«عزلة الحلزون» لخليل صويلح

«عزلة الحلزون» لخليل صويلح

الثلاثاء - 11 شعبان 1440 هـ - 16 أبريل 2019 مـ رقم العدد [ 14749]
بيروت: «الشرق الأوسط»
عن دار «هاشيت أنطوان» اللبنانية، تصدر نهاية هذا الأسبوع رواية «عزلة الحلزون» للروائي السوري خليل صويلح. وننشر هنا مقتطفات من الفصل الأول:
مضى شهر وأسبوعان على عملي مدقِّقاً لغويّاً، بدوام جزئيّ، في موقع «شعاع» الإلكترونيّ. لم يكن هذا النوع من العمل، بالنسبة إليّ، يتطلّب جهداً كبيراً، مقارنة بمهنة الصحافة نفسها، فقد كنت أتهيّب الكتابة، كما لو أنّها عمليّة جراحيّة معقّدة في الدماغ، عدا بعض المحاولات المتعثّرة التي أحتفظ بها في دفترٍ خاصّ، لم يطّلع عليه أحد، قبل أن أقتحم العالم الافتراضي بصفحة على موقع «فيسبوك» تحمل اسما مستعاراً، هو ميخائيل جبران، اقتبسته من اسمي كاتبين مشهورين هما: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران. اهتممتُ أوّلاً، بتصحيح الأخطاء اللغويّة المريعة التي يرتكبها الآخرون في كتاباتهم على الحائط الأزرق، كأنّهم من العجم، لفرط انتهاكهم اللغة الفصحى، وتحطيم القواعد في وضح النهار، إلّا أنّني أهملت ذلك لاحقاً، لعدم استجابة أحدٍ لما أقوم به من تصويب للأخطاء، فسلامة اللغة آخر ما يفكّر فيه هؤلاء الحمقى.
بحكم الخبرة، لم أعد أنظر إلى اللغة كجسد مقدّس، أو مكان إقامة غير قابل للتحوّل، أو للتلوّث بشوائب اللغات الأخرى، إنّما كجسر عبور في اتّجاهين للنكهات والأصوات والألوان. أقول لنفسي، كيف لي أن أتأبّطَ معجم سفينة الصحراء وحده، وأنا أعبر شوارع اليوم المزدحمة بالأبراج والمولات ومحطّات القطارات؟ هل ينبغي علي أن أخلع سروالي الجينز، وساعتي الرقميّة، وجهازي الخليويّ، وأرتدي عباءة جدّي الحادي عشر، استجابة لفتوى طارئة؟
كان هذان السؤالان يلحّان عليّ، كلّما بزغت أمامي صورة أحد الأسلاف، وحمولة ميراثهم الثقيل: صهيل خيل، وسيوف ملوّثة بدماء القبائل الأخرى، وطعنات، وغزوات، ونساء مفجوعات، وهجرات قسريّة، وقبور أولياء وعشّاق بأسماء مجهولة.
عملي الإضافي في الموقع الإلكترونيّ، أتى في توقيته تماماً، لجهة تصريف الضجر، ومواجهة الخسارات المتلاحقة، والندبات العميقة التي وضعتني في مهبِّ الحيرة والخذلان واليأس، كان آخرها هجرة ثريّا صبّاغ إلى باريس: ابتكرتْ سيرة ذاتيّة لا تخصّها، سيرة متخمة بالاضطهاد والملاحقات الأمنيّة وأخطار العيش في البلاد. روت لي بسخرية، كيف وضعتْ ملفّها الضخم أمام موظّفي السفارة الفرنسيّة في بيروت بثقة، ولم يحتج الأمر إلى وقت طويل للموافقة على طلبها اللجوء، وستعترف لاحقاً بأنّها أضافت إلى سيرتها الملفّقة بنداً مثيراً، يتعلّق بمكابداتها في بيئة تحاصر رغباتها بوصفها مثليّة جنسيّاً!
الآن فقط، أتذكّر كيف انطفأت علاقتنا مثل شمعة، إذ كانت تذوي تدرّجاً، على وقع خلافات في المواقف، ووجهات النظر، في معنى العيش، حتّى فيما يخصّ طريقة تحضير صينيّة بطاطس في الفرن، ونسبة الفلفل إلى الملح، إلى أن غرقنا في بئر العتمة كغريبين، إثر مشاحنات صاخبة، كانت ثريّا تشعلها يوميّاً لإقناعي بفكرة اللجوء، واستنشاق هواء آخر لا يشبه رائحة هذا المستنقع، مشاحنات أدّت بنا، في نهاية المطاف، إلى الانفصال نهائيّاً.
كانت عبارتها الأخيرة لي، قبل مغادرة البلاد، بمثابة ثأر مؤجّل:
– هنيئاً لك قوقعتك البائسة أيّها الحلزون، وأضافت متهكّمة: آمل بأن تكون جملتي سليمة لغويّاً.
لم أغادر مقعدي في الصالة. تابعتُ ارتشاف قهوتي بصمت. كنت أراقب حركة انزلاق عجلتَي حقيبتها الكبيرة، وأثرهما المتعرّج فوق رخام الحجرة، وهي تتّجه نحو الباب الذي تركته مفتوحاً وراءها، كآخر خيط يربطني بها.
(اكتشفتُ أثناء خروجي من المنزل أنّها قد شطبت اسمها عن جرس الباب الخارجيّ، وبقي اسمي مشنوقاً بمفرده، في فراغ الإطار).
كنتُ أعالج غيابها، كأنّها لم تكن يوماً، مثل جرح بسيط أحدثته شفرة حلاقة في الذقن، يلتئم برشقة خاطفة من ماء كولونيا النسيان. لكنّ تقريراً موسّعاً، قرأته مصادفة، في أحد المواقع الإلكترونيّة عن ترجمة يوميّاتها إلى اللغة الفرنسية، واحتفاء الصحف الباريسيّة بها، أثار سخريتي، لسعة خيالها في تأليف وقائع مفزعة لم تعشها يوماً، ولقدرتها الفائقة على تلفيق سيرة مستعارة من أوجاع الأخريات، استلّتها من صفحات مدوِنات مجهولات كتبن تجاربهنّ في الانتهاك والخوف وحوادث الخطف.
كنت سعيداً - إلى حدٍّ ما - بالقفص الزجاج المخصّص لي كمكتب في بناية شاهقة وأنيقة: أراقبُ حركة الغيوم وأشكالها من خلف زجاج الغرفة في الطبقة التاسعة، وأحياناً ألقي نظرة نحو العربات المسرعة في الاتّجاهين، على أوتوستراد المزّة، بعد حادثة اصطدام مروري بين عربتين، أو مشاجرة ما في الحديقة المجاورة، أو أنتهي إلى التلصّص على شرفات البيوت المقابلة التي لا تخلو من مناظر مبهجة لنساء لا يكترثن بالأعراف وأسباب الحشمة، من دون أن أهملَ حركة الأجساد في ممرّات الموقع بين مكاتب التحرير، أو من خلف الزجاج الذي يفصل بين المكاتب المتجاورة. لكنّني سأكتشف تدرّجاً أنّ الأخطاء لا تكمن في اللغة وحدها، إنّما في تأويل عبارة ما، بما ليس فيها، وفي كمائن المجاز، وذلك بإشعال حطب الضغينة، وإيقاظ الأسلاف من قبورهم كي يعيدوا تمثيل الجريمة مرّة أخرى، بالوقائع نفسها، كما يحدث في شريط جنائي مصوّر.
لبنان كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة