حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات

ضرورة ملحة لإعادة النظر في قوانين الإعلام بالدول العربية

حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات
TT

حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات

حرية الصحافة... بين التقنين والانفلات

«الصحافة»... هذه المهنة التي طالما كان لها وقع خاص ومميز بين المهن. إنها مغامرة لكشف الغموض، وخوض رحلات بحث محفوفة بالمخاطر، لا تقف عند حدود أرض أو زمن أو شعب. هي «أكسجين الديمقراطية» كما وصفتها منظمة حقوق الإنسان الدولية غير الحكومية، باعتبارها العنصر الأساس للديمقراطية التي تتعلق بقدرة الأفراد على المشاركة بشكل فعال في عملية صنع القرارات التي تؤثر عليهم.
الصحافي ليس رئيس دولة، ولا يجلس على كرسي من ذهب، لكنه يستطيع أن يهزّ بكلمةٍ الأرضَ تحت زعيم أو رئيس، وبكلمةٍ قد يكشف فساداً مرعباً، وهذا ما فعله كثيرون عبر التاريخ، بأقلامهم فقط، ولا يزالون، لكن الثمن كان حياتهم. ومن أجل التغيير والوصول إلى مجتمع ديمقراطي حقيقي، لا بد من حماية حياة العاملين في هذا المجال.
في كل عام يحتفل العالم في 3 مايو (أيار)، بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة بهدف تقييمها في شتى أنحاء العالم، والأهم حماية العاملين فيها والدفاع عنها والوقوف في وجه من يتعرض لها من هجمات تهدد استقلالها والإشادة بالصحافيين الذين ضحوا بحياتهم أثناء تأدية واجبهم المهني.
في صلب اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، تتربع حرية الصحافة وحرية التعبير. هذا اليوم، هو مناسبة لإعلام الجمهور بكل الانتهاكات التي تتعرض لها الصحافة، وللتذكير بأن المطبوعات في عشرات البلدان حول العالم، تخضع للرقابة والغرامة والتوقف المؤقت والدائم، وما يتعرض له الصحافيون والمحررون والناشرون من مضايقات واعتداءات، واعتقالات وقتل أحياناً، ولتذكير الحكومات بحاجتها للوفاء بالتزاماتها تجاه حرية الصحافة، كما للتفكير مع المهنيين في مجال الإعلام حول موضوعات تتعلق بحرية الصحافة والأخلاقيات المهنية.
الإعلام والديمقراطية:
- الصحافة في أوقات التضليل
عنوان العام الحالي لحرية الصحافة. وكما كثير من عواصم العالم، نظّم مكتب اليونيسكو في بيروت بالشراكة مع وزارة الإعلام، وبالتعاون مع كل من مركز الأمم المتحدة للإعلام في بيروت، ومؤسسة «جوستيسيا» للتنمية وحقوق الإنسان، ومنظمة إعلام للسلام (ماب) - لقاء للمناسبة، برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، ممثلاً بوزير الإعلام جمال الجراح، حضرته «الشرق الأوسط».
إعلاميون وحقوقيون تحدثوا عن أهمية الإعلام، بصفته منبراً حراً لإيصال كلمة حق ونبذ العنصرية وبثّ الكراهية وكيفية التعامل مع نقل الخبر بكل مصداقية، من دون استخدام تعابير تؤجج الحقد بين أفراد المجتمع الواحد، كما تطرق المؤتمر لأهمية استحداث قوانين جديدة تساهم في إعطاء مساحة حرية أكبر للإعلام.
- انتقاء التعابير
عن «الفلتان وسوء استخدام حرية التعبير»، تحديداً في وسائل التواصل الاجتماعي، الذي بات منبراً يستخدم من البعض لسبّ وشتم الآخر، بسبب عدم القدرة على السيطرة على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، تحدث داوود إبراهيم، الصحافي والأكاديمي والأستاذ الجامعي، متناولاً أهمية اختيار الأسلوب المناسب في نقل الصحافي لخبر ما، مهما كان بشعاً. وحسب تعبيره، الصحافي «ليس ناشط سلام»، ولا بد أن يخبر العالم بحقيقة حدثت، قد تكون مجزرة أو إبادة جماعية. ولكن الأهمية تكمن في كيفية تناوله الخبر بأسلوب خالٍ من بثّ الكراهية، وأن يتجنب التعميم والاتهام والتحريض طائفياً أو حزبياً أو عرقياً. متناولاً «جدار بلفاست أو خط السلام» كمثال على انتقاء التعابير. «مهمته الفصل بين الأحياء الكاثوليكية والبروتستانتية في بلفاست، عاصمة آيرلندا الشمالية خلال الحرب الدينية بين الطرفين.
وفي الحقيقة هو ستار عازل وأسلاك شائكة تفصل بين الأطراف المتخاصمة».
يقول: «الإعلام هنا يفكر بمجتمع، ويسعى للبناء وليس للتعطيل». لم يتناول المؤتمر حماية حياة الصحافيين وعدم التعرض لهم فقط، بل تحدث عن المسؤولية الموكلة إليهم، وكيف يكون الإعلام صحياً أو محرضاً، وكيف يبني أو يهدم، وذلك من خلال استخدام حرفية العمل بحيادية، وتجنب الوقوع في تسويق الأخبار لحساب طرف أو آخر. وفي ذلك، يؤكد إبراهيم، على أهمية أن يفتح الصحافي في نقله للأحداث، المجال لجميع الناس للتعبير عن آرائهم ودفعهم من خلال كلماته إلى الاستنتاج من دون وصف طائفة أو عرق بالدموية.
- «الإعلام المسيس والتضليل»
في لبنان تحديداً ظاهرة، يعتبرها البعض حرية التعبير الديمقراطي، فيما يعتبرها آخرون فوضى مدمرة، قد يعود السبب للتركيبة السياسية الطائفية في السلطة، فلكل حزب أدواته الإعلامية التي تروج لسياسته.
وعن هذا الأمر، تحدث الإعلامي عباس ضاهر، متناولاً أهمية حرية الإعلام وحرية الصحافي في التعبير عن فكرة معينة وكتابة رأي معين، من دون التعرض لأي تهديد أو قمع بسبب رأي ما. والأمثلة في لبنان كثيرة، وقد دفع صحافيون حياتهم ثمن رأي أو كلمة. وتابع أن في لبنان تحديداً «الإعلام مسيس، فلكل حزب قناته وبوقه الإعلامي، يهاجم ويشتم ويُخون، وليس من حسيب ولا رقيب ولا رادع».
ومهما اختلفت الآراء والمواقف، اعتبر ضاهر، أنه من الأهمية أن يتضامن الإعلاميون لمواجهة أي تحدٍ قد يطالهم أو يقف في وجههم. وهذا ما يفتقده لبنان، بسبب التزامات غالبية إعلاميّيه الحزبية التي تطغى على احترام المهنية في العمل.
من الأمثلة التي قدّمها ضاهر، على التضليل الإعلامي، نتائج بحث سيكون في متناول الجميع بعد أيام، تحدث عن سقوط الطائرة الإثيوبية في بيروت. وجّهت وقتها الدولة الإثيوبية الاتهامات إلى الدولة اللبنانية وطالبتها بدفع التعويضات، وقد استندت آنذاك على الخطاب الإعلامي للمؤسسات اللبنانية التي كانت تفتقر للخطاب الموحد أو الموضوعي. هذا التخبط الإعلامي واللامسؤولية حمّل الحكومة اللبنانية مسؤولية سقوط الطائرة، فيما كشفت نتائج التحقيقات أن كابتن الطائرة هو المسؤول.
- قوانين الإعلام
عن هذا الموضوع، تحدث القاضي بول مرقص رئيس مؤسسة «جوستيسيا» للإنماء وحقوق الإنسان في لبنان، عن القانون والإعلام، وضرورة مراجعة القوانين المتعلقة بالصحافة في لبنان. ومن الجدير ذكره أن أحدث قانون يعود للعام 1962، فلا بدّ من ضرورة استحداث قوانين جديدة، لا تسمح لمتولي السلطة باستخدامها ضد الإعلاميين بكل إجحاف. وعلى العاملين في الإعلام الاطّلاع على القوانين الجديدة، وهي 3 أو 4 فقط، للتعرف على مضامينها، منها قانون الوصول إلى المعلومات، وقانون حماية كاشفي الفساد، ولا بد لكل صحافي وإعلامي وناشط حقوقي واجتماعي أن يقرأها، وهي متاحة للجميع على مواقع الإنترنت.
كيف تكون حدود حرية التعبير والرأي والحق؟ يقول مرقص: «عبر أخلاقيات المهنة للإعلاميين. هذه الأخلاقيات هي التي تضمن حقوق الغير وعدم التعرض لها، والمصلحة الوطنية التي لا يجب أن تمس».
وتحت عنوان «الاحتفال السنوي السادس والعشرين باليوم العالمي لحرية الصحافة»، بُحث هذا الموضوع في المؤتمر الدولي، الذي اشتركت في تنظيمه اليونيسكو وحكومة جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية والاتحاد الأفريقي، وعقد في مدينة أديس أبابا يومي 2 و3 مايو.
بالمناسبة أيضاً، رأى أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في كلمته، أن حرية الصحافة أساسية لتحقيق السلام والعدالة والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان، وأن «أي ديمقراطية لا تكون مكتملة من دون توفر إمكانية الحصول على معلومات شفافة وموثوقة». وسلّط الضوء على دور الصحافة في مواسم الانتخابات حين ينبغي أن يهتدي الناس بالحقائق، وليس بالأكاذيب، عند اختيار ممثليهم، حسب تعبيره. وتحدث عن التكنولوجيا وما أحدثته من تحول كبير في وصول الناس إلى المعلومات وتبادلها، محذراً من استخدامها أحياناً لتضليل الرأي العام أو لتأجيج العنف وتغذية الكراهية.
من جانبها، ربطت المديرة العامة لليونيسكو أودري أزولاي، في رسالتها، بين حرية الصحافة والديمقراطية، قائلة: «تعد الصحافة الركن الأساس للمجتمعات الديمقراطية، ولا بد من ضمان حرية الرأي عن طريق إتاحة التبادل الحرّ للأفكار والمعلومات القائمة على بينات ووقائع حقيقية، في زمن تعلو وتشتد نبرة الخطاب القائم على الارتياب وإساءة الظن بالصحافة وبالعمل الصحافي الرامي إلى نزع الشرعية عنهما».
وأشارت أزولاي إلى أن «مرصد اليونيسكو لجرائم قتل الصحافيين أحصى 99 جريمة قتل في العام 2018. وبلغ مجموع جرائم قتل الصحافيين التي أحصاها المرصد 1307 جرائم للفترة الممتدة من عام 1994 إلى عام 2018»، مضيفة: «يشكل الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحقهم تهديداً لكل المجتمعات، ويفرض علينا توخي الحيطة والحذر في جميع الأحوال والأوقات».
وحسب موقع «اليونيسكو»، قُتل خلال العام 2019 ثمانية صحافيين، ومواطن إلكتروني معاون، فيما سجن منذ مطلع العام 175 صحافياً، وبلغ عدد السجناء في أوساط المواطنين الإلكترونيين 150 شخصاً، و17 من المعاونين. ففي أفغانستان قتل 3 صحافيين، وصحافي في غانا، و3 في المكسيك، وصحافية في المملكة المتحدة، قتلت قبل أيام قليلة من التقرير.
- جائزة العام
حصل وا لون، وكياو سوي أوو، الصحافيان في وكالة «رويترز» للأنباء، الذين يقضيان عقوبة السجن لمدة 7 سنوات في ميانمار، على جائزة رئيسية في حرية الصحافة من الأمم المتحدة. وقدمت «يونيسكو» جائزة جيليرمو كانو العالمية لحرية الصحافة إلى ثورا أونج، أحد أشقاء وا لون، خلال حفل استُضيف في أديس أبابا.
- تضحيات تواجه آلة الخوف مع تصاعد وتيرة الكراهية ضد الصحافيين
> تُبيّن النسخة 2019 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة، تصاعد وتيرة الكراهية ضد الصحافيين لتبلغ حد العنف، حسب منظّمة «مراسلون بلا حدود»، ما أدّى إلى تنامي الشعور بالخوف، وتقلّص دائرة البلدان التي تُعتبر آمنة، ليتمكّن الصّحافيون من ممارسة مهنتهم. في حين تشدّد الأنظمة الاستبدادية قبضتها على وسائل الإعلام أكثر فأكثر.
ويُبيّن تصنيف المنظمة الذي يُقيِم سنوياً حالة الصحافة في 180 بلداً، أنّ آلة الخوف تعمل بأقصى طاقتها، ما يقوض بشدة ممارسة الصحافة في ظروف هادئة.
ويتميز تصنيف 2019 بتربع النرويج على الصدارة للسنة الثالثة على التوالي، واستعادت فنلندا المركز الثاني، على حساب هولندا. في المقابل تراجعت السويد مرتبة واحدة لتحتل المركز الثالث. وعلى صعيد القارة الأفريقية، حققت كل من إثيوبيا وغامبيا تقدماً ملحوظاً.
ويواصل كثير من الدول الخاضعة لحكم أنظمة استبدادية التراجع على جدول في التصنيف، كما الحال في فنزويلا وروسيا وفيتنام والصين.
ولا تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، رغم تدهور مؤشرها الإقليمي بشكل أقل حدة هذا العام، المنطقة الأصعب والأخطر على سلامة الصحافيين. فبينما انخفض بشكل طفيف عدد الصحافيين القتلى في سوريا خلال عام 2018، فإن ممارسة العمل الصحافي لا تزال خطيرة للغاية في بعض البلدان، مثل اليمن، والحال نفسها في ليبيا، ولا تزال إيران أكبر سجن للصّحافيين على الصعيد العالمي. أما منطقة أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، فلا تزال تُراوح مكانها سنة بعد أخرى في المرتبة قبل الأخيرة في التصنيف، وذلك رغم التباين غير المعتاد بين التطورات الوطنية والتحسّن الطفيف في مؤشرها الإقليمي.


مقالات ذات صلة

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.