعيدون إنتاج الولاء نفسه عبر عاداتٍ يوميةٍ صغيرة. في هذا الكون، تبيع «أبل» الجهاز والتجربة، الراحة والانتماء، الأداء والإحساس، وتحوّل علاقة المستهلك بالمنتج إلى علاقةٍ طويلةٍ مع بيئةٍ كاملةٍ من الخدمات والرموز والإيماءات.

قصة «أبل»، بهذا المعنى، قصة انتقال معرفةٍ عبر القارات، وخطوط التجميع، وأنظمة الإدارة، وأشكال الخيال. إنها قصة تعلمت فيها الصناعة الأميركية من اليابان، ثم أعادت صياغة الدرس بين مختبرات كاليفورنيا ومصانع آسيا. وهي أيضاً قصة الصين التي راكمت خبرةً صناعيةً هائلةً من خلال إنتاج أجهزة صُممت لتبدو كأنها قادمةٌ من عالمٍ أملس، خفيف، ومثالي. وفي العمق، إنها قصة شركةٍ استطاعت أن تجعل من شعارٍ بسيطٍ حاملاً لمعاني التمرد، والإبداع، والتميز، والانتماء.

اليوم، تدخل «أبل» مرحلةً جديدةً مع صعود جيلٍ قياديٍّ وسط تحديات الذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية، وأسئلة سلسلة التوريد، والبحث عن الموجة التالية من الابتكار. لكن جوهر الحكاية يبقى في قدرة هذه الشركة على عكس تحولات عصرها وصناعتها في آنٍ واحد. «أبل» مرآةٌ للحداثة الرقمية: تصنع المنتجات، وتصوغ الرغبات، وتؤثر في الذائقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأدواته. وبعد 50 عاماً، تبدو «التفاحة المقضومة» أكثر بكثير من علامةٍ تجارية؛ إنها استعارةٌ كبرى لعصرٍ كامل، وحلمٌ صناعيٌّ تحول إلى أسطورةٍ ثقافية، وتذكيرٌ بأن تفاحة المعرفة، منذ بدء التكوين، كانت دائماً بوابةً إلى عالمٍ آخر.


صراع الهجرة وهشاشة الحدود

صراع الهجرة وهشاشة الحدود
TT

صراع الهجرة وهشاشة الحدود

صراع الهجرة وهشاشة الحدود

في روايتها «ليالي سان دوني» الصادرة أخيراً عن دار «العين» بالقاهرة، لا تراهن الروائية اللبنانية لنا عبد الرحمن على الإيقاعات الباريسية الصاخبة، بقدر ما تنحاز إلى ظلالها الخفية؛ حيث يتحول قصر «لو شاتو» القابع في ضاحية «سان دوني» إلى مقصد للغرباء والنازحين، والهاربين، وفي هذا الفضاء الهامشي الذي «تختلط فيه الأوراق بالأرواح، والفنون بالطبقات والهويات»، تتشابك الحكايات التي تتقاطع مع سؤال «الوطن» كسؤال حتمي لا مهرب منه.

يقود سؤال الهُوية والوطن في الرواية إلى تأمل طويل عن ماهية «البيت»، فهل هو المكان الذي نعود إليه؟ أم الفضاء الذي تُشبهنا جدرانه؟

عبر هذا الأفق، تبني الكاتبة مُعادلاً رمزياً يتمثَّل في قصر «لو شاتو»، الذي لا يبدو مجرَّد فضاءٍ مكاني؛ إذ تُضفي عليه الكاتبة معالم مؤنسنة، ليغدو كائناً حياً يتنفس بأنفاس قاطنيه من فنانين عرب مهاجرين يمارسون الفن باختلاف أطيافه؛ ما بين الموسيقى والغناء والرسم، وحتى صناعة المحتوى وألعاب السيرك.

فمنذ المشهد الافتتاحي يُبصره السرد بلسان سارِد مجهول، له عينٌ متلصصة تلتقط القصر من مسافة سينمائية بانورامية: «في الداخل يتنفس (لو شاتو) عبر حياة قاطنيه، فنانين، مشرَّدين، غرباء، لاجئين، يملؤون فوضاه الأزلية بأصوات الضحك والغناء»، قبل أن يكشف السارِد العليم عن تاريخه القديم؛ إذ كان يوماً ملكاً لكونت فرنسي إسباني قيل إنه فقد عقله، ثم رحل إلى برشلونة؛ حيث انتهت حياته، تاركاً القصر للنسيان، غير أن السرد الروائي لا ينشغل بتتبع سيرة القصر، أو تقصِّي تاريخ الكونت، بقدر ما يحوِّله إلى فضاءٍ تخييلي يؤسس لعالم أبطاله، ليغدو ملاذاً هشاً، وبيتاً حنوناً مؤقتاً، يتشكَّل عبر حيواتهم، بقدر ما يتداعى بتداعيهم، وبما يحوِّل المكان من خلفية للأحداث إلى مركز لتقاطع الأفكار والمصائر.

ملعب خلفي

في سرد يتنقَّل بين لسان سارِد عليم وضمير المتكلم، تبني الكاتبة عالمها «متعدد الأصوات» مستثمرة تنوُّع أطياف شخصياتها وخلفياتهم، ومن خلال نحو عشرة أصوات لمهاجرين ولاجئين وهاربين، تتشكَّل خريطة إنسانية مُصغَّرة، تُدار في زخم سردي يؤجِّل اكتمال ملامح كل شخصية، فلا تتكشف إلا عبر انعكاسها في مرآة الآخر، أو عبر مونولوجها الداخلي.

وبذلك لا يعود لكل شخصية مسار مستقل مُكتمل؛ بل يغدو الوصول إلى سرديتها الخاصة رحلة تصاعدية لا تنفصل عن تداخلها المستمر مع سرديات الآخرين، بما يعكس حالة التشظي واللايقين التي تحكم هذا العالم.

وإذا كانت ضاحية «سان دوني» الباريسية تمثِّل الفضاء المكاني الرئيسي للسرد، فإن الحمولة الشخصية للذاكرة التي يحملها القادمون إلى القصر تظل حاضرة كملعبٍ خلفي للأحداث؛ حيث تتجاور آثار الحرب والقمع والهجرة، لتُنازع أصحابها في سعيهم للعثور على بيوتٍ بديلة آمنة داخل جدرانه، هرباً من تعقُّب الخارج لهم.

تضع الكاتبة، بين أطياف المغتربين من سكان القصر، بطليها الفرنسيين: «يوهانس» و«كامي» في مركز القصر الذي يديرونه، وفي الوقت نفسه على هامش «المؤسسة» الغربية التي تميل إلى تقويض الهجرة وزحف اللاجئين. فتبدو «كامي»، الناشِطة البيئية، التي تهجر باريس لتسكن في كوخٍ مبني بين شجرتين في محيط قصر «لو شاتو»، صوتاً ينحاز إلى الغرباء، تدعم بقاءهم وتسهِّل إقامتهم غير الشرعية، انطلاقاً من إيمانها بأن «الحدود والملكيات والقوانين تعزِّز الفروق بين البشر وتفرِّقهم. ومن هذا التصور، تربط كامي بين تهجير الإنسان والاعتداء على البيئة، معتبرة أن كليهما ينذر بـ«خراب كونيٍّ»، في رؤية تُوسِّع معنى الهجرة، من كونها أزمة إنسانية إلى سؤال أعمق يتعلق بهشاشة فكرة الحدود نفسها.

فوضى رائعةيبدو منطق الشخصيات المتضارب جزءاً أصيلاً من نسيج السرد القائم على خَلق توترٍ بين اختلافاتهم، يتجاور مع انسجامهم داخل غربة واحدة، فـ«أبو الطيب» السوري يُلخِّص موقفه العدمي باعتبار أن «الحياة ما هي إلا مزحة كبيرة»، بينما «نايا» اللبنانية، التي تنتقل من حياتها الصاخبة كراقصة إلى سيدة بساقٍ مكسورة عاجزة، تجد ضالتها في العزلة داخل هذا القصر البعيد، وكأنها تُعيد تأويل وجودها بمنطق أن «الحياة فوضى رائعة»، في مقابل ذلك، يتبنى «مازن»، المُلقَّب بـ«عمدة المهاجرين»، منطق «كل شيء قابل للتفاوض»، الذي يُقاوض به ماضيه وحاضره معاً، دون أن ينسى لحظة ركوبه قارب الموت بعد أن شهد احتراق حلب.

غير أن هذا التماسك الظاهري يتصدَّع في لحظة هشاشة كاشفة، مع وفاة والدته، بعد أن أخفق في تحقيق وعده لها باصطحابها لباريس وزيارة برج «إيفل»، رغم صورته التي كرَّسها لنفسه بوصفه «جنِّي القارورة»، الذي يلوذ به المهاجرون في أعصى مشكلاتهم.

لا تبدو الهُوية في الرواية معطى ثابتاً، بقدر ما تنكشف بوصفها بناءً متغيراً، يعاد تشكيله مراراً تحت ضغوط السياسة، والذاكرة وآلياتها الدفاعية، والتكيُّف ومراوغاته؛ كما يقول أحد الأبطال: «تعلمت في باريس أن المرونة هي المفتاح للبقاء».

وبينما تنشغل الشخصيات «العربية» بتدبير بقائها داخل القصر هروباً من تعقب السلطات لأوراقهم الرسمية، تسود خارجه سردية «فرنسية» تنظر لهم بوصفهم «كائنات وافِدة إلى عالمهم، تشاركهم في الأرض والماء ومكاسب الوطن، ثم رويداً رويداً، يتناسلون ويحتلون مكانهم في المجتمع، الغرباء القادمون من بعيد، من الأرض المحترقة»، غير أن الرواية لا تتتبَّع خيط هذه السردية ولا تنخرط فيها، بقدر ما تُعرِّي منطقها، كاشفة عن الكيفية التي يُعاد بها إنتاج صورة المهاجر، داخل خطاب يختزله في موقع «الوافِد» المهدِد.

تعتني لنا عبد الرحمن باختيار عوالم شديدة التباين لأبطالها، لا سيما بطلاتها، من «عبير» الليبية التي تدفعها تقلبات الحياة إلى أن تصبح «يوتيوبر» عبر قناتها «عبير في بلاد الله»؛ حيث تغدو نسب المشاهدة زادها المادي في الغربة، ووسيلتها لإعالة بناتها الثلاث، إلى «درصاف» الأفغانية، الهاربة من إرث «طالبان»، التي تسعى إلى تعلُّم الفرنسية وشقِّ طريقها في باريس، ولكنها تظل عالقة بين خيارين متنازعين: الانجراف وراء علاقة حب، أو القبول بزواج مصلحة يضمن لها قدراً من الاستقرار، في محاولة للإفلات من ماضيها الأفغاني.

تضع «ليالي سان دوني» سؤال «البيت» موضع شكٍّ؛ حيث يبدو الانتماءُ رهينَ لحظات عابرة، والفنُ ملاذاً لا يخذل أهل القصر الذين لم يكفُّوا عن الغناء بلهجاتهم حتى لحظة النهاية، التي ينصهر فيها مصيرهم مصحوباً بصوت كسير يُردد: «لا بيت يدوم».