أسبوع الأردن للموضة يحقق أحلام شباب متعطش لمنصة تُعرّف بهم

رسّخ قدميه محلياً في دورته الأولى تحضيراً للمستقبل

من عرض علامة «زاي»  -  من عرض سارة منصور  -  من تصاميم اللبناني جون لوي صبجي
من عرض علامة «زاي» - من عرض سارة منصور - من تصاميم اللبناني جون لوي صبجي
TT

أسبوع الأردن للموضة يحقق أحلام شباب متعطش لمنصة تُعرّف بهم

من عرض علامة «زاي»  -  من عرض سارة منصور  -  من تصاميم اللبناني جون لوي صبجي
من عرض علامة «زاي» - من عرض سارة منصور - من تصاميم اللبناني جون لوي صبجي

لم تكن الشوكولاته التي صاغتها أنامل العاملين في شركة «ليندت» السويسرية على شكل حقائب يد وأحذية وأحمر شفاه وفساتين، ولا مستحضرات العناية بالبشرة من شركة «لو غيفاج» الأردنية، وحدها من بعثت إحساساً بالسعادة والراحة في نفوس وسائل الإعلام لدى وصولهم إلى فندق كامبنسكي في أواخر شهر مارس (آذار) الماضي، بقدر ما كان ترقبهم للطبق الذي سيقدمه أسبوع الأردن للموضة في دورته الأولى. أطباق الشوكولاته وغيرها من الإغراءات كانت مجرد لفتات تشير إلى اهتمام شيرين رفاعي، مؤسسة الأسبوع وراعيته، بأدق تفاصيله.
كان من المفترض أن ينطلق الأسبوع في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بمنطقة البحر الميت، لكن بسبب السيول التي أودت بحياة عدد من الناس، تم تأجيله.
فقد كان لا بد من التعامل مع المأساة بحساسية. مرت أشهر، ولم يتغير التوقيت فحسب بل أيضاً المكان. ففي 30 من شهر مارس الماضي، وفي عمان هذه المرة، رأى الأسبوع النور وأصبح حقيقة، من خلال احتضانه عروضاً متنوعة لـ18 مصمم أزياء أردنياً ومن دول أخرى قدموا تصميماتهم على مدى يومين. كان لسان حالهم يقول إنهم يستحقون منبراً يعرف بهم، حتى إن لم يُخرجهم إلى العالمية، فعلى الأقل يجذب انتباه الزبون المحلي إليهم. وربما يُلخص تصريح المصممة الأردنية الروسية تاتيانا أسيفا، التي قدمت تشكيلة موجهة للمساء في غاية الأناقة والرومانسية، الوضع بقولها: «منذ سنوات طويلة وأنا أعمل في هذا المجال، وكنت أفتقد منصة من هذا النوع. لم يكن لدينا أي شيء مماثل بما في ذلك عارضات محترفات، وأخيراً حان الوقت لكي نبني صناعة تظهر أعمالنا للعالم... والحقيقة أن أقصى ما كنت أتمناه أن يكون منظماً، لكن النتيجة فاقت كل توقعاتي وآمالي...لقد كان أكثر من رائع».
ما يُحسب لشيرين رفاعي، القوة الدافعة وراءه، أنها لم تتردد عندما شعرت أن الوقت قد حان ليكون للأردن منبر خاص به. لم تنتظر تأسيس منظمة موضة، تتكون من عدة أعضاء كما الحال بالنسبة لمعظم أسابيع الموضة العالمية. كانت هذه العملية ستأخذ وقتاً طويلاً، وربما تجاذباً في البداية، وهو ما لم يكن وارداً بالنسبة لها. اعتمدت على نفسها وعلى علاقات بنتها طوال فترة عملها في مجالي الموضة والإعلام. فقد سبق لها العمل سفيرة لبعض العلامات العالمية، كما لا تزال صديقة لعلامات أخرى. تقول إنه كان يحز في نفسها «كلما حضرت أسبوع باريس للموضة ألا يكون في الأردن فعالية مماثلة». كانت تعرف أن عدد المصممين الشباب في تزايد وأن أحلامهم كبيرة تحتاج إلى من يحتضنها ويتبناها، والأهم من هذا «من يأخذ بيدهم فيما يتعلق بتوفير اللوجيستيات الضرورية لبناء صناعة متكاملة من كل الجوانب».
بعد مخاض دام سنوات، حققت المبتغى. وحسب قول المصمم اللبناني جون إيلي صباجي، الذي افتتح الأسبوع: «إنها امرأة حديدية... نحتاج مثلها في كل بلد عربي».
درست شيرين رفاعي الحقوق لكنها اكتشفت بعد التخرج مدى حبها للموضة والإعلام. لم تتردد في أن تتبع ما يمليه عليها قلبها، وهكذا ترأست مجموعة من المجلات النسائية المتخصصة في الموضة، قبل أن تصبح من المؤثرات في ساحة الموضة الأردنية، لا سيما مع تنامي أهمية المؤثرات في العالم العربي. ساعدها في ذلك أناقتها المميزة من جهة، وحسها التجاري من جهة ثانية. بعد 15 سنة، قررت أن تستغل ما اكتسبته من خبرة وعلاقات و«ترد الجميل إلى الأردن»، كما تقول، بأن تساعد المصممين الصاعدين على فهم أهمية الموضة كصناعة قائمة بذاتها تحتاج إلى الابتكار والتسويق في الوقت ذاته. بعد تعاملها معهم وملامسة مدى حماسهم وقدراتهم الإبداعية لم تعد الاستشارات وحدها كافية. ومن هنا جاءتها فكرة تأسيس أسبوع موضة بالأردن يتعدى التعريف بمواهبهم ليشمل في المستقبل تأسيس بنية تحتية قوية ومستدامة، تبدأ بدعم مصانع الإنتاج واليد العاملة وتكوين عارضات محليات وغيرها من الأمور التي لا تقتصر فقط على تصميم أزياء أنيقة تعتمد على الخطوط والألوان، كما هو مترسخ في أذهان كثير ممن دخلوا مجال الموضة من باب الموهبة والهواية. أملها أن تنخرط صناعات أخرى في هذا المشروع. ففي الدول النامية، مثل تركيا وجورجيا والبرازيل والأرجنتين وغيرها، تستعمل أسابيع الموضة للترويج لنفسها مراكز لصناعة الأقمشة أو الدباغة وغيرها من الصناعات المحلية، التي تطمح إما لتصديرها أو لجذب مستثمرين إليها، وأحياناً تستعملها لمجرد الترويج السياحي.
تقول شيرين رفاعي إنها تُدرك جيداً أن تنظيم أسبوع موضة «لا يعني استضافة حضور مهتم بالأناقة، أو ترؤس فعالية تنتهي بإسدال الستار وإطفاء الأنوار فحسب، بل هو صناعة مستمرة من شأنها أن تخلف تأثيرات إيجابية طويلة المدى على المصممين وعلى باقي الصناعات الأخرى. الحضور مثلاً يجب أن يشمل زبونات متفاعلات، ومشترين من محلات كبيرة، تكون لهم الصلاحية لاختيار تصاميم من يتوسمون فيهم التميز وعرض تصاميمهم في المحلات التي يمثلونها، إضافة إلى وسائل الإعلام التي من شأنها أن تسلط الأضواء على أعمالهم لتصل إلى شريحة لم تتمكن من حضور الفعالية».
وهذا لا يقتصر على عمان وحدها، فمنذ أن بدأت فكرة تنظيم أسابيع موضة في العواصم العالمية، من باريس ونيويورك إلى ميلانو ولندن، والأساس الذي تقوم عليه واحد. قد تتغير التفاصيل والبهارات والنكهة لكن يبقى الهدف، إلى جانب الاحتفال بالفنية والإبداع، هو تحريك عملية البيع. ما تجتهد شيرين في شرحه للمصممين الشباب أنه لا بأس من أن يقدموا تشكيلات فانتازية على منصة العرض، على أمل جذب انتباه الإعلام وفتح جدل فكري أو فني، لكنها تؤكد ضرورة التخفيف من فانتازيتها عندما تبدأ عملية الإنتاج حتى تجد طريقها إلى خزانات شرائح أكبر من الزبائن. لم يكن الأمر سهلاً، وتطلب عدة جلسات وندوات لإيصال فكرتها إلى شباب كان يعتمد أولاً وأخيراً على الموهبة والشغف. فبعضهم لم يدرس فن التصميم بشكل أكاديمي، وأغلبهم من أبناء جيل وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا يعني أنهم يعتمدون على هذه الوسائل للوصول إلى زبائنهم والتسويق لمنتجاتهم بثقافة «الآن وليس غداً». قد يدركون أن عروض الأزياء، التي قد لا تطول لأكثر من 20 دقيقة في الغالب، تؤثر على نظرة المتلقي للموضة وذوقه في اللاشعور، إلا أن إمكاناتهم لحد الآن لم تكن تسمح بالمشاركة فيها خارج الأردن في ظل افتقادهم منصة محلية. لكسبهم وتمكينهم من المشاركة، جندت شيرين رفاعي كل علاقاتها وخبرتها في العلاقات العامة للحصول على تمويلات خارجية، من وزارة السياحة مثلاً وجهات أخرى، لكي تُعفيهم من أي مصاريف. وكانت المفاجأة أنهم لم يخيبوا ظنها. فما قدموه على مدى يومين، أكد ما لمسته فيهم من موهبة منذ البداية. أغلبهم، إن لم نقل كلهم، ابتعدوا عن الفولكلور، وركزوا على تصاميم عصرية، سواء تعلق الأمر بالأشكال الحديثة أو الأقمشة الغريبة مثل البلاستيك أو إعادة استعمال خامات من أجمل موضة مستدامة مثل التشكيلة التي قدمها المصمم الشاب فادي زيموت واعتمد فيها الخامات نفسها التي تستعملها شركة «ريشبوند» في صناعة الأسرة والكنبات والدينم. المصمم إبراهيم البدارين من علامة «جو! كريياتفيز»، وهي علامة تدمج التطريز البدوي التقليدي مع الدينم في جماليات حديثة تخاطب الشباب، قال في هذا الصدد إنه من المهم أن يحتفي المصمم بماضيه وتاريخه بكل ما يعنيه من عمق ثقافي، لكن من دون أن يغرق فيه ويغرف منه بشكل حرفي. تستمع إليه شيرين رفاعي بفخر واعتزاز وعيونها لا تتوقف عن الدوران وهي تتابع كل صغيرة وكبيرة تجري في عين المكان. فهي التي وضعت كل التفاصيل واختارت المشرفين على الإضاءة والماكياج والموسيقى والإخراج والمؤثرات. وبالفعل سار كل شيء كما رسمت وخططت، وتوضح أن هذا ضروري، «فالبداية مهمة ويجب أن تكون قوية لأننا ننوي أن نُحول المناسبة إلى مظاهرة سنوية تنعش حركة الإبداع ككل».
تستشف من كلامها وحماسها أنها تقتدي بأسابيع موضة أخرى سبقتها إلى ذلك مثل المكسيك وكولومبيا وطوكيو ونيجيريا وغيرها. فرغم أن هذه العواصم حديثة العهد بالموضة، ولا ترقى إلى العواصم العالمية الأربع التي لها باع وتاريخ طويلان، فإنها نجحت في التأثير على المخيلة المحلية بأن جعلت السكان يفخرون بأبنائهم، ويُقبلون على تصاميمهم بدل التصاميم العالمية. والسبب أنها اكتسبت في أعينهم جرعة حلاوة أكبر بعد عرضها على منصات بتأثيرات موسيقية مبهرة وبعد أن تداولتها المجلات ووسائل التواصل الاجتماعي. وغني عن القول أن هذا انعكس على المشترين العالميين أيضاً، الذين سهلت عليهم هذه الأسابيع عملية البحث عن ماركات غير معروفة لكن مميزة؛ أحياناً من خلال صور المجلات وأحياناً عبر «إنستغرام». وهذا ما يزيد من نموها الاقتصادي، فحسب دراسة نشرتها «ماكنزي أند كومباني»، فإن فرصة البلدان التي تشجع على صناعة الموضة بأن تصبح وجهة مهمة، أكبر من غيرها. وجاء في التقرير أن «العشر مدن الأكثر نمواً ما بين عامي 2015 و2025، هي عواصم الموضة، مثل شانغهاي، وشينغن الصينية، ومكسيكو سيتي، ودلهي، فيما تحافظ العواصم العالمية مثل نيويورك وطوكيو ولندن على مكانتها بحكم تاريخها وحجم صناعتها».
ولا يخفى على أحد أن المنافسة كبيرة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هناك نحو 52 أسبوع موضة في العالم حالياً. بعض الدول لا تكتفي بأسبوع واحد بل تُحفز المنافسة بين مدنها حتى تقتطع لها حصة أكبر من الكعكة العالمية، مثل مدريد وبرشلونة في إسبانيا، وساو باولو وريو دي جانيرو في البرازيل، وملبورن وسيدني في أستراليا، وشانغهاي وبكين في الصين، ونيويورك ولوس أنجليس في الولايات المتحدة. ورغم أن بعضها لا يزال غضاً وخجولاً، فإن الحكومات تُسنده بكل قواها بعد أن فهمت اللعبة وبأنه الطريق إلى إنعاش سياحي واقتصادي طويل المدى.
> افتتح المصمم اللبناني الشاب جون لوي صبجي الأسبوع بتشكيلة تحمل كل بصماته الأنثوية المعهودة. فهذا المصمم الشاب الذي تخرج من أكاديمية دوموس بميلانو ينتمي لعائلة تعشق الموضة وامتهنتها منذ عقود، ما يجعله يعرف ما تريده المرأة من أناقة تجمع الكلاسيكية بالجرأة، وهو ما كان واضحاً في كل قطعة تهادت بها عارضاته على ممشى فندق الكامبنسكي. وكان مسك الختام من نصيب الإيطالي سيلفيو جياردينا الذي ضخ في الأسبوع نكهة إيطالية لذيذة.
من المصممين المشاركين في الأسبوع أيضاً زينب الكيسناوي، وهي فلسطينية برازيلية كبرت في أبوظبي وتركز على فساتين السهرة والعرائس. وهذا يعني طبعاً الفخامة والفساتين المطرزة.
شارك في الأسبوع أيضاً كل من ميس الفاتح وفادي زيموت، وسارة منصور التي درست الموضة في لندن قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة لإكمال دراستها، وليث معلوف الذي تدرب في مدرسة إيلي صعب، وهو ما انعكس على تصاميمه بشكل واضح، إضافة إلى مجموعة أخرى لا تقل موهبة، بعضهم على منصات العرض وبعضهم الآخر في المعرض الذي احتضنته قاعة ضخمة في المكان نفسه.
> أهمية أسابيع الموضة اقتصادياً:
- إلى جانب تحريك عملية البيع، تُنعش صناعات أخرى مثل الفنادق والمطاعم ووسائل المواصلات، فضلاً عن تسليط الضوء على مواقع ومآثر سياحية.
- تدر صناعة الموضة على نيويورك وحدها أكثر من 540 مليون دولار أميركي، نحو 40 مليون دولار منها تذهب لصالح المطاعم، و30 مليون دولار لسائقي التاكسيات وإيجار السيارات الخاصة وباقي وسائل النقل، و56 مليون دولار للفنادق.
- أسبوع لندن أعلن أن الموضة تضاهي صناعة السيارات قوة إن لم تتفوق عليها. فهي تدر 28 مليار جنيه إسترليني سنوياً على الاقتصاد البريطاني.
- أسبوع طوكيو الذي انطلق حديثاً يحقق حالياً نحو 93 مليون يورو للاقتصاد الياباني، بينما يحقق أسبوع شانغهاي 90.5 مليون يورو. أما أسبوع مدريد فيحقق دخلاً إجمالياً قدره 104.5 مليون يورو. فرغم أنه أقل من ميلانو أو باريس من حيث عدد المشاركين فيه والضجة الإعلامية، فإنه يتفوق عليهما تجارياً.


مقالات ذات صلة

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

لمسات الموضة المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول)…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة 6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، تظهر فيها المرأة عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة آن هاثاواي وعقد من «بولغاري» (رويترز)

مجوهرات تتعدى القطعة منها 35 مليون دولار

في ليلة الأوسكار منحت المجوهرات جرعة من البريق والأمل في أن الإبداع لا يزال قادراً على التحدي حتى في أكثر اللحظات اضطراباً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة خلال السنوات الأربع التي قضاها في الدار تولى الجانب الإبداعي في كل المجالات (إيترو)

«إيترو» تنهي تعاونها مع مديرها الإبداعي ماركو دي فينتشنزو

بعد نحو 4 سنوات من قيادة الدار الإيطالية «إيترو» (ETRO)، تنتهي مرحلة ماركو دي فينتشنزو فيها باتفاق متبادل بين الطرفين، وفق ما جاء في البيان الصحافي. كان دي…

«الشرق الأوسط» (لندن)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.


المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
TT

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

بين جُدران دار «الضمانة» التاريخية في طنجة، تظهر ست نساء بملامح مختلفة، لكن بحضور واحد: حضور الفاعل لا الموضوع. هكذا اختارت المصممة كنزة بناني ومؤسسة دار «نيو طنجير» New Tangier أن تقدم مجموعتها الجديدة «ري أوريانتد»، محاولة إعادة توجيه النظرة التي رسمت صورة المرأة الشرقية عموماً والمغربية الأمازيغية، خصوصاً لفترات طويلة. اختارت في تصويرها أسلوباً يستعيد تكوينات اللوحات الاستشراقية، لكن بروح معاصرة ونظرة تعيد للمرأة موقعها كذات فاعلة.

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

كان مهماً بالنسبة لكنزة أن تطلق هذه المجموعة في مدينة طنجة. فهذه مدينتها التي تعرف كل تفاصيلها، التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما العنوان الذي أطلقته عليها فله معنى واحد، وهو إعادة النظر في الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للمرأة، وغالباً ما ركزت على الجسد والزينة. كانت تلبي توقعات المتلقي الغربي «مع أنها كانت بعيدة عن الواقعين الاجتماعي والثقافي للمرأة»، وفق رأيها.

كل تفصيلة تعكس مغرباً معاصراً يجمع الأصالة بالمعاصرة (نيو طنجير)

تقول إنها لم تسع إلى محو هذه الصورة، بل إلى تصحيحها من الجذور؛ حتى تسترد للمرأة صوتها وتُمكِنها من التحدث عن نفسها، بدلاً من أن تبقى مجرد موضوع يُعرض أمام الآخر. وعلى الرغم من تقديرها للجوانب الجمالية لفن الاستشراق، ظلت هذه الصورة النمطية تُثير حفيظتها. تشرح: «منذ القرن التاسع عشر، والاستشراق يميل إلى تصوير المرأة على أنها سلبية وتُلبِي جانباً حسِياً فقط». لم يُقدِم هذا التصوير واقعاً موضوعياً، بقدر ما شكَل تمثيلاً ثقافياً يخدم خطاب التفوق الغربي، كما أشار إليه المفكر إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق». وهنا جاءت فكرة تصوير مجموعتها في إطار استشراقي، لكن بنساء لهن وزن وتأثير في المجتمع. الصور التي التقطت لهن ليست خالية من الحسِية تماماً، لكنها حسِّية بقرار من المرأة نفسها، من طريقتها في اختيار أزيائها وإبراز جمالها، بينما لم تملك في فن الاستشراق هذه الحرية ولا هذه القوة.

كل امرأة في الصور تمثل رؤية المصممة لمجتمع فاعل ومتنوع (نيو طنجير)

الموضة والاستشراق

فهي تُدرك أنه على الرغم من أن الأدب والفن التشكيلي أكثر من أبرز هذا الخطاب، فإن الموضة لم تبقَ حيادية. فاللوحات الاستشراقية ألهمت الكثير من المصممين منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، من بول بواريه إلى إيف سان لوران وجون غاليانو وغيرهم كُثر. منهم من يستلهم من العباءة والقفطان وسراويل الحريم، ومنهم من يغويه التطريز أو يكتفي بالعمائم والمجوهرات.

بيد أن ما يُحسب للموضة أنها تعاملت مع الصورة التي رسمها بقدر كبير من الإيجابية. على الأقل حوَّلته منتجات تحتفي به، كما سوَقت له عالمياً ليتحول مكسباً اقتصادياً. وليس أدل على هذا من الراحل إيف سان لوران، الذي جعل من القفطان قطعة تتهافت عليها المرأة الأنيقة من كل أنحاء العالم.

لم تُلغ المصممة صورة الاستشراق الفنية... خلصتها فقط من نمطيتها بتصوير المرأة فاعلةً في المجتمع (نيو طنجير)

كنزة بناني، بدورها وجهت نظرها إلى الإيجابي. لم تتعامل مع القفطان بوصفه رمزاً فولكلورياً، بل بوصفه قطعةً متجددةً قادرة على التعبير عن المرأة المعاصرة؛ إذ من أهم الأولويات التي وضعتها نصب أعينها عندما أسست «نيو طنجير» في عام 2014، أن تُبرز جودة الحرف اليدوية المغربية وجمال الأقمشة التقليدية بأن تصوغها في تصاميم تكون غالباً منسدلة على الجسم، ومفعمة بأنوثة بعيدة كل البُعد عن الصور المتخيّلة. فالمرأة بالنسبة لها لم تكن يوماً سلبية، بل فاعلة تمثل نفسها ومجتمعها في كل الأوقات، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس قوتها ونشاطاتها من دون أن تتنازل عن أناقتها في كل الأوقات.

هناك احتفال واضح بالثقافة المغربية وما تمثله من أصالة ومعاصرة (نيو طنجير)

6 نساء مؤثرات

من هذا المنظور، اختارت ست شخصيات نسائية بارزة في الساحة الثقافية والاجتماعية. كلهن من بنات مدينتها، طنجة. فهي لم تفكر في الاستعانة بعارضات أزياء تقليديات، ليس لأنها تريد ترسيخ فكرة أن تصاميمها تحترم المرأة بغض النظر عن المقاسات والمقاييس فحسب، بل أيضاً لإبراز أن المرأة لا تنسلخ عن مجتمعها وأنها مؤثرة فيه. كل واحدة من النساء الست تمثل نموذجاً للإنجاز والفاعلية. حضورهن في هذه الجلسة المصورة بالنسبة لكنزة بناني لا يقوم على الرمزية بل على الفعل. فملاك، مصممة تفاعلية، وزورا، استشارية اتصالات وإعلامية، ولمياء رائدة أعمال في قطاع المطاعم، ونُسيبة، مغنية وملحنة، وأمينة مهندسة وناشطة ثقافية، وأخيراً وليس آخراً إيمان، مديرة العمليات في قطاع التعليم.

اكتسبت كل قطعة في هذه المجموعة خفة حررتها من جميع القيود بفضل الأقمشة المنسدلة (نيو طنجير)

بين الذاكرة والواقع

كل بورتريه في هذه الجلسة المصورة يربط بين الذاكرة والواقع المَعِيش، في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، لكن تجسد واقعاً معاصراً. هذه النظرة بالنسبة لكنزة هي امتداد لفكر نوال السعداوي الذي يعيد وضع المرأة بصفتها عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي، بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة. اختيار دار «الضمانة» لتصوير هذه اللقطات ليس من باب الصدفة، والمبنى هنا لم يكن مجرد ديكور جامد، بل جزء أساسي من المشروع لأصالته وتاريخه. فقد شُيِّد في عام 1901، وكان مركزاً للتبادلات الديبلوماسية في مدينة طنجة؛ وهو ما يعزز فكرة الماضي والحاضر.

من الناحية الجمالية، يتميز أيضاً بديكور مغربي أصيل أسهم في تعزيز الرؤية الإبداعية التي تستهدف إعادة استخدام كل ما هو تاريخي وتقليدي لعكس الديناميكية التي تتمتع بها طنجة، التي تربط الشرق بالغرب.

تم تصوير المجموعة في دار «الضمانة» لما تجمعه من تاريخ وإرث فضلاً عن ديكور مميز (نيو طنجير)

تشرح كنزة بأن الأقمشة التي استعملتها تركز على المواد الأساسية للقفطان، في استحضار واعٍ للتبادلات التاريخية بين المغرب وطريق الحرير. «فهذه الأقمشة»، وفق قولها: «تتميز بنقشات نباتية ولمسات ذهبية وألوان عميقة جعلت توظيفها في قفاطين منسدلة ومعاصرة ترقى إلى مستوى خيالي، لكن لا يمُت للتخيلات بصلة». شملت هذه الرؤية أيضاً مجموعة خاصة من «الجبادر»، زي يتكون من سروال وقميص أو سترة طويلة، حيث أعادت المصممة صياغته هو الآخر بأسلوب منطلق، دمجت فيه القطن السادة بالحرير المزخرف. وهكذا نجحت في تحرير السترات والسراويل من أي زخارف لا تضيف شيئاً إلى بنائه، وخلقت توازناً جمع بين بساطة الخطوط وترف الأقمشة.

منذ تأسيسها في عام 2014 والعلامة تحرص على استعمال أقمشة تقلدية تم تطويعها للعصر (نيو طنجير)

لم تخرج الألوان عن الإطار الاستشراقي شكلاً، لكن مضموناً تستحضر دفء المغرب وحيويته النابضة. في القفاطين مثلاً اعتمدت على الأزرق الياقوتي، والأحمر الياقوتي، والأخضر الزمردي والبيج لتربط بين التقليدي والعصري، وأيضاً لكي تعزز صورة أن كل قطعة في المجموعة بغلاوة المجوهرات، لا سيما وأنها نموذج حي للحرفية اليدوية المحلية، التي تأسست عليها الدار.