سيدة في أواسط العمر أعطت لحّاماً في سوق باب سريجة الشّعبية مبلغ 15 ألف ليرة سورية (15 دولاراً) وطلبت منه 4 حصص لحم بقري، اللحّام الذي اعتاد على هذا النوع من الطّلبات قال: «إنها عادة في رمضان»، ولا تقتصر على الميسورين، بل لديه عشرات الزبائن أوضاعهم المادية دون الوسط، بل فقراء، لكنّهم «يوفرون ما يقدرون عليه لإنفاقه في شهر رمضان على شراء لحوم يتبرعون بها للفقراء».
ويؤكّد اللحّام أنّ أعداد الذين فقدوا قدرتهم على شراء اللحوم بأنواعها تتزايد. كما أنّ الكميات التي كان يأخذها زبائنه تراجعت كثيراً عمّا كانت عليه قبل الحرب، فعلى سبيل المثال، يقول اللحام: «أحد زبائني وهو من الميسورين لا يأكل سوى لحوم الغنم، كان كل أسبوع يشتري من 5 إلى 10 كيلوات، منذ سنتين تراجع استهلاكه فأصبح من 3 إلى 4 كيلوات أسبوعياً، وأحياناً يستعيض عنه بلحم الدجاج» كما كان هذا الزّبون يوزّع كل عام في شهر رمضان المبارك خروفين أو أكثر، لكنّه العام الماضي وزّع خروفاً واحداً.
الوضع الاقتصادي المتردّي في سوريا جراء الحرب، لم يغير ولع السّوريين بأكل اللحوم الحمراء، ولا سيما لحم الخروف، الذي ما يزال ملك المائدة السورية، ورغم تراجع حجم حضوره، فما تزال الكبة تحتل موقع الصّدارة بجميع أنواعها مقليةً ومشويةً.
أشارت سيدة دمشقية، تدعى عناية، إلى تحايلها على كمية اللحم التي تستخدمها في إعداد الكبة، قائلة: «لا بد من التحايل كي لا أحرم أولادي أكل الكبة على الإفطار. فأنا أخلط 200 غرام من لحم الغنم مع كيلو لحم دجاج وبرغل، قد يختلف الطّعم قليلاً، لكنّها في النّهاية وجبة كبة».
يتراوح سعر كيلو لحم الضأن بين 5000 و7000 ليرة سورية، ولحم البقر بين 3000 و5000 حسب الجودة وكمية الدّهن، ويبلغ سعر كيلو لحم الدجاج 1300 ليرة (الدولار الأميركي يعادل 557 ليرة).
وتؤكد عناية، التي ورثت عن أمها وجدّتها الدمشقية طرقاً كثيرة في التحايل على تكاليف إعداد مائدة رمضانية شهية، على أنّ «ظروف الحرب والضائقة الاقتصادية علّمت السوريات فنوناً في التحايل»، لافتة إلى أنّ الدّمشقيين توارثوا استخدام الخبز اليابس في إعداد أطباق كثيرة وغنية من الفتات. وتضيف، ضاحكة، ولا يستغرب أنّ «الست الشّامية الشاطرة تعمل من كيلو لحمة وليمة»
فاللحمة، وإن قلّت كمياتها على الموائد السورية، إلّا أنّها لم تغب تماماً، إذ لا بدّ أن تحضر لو بغرامات قليلة لـ«التطعيم»، أي النهكة، حسب تعبير «ناديا»، التي تعتمد على قليل من دهن الخروف في حشو كبة الخبز المقلية، المكونة من بقايا الخبز اليابس المعجون مع البرغل والبصل، والحشو بطاطا وبصل مقلي بدهن الغنم، وتؤكد «ناديا» صعوبة تمييز كبة الخبز من حيث النكهة عن كبة اللحم.
وخلال شهر أبريل (نيسان) الماضي وحده، استهلكت مدينة دمشق أكثر من 1500 رأس من الخروف العواسي يومياً، ارتفعت إلى 1700 رأس خروف خلال شهر رمضان. وتشير أرقام المسلخ الفني التابع لمحافظة دمشق في الزبلطاني إلى ذبح 22747 رأساً من الخروف العواسي خلال الشّهر الماضي، إضافة إلى ذبح 560 رأساً من الماعز، و749 رأساً من الأبقار، و1225 رأساً من العجول، ورأس جمل واحد. وحسب تصريح شادي مخلوف، مدير الشؤون الصّحية في محافظة دمشق لصحيفة «الوطن» المحلية، الذي أكّد أنّ استهلاك مدينة دمشق للحوم هو ضعف تلك الأرقام شهرياً، لأنّ «الكثير من اللحوم ترد إلى المدينة من الريف والمحافظات الأخرى، ولا تُذبح في المسلخ الفني»، وقدّر مخلوف أعداد الخراف العواسي التي تستهلكها دمشق بـ45 ألف رأس شهرياً، ويزداد عدد الذبائح بشكل كبير خلال شهر رمضان. ولا يمكن تحديد حصة الفرد من تلك الكميات المستهلكة، لغياب إحصائيات لسكان دمشق خلال الحرب، وتفاوت المستويات المعيشية بين نخبة باذخة من أثرياء الحرب، وشريحة واسعة من الفقراء؛ حيث تشير أرقام المنظمات الإنسانية الدُّولية إلى تجاوز نسبة الفقر في سوريا عتبة الـ80 في المائة.
وخلال سنوات الحرب، خسرت الثّروة الحيوانية في سوريا أكثر من 6 ملايين رأس غنم، وخروج أكثر من ثلث الثروة الحيوانية من الإنتاج، ولا سيما في أرياف محافظات حمص وحماة ودير الزور والحسكة شرق البلاد، حيث يتركز أكثر من 80 في المائة من الثروة الحيوانية، وبالإضافة إلى العمليات العسكرية التي شهدتها تلك المناطق، ما تسبب في استنزافها، وأيضاً الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، والتهريب والتصدير العشوائي.
ورغم كل ما جرى ويجري في سوريا، لم يتغيّر ولع الشوام بأكل اللحوم، وما زالوا ينتظرون شهر رمضان كل عام لإحياء طقوس الإفطار الاحتفالية، وكلٌ قدر استطاعته، فيقبلون على الوجبات التقليدية من الباسماشكات (شرحات خروف محشوة لحماً مفروماً) والجدي بالزيت، والشاكرية (لحم خروف بلبن)، حتى كبة الخبز والفتة.
10:21 دقيقه
الحرب علّمت السوريات التحايل في إعداد موائد إفطار عامرة بأقل التكاليف
https://aawsat.com/home/article/1720971/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%B9%D9%84%D9%91%D9%85%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A5%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%AF-%D8%A5%D9%81%D8%B7%D8%A7%D8%B1-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%A3%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%81
الحرب علّمت السوريات التحايل في إعداد موائد إفطار عامرة بأقل التكاليف
اللحوم الحمراء على رأس لائحة المأكولات الشّامية
الحرب علّمت السوريات التحايل في إعداد موائد إفطار عامرة بأقل التكاليف
مقالات ذات صلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

مشهد من مسلسل «ضرب نار» (أرشيفية)
بوستردعائي لمسلسل «تحت الوصاية» (أرشيفية)
مشهد من مسلسل «ستهم» (أرشيفية)
