تقدّم رواية «مذكرات خاتون كرخية» للروائي خضير فليح الزيدي تصويراً مركّباً ومعمّقاً لشخصية المثقف في سياق اجتماعي وسياسي مضطرب، وذلك من خلال عدسة مقهى شعبي يتحوّل إلى مرآة لأزمات المثقف العربي عامة، والعراقي على وجه الخصوص، إذ تعكس الرواية صورة المثقف، ليس كشخصية نخبوية منعزلة، بل ككائن منغمس في هموم اليومي، ويعاني من التناقضات بين المثال والواقع، بين الحلم بالفاعلية والوقوع في شراك الهامشية والوضع الاقتصادي المزري.
من خلال تحليل الرواية، نستكشف تشريحاً وجوديّاً واجتماعيّاً لصورة المثقف بوصفه شاهداً، وضحية، وحاملاً للذاكرة، إذ يظهر «جميل القربان» ككاتب شكاوى وناقل للحكايات، وهو نموذج للمثقف العضوي الذي يعيش بين الناس ويكتب همومهم. مهنته في كتابة الشكاوى سمحت له بأن «مرّت من خلف نظارته كل مشكلات الكون»، ممَّا يجعله أرشيفاً حيّاً للألم اليومي. هذا الدور يشبه دور المؤرخ الشعبي الذي يسجل ما يتجاهله التاريخ الرسمي، فضلاً عن أن اهتمامه بحكاية سعاد خاتون الكرخية التي اغتصبها أحد أقاربها، يضعه في موقع حامل الذاكرة الجريحة، ممَّا يعكس مسؤولية المثقف في حفظ قصص المظلومين والمهمّشين وإعادة الاعتبار لهم.
أمَّا شخصية الكاتب الراحل حسب الحاج (والد الراوي) فتقدّم كنموذج للمثقف الذي وقع في فخّ النجاح المبكر، وعانى من عقدة الإبداع والإخفاق، ولم يستطع تجاوزه. قصته (منشور سري) التي نشرها على جدران المدينة، أصبحت بمثابة العقدة التي منعته من الإنتاج الأدبي اللاحق، هذه العقدة ترمز إلى أزمة المثقف العربي الذي يقع تحت وطأة النجاح الأول أو الصورة النمطية، فيفشل في تطوير ذاته أو تجاوز ذاك الإنجاز. كما أن موته من دون تحقيق حلمه الأدبي يكشف عن الفجوة بين الطموح الرومانسي والإمكانات الواقعية، وهي فجوة يعيشها العديد من المثقفين في عالم تخلّى عن دعمه للثقافة بشكل عام.
ويبدو أن الراوي ومن خلفه (خضير فليح الزيدي) أراد من خلال علاقة المثقفين في المقهى بنظام الديون (جدولة الديون) أن يقدّم نقداً لاذعاً لوضعية المثقف الاقتصادية الهشّة، فـ«جميل القربان» نفسه مدين للحاج حمادة، وهذا الدين يحدُّ من حريته ويجعله رهينة لانتظار عمل كتابي يسدّد به دينه. هذه الحالة تظهر التبعية المادية التي تقوض استقلالية المثقف وتجعله خادماً لمن يملك المال. حتى المثقف المغترب القادم حديثاً من النرويج، الذي قدّم مفهوم «الجدولة» يظهر كمحاولة لإبراز الذات الثقافية من دون فهم عميق للواقع المحلي، الأمر الذي يعكس أزمة المثقف المنفصل عن سياقه.
ومن تجليات صور المثقف في الرواية نجد صورة المثقف الهامشي والمهمّش الذي يعيش صراعاً بين الحفاظ على ما تبقى من كرامته أو التخلي عن ثوابته الأخلاقية، فالشخصيات المثقفة في المقهى مثل: ياسر الطويل، والمطرب العاطل، تعيش على هامش المجتمع، فياسر الطويل، الذي «يقرأ المقامات الأكثر صعوبة بنشاز واضح»، يرمز إلى المثقف أو الفنان الذي فقد مكانته في زمن التحولات الثقافية والسياسية، إذ لم يعد «سوق له بعد اليوم ولا مقبوليّة، حتّى إن ركب الموجة العارمة، فصورته الماثلة لا تنسجم مع روح العصر». هذه الهامشية تجعل المثقف يلجأ إلى التكيف السلبي أو الخنوع، كما يظهر في توقيع الشهود على الكمبيالة بدافع الخوف أو المصلحة. المقهى هنا يصبح ملجأ للمثقفين المنكسرين الذين فقدوا صوتهم في الفضاء العام. كما يسلط النص – بحرفيّة عالية - الضوء على التوتر بين دور المثقف كناقد وواجبه كفرد يحاول البقاء. «سمّوعي اللئيم» (إسماعيل عبد الحق) الذي كان يعمل في النظام السابق «رجل أمن كان مخلصاً في عمله، بدراجة هوائيّة يراقب حتّى النمل والصراصير في المقاهي والسينمات، لكنّه الآن لم يُعد من أزلام النظام المنهار»، ويحاول الآن التكيف مع النظام الجديد، يمثل نموذجاً للمثقف الذي يضحي بمبادئه من أجل الأمان. توقيعه كشاهد على الكمبيالة مقابل تخفيف ديونه يظهر كيف يمكن أن يتحوّل المثقف (أو من يحمل وعياً) إلى أداة في يد السلطة المتمثلة بصاحب المقهى عندما تكون مصلحته الشخصية على المحك.
إنّ الوصايا المعلقة على جدران المقهى، التي تشكل «مخطوطة كتاب الحياة»، تمثل حكمة جماعية راكمها «الرحالون» من المثقفين والعارفين بالحياة. هذه الوصايا مثل: «كن حذراً في التكيّف مع الحياة» و«إيّاك أن تنغمس في حبّ الحياة»، تعكس وعياً وجوديّاً متشائماً، وتُظهر المثقف بوصفه حاملاً لوعي تاريخي متشظٍّ شكّلته تجارب مريرة في تاريخ العراق المضطرب، فالمثقف – في هذا السياق - هو ناقل لهذا الوعي التراجيدي، الذي يخلق خطاباً موازياً للخطاب الرسمي المتفائل، ممَّا يجعله حارساً للذاكرة النقدية، وضحية لتاريخ دموي، وشاهداً منهكاً يحمل عبء الحكايات والديون والذاكرة، لكنّه يظل حاملاً لمشعل الحكاية، حتى إن كان ضوءه خافتاً، فقد أصبح المقهى بوصفه فضاءً مغلقاً وزمناً متجمّداً سجناً وجوديّاً للمثقف، لكنَّه أيضاً منبره الوحيد من خلال شخصيات مثل: «جميل»، و«حسب الحاج»، و«ياسر الطويل». وأصبح السرد نفسه محاولة أخيرة للخلاص، أو على الأقل للمقاومة عبر الكلمة، في عالم حيث «الحياة ليست سوى جدولة الماضي وحساباته المبررة».

