الصعود الصيني التحدي الأكبر لليابان

مع انتقال مركز الثقل الاقتصادي في العالم إلى الجنوب الشرقي من القارة الآسيوية

اجتماع لوزراء الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة واليابان في واشنطن أمس. من اليمين وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شانهان ووزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الخارجية الياباني تارو كونو ووزير الدفاع تاكيشي ايوايا (إ.ب.أ)
اجتماع لوزراء الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة واليابان في واشنطن أمس. من اليمين وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شانهان ووزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الخارجية الياباني تارو كونو ووزير الدفاع تاكيشي ايوايا (إ.ب.أ)
TT

الصعود الصيني التحدي الأكبر لليابان

اجتماع لوزراء الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة واليابان في واشنطن أمس. من اليمين وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شانهان ووزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الخارجية الياباني تارو كونو ووزير الدفاع تاكيشي ايوايا (إ.ب.أ)
اجتماع لوزراء الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة واليابان في واشنطن أمس. من اليمين وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شانهان ووزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الخارجية الياباني تارو كونو ووزير الدفاع تاكيشي ايوايا (إ.ب.أ)

يقع الأرخبيل الياباني عند نقطة تلاقي أربعة من الفوالق الأرضية الضخمة التي، من فترة لأخرى، يتسبّب تحرّك أحدها بزلازل هائلة غالباً ما أحدثت دماراً كبيراً وأوقعت خسائر بشرية فادحة. هذا الواقع الجيولوجي ينطبق أيضاً على الوضع الجيوسياسي التي تعيشه اليابان منذ عقود، وتتفاقم خطورته مع صعود المارد الصيني والتهديدات النووية اليائسة من كوريا الشمالية، وتكاثر نقاط الاحتكاك بين واشنطن وموسكو على امتداد الطوق الآسيوي.
منذ سنوات والخبراء الاستراتيجيون يجمعون على أن المنطقة الأكثر سخونة في الصراع بين القوى الكبرى خلال القرن الحادي والعشرين ليست الشرق الأوسط وأزماته المعمّرة والمستعصية، بل الجنوب الشرقي من القارة الآسيوية الذي انتقل إليه مركز الثقل الاقتصادي في العالم؛ فالصين قد أصبحت لاعباً رئيسيّاً في سباق التسلّح على صهوة نمو اقتصادي جامح منذ أواخر القرن الماضي، تتحرّك واثقة في مواجهة اليابان جارتها اللدود منذ قرون، والولايات المتحدة التي لا تفوّت مناسبة كي تعرض جبروتها العسكري في المنطقة للتأكيد على تفوّقها العالمي، في حين تبقى العلاقات اليابانية مع روسيا المتراصّة عسكرياً على عهد بوتين لغزاً بالنسبة لطوكيو التي لم توقّع بعد معاهدة سلام مع موسكو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بسبب النزاع على الجزر، كل ذلك على مرمى حجر من كوريا الشمالية التي لا تتحدّث إلا بلغة الصواريخ الباليستية والترسانة النووية.
بالنسبة لليابان، يبقى الصعود الصيني هو التحدّي الأكبر على المدى الطويل، وتسعى الحكومة اليابانية الحالية منذ سنوات للمحافظة على علاقات ثنائية ودّية مع بكين بعد فترة طويلة من التوتر. وتعتبر طوكيو أن الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء شينزو آبي إلى بكين في خريف العام الماضي، وهي الأولى منذ عام 2011، قد أعادت العلاقات إلى مسارها الطبيعي. ويرى مسؤولون هنا أن العلاقات مع الصين، رغم أهميتها الاستراتيجية، لا يمكن أن توازن العلاقات مع الولايات المتحدة «لأن التحالف مع واشنطن هو الركيزة الأساسية لسياستنا الخارجية، لكنه لا يحول دون إقامة علاقات جيدة مع بكين»، كما يقول تاكيشي أوسوغا الناطق بلسان وزارة الخارجية، في محاضرة ألقاها، الثلاثاء الماضي، بمعهد الدراسات الآسيوية التابع لجامعة طوكيو. ويضيف أوسوغا: «الخلافات العديدة حول الحدود البرية والبحرية في المنطقة أشبه ببرميل بارود، ويقلقنا ما تقوم به بكين من تعديلات أحادية للوضع القائم في المناطق الشرقية والجنوبية من بحر الصين».
وتسعى اليابان منذ فترة لتنفيذ مشروع بعنوان «الهندي - الهادئ الحر والمفتوح»، يعتبره المراقبون الرد الياباني على مشروع طريق الحرير الجديدة «مبادرة الطوق والطريق» الصينية. ويقول أوسوغا: «رؤيتنا ليست موجهة ضد أحد، ولا تشكل رداً على أي مبادرة. فكرتها الأساسية هي أن النظام البحري القائم يواجه تحديات كثيرة تقتضي منا التركيز على ثلاثة أهداف: ضمان حرية الملاحة وسيادة القانون في المجال البحري، وتعزيز المواصلات في المنطقة البحرية عن طريق الموانئ والبنى التحتية، وتقديم المساعدة اللازمة لبناء قدرات البلدان في مجال الأمن البحري».
ولا يخفي المسؤولون في طوكيو مباعث قلقهم من الصين، وفي طليعتها النمو الاقتصادي المتسارع وانعكاساته على الإنفاق العسكري الذي يفتقر إلى الشفافية. وتعترف طوكيو بأن الصين قد بلغت مستوى تكنولوجياً عالياً لا يُستبعد أن يكون قد تجاوز اليابان في بعض المجالات، وتخشى من مخاطر التأثير على الرأي العام عبر التلاعب باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. ولا ينسون مخاطر الاحتكاك المتزايد بين الصين وتايوان التي صعّدت أخيراً في مواقفها الاستقلالية، وقابلتها بكين بزيادة الضغوط العسكرية وتحذير الدول الأخرى من إقامة علاقات معها.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن التحالف مع واشنطن يشكل عماد السياسة الأمنية لليابان التي يلزمها الدستور السلمي الذي أقر بعد الحرب العالمية الثانية حصر الإنفاق العسكري بالأهداف الدفاعية، مما يجعل مواردها الحربية دون مستوى القوة الاقتصادية الثالثة في العالم. ويجمع المسؤولون الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» في العاصمة اليابانية على أن العلاقات الثنائية الجيدة بين رئيس الوزراء شينزو آبي والرئيس الأميركي دونالد ترمب تلعب دوراً مهمّاً باتجاه التهدئة في مرحلة يواجه فيها حلفاء واشنطن صعوبات متعددة في التعامل معها.
يُذكر أن طوكيو كانت الأكثر تجاوباً حتى الآن مع دعوات ترمب للحلفاء إلى زيادة الإنفاق العسكري والمساهمة في تكاليف انتشار القوات الأميركية على أراضيهم. ولا تخفي الأوساط الرسمية هنا ارتياحها لما تتضمنه الوثائق الاستراتيجية الرسمية الصادرة عن «البنتاغون» من تشدد في المواقف حيال الصين وروسيا، إلى جانب الزيادة في الإنفاق العسكري الأميركي للسنوات المقبلة.
يبلغ عدد القوات الأميركية المنتشرة في اليابان 54 ألف جندي موزعين على إحدى عشرة قاعدة، أهمها تلك التي توجد في جزيرة أوكيناوا الاستراتيجية حيث تقوم حملة شعبية منذ سنوات ترفض وجود القوات الأميركية على أراضيها. وتسعى الحكومة اليابانية منذ سنوات إلى خفض التوتر الشعبي، لكن مع المحافظة على الوجود العسكري لحليفتها في الجزيرة.
التحدي النووي من كوريا الشمالية هو أيضاً أحد مصادر القلق الرئيسية بالنسبة لطوكيو التي أعربت عن ارتياحها لوقف التجارب النووية، بعد القمة الأولى بين واشنطن وبيونغ يانغ، وللموقف الأميركي في القمة الثانية التي انتهت من غير تنازلات. ويؤكد المسؤولون اليابانيون، خلافاً لما يُشاع عن استياء طوكيو من كون المبادرة الأميركية لم تراعِ الموقف الياباني، أن التنسيق بين واشنطن وطوكيو لم ينقطع منذ اللحظة الأولى من المفاوضات. ولا يغيب عن البال أن العلاقات ما زالت معقّدة بين اليابان وكوريا الجنوبية بسبب التباين حول بعض جوانب الملف النووي والمطالب الكورية بشأن الممارسات اليابانية خلال فترة الاستعمار.
العلاقات مع الاتحاد الروسي ما زالت تتعثر بسبب النزاع حول جزر كوريل التي ضمها الاتحاد السوفياتي في نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي يقطنها بضعة آلاف من الروس حالياً.
وما زال هذا النزاع يحول دون توقيع معاهدة سلام بين البلدين، رغم استئناف المفاوضات بينهما في الفترة الأخيرة. وكانت الحكومة اليابانية قد خففت من مطالبها أخيراً، عندما قبلت بالتفاوض على أساس إعلان مشترك صدر في عام 1956 يشير إلى إعادة الجزر الجنوبية فقط من الأرخبيل، لكن رغم القمم العشرين التي عقدها آبي مع بوتين حتى الآن، لم تغير موسكو موقفها.

عدد القوات الأميركية في اليابان: 54 ألفاً
عدد القوات الأميركية في كوريا الجنوبية: 23 ألفاً
ميزانية الدفاع الأميركية: 609 مليارات دولار
ميزانية الدفاع الصينية: 228 مليار دولار
ميزانية الدفاع الروسية: 66 مليار دولار
ميزانية الدفاع اليابانية: 45 مليار دولار
ميزانية الدفاع الكورية الجنوبية: 39 مليار دولار

ترمب سيكون أول زعيم أجنبي يلتقي إمبراطور اليابان الجديد
> سيتوجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اليابان في 25 مايو (أيار) ليكون «أول ضيف رسمي أجنبي» بعد تنصيب ولي العهد ناروهيتو (59 عاماً) على العرش الإمبراطوري في الأول من مايو. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز في بيان إن ترمب سيتوجه إلى اليابان، وسيعقد أيضاً محادثات مع رئيس الوزراء شينزو آبي الذي سيقوم أيضاً بزيارة إلى واشنطن أواخر الشهر الحالي. وأضافت ساندرز: «اللقاء بين ترمب ورئيس الوزراء آبي سيعيد التأكيد على التحالف الأميركي الياباني كحجر زاوية للسلام والاستقرار والرخاء»، في منطقة المحيط الهادي وحول العالم. وسيعود ترمب إلى اليابان في يونيو (حزيران) لحضور قمة مجموعة العشرين في أوساكا.
ومن جانب آخر، سيتوجه إمبراطور اليابان أكيهيتو والإمبراطورة ميتشيكو لزيارة ضريح «شينتو» في وسط اليابان، في آخر رحلة له خارج طوكيو قبل تخليه عن العرش في 30 أبريل (نيسان). ويرمز الضريح إلى إلهة الشمس في اليابان (أماتيراسو أوميكامي)، التي تشير الأساطير اليابانية إلى أنها مؤسسة السلالة الإمبراطورية. وفي منتصف مارس (آذار)، بدأ الإمبراطور سلسلة من المراسم والطقوس تمهيداً لتنازله المقرَّر عن العرش، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك باليابان خلال قرنين. وأصبح أكيهيتو الإمبراطور الـ125 لليابان في 7 يناير (كانون الثاني) 1989، عندما كان عمره 55 عاماً، بعد وفاة والده الإمبراطور هيروهيتو. وكان أكيهيتو قال في رسالة فيديو نادرة، في أغسطس (آب) 2016، إنه يرغب في التنحي. وقال إنه قلق من أن تدهور صحته سيجعل من الصعب عليه القيام بواجباته.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.