حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات

ضرورة ملحة لإعادة النظر في قوانين الإعلام بالدول العربية

حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات
TT

حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات

حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات

«الصحافة»... هذه المهنة التي طالما كان لها وقع خاص ومميز بين المهن. إنها مغامرة لكشف الغموض، وخوض رحلات بحث محفوفة بالمخاطر، لا تقف عند حدود أرض أو زمن أو شعب. هي «أكسجين الديمقراطية» كما وصفتها منظمة حقوق الإنسان الدولية غير الحكومية، باعتبارها العنصر الأساس للديمقراطية التي تتعلق بقدرة الأفراد على المشاركة بشكل فعال في عملية صنع القرارات التي تؤثر عليهم.
الصحافي ليس رئيس دولة، ولا يجلس على كرسي من ذهب، لكنه يستطيع أن يهزّ بكلمةٍ الأرضَ تحت زعيم أو رئيس، وبكلمةٍ قد يكشف فساداً مرعباً، وهذا ما فعله كثيرون عبر التاريخ، بأقلامهم فقط، ولا يزالون، لكن الثمن كان حياتهم. ومن أجل التغيير والوصول إلى مجتمع ديمقراطي حقيقي، لا بد من حماية حياة العاملين في هذا المجال.
في كل عام يحتفل العالم في 3 مايو (أيار)، بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة بهدف تقييمها في شتى أنحاء العالم، والأهم حماية العاملين فيها والدفاع عنها والوقوف في وجه من يتعرض لها من هجمات تهدد استقلالها والإشادة بالصحافيين الذين ضحوا بحياتهم أثناء تأدية واجبهم المهني.
في صلب اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، تتربع حرية الصحافة وحرية التعبير. هذا اليوم، هو مناسبة لإعلام الجمهور بكل الانتهاكات التي تتعرض لها الصحافة، وللتذكير بأن المطبوعات في عشرات البلدان حول العالم، تخضع للرقابة والغرامة والتوقف المؤقت والدائم، وما يتعرض له الصحافيون والمحررون والناشرون من مضايقات واعتداءات، واعتقالات وقتل أحياناً، ولتذكير الحكومات بحاجتها للوفاء بالتزاماتها تجاه حرية الصحافة، كما للتفكير مع المهنيين في مجال الإعلام حول موضوعات تتعلق بحرية الصحافة والأخلاقيات المهنية.
الإعلام والديمقراطية:
- الصحافة في أوقات التضليل
عنوان العام الحالي لحرية الصحافة. وكما كثير من عواصم العالم، نظّم مكتب اليونيسكو في بيروت بالشراكة مع وزارة الإعلام، وبالتعاون مع كل من مركز الأمم المتحدة للإعلام في بيروت، ومؤسسة «جوستيسيا» للتنمية وحقوق الإنسان، ومنظمة إعلام للسلام (ماب) - لقاء للمناسبة، برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، ممثلاً بوزير الإعلام جمال الجراح، حضرته «الشرق الأوسط».
إعلاميون وحقوقيون تحدثوا عن أهمية الإعلام، بصفته منبراً حراً لإيصال كلمة حق ونبذ العنصرية وبثّ الكراهية وكيفية التعامل مع نقل الخبر بكل مصداقية، من دون استخدام تعابير تؤجج الحقد بين أفراد المجتمع الواحد، كما تطرق المؤتمر لأهمية استحداث قوانين جديدة تساهم في إعطاء مساحة حرية أكبر للإعلام.
- انتقاء التعابير
عن «الفلتان وسوء استخدام حرية التعبير»، تحديداً في وسائل التواصل الاجتماعي، الذي بات منبراً يستخدم من البعض لسبّ وشتم الآخر، بسبب عدم القدرة على السيطرة على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، تحدث داوود إبراهيم، الصحافي والأكاديمي والأستاذ الجامعي، متناولاً أهمية اختيار الأسلوب المناسب في نقل الصحافي لخبر ما، مهما كان بشعاً. وحسب تعبيره، الصحافي «ليس ناشط سلام»، ولا بد أن يخبر العالم بحقيقة حدثت، قد تكون مجزرة أو إبادة جماعية. ولكن الأهمية تكمن في كيفية تناوله الخبر بأسلوب خالٍ من بثّ الكراهية، وأن يتجنب التعميم والاتهام والتحريض طائفياً أو حزبياً أو عرقياً. متناولاً «جدار بلفاست أو خط السلام» كمثال على انتقاء التعابير. «مهمته الفصل بين الأحياء الكاثوليكية والبروتستانتية في بلفاست، عاصمة آيرلندا الشمالية خلال الحرب الدينية بين الطرفين.
وفي الحقيقة هو ستار عازل وأسلاك شائكة تفصل بين الأطراف المتخاصمة».
يقول: «الإعلام هنا يفكر بمجتمع، ويسعى للبناء وليس للتعطيل». لم يتناول المؤتمر حماية حياة الصحافيين وعدم التعرض لهم فقط، بل تحدث عن المسؤولية الموكلة إليهم، وكيف يكون الإعلام صحياً أو محرضاً، وكيف يبني أو يهدم، وذلك من خلال استخدام حرفية العمل بحيادية، وتجنب الوقوع في تسويق الأخبار لحساب طرف أو آخر. وفي ذلك، يؤكد إبراهيم، على أهمية أن يفتح الصحافي في نقله للأحداث، المجال لجميع الناس للتعبير عن آرائهم ودفعهم من خلال كلماته إلى الاستنتاج من دون وصف طائفة أو عرق بالدموية.
- «الإعلام المسيس والتضليل»
في لبنان تحديداً ظاهرة، يعتبرها البعض حرية التعبير الديمقراطي، فيما يعتبرها آخرون فوضى مدمرة، قد يعود السبب للتركيبة السياسية الطائفية في السلطة، فلكل حزب أدواته الإعلامية التي تروج لسياسته.
وعن هذا الأمر، تحدث الإعلامي عباس ضاهر، متناولاً أهمية حرية الإعلام وحرية الصحافي في التعبير عن فكرة معينة وكتابة رأي معين، من دون التعرض لأي تهديد أو قمع بسبب رأي ما. والأمثلة في لبنان كثيرة، وقد دفع صحافيون حياتهم ثمن رأي أو كلمة. وتابع أن في لبنان تحديداً «الإعلام مسيس، فلكل حزب قناته وبوقه الإعلامي، يهاجم ويشتم ويُخون، وليس من حسيب ولا رقيب ولا رادع».
ومهما اختلفت الآراء والمواقف، اعتبر ضاهر، أنه من الأهمية أن يتضامن الإعلاميون لمواجهة أي تحدٍ قد يطالهم أو يقف في وجههم. وهذا ما يفتقده لبنان، بسبب التزامات غالبية إعلاميّيه الحزبية التي تطغى على احترام المهنية في العمل.
من الأمثلة التي قدّمها ضاهر، على التضليل الإعلامي، نتائج بحث سيكون في متناول الجميع بعد أيام، تحدث عن سقوط الطائرة الإثيوبية في بيروت. وجّهت وقتها الدولة الإثيوبية الاتهامات إلى الدولة اللبنانية وطالبتها بدفع التعويضات، وقد استندت آنذاك على الخطاب الإعلامي للمؤسسات اللبنانية التي كانت تفتقر للخطاب الموحد أو الموضوعي. هذا التخبط الإعلامي واللامسؤولية حمّل الحكومة اللبنانية مسؤولية سقوط الطائرة، فيما كشفت نتائج التحقيقات أن كابتن الطائرة هو المسؤول.
- قوانين الإعلام
عن هذا الموضوع، تحدث القاضي بول مرقص رئيس مؤسسة «جوستيسيا» للإنماء وحقوق الإنسان في لبنان، عن القانون والإعلام، وضرورة مراجعة القوانين المتعلقة بالصحافة في لبنان. ومن الجدير ذكره أن أحدث قانون يعود للعام 1962، فلا بدّ من ضرورة استحداث قوانين جديدة، لا تسمح لمتولي السلطة باستخدامها ضد الإعلاميين بكل إجحاف. وعلى العاملين في الإعلام الاطّلاع على القوانين الجديدة، وهي 3 أو 4 فقط، للتعرف على مضامينها، منها قانون الوصول إلى المعلومات، وقانون حماية كاشفي الفساد، ولا بد لكل صحافي وإعلامي وناشط حقوقي واجتماعي أن يقرأها، وهي متاحة للجميع على مواقع الإنترنت.
كيف تكون حدود حرية التعبير والرأي والحق؟ يقول مرقص: «عبر أخلاقيات المهنة للإعلاميين. هذه الأخلاقيات هي التي تضمن حقوق الغير وعدم التعرض لها، والمصلحة الوطنية التي لا يجب أن تمس».
وتحت عنوان «الاحتفال السنوي السادس والعشرين باليوم العالمي لحرية الصحافة»، بُحث هذا الموضوع في المؤتمر الدولي، الذي اشتركت في تنظيمه اليونيسكو وحكومة جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية والاتحاد الأفريقي، وعقد في مدينة أديس أبابا يومي 2 و3 مايو.
بالمناسبة أيضاً، رأى أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في كلمته، أن حرية الصحافة أساسية لتحقيق السلام والعدالة والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان، وأن «أي ديمقراطية لا تكون مكتملة من دون توفر إمكانية الحصول على معلومات شفافة وموثوقة». وسلّط الضوء على دور الصحافة في مواسم الانتخابات حين ينبغي أن يهتدي الناس بالحقائق، وليس بالأكاذيب، عند اختيار ممثليهم، حسب تعبيره. وتحدث عن التكنولوجيا وما أحدثته من تحول كبير في وصول الناس إلى المعلومات وتبادلها، محذراً من استخدامها أحياناً لتضليل الرأي العام أو لتأجيج العنف وتغذية الكراهية.
من جانبها، ربطت المديرة العامة لليونيسكو أودري أزولاي، في رسالتها، بين حرية الصحافة والديمقراطية، قائلة: «تعد الصحافة الركن الأساس للمجتمعات الديمقراطية، ولا بد من ضمان حرية الرأي عن طريق إتاحة التبادل الحرّ للأفكار والمعلومات القائمة على بينات ووقائع حقيقية، في زمن تعلو وتشتد نبرة الخطاب القائم على الارتياب وإساءة الظن بالصحافة وبالعمل الصحافي الرامي إلى نزع الشرعية عنهما».
وأشارت أزولاي إلى أن «مرصد اليونيسكو لجرائم قتل الصحافيين أحصى 99 جريمة قتل في العام 2018. وبلغ مجموع جرائم قتل الصحافيين التي أحصاها المرصد 1307 جرائم للفترة الممتدة من عام 1994 إلى عام 2018»، مضيفة: «يشكل الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحقهم تهديداً لكل المجتمعات، ويفرض علينا توخي الحيطة والحذر في جميع الأحوال والأوقات».
وحسب موقع «اليونيسكو»، قُتل خلال العام 2019 ثمانية صحافيين، ومواطن إلكتروني معاون، فيما سجن منذ مطلع العام 175 صحافياً، وبلغ عدد السجناء في أوساط المواطنين الإلكترونيين 150 شخصاً، و17 من المعاونين. ففي أفغانستان قتل 3 صحافيين، وصحافي في غانا، و3 في المكسيك، وصحافية في المملكة المتحدة، قتلت قبل أيام قليلة من التقرير.
- جائزة العام
حصل وا لون، وكياو سوي أوو، الصحافيان في وكالة «رويترز» للأنباء، الذين يقضيان عقوبة السجن لمدة 7 سنوات في ميانمار، على جائزة رئيسية في حرية الصحافة من الأمم المتحدة. وقدمت «يونيسكو» جائزة جيليرمو كانو العالمية لحرية الصحافة إلى ثورا أونج، أحد أشقاء وا لون، خلال حفل استُضيف في أديس أبابا.
- تضحيات تواجه آلة الخوف مع تصاعد وتيرة الكراهية ضد الصحافيين
> تُبيّن النسخة 2019 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة، تصاعد وتيرة الكراهية ضد الصحافيين لتبلغ حد العنف، حسب منظّمة «مراسلون بلا حدود»، ما أدّى إلى تنامي الشعور بالخوف، وتقلّص دائرة البلدان التي تُعتبر آمنة، ليتمكّن الصّحافيون من ممارسة مهنتهم. في حين تشدّد الأنظمة الاستبدادية قبضتها على وسائل الإعلام أكثر فأكثر.
ويُبيّن تصنيف المنظمة الذي يُقيِم سنوياً حالة الصحافة في 180 بلداً، أنّ آلة الخوف تعمل بأقصى طاقتها، ما يقوض بشدة ممارسة الصحافة في ظروف هادئة.
ويتميز تصنيف 2019 بتربع النرويج على الصدارة للسنة الثالثة على التوالي، واستعادت فنلندا المركز الثاني، على حساب هولندا. في المقابل تراجعت السويد مرتبة واحدة لتحتل المركز الثالث. وعلى صعيد القارة الأفريقية، حققت كل من إثيوبيا وغامبيا تقدماً ملحوظاً.
ويواصل كثير من الدول الخاضعة لحكم أنظمة استبدادية التراجع على جدول في التصنيف، كما الحال في فنزويلا وروسيا وفيتنام والصين.
ولا تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رغم تدهور مؤشرها الإقليمي بشكل أقل حدة هذا العام، المنطقة الأصعب والأخطر على سلامة الصحافيين. فبينما انخفض بشكل طفيف عدد الصحافيين القتلى في سوريا خلال عام 2018، فإن ممارسة العمل الصحافي لا تزال خطيرة للغاية في بعض البلدان، مثل اليمن، والحال نفسها في ليبيا، ولا تزال إيران أكبر سجن للصّحافيين على الصعيد العالمي. أما منطقة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، فلا تزال تُراوح مكانها سنة بعد أخرى في المرتبة قبل الأخيرة في التصنيف، وذلك رغم التباين غير المعتاد بين التطورات الوطنية والتحسّن الطفيف في مؤشرها الإقليمي.


مقالات ذات صلة

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

بعد 15 عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية نفسها أمام اختبار صعب.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم استخدمت إحدى الحملتين سبع هويات صحافية وهمية لنشر نحو 100 مقال في منصات إعلامية حول العالم وفق شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تحبط حملتَيْ تأثير مرتبطتَيْن بروسيا وإيران

حظرت «أوبن إيه آي» حسابات استخدمتها حملتان مرتبطتان بروسيا وإيران لإنشاء هويات صحافية وهمية ومركز أبحاث للترويج سراً لرسائل سياسية ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الخليج يشمل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الإعلام الرقمي ومنصات التواصل والمعلنين ووكالات الأنباء والمراسلين وشركات الإنتاج والسينما والحفلات والإعلانات (كونا)

قانون جديد لتنظيم الإعلام الكويتي يمدُّ سلطته على منصات التواصل وصناعة المحتوى

يمثل قانون تنظيم الإعلام الكويتي الجديد إعادة صياغة شاملة للمنظومة الإعلامية؛ حيث يوحِّد في تشريع واحد تنظيم الصحافة والمطبوعات والإعلام المرئي والمسموع.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
تحليل إخباري زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

تحليل إخباري التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

في زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي.

أنطوان الحاج

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات


تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
TT

تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

في خطوة نحو مزيد من «التقييد»، تختبر شركة «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر.

ورغم أن الناشرين الإخباريين مستثنون من التجربة حتى الآن، غير أن خبراء أعربوا عن قلقهم من هذه الخاصية، وحذروا من أن «الاستثناء قد يكون مؤقتاً»، وأنه على الناشرين الاستعداد من الآن لمرحلة جديدة من «تضييق الخناق على الوصول للجمهور».

كانت شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي عن توفر خدمة «ميتا ون» للاشتراك، التي تتضمن مزايا مثل شارات التوثيق وتحليلات أوسع للجمهور وأدوات أكثر لجدولة المحتوى.

لكن أبرز ما في هذه الخاصية هو استخدامها عملياً لفرض مقابل مالي على حق نشر الروابط الخارجية، إذ تختبر «ميتا» حداً شهرياً لعدد الروابط على صفحات «فيسبوك» و«إنستغرام» التجارية. ومن دون اشتراك، قد تصطدم الصفحة بسقف يبلغ رابطين فقط شهرياً على «فيسبوك».

وحسبما نشرت صحيفة «بريس غازيت» البريطانية، أخيراً، يُطبق القيد حتى الآن على صفحات مختارة فقط، تشمل حسابات الأنشطة التجارية وبعض صُناع المحتوى ممن فعّلوا «الوضع الاحترافي»، بينما يواصل آخرون النشر بلا قيود.

ووفق الصحيفة، فإن «الناشرين الإخباريين مستثنون من القيود، دون أن توضح (ميتا) كيف تعرّفهم»، مشيرةً إلى أن ناشرين صغاراً «أُبلغوا ببلوغ الحد المجاني». واللافت أن القيود لا تقتصر على الروابط في المنشور، بل تمتد إلى حيلة «الرابط في التعليقات» أيضاً. وأفاد مستخدمون في التجربة بأن «روابطهم تظهر كنص عادي غير قابل للنقر بعد بلوغ الحد».

ويرى مدير جامعة أبو ظبي - فرع دبي، أستاذ الأعمال الرقمية المشارك أنس النجداوي، أن «قرار (ميتا) الجديد بمنزلة تحوّل جوهري في النموذج الاقتصادي لمنصات التواصل الاجتماعي، وليس مجرد فرض رسوم على نشر الروابط الخارجية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك» الذي استفاد لسنوات من المحتوى الإخباري لجذب المستخدمين، أصبح يسعى إلى تعظيم عوائده من خلال التحكم في حركة الجمهور وإبقائه داخل المنصة لأطول فترة ممكنة. وهذا يعكس تحوّل العلاقة مع المؤسسات الإعلامية من شراكة في توزيع الأخبار إلى علاقة تجارية تتحكم فيها المنصة بشروط الوصول إلى الجمهور».

وفي تقدير النجداوي، «قد يستمر استثناء المؤسسات الإخبارية مرحلياً لتجنب الضغوط الإعلامية والتنظيمية، لكنه ليس ضمانة دائمة، خصوصاً إذا أثبت نموذج الاشتراكات جدواه الاقتصادية». ويشير إلى أن «الأهم أن المؤسسات الإخبارية قد تتأثر حتى مع استمرار استثنائها، نتيجة تراجع قدرة المستخدمين والصفحات الأخرى على مشاركة روابط أخبارها».

وعن الآثار المتوقعة لهذا القرار على الناشرين، يقول النجداوي إن «الخطر الحقيقي لا يقتصر على تراجع زيارات المواقع الإخبارية وخسارة العوائد الإعلانية، بل يمتد إلى جودة المعلومات ومصداقيتها، إذ قد يكتفي المستخدم بالعناوين والمقتطفات المتداولة دون الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق من التفاصيل والسياق».

تختبر «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر


كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم