دراسات دولية حول السمنة ومعوقات علاجها

في «المؤتمر الأوروبي السادس والعشرين للسمنة» في غلاسكو

شعار المؤتمر
شعار المؤتمر
TT

دراسات دولية حول السمنة ومعوقات علاجها

شعار المؤتمر
شعار المؤتمر

اختتمت، في مدينة غلاسكو بأسكوتلندا، مساء يوم أول من أمس الأربعاء، أعمال المؤتمر الأوروبي السادس والعشرين للسمنة 26th European Congress on Obesity، Eco2019. )، بعد أربعة أيام متواصلة من عقد جلسات علمية تضمنت عرض ومناقشة أحدث الأبحاث والنهج السريرية ووجهات النظر حول السمنة من مجموعة واسعة من المجالات، شملت: سمنة الطفولة، السيطرة على التمثيل الغذائي، انعدام الأمن الغذائي الأسري، التدخلات السلوكية ونمط الحياة، الملوثات البيئية، وبائيات الحياة، أنماط الغذاء والنظام الغذائي، تغيير السلوك، فقدان الوزن، الحفاظ على الوزن، وإدارة علاج السمنة والحواجز التي تواجه العلاج المبكر من بداية الإصابة بالسمنة.
شارك في الجلسات العلمية خبراء وعلماء وباحثون من جميع أنحاء العالم. وقد حضرت هذا الحدث الطبي جريدة «الشرق الأوسط».

- مشكلة عالمية
ومن داخل المؤتمر، تحدث إلى «صحتك» الأستاذ الدكتور عاصم الفدا أستاذ أمراض الباطنة والغدد الصماء والاستقلاب، رئيس مركز أبحاث السمنة ورئيس المركز الاستراتيجي لأبحاث السكري في كلية الطب بجامعة الملك سعود - الذي أوضح أن أكثر من 650 مليون شخص يعيشون حالياً في معاناة من السمنة في جميع أنحاء العالم، وفي السعودية يعاني من السمنة أيضا ما يزيد عن 35٪ من السكان وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف معدل الانتشار منذ عام 1975. وقد أدت هذه الزيادة في السمنة إلى زيادة نسبة المضاعفات في المجتمع السعودي ومثله في المجتمع الخليجي بأكمله كأمراض السكري، والقلب، والسرطان، مما جعل دول هذه المنطقة تتربع على عرش الشعوب الأكثر بدانة في العالم في السنوات الأخيرة، ومنها السعودية، وفقا لآخر إحصائية لمنظمة الصحة العالمية. ويُعتقد أن أكثر من ثلث النساء في المملكة يعانين من مشاكل أو مضاعفات صحية ناجمة مباشرة عن مشاكل زيادة الوزن.
ومن المثبت علميا أن العلاقة بين السمنة والمضاعفات متداخلة، فمثلاً تنجم حالات 70 في المائة من ارتفاع السكر في الدم في المملكة، عن السمنة، وكذلك تصلب الشرايين، والعقم، وارتفاع ضغط الدم. ويلعب العامل الوراثي دورا رئيسيا في الإصابة بالسمنة إضافة إلى العوامل الأخرى ومنها الاجتماعية والغذائية الخاطئة، مثل الإكثار من الوجبات السريعة، والعادات الغذائية السيئة، وعدم ممارسة الرياضة.
وتعرف السمنة وتقاس بعدة طرق، وأبسطها قياس كتلة الجسم BMI(الوزن بالكيلوغرام على مربع الطول بالمتر) مع ملاحظة أن مؤشر كتلة الجسم لا يأخذ نسب الدهون بعين الاعتبار. ومؤشر كتلة الجسم الطبيعية يكون ما بين 20 - 25، وزيادة الوزن من 25 إلى 30. والسمنة الزائدة من 30 إلى 40، والسمنة المفرطة من 40 إلى 50، أما إذا زادت كتلة الجسم إلى ما فوق الخمسين فيشخص المريض بالسمنة الخبيثة.

- السمنة مرض مزمن
وفقا لآخر تقارير الجمعية الطبية الأميركية فإن السمنة تعتبر مرضاً مزمناً يتطلب تدبيراً طويل المدى في خطة علاجه، وحيث إن السمنة بطبيعتها مشكلة صحية معقدة ومتعددة العوامل، فإنها تتأثر بالعوامل الوراثية والفسيولوجية والبيئية والنفسية وترتبط بالعديد من العواقب الصحية الخطيرة.
وتشير الإحصاءات والتقارير السنوية إلى أن هناك زيادة عالمية في انتشار السمنة، جعلتها قضية صحية ومشكلة من مشاكل الصحة العامة، ذات التكلفة الباهظة على أنظمة الرعاية الصحية. ورغم هذا الارتفاع في معدل انتشار السمنة، إلا أن الكثيرين من المصابين بالسمنة يفتقرون إلى دعم جهودهم لفقدان الوزن، وما زال المرض دون تشخيص مبكر، ولا يتم الإبلاغ عنه كبقية الأمراض المزمنة المماثلة له في الانتشار والتبعات الصحية. فما هي الحواجز التي تعوق إدارة علاج السمنة؟ ولماذا لا يتلقى مريض السمنة الرعاية الكافية؟

- دراسة دولية
نوقشت في «المؤتمر الأوروبي السادس والعشرين للسمنة ECO 2019» الدراسة الأحدث والأكثر أهمية، حول السمنة في العالم، والتي تحمل اسم «ACTION IO» اختصارا للكلمات: الوعي، الرعاية، العلاج، في، السمنة، إدارة – ملاحظة، دولية (Awareness، Care، and Treatment In Obesity MaNagement – an International Observation).
التقت «صحتك» البروفسور إيان كاترسون المتحدث في المؤتمر والمؤلف الرئيسي لدراسة (ACTION IO)، من معهد بودن، مركز شارلز بيركنز (Boden Institute، Charles Perkins Center) بجامعة سيدني، نيوساوث ويلز، أستراليا - الذي قال: «تعتبر «ACTION IO» أكبر دراسة عالمية من نوعها في التحقق من العوائق التي تحول دون إدارة السمنة بالجودة المطلوبة من منظور الأشخاص الذين يعانون من السمنة أنفسهم وأيضا اختصاصيي الرعاية الصحية. وقد قامت الدراسة بعمل استطلاع شمل أكثر من 14500 شخص يعانون من السمنة ونحو 2800 من اختصاصيي الرعاية الصحية. وأجريت الدراسة في (11) دولة في خمس قارات في العالم بما في ذلك دول الخليج ومنها السعودية والإمارات العربية. وتكمّل الدراسة «ACTION IO» الرؤى القيمة التي اكتسبتها من دراسات «ACTION» التي أجريت فقط في الولايات المتحدة وكندا ونشرت في ٢٠١٧، وساعد ذلك على توليد صورة فريدة وشاملة لتحديد الحواجز في مجال رعاية السمنة بين سكان العالم، فضلاً عن رؤى مفصّلة حسب البلد لتوجيه تحركات هادفة بشأن إدارة علاج السمنة والبدانة.
ووفقاً لبيانات عالمية جديدة في هذه الدراسة الموسعة «ACTION»، فقد وُجد أن ثمانية من كل عشرة أشخاص يعانون من السمنة يعتقدون أن إنقاص الوزن هو مسؤوليتهم وحدهم، وقد انتظروا ست سنوات من أول صراع لهم لفقدان الوزن وبعدها بدأوا التحدث إلى اختصاصي الرعاية الصحية. وتأتي هذه النتائج في نفس الوقت الذي اعترف فيه العديد من المنظمات الطبية العالمية والأوروبية بالسمنة كمرض، ولكن الطريقة التي يتم بها علاج السمنة ونتائج هذا العلاج ما زالت شديدة التباين. وعليه، حددت دراسة (ACTION IO) أهدافها في تحديد التصورات والمواقف والسلوكيات والحواجز المحتملة لرعاية السمنة الفعالة بين الأشخاص المصابين بالسمنة ومقدمي الرعاية الصحية.

- معوقات علاج السمنة
تم الإعلان عن نتائج الدراسة خلال المؤتمر. وهي تحدد للمرة الأولى، الحواجز أو المعوقات الرئيسية التي تعترض علاج السمنة على نطاق دولي حقيقي. ومن أبرز نتائج هذه الدراسة ما يلي:
> نحو 71 في المائة من اختصاصيي الرعاية الصحية يعتقدون أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة ليسوا مهتمين بفقدان أوزانهم، في حين قال 7 ٪ فقط من المصابين بالسمنة أنهم ليسوا مهتمين، وهذا مما يدل على وجود فجوة واضحة في الإدراك فيما يتعلق بالفائدة من إنقاص الوزن، والفارق بين النسبتين ١٠ أضعاف.
> يعتقد نحو 81 في المائة من الأشخاص الذين يعانون من السمنة أن مسؤولية إنقاص الوزن تقع على عاتقهم فقط، وأن 51 في المائة فقط من الأشخاص المصابين بالسمنة تحدثوا بشأن وزنهم مع مقدمي الرعاية الصحية المتابعين لهم على مدار الخمس سنوات الماضية، ولكن فقط بعد التأخر كثيرا لمدة بلغ متوسطها ست سنوات من تاريخ بدء معاناتهم مع زيادة الوزن.
> تبين وجود اختلاف كبير بين المجموعتين فيما يخص ما تم الإبلاغ عنه من محاولات فعلية لإنقاص الوزن، فقد ذكر 81 في المائة من الأشخاص المصابين بالسمنة أنهم بذلوا جهدا لإنقاص أوزانهم مرة واحدة على الأقل في الماضي بينما ذكر مقدمو الرعاية الصحية أن 35 في المائة من مرضاهم فقط قاموا بذلك مما يشير إلى أن الأشخاص المصابين بالسمنة لا يشعرون بالراحة بالضرورة عند مناقشة الأمر مع مقدمي الرعاية الصحية أو أن مقدمي الرعاية الصحية لم يكونوا على دراية بالمحاولة التي تمت.
> ومع ذلك تشير الدراسة أيضا إلى أن 68 في المائة من الأشخاص المصابين بالسمنة يرغبون في أن يبدأ مقدمو الرعاية الصحية في الحديث معهم عن السيطرة على الوزن أثناء المواعيد. وعلق على هذه النتائج البروفسور أيان باترسون بأنها تشير إلى أن الأشخاص المصابين بالسمنة لديهم الدافع لإنقاص أوزانهم وأن هناك فرصه أمام مقدمي الرعاية الصحية للمبادرة بالأمر وإجراء محادثات فعالة حول إنقاص الوزن دون الخوف من إشعار الأشخاص المصابين بالسمنة بالإهانة.
إن السمنة واحدة من أكثر التحديات الصحية المزمنة تعقيداً التي يواجهها مجتمعنا اليوم، ولكن النهج الحالي لإدارة السمنة يعتبر مقصرا مقارنة بما يتم مع الأمراض الأخرى ذات الأعباء المشابهة. وأضاف أن نتائج دراسة (ACTION IO) أظهرت أدلة مهمة عن الحواجز التي تحول دون إدارة السمنة بالجودة المطلوبة. وإننا كمجتمع للرعاية الصحية، من الواضح أن لدينا فرصة لمعالجة هذه العوائق التي تحول دون الرعاية والبدء بها في وقت مبكر. وأضاف البروفسور باترسون: قد لا يدرك الأشخاص المصابون بالسمنة الحاجة لإنقاص أوزانهم الزائدة إلى أن تؤثر على صحتهم وهو الأمر الذي يدعو مقدمي الرعاية الصحية لإثارة موضوع الوزن بشكل أكبر قبل حدوث مثل هذه المضاعفات المرتبطة بالسمنة وتكشف هذه الدراسة كذلك عن وجود حاجة عالية لتثقيف كل من الأشخاص المصابين بالسمنة ومقدمي الرعاية الصحية بشأن الأساس البيولوجي للسمنة والسيطرة السريرية عليها وضرورة اتخاذ مقدمي الرعاية الصحية لموقف أكثر إيجابية تجاه البدء في مناقشات خاصة بالوزن والسيطرة عليه. واختتم باترسون حديثه إلى «صحتك» بأنه يأمل أن تساعد هذه النتائج في إزالة الحواجز بين الأشخاص المصابين بالسمنة ومقدمي الرعاية الصحية المتابعين لهم وتعزيز الاهتمام الإيجابي بعلاج السمنة.


مقالات ذات صلة

التقدُّم في العمر والشيخوخة لا يعنيان حتمية التدهور البدني والذهني

صحتك التقدُّم في العمر والشيخوخة لا يعنيان حتمية التدهور البدني والذهني

التقدُّم في العمر والشيخوخة لا يعنيان حتمية التدهور البدني والذهني

قد تكون المعادلة بسيطة لدى البعض: المزيد من التقدم في العمر يعني حتماً المزيد من التدهور في القدرات البدنية والذهنية... ولكن هل الأمر بالفعل كذلك؟

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر

طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر

قامت لجنة من خبراء طب الأطفال، تابعة للجمعية الصينية للتعليم الطبي، بوضع بروتوكول موحد لتشخيص عرض الصفير المتكرر لدى الرضع والأطفال الصغار.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه

التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه

مع كل عام، يأتي الثاني من أبريل (نيسان) ليذكّر العالم بأن اضطراب طيف التوحد لم يعد مجرد تشخيص طبي يُدرج في السجلات؛ بل قضية إنسانية ومجتمعية متكاملة تمس الكرامة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك تطويرات متواصلة لاختبارات الكشف عن سرطان البروستاتا

تطويرات متواصلة لاختبارات الكشف عن سرطان البروستاتا

على مدار سنوات طويلة، تلقى الرجال رسائل متضاربة حول جدوى الفحوصات الدورية للكشف عن سرطان البروستاتا.

ماثيو سولان (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)
صحتك إدخال الزنجبيل ضمن النظام الغذائي يسهم في دعم الوقاية من مشكلات القلب (بيكسلز)

كيف يمكن للزنجبيل أن يساعد في مكافحة التهاب البروستاتا؟

يصنف الزنجبيل، وهو من التوابل شائعة الاستخدام، ضمن «الأطعمة فائقة الجودة»، وهي التي تحتوي على الأحماض الأمينية الأساسية، وأحماض دهنية صحية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

التقدُّم في العمر والشيخوخة لا يعنيان حتمية التدهور البدني والذهني

التقدُّم في العمر والشيخوخة لا يعنيان حتمية التدهور البدني والذهني
TT

التقدُّم في العمر والشيخوخة لا يعنيان حتمية التدهور البدني والذهني

التقدُّم في العمر والشيخوخة لا يعنيان حتمية التدهور البدني والذهني

قد تكون المعادلة بسيطة لدى البعض: المزيد من التقدم في العمر يعني حتماً المزيد من التدهور في القدرات البدنية والذهنية... ولكن هل الأمر بالفعل كذلك؟ وهل من الممكن تشكيل معادلة جديدة وواقعية وقابلة للتطبيق وبنتائج مضمونة لتكون: المزيد من التقدم في العمر لا يعني حتمية المزيد من التدهور في القدرات البدنية والذهنية، بل عكس ذلك.

«تدهور الشيخوخة»... أقل حتمية

تؤكد نتائج دراسة أميركية طويلة الأمد، صدرت عن كلية الطب بجامعة ييل في كونيتيكت، صحة هذه المعادلة الجديدة. وتفيد في طرحها أن التقدم في السن يُمكن إن يُؤدي إلى تحسين الصحة بدلاً من تدهورها.

ونشرت الدراسة ضمن عدد 4 مارس (آذار) الماضي من مجلة طب الشيخوخة Geriatrics، وكانت بعنوان «إعادة تعريف الشيخوخة: تحسين القدرات المعرفية والبدنية من خلال تبني معتقدات إيجابية تجاه العمر». وتوجهت لمعرفة ما إذا كان بإمكان كبار السن أن يشهدوا تحسناً في وظائفهم المعرفية والبدنية مع مرور الوقت، وما إذا كانت المعتقدات الإيجابية حول الشيخوخة تُنبئ بهذا التحسن.

وفي الواقع «يفترض» الكثيرون بشكل تلقائي أن التقدم في السن يعني حتماً تراجع الذاكرة، وبطء الحركة، وانخفاض الاستقلالية. وتشير الدراسات الإحصائية إلى أن نحو 80 في المائة من الناس يعتقدون بالفعل أن التدهور المعرفي جزء طبيعي من الشيخوخة. وهذا يؤثر على نظرة المجتمع لكبار السن، وعلى نظرتهم لأنفسهم. وهو ما أوضحه الباحثون في مقدمة عرض دراستهم بقولهم: «خلصت مراجعة للتعريفات العلمية إلى أن الشيخوخة تُوصف بالإجماع بأنها عملية فقدان. وكشف مسح عالمي شمل نحو 40 ألف شخص أن 65 في المائة من العاملين في مجال الرعاية الصحية و80 في المائة من عامة الناس يعتقدون خطأً أن جميع كبار السن يُصابون بالخرف. كما وجد مسح وطني آخر أن 77 في المائة من الأميركيين الذين تبلغ أعمارهم 40 عاماً فأكثر يعتقدون أن قدراتهم الإدراكية ستتراجع لاحقاً. وعندما تظهر صحة كبار السن تحسناً، فإنه يُنظر إليه على أنه استثناء من الصفة العامة التي يتم وصمها لكبار السن».

ولكن بالمقابل، هناك أدلة متزايدة تشير إلى أن بعض جوانب التدهور المرتبط بالشيخوخة قد تكون «أقل حتمية» مما كان يُعتقد سابقاً. وأن من المحتمل أن تؤثر «القناعات الشخصية للفرد تجاه الشيخوخة»، على أدائه البدني والعقلي مع تقدمه في السن. ويُعد فهم هذه التأثيرات أمراً أساسياً لتعزيز شيخوخة صحية في جميع أنحاء العالم.

وفي هذا الشأن قال الباحثون: «على عكس الاتجاه السائد الذي يركز على صحة كبار السن باعتبارها مرحلة تدهور، بحثت هذه الدراسة فيما إذا كانت نسبة كبيرة منهم ستشهد تحسناً في صحتهم عند التركيز على ما إذا كان هذا التحسن قد تحقق بالفعل. كما بحثت، ولأول مرة، فيما إذا كانت المعتقدات الإيجابية حول العمر تتنبأ بهذا التحسن المحتمل».

المعتقدات الإيجابية

وأضاف الباحثون: «توقعنا أن نجد هذا التحسن لدى عدد كبير من كبار السن، وأن المعتقدات الإيجابية حول العمر ستؤدي إلى هذا التحسن، لأنه وفقاً لنظرية تجسيد الصور النمطية SET والأبحاث الداعمة لها، يستوعب الأفراد معتقدات إيجابية وسلبية حول العمر من مصادر بيئية، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، بدءاً من سن مبكرة وفي مراحل لاحقة من الحياة. وعندما تصبح هذه المعتقدات ذات صلة شخصية، يمكنها التنبؤ بصحة معرفية وجسدية أفضل أو أسوأ، على التوالي.

ومع دخول الأفراد مرحلة الشيخوخة، وفقاً لنظرية التبادل الاجتماعي، يزداد وعيهم بها. ونتيجة لذلك، تتحول معتقداتهم المتعلقة بالعمر من كونها تنطبق على الآخرين فقط إلى كونها تنطبق على أنفسهم أيضاً. وهذه الصلة بالذات تُضخّم من أهمية معتقداتهم، وبالتالي، نمطهم الصحي المرتبط بها».

وتم اختيار المشاركين من ضمن المشمولين في دراسة الصحة والتقاعد HRS، وهي دراسة طولية على المستوى الوطني للبالغين الذين تبلغ أعمارهم 50 عاماً فأكثر في الولايات المتحدة، أجراها معهد البحوث الاجتماعية بجامعة ميشيغان. وتُمول الدراسة من قبل المعهد الوطني للشيخوخة NIA، وتجمع بيانات صحية واجتماعية واقتصادية كل عامين. وخضع الأفراد المشمولون في التحليلات لقياسات أساسية لمعتقداتهم العمرية وتقييم متابعة واحد على الأقل للوظائف الإدراكية أو البدنية. وتم تقييم الأداء الإدراكي باستخدام المقابلة الهاتفية للحالة الإدراكية TICS، وتم تقييم الوظائف البدنية باستخدام سرعة المشي المقاسة خلال اختبار مشي لمسافة 2.5 متر. وتشير سرعة المشي الأسرع إلى وظائف بدنية أفضل. وتمت متابعة المشاركين لمدة تصل إلى 12 عاماً.

وفي هذه الدراسة، قيست معتقدات الشيخوخة باستخدام المقياس الفرعي «الموقف تجاه الشيخوخة» من مقياس معنويات مركز فيلادلفيا لطب الشيخوخة Philadelphia Geriatric Center Morale Scale، حيث تشير الدرجات الأعلى إلى معتقدات أكثر إيجابية حول الشيخوخة.

وقيست القدرات الإدراكية لدى المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 و99 عاماً. كما قيست سرعة المشي لدى المشاركين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر عند خط الأساس وفي المتابعة النهائية.

وفحصت التحليلات الإحصائية ما إذا كان المشاركون قد شهدوا تحسناً في القدرات الإدراكية أو سرعة المشي من خط الأساس إلى المتابعة النهائية. واستُخدم تحليل الانحدار اللوجيستي Logistic Regression Analysis لتحديد ما إذا كانت المواقف الإيجابية تجاه الشيخوخة تتنبأ بتحسن كل من القدرات الإدراكية وسرعة المشي مع التحكم في العوامل الديمغرافية والصحية والنفسية والاجتماعية. ومعلوم أن تحليل الانحدار اللوجيستي يُستخدم للتنبؤ بـ«احتمالية وقوع حدث ما» عبر معرفة إضافية لقيم متنوعة لها علاقة «منطقية» بهذا الحدث.

تحسّن القدرات المعرفية والبدنية

وكشفت نتائج الدراسة أن التقدم في السن لا يعني بالضرورة تدهور الصحة. فقد أظهر الباحثون أن العديد من كبار السن لا يُحافظون على قدراتهم المعرفية والبدنية فقط، بل يُحسّنونها بالفعل، وأن تبني المعتقدات الإيجابية حول الشيخوخة هو خيار واقعي وممكن تبنيه على مستوى الشخص، ويرتبط بمسارات صحية أفضل على المدى الطويل دون شك. وهو ما يطرح إعادة النظر في الافتراضات حول التدهور المرتبط بالشيخوخة.

وتحدَّت هذه النتائج الاعتقاد السائد بأنَّ التقدُّم في السنّ يؤدي حتماً إلى التدهور. فقد أظهرت نسبة كبيرة من المشاركين تحسّناً في الوظائف الإدراكية أو البدنية خلال فترة المتابعة. وبشكل عام، شهد 45 في المائة من المشاركين تحسّناً في الإدراك أو سرعة المشي مع مرور الوقت، ما يدلّ على أنّ التغييرات الصحية الإيجابية ليست نادرة في مراحل العمر المتقدمة. وعند فحص كلٍّ من هذه النتائج على حدة، تحسّن الأداء الإدراكي لدى 32 في المائة من المشاركين، بينما تحسّنت سرعة المشي لدى 28 في المائة منهم.

وتُبرز هذه النتائج أن العديد من كبار السن يحافظون على قدراتهم أو يُحسّنونها بدلاً من التدهور المستمر. كما تحسنت ذاكرة بعض الأفراد دون تحسن في الحركة، بينما سار آخرون بشكل أسرع دون تحسن ملحوظ في الوظائف الإدراكية. ومن بين المشاركين الذين تحسنت وظائفهم الإدراكية، تحسنت سرعة المشي لدى نحو 44 في المائة منهم أيضاً، مما يدل على أن هذه الجوانب الصحية قد تتطور بشكل مستقل إلى حد ما.

وبشكل عام، تُظهر النتائج أن التحسن في مراحل لاحقة من العمر أمر ممكن وشائع. وتشير هذه النتائج أيضاً إلى أن العوامل النفسية والثقافية، كالمعتقدات السائدة حول الشيخوخة، قد تؤثر على كيفية تقدم الأفراد في العمر جسدياً ومعرفياً. وتستند الدراسة إلى إطار نظرية تجسيد الصور النمطية، التي تفترض أن الأفراد يستوعبون المعتقدات المجتمعية حول الشيخوخة على مدار حياتهم، وأن هذه المعتقدات قد تؤثر لاحقاً على نتائجهم الصحية عندما تصبح ذات صلة بهم.

وتُظهر النتائج أن الشيخوخة لا تؤدي بالضرورة إلى التدهور. فقد شهد العديد من البالغين تحسناً في قدراتهم البدنية والمعرفية مع مرور الوقت، وهو ما يتناقض مع الافتراضات الشائعة حول الشيخوخة. وارتبطت المعتقدات الإيجابية تجاه الشيخوخة باحتمالية أكبر للتحسن، مما يشير إلى أن العقلية والمواقف الثقافية تجاه الشيخوخة قد تؤثر على المسارات الصحية في مراحل لاحقة من العمر.

ولذا، فإن تعزيز المواقف الإيجابية تجاه الشيخوخة قد تكون له آثار على ممارسات الرعاية الصحية وسلوكيات الأفراد، بهدف دعم كبار السن في الحفاظ على صحتهم ووظائفهم أو تحسينها.

القناعات الشخصية للفرد تجاه الشيخوخة» تؤثر على أدائه البدني والعقلي مع تقدمه في السن

الشيخوخة الصحية... خطوات ممكنة ونتائج أفضل

وفق ما تشير إليه المصادر الطبية، فان الشيخوخة هي حقيقة بيولوجية لها طريقتها المعينة في الحدوث خارج نطاق التحكم البشري. ومع ذلك يصل البعض إلى عمر السبعين وهم يتمتعون بصحة جيدة، بينما قد يحتاج البعض الأخر إلى عون ورعاية الآخرين وهم في سن أصغر.

والأساس في تكوين الشيخوخة الصحية هو قدرة استمرار استقلالية كبار السن عند أداء الاحتياجات اليومية. ووفق مفهوم منظمة الصحة العالمية، فإن مصطلح "الصحة" بتعريفه البسيط هو حالة كافية من السلامة بدنيًّا وعقليًّا واجتماعيًّا. وليس بالضرورة أنها حالة ينعدم فيها المرض أو العجز.

وعند التقدم في العمر، ثمة عدة عوامل لها تأثيرات متفاوتة على المستوى الصحي للفرد. ومن ذلك العادات والتصرفات في السلوكيات الحياتية الماضية والحاضرة، وعوامل جينية، ومدى الإصابة بالأمراض. كما أن البيئة المنزلية العملية، وتحاشي العزلة، وتوافر التقنيات المساعدة، وإمكانية التنقل، واستخدام المرافق الاجتماعية، وممارسة الرياضة، والتغذية الصحية، لها أيضاً تأثيرات.

وأساسيات الشيخوخة الصحية هي القدرة على القيام بالأنشطة اليومية الأساسية مثل: تناول الطعام، وارتداء الملابس، والاستحمام، والمشي، واستخدام دورات المياه، بدون مساعدة الآخرين لأطول فترة عمرية.

ووفق ما تشير إليه المصادر الطبية، فإن أهمية الشيخوخة الصحية تكمن في:

-إطالة متوسط العمر الصحي النشط.

-المحافظة على القدرة الوظيفية خلال مرحلة الشيخوخة واستمرار الاستقلالية في أداء الاحتياجات اليومية.

-خفض الوفيات المبكرة.

-رفع الروح المعنوية والشعور بالعافية لدى كبار السن.

-زيادة عدد الناس الذين يتمتعون بنوعية حياة إيجابية ويشاركون بأنشطة اجتماعية وثقافية وترفيهية.

-خفض تكاليف العلاج الطبي وخدمات الرعاية.

وتضيف المصادر الطبية المعتمدة أن الاستعداد للشيخوخة الصحية يبدأ من عمر مبكر، حيث إن هنالك بعض الأمور التي تساعد الشخص على المحافظة على صحته عندما يتقدم في السن، وتشمل:

-المحافظة على السلوكيات الصحية مثل: النظام الغذائي المتوازن، والنشاط البدني المنتظم، والامتناع عن التدخين.

-الوقاية من الأمراض المزمنة عبر مراحل الحياة يمنع تراكم الآثار السلبية لعوامل خطورتها؛ ما يؤدي إلى تقليل خطر الإصابة بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم، ويقلل خطر الإصابة بمضاعفاتهما، وأهمها الإعاقة الجسدية والجلطة الدماغية وأمراض القلب والأوعية الدموية.

-الحرص على القيام بالفحوصات الطبية الدورية.

-الحرص على التحكم بالأمراض المزمنة عبر المتابعة الطبية.

-أخذ قسط كاف من النوم.


طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر

طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر
TT

طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر

طريقة موحدة لتشخيص الصفير المتكرر

قامت لجنة من خبراء طب الأطفال، تابعة للجمعية الصينية للتعليم الطبي China Medical Education Association، بوضع بروتوكول موحد لتشخيص عرض الصفير المتكرر لدى الرضع والأطفال الصغار. وتكونت اللجنة من متخصصين في الجهاز التنفسي للأطفال وعلم الحساسية، ونُشرت إرشاداتهم في مجلة تشخيص طب الأطفال Pediatric Investigation في الخامس من مارس (آذار) الماضي.

عرَض مرضي شائع

من المعروف أن عرض الصفير يُعد واحداً من أكثر أعراض أمراض الجهاز التنفسي شيوعاً في الأطفال، وينتج عن وجود ضيق في مجرى الهواء، سواء الشعب الهوائية الكبيرة أو القصيبات الصغيرة، ويصيب في الأغلب الأطفال دون سن الخامسة، وتكمن المشكلة الأساسية في تشخيص وعلاج الصفير في حالات وجود أسباب متعددة لحدوثه، ما يستلزم ضرورة استبعاد كثير من الأمراض عن طريق فحوصات وكشف سريري.

وقال الخبراء إن هذه الإرشادات تهدف إلى تزويد الأطباء، بطريقة موحدة لتعزيز دقة التشخيص وفاعلية العلاج، في حالات الأطفال الذين يعانون من العرض بشكل متكرر، ولذلك كانت الخطوة الأولى نحو وضع هذه الإرشادات، هي وضع تعريفات مهمة لتسهيل التشخيص والعلاج:

• التعريف الأول الذي قام الباحثون بتحديده، هو تعريف العرض نفسه (أي الصفير المتكرر)، استناداً إلى نموذج حدوثه، حيث عُرّف على أنه حدوث ثلاث نوبات أو أكثر، بشرط أن يفصل بين كل نوبة وأخرى فترة سبعة أيام خالية تماماً من الأعراض

• التعريف الثاني الذي قام الباحثون بتحديده، هو تعريف المريض نفسه حيث عُرف الرضع والأطفال الصغار بأنهم الذين تتراوح أعمارهم بين 29 يوماً وحتى ثلاث سنوات.

• تعريفات لتصنيف العرض: بعد ذلك، قام الباحثون بوضع تعريفات لتصنيف عرض الصفير المتكرر، استناداً إلى شكل الأعراض على سبيل المثال (صفير يحدث فجأة نتيجة لالتهاب فيروسي، وصفير ناتج عن عوامل متعددة سواء كانت نتيجة التهابات أو أسباب أخرى مثل الحساسية ويحدث باستمرار، وصفير غير مصنف).

• كما طرحت تعريفات استناداً لشكل الاستجابة المناعية مثل (صفير نتيجة لأسباب تحسسية وصفير غير تحسسي)، وتعريفات استناداً إلى العمر الذي بدأ فيه ظهور الأعراض (صفير مبكر عابر، وصفير مستمر مبكر الظهور، وصفير متأخر الظهور). وفي النهاية تعريفات استناداً إلى شدة الأعراض (صفير خفيف الحدة وصفير شديد الحدة).

فحص سريري ومختبري

اهتمت لجنة الخبراء، بإرشادات متنوعة تعتمد على الطريقة التقليدية لتشخيص الأمراض التنفسية، بداية من ضرورة رصد التاريخ المرضي للطفل بدقة، والاهتمام بالفحص السريري بشكل خاص، حيث يُعد من أهم الخطوات الأولية للتشخيص.

وشددت اللجنة على ضرورة إجراء فحوصات مختبرية لتعزيز تشخيص الحساسية على وجه التحديد، لأنها من أهم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث عرض الصفير، مثل تعداد كريات الدم البيضاء المسؤولة عن الحساسية eosinophil count، وأيضاً التحاليل التي يتم عملها لاختبار مسببات الحساسية المختلفة، مثل ذرات الغبار وحبوب اللقاح وبعض أنواع الطعام والمواد الكيميائية، عن طريق الكشف عن الأجسام المضادة.

وشملت التوصيات أيضاً، الاهتمام بعمل الأشعات المختلفة على الصدر، سواء الأشعة العادية (أشعة إكس) أو الأشعة المقطعية، أو الرنين المغناطيسي، لرصد أي تغيرات تحدث في الجهاز التنفسي تكون مصاحبة لعرض الصفير، مما يسهم في التوصل إلى التشخيص بسهولة.

وأوضحت اللجنة، أن اختبارات وظائف الرئة، في الأغلب يتم تجاهلها في معظم الأحيان، على الرغم من أهميتها الكبيرة للوقوف على صحة الرئة، وربما يكون ذلك ناتجاً من عدم توفر الأجهزة التي تقوم باختبارات وظائف التنفس في كثير من المراكز الطبية، خصوصاً مع اعتماد معظم الأطباء على الأشعة والكشف السريري.

فيروسات وبكتيريا

وقال الخبراء، إن العدوى الفيروسية تُعد من أكثر أسباب عرض الصفير المتكرر شيوعاً في الرضع والأطفال الصغار، لذلك قاموا بوضع الإرشادات التي توصي بضرورة إجراء فحوصات للكشف عن المسببات الفيروسية للأمراض التنفسية الشائعة، مثل الفيروس المخلوي التنفسي RSV، والفيروس المسبب للإنفلونزا والفيروس الأنفي (أشهر سبب لحدوث نزلات البرد) والفيروس الغدي.

بالإضافة إلى مسببات الأمراض الفيروسية، تؤكد الإرشادات على ضرورة إجراء فحوصات للكشف عن العدوى البكتيرية، مثل المكورات الرئوية. وعلى الرغم من أن العدوى البكتيرية أقل شيوعاً فإنها أخطر بكثير من العدوى الفيروسية، ويمكن أن تؤدي إلى مضاعفات شديدة الحدة، لذلك يجب علاجها مبكراً بشكل صحيح.

وشملت الفحوصات المساعدة الأخرى التي أوصت بها اللجنة، لتشخيص عرض الصفير المتكرر، فحوصات يمكن عملها حينما تكون هناك أعراض أخرى مرتبطة دائما بحدوث الصفير مثل فحص درجة حموضة المريء، خصوصاً عند الرضع والأطفال في سن ما قبل المدرسة، لأن الصفير المتكرر في الأغلب يرتبط بمرض الارتجاع المعدي والمريء (GERD).

وأفادت اللجنة بأن استخدام منظار الشعب الهوائية، يمكن أن يكون وسيلة تشخيصية مهمة جداً في بعض الحالات. وأخيراً لفتت اللجنة النظر إلى ضرورة وضع العامل الجيني في الاعتبار، في تشخيص حالات الصفير المتكرر. ونصحت اللجنة، بضرورة وضع خطة متابعة طويلة الأمد للعلاج تعتمد بشكل أساسي على مبدأ «تقييم الحالة بشكل عام لكل طفل، ثم التشخيص، ثم العلاج، وفي حالة استمرار الأعراض وعدم التحسن يجب إعادة التقييم، وإعادة التشخيص مرة أخرى».

وفي النهاية، أكدت اللجنة، أن التركيز على تشخيص السبب في عرض الصفير، أفضل من افتراض أنه مجرد عرض لمرض حساسية الصدر (الربو)، ثم البدء في استخدام الأدوية التي تحسن الحالة، مثل الكورتيزون، وموسعات الشعب الهوائية، وفيتامين دي، والبروبيوتيك، ومضادات الهيستامين.

• استشاري طب الأطفال


التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه

التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه
TT

التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه

التوحد.. مفاهيم حديثة تعيد تعريفه

مع كل عام، يأتي الثاني من أبريل (نيسان) ليذكّر العالم بأن اضطراب طيف التوحد لم يعد مجرد تشخيص طبي يُدرج في السجلات؛ بل قضية إنسانية ومجتمعية متكاملة تمس الكرامة والحقوق والفرص. وفي هذا العام (2026)، يرفع العالم شعاراً لافتاً: «Autism and Humanity – Every Life Has Value»، أي «التوحد والإنسانية - لكل حياة قيمتها»، وهو شعار يحمل دلالة عميقة تتجاوز حدود التوعية التقليدية، ليؤكد أن لكل إنسان قيمته الكاملة، وأن الاختلاف في طرق الإدراك أو التواصل لا ينتقص من هذه القيمة؛ بل يندرج ضمن التنوع الطبيعي في البشر.

لم يعد الحديث عن التوحد مقتصراً على الأعراض أو التصنيفات الطبية؛ بل تحوّل إلى نقاش أوسع حول الاندماج والعدالة الصحية وتكافؤ الفرص. وهو تحول يعكس تطوراً مهماً في الخطاب العالمي، تقوده منظمات دولية على رأسها «الأمم المتحدة» و«منظمة الصحة العالمية»، نحو تبني مفهوم التنوع العصبي (Neurodiversity)، الذي يرى أن الاختلافات العصبية ليست خللاً بالضرورة؛ بل جزء من التنوع الطبيعي في البشر.

اضطراب طيف التوحد

• اضطرابات تطورية عصبية. يعرّف اضطراب طيف التوحد (ASD) بأنه مجموعة من الاضطرابات التطورية العصبية التي تتميز بوجود صعوبات في التفاعل الاجتماعي، والتواصل اللفظي وغير اللفظي، وأنماط سلوكية مقيدة ومتكررة، تختلف مظاهره من شخص لآخر، مع تباين واسع في القدرات والاحتياجات بين الأفراد، وهو ما يفسر استخدام مصطلح «الطيف» عن كونه مجرد تشخيص طبي. فبعض الأفراد قد يحتاجون إلى دعم كبير في حياتهم اليومية، بينما قد يتمكن آخرون من العيش بشكل مستقل نسبياً مع بعض التحديات الطفيفة.

ووفقاً للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، يشمل اضطراب طيف التوحد حالات كانت تُشخّص سابقاً بشكل منفصل؛ مثل التوحد الكلاسيكي، ومتلازمة أسبرغر، واضطراب النمو الشامل غير المحدد. ويعكس هذا التغيير فهماً أوسع لطبيعة الاضطراب وتنوع مظاهره.

وتشير تقديرات «منظمة الصحة العالمية» إلى أن نحو واحد من كل 100 طفل حول العالم يقع ضمن هذا الطيف، مع اختلافات ملحوظة في معدلات التشخيص بين الدول تبعاً لمستوى الوعي وتوفر الخدمات الصحية.

غير أن التحدي لا يكمن في تعريف التوحد بقدر ما يكمن في سد الفجوة بين المعرفة العلمية والتطبيق العملي، إذ لا تزال حالات كثيرة تُشخّص متأخراً، أو تُساء قراءتها في مراحل مبكرة، أو تُفهم في إطار ضيق لا يعكس طبيعتها الحقيقية.

• الأسباب والعوامل المساهمة. لا يوجد سبب واحد محدد لاضطراب طيف التوحد؛ بل يُعتقد أنه ناتج عن تفاعل معقّد بين عوامل وراثية وبيئية. وتلعب العوامل الوراثية دوراً رئيسياً، إذ تشير الدراسات إلى أن القابلية للإصابة ترتبط بعدد من الجينات، وليس بجين واحد محدد، مع وجود تباين كبير في الأنماط الجينية بين الأفراد.

إلى جانب ذلك، قد يسهم بعض العوامل البيئية في زيادة احتمالية الإصابة، خصوصاً خلال فترات النمو المبكر. وتشمل هذه العوامل ما يتصل بمرحلة الحمل، مثل التعرض لبعض العدوى أو العوامل البيئية الضارة. كما نوقش في بعض الدراسات ارتباط نقص بعض العناصر الغذائية - مثل فيتامين دي - بزيادة الخطر، إلا أن هذه العلاقات لا تزال قيد البحث ولم تُحسم بشكل قاطع.

وعلى المستوى العصبي، تُظهر الأبحاث وجود اختلافات في بنية الدماغ ووظائفه لدى بعض الأشخاص ضمن طيف التوحد، خصوصاً في الشبكات المرتبطة بالتواصل الاجتماعي ومعالجة المعلومات. كما أشارت دراسات إلى تغيرات في بعض النواقل العصبية، مثل السيروتونين، إلا أن طبيعة هذه التغيرات ودورها السببي لا تزال موضع دراسة مستمرة.

• من التوعية إلى الاندماج. على مدى سنوات، ركّزت الجهود العالمية على نشر الوعي بالتوحد، وهو هدف مهم في مراحله الأولى. إلا أن الخطاب الحديث - كما تعكسه توجهات الأمم المتحدة (United Nations) - انتقل إلى مرحلة أكثر تقدماً، تقوم على ثلاثة مفاهيم رئيسية:

- القبول (Acceptance) بدل الاكتفاء بالتوعية.

- الاندماج (Inclusion) بدل العزل أو التهميش.

- التمكين (Empowerment) بدل الرعاية السلبية.

هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن المشكلة لا تكمن في الشخص المصاب بالتوحد ذاته؛ بل في البيئات التي لا تزال غير مهيأة لاحتواء هذا التنوع البشري.

التشخيص والتأهيل

• التشخيص المبكر. تؤكد «منظمة الصحة العالمية» أن التشخيص والتدخل المبكرين يمثلان نقطة التحول الحاسمة وحجر الأساس في تحسين نتائج الأطفال المصابين بالتوحد؛ إذ تسهم البرامج التدخلية المبكرة في تطوير المهارات وتعزيز القدرة على التكيف والاستقلالية، إلا أن الواقع يشير إلى تحديات مستمرة، من أبرزها:

- نقص الوعي المجتمعي.

- تأخر الإحالة إلى المختصين.

- تفاوت توافر الخدمات المتخصصة ومحدوديتها في بعض المناطق.

وهذا ما يجعل الاستثمار في برامج الكشف المبكر والتأهيل المهني ضرورة ملحة لتعزيز فرص الأطفال في المستقبل.

• التدخلات المتخصصة المبكرة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في تطوير مهارات الأطفال ذوي التوحد وتحسين جودة حياتهم. وتشمل هذه التدخلات:

- التدخلات السلوكية: تهدف إلى تعليم مهارات جديدة وتقليل السلوكيات غير المرغوبة.

- العلاج اللغوي والتواصلي: يركز على تحسين القدرة على فهم اللغة والتعبير عنها، واستخدام وسائل تواصل بديلة إذا لزم الأمر.

- العلاج المهني (الوظيفي): يساعد الأفراد في تطوير المهارات الحياتية اليومية، مثل العناية بالنفس والمهارات الحركية الدقيقة.

- الدعم الأسري والتربوي: يوفر الإرشاد والدعم للأسر، وتكييف البيئات التعليمية لتلبية احتياجات الأفراد ذوي التوحد.

• دور الأسرة والتعليم. لا يقتصر تأثير التوحد على الطفل وحده؛ بل يمتد إلى الأسرة التي تعيش تجربة معقدة تجمع بين القلق والأمل والتكيف. وتشدد توصيات منظمة «الصحة العالمية» على أهمية: تقديم الإرشاد والتثقيف الأسري، وتوفير الدعم النفسي للأهل، وإشراك الأسرة في خطط التدخل العلاجية.

والأسرة شريك أساسي في عملية التأهيل وتمثل حجر الأساس في استمرارية الرعاية ونجاحها، وليست مجرد متلقٍ للخدمة.

ويُعدّ التعليم أحد أبرز المؤشرات على مدى تقدم المجتمعات في التعامل مع التوحد، وهو أحد أهم محاور إدماج هؤلاء الأطفال في المجتمع. فبدلاً من عزل الأطفال في برامج منفصلة، تدعو السياسات الحديثة إلى دمجهم في البيئات التعليمية المناسبة، مع توفير التعديلات اللازمة.

ولم يعد الهدف مجرد إلحاقهم بالمدارس؛ بل ضمان مشاركتهم الفعلية من خلال: تكييف المناهج التعليمية، وتدريب المعلمين، وتوفير بيئات تعليمية مرنة تدعم التنوع. وهنا يظهر الفرق بين وجود الطالب داخل الفصل، وشعوره الحقيقي بالانتماء والمشاركة.

• تلبية الاحتياجات. رغم التركيز الكبير على الأطفال، تظل احتياجات البالغين من ذوي التوحد أقل حضوراً في السياسات الصحية والاجتماعية. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى الحاجة لرؤية ممتدة، وإلى أهمية: دعم فرص العمل، وتعزيز برامج الاستقلالية، وتوفير خدمات طويلة المدى.

إن التوحد ليس مرحلة عابرة؛ بل حالة تستمر مدى الحياة، ما يتطلب نموذج رعاية يمتد عبر المراحل العمرية المختلفة من الطفولة إلى الشيخوخة.

ورغم التقدم العلمي، لا تزال المفاهيم الخاطئة حول التوحد تمثل عائقاً حقيقياً أمام التشخيص المبكر والاندماج الفعلي. وقد تؤدي هذه الوصمة إلى: تأخر طلب المساعدة، وإخفاء الحالة، وعزلة اجتماعية غير مبررة.

ومن هنا، فإن تغيير الثقافة المجتمعية يمثل خطوة لا تقل أهمية عن أي تدخل طبي أو تأهيلي.

• تقنيات الدعم الحديثة. شهدت التكنولوجيا تطورات مستمرة تسهم في دعم الأفراد ذوي التوحد. ويمكن للتطبيقات والأدوات الرقمية أن تساعد في تحسين مهارات التواصل، وتوفير برامج تعليمية مخصصة، وتقديم أدوات مساعدة للأفراد الذين يعانون من صعوبات حسية. كما تلعب التقنيات دوراً في تسهيل التشخيص المبكر وتوفير برامج تدريبية للأسر والمختصين.

تحدي المفاهيم الخاطئة

من المفاهيم الخاطئة الشائعة أن التوحد يرتبط بضعف الذكاء. في الواقع، يمتلك كثير من الأفراد ذوي التوحد مستويات ذكاء طبيعية أو حتى مرتفعة، وقد يتميزون في مجالات معينة مثل الرياضيات، أو الفن، أو الموسيقى، أو الحفظ. وتكمن التحديات الأساسية في التواصل الاجتماعي والتفاعل، وليس بالضرورة في القدرات المعرفية العامة.

كما أن التقبل المجتمعي يعدّ عنصراً حيوياً لضمان حياة كريمة ومنتجة للأفراد ذوي التوحد. ويتطلب ذلك زيادة الوعي المجتمعي بالتوحد، وتحدي الصور النمطية والمفاهيم الخاطئة، وتوفير فرص متكافئة في التعليم والعمل والحياة الاجتماعية. وإلى جانب ذلك، فإن دور الأسر، والمؤسسات التعليمية، والجمعيات المتخصصة، ووسائل الإعلام، والمجتمع ككل، أساسي في بناء بيئة شاملة وداعمة.

وختاماً، لم يعد التوحد قضية صحية فحسب؛ بل أصبح جزءاً من رؤية أوسع ترتبط بالتنمية المستدامة، حيث يرتبط بحقوق الإنسان، ويتقاطع مع مفاهيم التعليم الجيد، والعمل اللائق، وتقليل الفوارق الاجتماعية.

إن تمكين الأفراد من ذوي التوحد لا يعود بالنفع عليهم وحدهم؛ بل يسهم في بناء مجتمعات أكثر تنوعاً وابتكاراً وعدالة، من خلال: تعزيز التنوع، ودعم الابتكار، وبناء بيئات أكثر شمولاً وعدالة.

وفي ضوء الشعار العالمي لهذا العام، لم يعد السؤال عما يجب أن يتغير وكيف نتعامل مع التوحد بوصفه اضطراباً قائماً مثلما كان في الأعوام السابقة، بل أصبح الأهم: كيف نعيد بناء مجتمعاتنا لتستوعب الجميع وتحتوي هذا التنوع الإنساني؟

إن التوحد لا ينتقص من قيمة الإنسان؛ بل يكشف عن حاجتنا لإعادة النظر في مفاهيمنا عن الاختلاف. وبين التقدم العلمي والتحديات الواقعية، تبقى الحقيقة الأهم، وهي:

«لكل إنسان قيمته... ولكن هذه القيمة لا تكتمل إلا حين نعترف بها ونمنحها مكانها العادل في المجتمع».

* استشاري طب المجتمع