«نافتا» الجديدة في أزمة مع تراجع فرص التصديق عليها

صورة أرشيفية من ميناء لوس أنجليس - الولايات المتحدة الأميركية
صورة أرشيفية من ميناء لوس أنجليس - الولايات المتحدة الأميركية
TT

«نافتا» الجديدة في أزمة مع تراجع فرص التصديق عليها

صورة أرشيفية من ميناء لوس أنجليس - الولايات المتحدة الأميركية
صورة أرشيفية من ميناء لوس أنجليس - الولايات المتحدة الأميركية

بعد مرور أكثر من ستة أشهر على توصل كل من الولايات المتحدة والمكسيك وكندا إلى اتفاق جديد لإدارة التجارة الإقليمية التي يزيد حجمها على تريليون دولار، تتراجع فرص واحتمالات تصديق البلاد على ذلك الاتفاق خلال العام الحالي.
وقد أبرمت الدول الثلاث الاتفاقية في 30 سبتمبر (أيلول) بعد عام من المفاوضات العسيرة عقب طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة السابقة أو إلغائها. مع ذلك لم تنجح تلك الاتفاقية في إنهاء حالة التوتر التي تهيمن على العلاقات التجارية في أميركا الشمالية. ربما تصبح الاتفاقية رهينة للسياسة الانتخابية في حال تأجيل التصديق عليها لمدة أطول من ذلك، حيث من المفترض أن يبدأ السباق الرئاسي عام 2020. وكذلك تستعد كندا لانتخابات فيدرالية خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول)، ويعني التأجيل أن الشركات والمؤسسات التجارية ستظل تعاني من حالة عدم اليقين فيما يتعلق بالإطار الحاكم للاستثمارات المستقبلية في المنطقة. وقال أندريس روزنتال، نائب وزير الخارجية المكسيكي السابق لشؤون أميركا الشمالية: «تواجه اتفاقية أميركا وكندا والمكسيك للتجارة الجديدة اضطرابات»، رغم ثقته في التصديق على الاتفاقية في نهاية المطاف. وقد رجح روزنتال أن تعرقل معارضة الديمقراطيين الأميركيين، والاتحادات بالبلاد، للبنود الخاصة بالعمل في الاتفاقية، إلى جانب الجدل بشأن التعريفات الجمركية، وإقرارها خلال الأشهر القليلة المقبلة. كذلك يتوجب على البرلمان الكندي التصديق على الاتفاقية، ويقول المسؤولون إن الإطار الزمني ضيق للغاية، حيث ليس أمام المشرعين الحاليين سوى بضعة أسابيع قبل بداية الإجازة البرلمانية الصيفية في يونيو (حزيران)، ولن يكون أمام أعضاء البرلمان الجديد فرصة كافية للتصديق على الاتفاقية قبل 2020.
وقد أعرب ترمب، الجمهوري، عن إحباطه من مجلس النواب الأميركي، الذي يقوده الديمقراطيون، لفشله في التصديق على الاتفاقية. وقد هدد ترمب بالانسحاب من الاتفاقية السابقة، وهي اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، في حال عدم إسراع الكونغرس نحو إتمام الأمر. وإذا تخلى ترمب عن الـ«نافتا»، سوف تعود الدول الثلاث إلى تطبيق قوانين التجارة التي كانت متبعة قبل تنفيذ الاتفاقية عام 1994.
- التعريفات الجمركية
وتسعى كل من كندا والمكسيك وراء الإعفاء من التعريفات الجمركية الأميركية على الواردات العالمية من المعادن (الصلب والألومنيوم) التي تم فرضها العام الماضي. ولم تتضمن الاتفاقية الجديدة أي تعريفة جمركية على المعادن، ولا تطيق كل من المكسيك وكندا صبراً لحل هذه المسألة.
على الجانب الآخر، هدد ترمب قبل أيام بفرض تعريفات جمركية على الواردات المكسيكية إلى البلاد من السيارات ما لم تتخذ المكسيك المزيد من الإجراءات للتصدي لمهربي المخدرات والهجرة غير الشرعية. وتوشك الحكومة المكسيكية على الانتهاء من قائمة جديدة بالواردات الأميركية المحتملة، والتي من المفترض استهدافها بالرسوم، على حد قول لوز ماريا دي لامورا، نائبة وزير الاقتصاد المكسيكي. وقد صرحت لوكالة «رويترز» قائلة: «سيكون كل شيء متاحا»، لكنها لم تفصح عن أي تفاصيل بشأن كيفية تعديل تلك القائمة، التي تتضمن بالأساس منتجات مثل خمر الـ«بوربون»، والجبن، والقوارب التي تعمل بالمحرك، وأرجل الخنازير، والصلب، والتفاح. ولم توضح دي لامورا ما إذا كانت المكسيك سوف ترفض التصديق على الاتفاقية الجديدة في حال عدم التراجع عن فرض تعريفة جمركية على الصلب واكتفت بقولها: «كل الخيارات مطروحة على الطاولة».
وفي أوتاوا، صرحت كريستيا فريلاند، وزيرة الخارجية الكندية، خلال الأسبوع الحالي بأن حكومتها كانت تنظر «باستمرار» في القائمة الانتقامية الخاصة بكندا، مشيرة إلى أن التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب قد منحت البلاد فرصة للرد تقدّر قيمتها بـ16 مليار دولار. ولم تفصح فريلاند عن موعد تعديل تلك القائمة، وأوضح مصدر حكومي، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، أن هذا الأمر قد لا يكون ضرورياً.
ورفض جاستين ترودو، رئيس الوزراء الكندي، الذي يواجه معركة انتخابية شرسة قبول تحديد حصة الصلب والألومنيوم الكندي مقابل إلغاء الولايات المتحدة للتعريفة الجمركية. وتعرض ترودو لانتقادات أثناء المفاوضات الخاصة بالاتفاقية نظراً لخضوعه لترمب فيما يتعلق بغزو قطاع الألبان الكندي.
وهدد الديمقراطيون الأميركيون بعرقلة الاتفاقية الجديدة ما لم تمرر المكسيك تشريعاً يضمن وضع أفضل لحقوق العمال، وهو مطلب الحكومة الكندية أيضاً. كذلك من المفترض أن تتم الموافقة على مشروع قانون تتم مناقشته في البرلمان المكسيكي لدعم اتحادات العمال خلال الشهر الحالي على حد قول الحكومة. ويرى ترمب أن الـ«نافتا» تسببت في فقدان الملايين لوظائفهم في الولايات المتحدة، حيث توجهت الشركات نحو الجنوب بحثاً عن العمالة المكسيكية التي تتقاضى أجوراً أقل. وسوف يترشح ترمب في الانتخابات القادمة للفوز بفترة رئاسية أخرى، ومن المرجح أن يركّز في حملته الانتخابية على سياسته «أميركا أولا». وكان إجبار المكسيك وكندا على إعادة التفاوض على الـ«نافتا» من الوعود التي قطعها خلال الانتخابات الرئاسية التي حقق فيها فوزاً مفاجئاً عام 2016. ويبذل الديمقراطيون أقصى جهدهم لتجنب الخسارة مرة أخرى. وقال سيرجيو ألكوسير، نائب وزير الخارجية المكسيكي السابق: «كلما اقترب موعد الانتخابات، ازدادت الصعوبة التي يواجهها الديمقراطيون في منح ترمب فرصة النصر بالتصديق على الاتفاقية الجديدة». ويدفع بعض الديمقراطيين باتجاه تعديل الاتفاق، وهي فكرة يقاومها المسؤلون في كندا والمكسيك. وقالت فريلاند: «عليهم توخي الحذر من فتح ما قد يصبح مثل صندوق باندورا». ويقول مسؤولون كنديون إنهم يخشون من أن تؤدي إعادة فتح باب مناقشة جزء من الاتفاقية إلى إثارة اللغط بشأن أجزاء أخرى منها.

- شارك في إعداد هذا التقرير كل من ديف غراهام من مدينة مكسيكو وديفيد ليونغرين من أوتاوا وكريس برينتيس من واشنطن
- خدمة (رويترز)


مقالات ذات صلة

الأنظار على اجتماع ترمب ورئيس الوزراء الكندي الجديد في البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني (أ.ف.ب)

الأنظار على اجتماع ترمب ورئيس الوزراء الكندي الجديد في البيت الأبيض

يعقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الكندي الجديد مارك كارني في البيت الأبيض لقاء، الثلاثاء.

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يتوسط رئيس وزراء كندا ورئيس المكسيك بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة في 2019 (أرشيفية-رويترز)

المكسيك تطالب ترمب بالحفاظ على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية

طالبت مكسيكو واشنطن بالحفاظ على اتفاقية التبادل التجاري الحر في أميركا الشمالية، التي تربط الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز)

المجر: رئاسة ترمب ستساعد اليمين الأوروبي على «احتلال» بروكسل

قال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إن رئاسة دونالد ترمب للولايات المتحدة ستساعد على إطلاق موجة ثانية من التغيير السياسي اليميني الشامل في أوروبا.

«الشرق الأوسط» (بودابست )
العالم طائرات تحلّق ضمن معرض الصين الدولي الـ15 للطيران والفضاء جنوب الصين (أ.ب)

إلى أين ستقود سياسة ترمب «أميركا أولاً»؟

رغم أن دونالد ترمب لا يخفي اعتزامه تبني نهج متشدد مع بكين؛ يمكن أن تمثل إدارته فرصة كبيرة أمام الصين لتعزيز نفوذها العالمي والاقتراب من قيادة العالم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد «الشيوخ» الأميركي يوافق على «يوسمكا»

«الشيوخ» الأميركي يوافق على «يوسمكا»

وافق مجلس الشيوخ الأميركي على نسخة معدلة من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) التي مضى عليها 26 عاماً، تتضمن قواعد أكثر صرامة بشأن العمالة وصناعة السيارات، لكنها تترك تدفقات التجارة البالغة 1.2 تريليون دولار سنوياً بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا بلا تغيير إلى حد كبير. وأقر مجلس الشيوخ مشروع قانون اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، المعروفة باسم «يوسمكا»، بأغلبية 89 صوتاً ضد 10 أصوات في تصويت يتماشى مع الانتماء الحزبي وأرسله إلى الرئيس دونالد ترمب ليوقعه ليصبح قانوناً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

اليابان تُبقي على نظرتها الاقتصادية الحذرة رغم مخاوف التجارة

ميناء للحاويات في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
ميناء للحاويات في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

اليابان تُبقي على نظرتها الاقتصادية الحذرة رغم مخاوف التجارة

ميناء للحاويات في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
ميناء للحاويات في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

أبقت الحكومة اليابانية، إلى حد كبير، على نظرتها المتفائلة الحذرة للاقتصاد في تقريرها الاقتصادي الذي نُشر يوم الخميس، مع تحذيرها من مخاطر سلبية ناجمة عن السياسات التجارية الأميركية.

وفي تقييم اقتصادي شهري لشهر يناير (كانون الثاني) الحالي، أكد مكتب مجلس الوزراء أن رابع أكبر اقتصاد في العالم يتعافى بشكل معتدل، لكنه سلط الضوء على التأثير المحتمل للسياسات الأميركية، لا سيما على صناعة السيارات. كما شدد على ضرورة توخي الحذر بشأن تحركات السوق.

وحافظت الحكومة على توقعاتها بشأن الاستهلاك الخاص، الذي يمثل أكثر من نصف الاقتصاد، ووصفته بأنه «يتحسن» للشهر الخامس على التوالي. وكان التغيير الرئيسي الوحيد في التقييم الاقتصادي هو في ميزان التجارة والخدمات، الذي عُدّل من «عجز» إلى «متوازن تقريباً». وفيما يتعلق بالأسعار، ذكر التقرير أن ارتفاع تكاليف المواد الغذائية، وهي المحرك الرئيسي للتضخم، قد تباطأ، وأن الحكومة ستراقب عن كثب لمعرفة ما إذا كانت مؤشرات تباطؤ ارتفاع الأسعار ستتحقق. ومع ذلك، فإن الانخفاضات الحادة في قيمة الين منذ أكتوبر (تشرين الأول) قد زادت من حالة عدم اليقين بشأن ما إذا كانت ضغوط ارتفاع التكاليف ستتراجع بسلاسة كما يتوقع البنك المركزي.

وانكمش الاقتصاد الياباني بنسبة 2.3 في المائة على أساس سنوي في الربع الثالث، حيث أدى انخفاض الصادرات نتيجة لتأثير الرسوم الجمركية المرتفعة إلى أول انكماش له منذ ستة أرباع.

وفي غضون ذلك، من المتوقع أن يُبقي بنك اليابان أسعار الفائدة ثابتة في اجتماعه الذي يستمر يومين وينتهي يوم الجمعة، بعد أن رفع سعر الفائدة القياسي إلى أعلى مستوى له في 30 عاماً عند 0.75 في المائة الشهر الماضي. كما أسهمت التطورات السياسية في زيادة حالة عدم اليقين الاقتصادي. وأعلنت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، يوم الاثنين، عن انتخابات برلمانية مبكرة في الثامن من فبراير (شباط) المقبل، سعياً منها إلى كسب تأييد الناخبين لسياساتٍ تشمل زيادة الإنفاق الحكومي وتعليق ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية لمدة عامين.

وأثارت مقترحاتها موجة بيع واسعة النطاق في أسواق السندات والعملات والأسهم، وسط مخاوف من تفاقم الوضع المالي العام الياباني المتردي أصلاً.

• تراجع الصادرات إلى أميركا

وفي غضون ذلك، أظهرت بيانات حكومية صدرت يوم الخميس أن الصادرات اليابانية ارتفعت للشهر الرابع على التوالي في ديسمبر (كانون الأول) بفضل الطلب القوي على مراكز البيانات، إلا أن انخفاض الشحنات إلى الولايات المتحدة يُلقي بظلال من الشك على إمكانية استدامة النمو في الأشهر المقبلة. وأظهرت البيانات أن إجمالي الصادرات من حيث القيمة ارتفع بنسبة 5.1 في المائة على أساس سنوي في ديسمبر، وهو أقل من متوسط توقعات السوق البالغة 6.1 في المائة، وذلك بعد ارتفاع بنسبة 6.1 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وانخفضت الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 11.1 في المائة في ديسمبر مقارنةً بالعام الماضي، بعد انتعاشها لأول مرة منذ ثمانية أشهر في نوفمبر، نتيجةً لاتفاقية تجارية أُبرمت في سبتمبر (أيلول) مع واشنطن، التي حددت تعريفة جمركية أساسية بنسبة 15 في المائة على جميع السلع تقريباً.

وقال كوكي أكيموتو، الخبير الاقتصادي في معهد دايوا للأبحاث: «الانتعاش المؤقت الناتج عن انخفاض حالة عدم اليقين بشأن تعريفات ترمب (في أعقاب الاتفاقية التجارية) قد انتهى تقريباً بحلول نوفمبر». وأضاف: «من الآن فصاعداً، سنشهد مزيداً من الآثار طويلة الأجل لهذه التعريفات. ولا يمكننا استبعاد احتمال أن تبدأ آثار تعريفات ترمب في الظهور بشكل كامل مع لجوء تجار التجزئة إلى تحميل المستهلكين تكاليف التعريفات».

وكانت الصادرات إلى أماكن أخرى قوية في ديسمبر، حيث قفزت الصادرات إلى آسيا بنسبة 10.2 في المائة مدفوعةً بالطلب القوي على الرقائق الإلكترونية والأجهزة الإلكترونية لمراكز البيانات وسط طفرة في مجال الذكاء الاصطناعي. وارتفعت الصادرات إلى الصين بنسبة 5.6 في المائة. وزادت الواردات الإجمالية بنسبة 5.3 في المائة في ديسمبر مقارنةً بالعام السابق، مقابل توقعات السوق بزيادة قدرها 3.6 في المائة. ونتيجةً لذلك، حققت اليابان فائضاً تجارياً قدره 105.7 مليار ين (667.13 مليون دولار)، مقارنةً بفائض متوقع قدره 356.6 مليار ين وفقاً لاستطلاع أجرته «رويترز». وبالنسبة لعام 2025 بأكمله، ارتفعت الصادرات بنسبة 3.1 في المائة عن العام السابق، إذ نجت اليابان من ضربة قوية للرسوم الجمركية الأميركية. وارتفعت الواردات بنسبة 0.3 في المائة فقط، ويعكس ذلك جزئياً انخفاض أسعار الطاقة. ونتيجةً لذلك، انخفض العجز التجاري لليابان بنسبة 52.9 في المائة ليصل إلى 2.7 تريليون ين في العام الماضي.

ودفع التأثير الأقل حدة للرسوم الجمركية الحكومة اليابانية إلى مراجعة توقعاتها للنمو الاقتصادي للسنة المالية المنتهية في مارس (آذار) إلى 1.1 في المائة، بعد أن كانت 0.7 في المائة. ووسط تراجع المخاوف بشأن التوترات التجارية، رفع بنك اليابان سعر الفائدة الرئيسي إلى أعلى مستوى له في 30 عاماً، مسجلاً 0.75 في المائة في ديسمبر الماضي. ومن المتوقع أن يُشير البنك المركزي إلى استعداده لرفع أسعار الفائدة مجدداً خلال اجتماعه الذي يستمر يومين وينتهي يوم الجمعة، حيث تُبقي الانخفاضات الأخيرة في قيمة الين وتوقعات تحقيق مكاسب قوية في الأجور صانعي السياسات في حالة تأهب لاحتواء الضغوط التضخمية.


«دافوس» يشهد زخماً جديداً للتجارة خارج أميركا بعد سياسات ترمب

دونالد ترمب يُشير بيده خلال اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس (أ.ف.ب)
دونالد ترمب يُشير بيده خلال اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس (أ.ف.ب)
TT

«دافوس» يشهد زخماً جديداً للتجارة خارج أميركا بعد سياسات ترمب

دونالد ترمب يُشير بيده خلال اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس (أ.ف.ب)
دونالد ترمب يُشير بيده خلال اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس (أ.ف.ب)

أعادت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في توظيف الرسوم الجمركية بوصفها أداةً للسياسة الخارجية فرض نفسها بقوة على «منتدى دافوس» هذا الأسبوع، حيث تصدرت جهود تعزيز التجارة العالمية خارج الولايات المتحدة المشهد، وسط استياء واضح وغليان لدى كبار الشركاء التجاريين لواشنطن.

وبرزت الرسوم الجمركية مرة أخرى بعد تهديد ترمب، في نهاية الأسبوع الماضي، بفرض رسوم جديدة على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لمطامعه في غرينلاند، قبل أن يتراجع عنها يوم الأربعاء عقب إعلان إطار عمل لاتفاق مع حلف شمال الأطلسي بشأن الجزيرة القطبية الشمالية، وفق «رويترز».

وقال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب شامبين، خلال حلقة نقاش حول التعريفات الجمركية: «إن سرعة التغيير وحجمه ونطاقه هي ما تهزُّ العالم حقاً».

ويعقد المنتدى الاقتصادي العالمي اجتماعه في دافوس للمرة الأولى منذ أن رفعت الإدارة الأميركية العام الماضي الرسوم الجمركية إلى أعلى مستوياتها منذ قرن؛ ما دفع الدول إلى تكثيف جهودها لتعويض النقص من خلال زيادة التبادل التجاري فيما بينها.

ويحرص ترمب، الذي يصف سياساته بإعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة وتحفيز الاستثمارات بمليارات الدولارات، على المشارَكة في مناقشات المنتدى حول كيفية الحد من الاعتماد على الولايات المتحدة، مع توقعات بانخفاض دورها في التجارة العالمية المستقبلية.

وأشار شامبين إلى أن الدول تسعى لتوسيع علاقاتها التجارية، وتنويع سلاسل الإمداد على المستوى الإقليمي؛ لتعزيز قدرة اقتصاداتها على الصمود أمام صدمات السياسات التجارية. وقال: «عندما تتحدَّث إلى الرؤساء التنفيذيين اليوم، ماذا يريدون؟ الاستقرار، القدرة على التنبؤ، وسيادة القانون. أقول إنها أمور نادرة»، وذلك بعد أيام من توقيع كندا والصين اتفاقاً لخفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية وزيت الكانولا.

وفي خطوة مماثلة، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارة حرة مع تكتل «ميركوسور» في أميركا الجنوبية هذا الشهر، بعد 25 عاماً من المفاوضات، لتصبح أكبر اتفاقية تجارية في تاريخ الاتحاد، مع تجاوز العقبات القانونية المتبقية.

ودعمت منظمة التجارة العالمية جهود تنويع سلاسل التوريد، وتقليل الاعتماد المفرط على الخارج، حيث قالت مديرتها العامة نغوزي أوكونغو إيويالا: «يسهم هذا في نشر فرص العمل والنمو إلى دول أخرى، ويساعد على بناء قدرة عالمية على الصمود، ونحن ندعمه بشدة».

أصبح العالم أكثر تكلفة

تتوقَّع «مجموعة بوسطن الاستشارية» أن تنخفض حصة الولايات المتحدة من تجارة السلع العالمية من 12 في المائة إلى 9 في المائة خلال العقد المنتهي في عام 2034؛ ما يفتح المجال لنشاط اقتصادي محلي أكبر.

وقال ديرك جاندورا، رئيس رابطة مصدري «بي جي إيه» الألمانية، بعد أن أظهرت البيانات انخفاض الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة بنسبة 9 في المائة خلال الأشهر الـ11 الأولى من 2025: «ترمب يُقوّض مصالحه». وأضاف فولكر تراير، رئيس قسم التجارة الخارجية في غرف التجارة والصناعة الألمانية: «الرسوم الجمركية على المواد الخام مثل الصلب والألمنيوم تزيد من تكلفة بناء القدرات الصناعية في الولايات المتحدة».

وأظهر نشاط الصناعات الأميركية انكماشاً للشهر العاشر على التوالي في ديسمبر (كانون الأول)، ما يعكس أثر الرسوم على التكلفة والقدرة التنافسية. وقال تراير: «أصبح العالم أكثر تكلفة، وسيزداد الأمر تكلفةً من الناحية الهيكلية».

إعادة تشكيل التجارة العالمية

تقترح «مجموعة بوسطن الاستشارية» نموذجاً لشبكة تضم 4 محاور رئيسية للتجارة العالمية: الولايات المتحدة، والصين، ومجموعة بريكس+ (باستثناء الصين)، والتحالفات متعددة الأطراف التي تشمل أوروبا وكندا والمكسيك واليابان وأستراليا وعدداً من اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ.

وأظهرت الدراسة أن التجارة بين التحالفات المتعددة الأطراف والتجارة الصينية مع حلفائها في الجنوب العالمي هما محركان رئيسيان للنمو، بينما يشهد النشاط التجاري الأميركي تباطؤاً.

وقال نويل هاسيغابا، الرئيس التنفيذي لميناء لونغ بيتش، إن التدفقات التجارية شهدت تغيّراً ملحوظاً منذ الولاية الأولى لترمب. ففي 2019، كانت 70 في المائة من شحنات الميناء موجهة نحو الصين، وفي العام الماضي انخفضت النسبة إلى 60 في المائة، مع زيادة الشحنات المقبلة من جنوب شرقي آسيا، بما في ذلك فيتنام وتايلاند وماليزيا.

بدوره، قال بودوين سيمونز، الرئيس التنفيذي لميناء روتردام، أكبر مواني أوروبا: «التدفقات التجارية تتكيَّف بسرعة مع الواقع الجديد، والقارة بحاجة إلى المرونة. لقد كنا نعتمد على الإنتاج الرخيص في الصين، والطاقة الرخيصة من روسيا، والدفاع الرخيص من الولايات المتحدة. والآن، تتلاشى هذه الضمانات الثلاث، لذا علينا إعادة هيكلة أنفسنا بسرعة كبيرة».


الدبلوماسية البيئية السعودية: مقاربة شاملة تتجاوز المناخ

المساحة الخضراء في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
المساحة الخضراء في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

الدبلوماسية البيئية السعودية: مقاربة شاملة تتجاوز المناخ

المساحة الخضراء في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
المساحة الخضراء في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

«تقود السعودية دبلوماسية بيئية شاملة على الساحة الدولية، لا تقتصر على ملف المناخ وحده»؛ هكذا وصف وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة، أسامة فقيها، جهود الرياض البيئية حول العالم.

وقال فقيها، في حديث مع «الشرق الأوسط»، على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إن «هناك ميلاً عالمياً إلى اختزال مفهوم البيئة في المناخ، في حين أن المناخ ليس سوى عنصر واحد ضمن منظومة بيئية أوسع».

ويؤكد فقيها أن الحياة على كوكب الأرض تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية مترابطة: المناخ، والمحيط، واليابسة (الأراضي)، وأن أي مقاربة بيئية فاعلة يجب أن تتعامل مع هذه العناصر بوصفها وحدة متكاملة. ويشير إلى أن المملكة شاركت في صياغة معظم المعاهدات البيئية الدولية، من «بروتوكول مونتريال» إلى «اتفاقية باريس»، مروراً باتفاقيات «مكافحة التصحر» و«التنوع الإحيائي»، مؤكداً التزام السعودية بجميع الاتفاقيات التي وقّعت عليها، ومشاركتها الفاعلة في صياغتها والالتزام بها.

وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة لشؤون البيئة الدكتور أسامة فقيها (تصوير: تركي العقيلي)

رئاسة اتفاقية مكافحة التصحر

يوضح فقيها أن المملكة تترأس حالياً اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وهي إحدى الاتفاقيات الثلاث التي انبثقت عن «قمة الأرض» في ريو دي جانيرو عام 1992، إلى جانب الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ واتفاقية التنوع الإحيائي. وتركّز هذه الاتفاقية على حماية الأراضي بوصفها أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الحياة على الأرض.

ويبيّن أن الاتفاقية تُعنى بالحد من تدهور الأراضي والجفاف، ومقاومة العوامل التي تؤدي إلى فقدان الأراضي لقدرتها على أداء وظائفها البيئية الحيوية وتحولها إلى صحارٍ، لافتاً إلى أن الأراضي تمثّل أساس الأمنَيْن المائي والغذائي، وتحتضن الغابات والتجمعات السكانية ومصادر المياه العذبة.

حسب فقيها، يُسهم تدهور الأراضي بنحو 24 في المائة من انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً، وهي نسبة قريبة من إسهامات قطاع الطاقة البالغة 25 في المائة، وأعلى من إسهامات قطاع النقل التي تبلغ 14 في المائة. كما يشير إلى أن نحو 60 في المائة من فقدان التنوع الإحيائي عالمياً مرتبط بفقدان الموائل نتيجة تدهور الأراضي، في حين لا تتجاوز إسهامات تغير المناخ وحده في هذا الفقدان نحو 10 في المائة.

وضعت السعودية كثيراً من المبادرات لمكافحة التصحر (برنامج الأمم المتحدة للبيئة)

تدهور الأراضي: تأثير يتجاوز الحدود

يؤكد فقيها أن العالم يشهد تدهوراً متسارعاً في الأراضي، حيث يُقدَّر حجم الأراضي المتدهورة حالياً بنحو مليارَي هكتار، تشمل الغابات والمزارع والمراعي وغيرها، نتيجة أنشطة بشرية متعددة.

ويُقدَّر عدد المتأثرين بتدهور الأراضي عالمياً بنحو 3.2 مليار شخص، موضحاً أن هذا التأثير لا يقتصر على المجتمعات التي تعيش مباشرة على الأراضي المتدهورة، بل يمتد إلى الأمن الغذائي وجودة الغذاء، حتى في الدول البعيدة جغرافياً عن مناطق التدهور.

القطاع الخاص شريك محوري

يوضح فقيها أن قطاع الأعمال يُعدّ عنصراً محورياً في قضية تدهور الأراضي، مؤكداً أن المملكة تعمل على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية لإشراك القطاع الخاص في العمل البيئي.

وعلى المستوى الوطني، يشير إلى أن مبادرة السعودية الخضراء لإعادة تأهيل الأراضي أُطلقت مدعومة بمنظومة تشريعية وتنظيمية تشمل جميع أنشطة القطاع الخاص، مضيفاً أن القطاع الخاص أسهم بأكثر من 50 في المائة من عمليات إعادة تأهيل الأراضي وزراعة الأشجار في المملكة، أي نحو 150 مليون شجرة حتى الآن.

حملات للمتطوعين لزراعة أشجار المانغروف على سواحل 5 مناطق في السعودية (واس)

من الاستجابة بعد الكارثة إلى الاستعداد المسبق

يعدّ فقيها الجفاف من أكبر التحديات العالمية، إذ يتعرض له اليوم نحو 1.8 مليار شخص، أي ما يقارب ربع سكان العالم، مرجّحاً أن يتضاعف هذا الرقم خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في الدول النامية.

وفي هذا السياق، يشير إلى إطلاق «شراكة الرياض العالمية لمقاومة الجفاف»، التي تهدف إلى الانتقال من الاستجابة بعد وقوع الجفاف إلى الاستعداد الاستباقي له، لافتاً إلى أن نحو 80 في المائة من آثار الجفاف تطول المجتمعات الزراعية، وترتبط به بشكل مباشر أو غير مباشر قضايا النزاعات والهجرة والمعاناة الإنسانية.

وتشير التقديرات -حسب فقيها- إلى أنه بحلول نهاية القرن قد يضطر نحو 200 مليون شخص حول العالم إلى النزوح بسبب الجفاف. وفي عام 2035 وحده، يُتوقع أن يُجبر نحو 35 مليون شخص على الهجرة، حيث إن 98 في المائة من حالات النزوح عالمياً ترتبط إما بالجفاف وإما بالفيضانات.

مبادرة عالمية لمقاومة الجفاف

نظّمت السعودية في ديسمبر (كانون الأول) 2024 المؤتمر التأسيسي للمبادرة العالمية لمقاومة الجفاف بمشاركة 64 دولة. كما عقدت الاجتماع الأول للجنة التوجيهية التي تضم الدول المانحة والدول المتلقية للدعم.

وتستهدف المبادرة تعزيز مقاومة الجفاف في نحو 74 دولة من الدول النامية ذات الدخل المنخفض، من خلال أنظمة الإنذار المبكر، وبناء القدرات، واستخدام محاصيل مقاومة للجفاف، وتوفير حلول عملية للمزارعين، مثل التأمين ضد الجفاف.

سياسات وطنية لإدارة المياه

على المستوى الداخلي، يشير فقيها إلى أن المملكة، بصفتها دولة تقع في منطقة جافة، اعتمدت الاستراتيجية الوطنية للبيئة لتعزيز الاستفادة من مصادر المياه المتجددة وتقليل الاعتماد على المياه غير المتجددة.

كما أُنشئ المركز الوطني لترشيد المياه لخفض معدلات الاستهلاك، إلى جانب تبنّي تقنيات حديثة في تحلية المياه، أسهمت في خفض البصمة الكربونية والطاقة المستخدمة في إنتاج المتر المكعب من المياه المحلاة بنحو 70 في المائة.

ويضيف أن المملكة عملت أيضاً على تبنّي تقنيات مبتكرة في الزراعة، وتقليل الفاقد في شبكات المياه، وتطوير شبكات التوزيع، وتشجيع استخدام الأدوات المرشدة لاستهلاك المياه.