«نافتا» الجديدة في أزمة مع تراجع فرص التصديق عليها

صورة أرشيفية من ميناء لوس أنجليس - الولايات المتحدة الأميركية
صورة أرشيفية من ميناء لوس أنجليس - الولايات المتحدة الأميركية
TT

«نافتا» الجديدة في أزمة مع تراجع فرص التصديق عليها

صورة أرشيفية من ميناء لوس أنجليس - الولايات المتحدة الأميركية
صورة أرشيفية من ميناء لوس أنجليس - الولايات المتحدة الأميركية

بعد مرور أكثر من ستة أشهر على توصل كل من الولايات المتحدة والمكسيك وكندا إلى اتفاق جديد لإدارة التجارة الإقليمية التي يزيد حجمها على تريليون دولار، تتراجع فرص واحتمالات تصديق البلاد على ذلك الاتفاق خلال العام الحالي.
وقد أبرمت الدول الثلاث الاتفاقية في 30 سبتمبر (أيلول) بعد عام من المفاوضات العسيرة عقب طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة السابقة أو إلغائها. مع ذلك لم تنجح تلك الاتفاقية في إنهاء حالة التوتر التي تهيمن على العلاقات التجارية في أميركا الشمالية. ربما تصبح الاتفاقية رهينة للسياسة الانتخابية في حال تأجيل التصديق عليها لمدة أطول من ذلك، حيث من المفترض أن يبدأ السباق الرئاسي عام 2020. وكذلك تستعد كندا لانتخابات فيدرالية خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول)، ويعني التأجيل أن الشركات والمؤسسات التجارية ستظل تعاني من حالة عدم اليقين فيما يتعلق بالإطار الحاكم للاستثمارات المستقبلية في المنطقة. وقال أندريس روزنتال، نائب وزير الخارجية المكسيكي السابق لشؤون أميركا الشمالية: «تواجه اتفاقية أميركا وكندا والمكسيك للتجارة الجديدة اضطرابات»، رغم ثقته في التصديق على الاتفاقية في نهاية المطاف. وقد رجح روزنتال أن تعرقل معارضة الديمقراطيين الأميركيين، والاتحادات بالبلاد، للبنود الخاصة بالعمل في الاتفاقية، إلى جانب الجدل بشأن التعريفات الجمركية، وإقرارها خلال الأشهر القليلة المقبلة. كذلك يتوجب على البرلمان الكندي التصديق على الاتفاقية، ويقول المسؤولون إن الإطار الزمني ضيق للغاية، حيث ليس أمام المشرعين الحاليين سوى بضعة أسابيع قبل بداية الإجازة البرلمانية الصيفية في يونيو (حزيران)، ولن يكون أمام أعضاء البرلمان الجديد فرصة كافية للتصديق على الاتفاقية قبل 2020.
وقد أعرب ترمب، الجمهوري، عن إحباطه من مجلس النواب الأميركي، الذي يقوده الديمقراطيون، لفشله في التصديق على الاتفاقية. وقد هدد ترمب بالانسحاب من الاتفاقية السابقة، وهي اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، في حال عدم إسراع الكونغرس نحو إتمام الأمر. وإذا تخلى ترمب عن الـ«نافتا»، سوف تعود الدول الثلاث إلى تطبيق قوانين التجارة التي كانت متبعة قبل تنفيذ الاتفاقية عام 1994.
- التعريفات الجمركية
وتسعى كل من كندا والمكسيك وراء الإعفاء من التعريفات الجمركية الأميركية على الواردات العالمية من المعادن (الصلب والألومنيوم) التي تم فرضها العام الماضي. ولم تتضمن الاتفاقية الجديدة أي تعريفة جمركية على المعادن، ولا تطيق كل من المكسيك وكندا صبراً لحل هذه المسألة.
على الجانب الآخر، هدد ترمب قبل أيام بفرض تعريفات جمركية على الواردات المكسيكية إلى البلاد من السيارات ما لم تتخذ المكسيك المزيد من الإجراءات للتصدي لمهربي المخدرات والهجرة غير الشرعية. وتوشك الحكومة المكسيكية على الانتهاء من قائمة جديدة بالواردات الأميركية المحتملة، والتي من المفترض استهدافها بالرسوم، على حد قول لوز ماريا دي لامورا، نائبة وزير الاقتصاد المكسيكي. وقد صرحت لوكالة «رويترز» قائلة: «سيكون كل شيء متاحا»، لكنها لم تفصح عن أي تفاصيل بشأن كيفية تعديل تلك القائمة، التي تتضمن بالأساس منتجات مثل خمر الـ«بوربون»، والجبن، والقوارب التي تعمل بالمحرك، وأرجل الخنازير، والصلب، والتفاح. ولم توضح دي لامورا ما إذا كانت المكسيك سوف ترفض التصديق على الاتفاقية الجديدة في حال عدم التراجع عن فرض تعريفة جمركية على الصلب واكتفت بقولها: «كل الخيارات مطروحة على الطاولة».
وفي أوتاوا، صرحت كريستيا فريلاند، وزيرة الخارجية الكندية، خلال الأسبوع الحالي بأن حكومتها كانت تنظر «باستمرار» في القائمة الانتقامية الخاصة بكندا، مشيرة إلى أن التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب قد منحت البلاد فرصة للرد تقدّر قيمتها بـ16 مليار دولار. ولم تفصح فريلاند عن موعد تعديل تلك القائمة، وأوضح مصدر حكومي، تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، أن هذا الأمر قد لا يكون ضرورياً.
ورفض جاستين ترودو، رئيس الوزراء الكندي، الذي يواجه معركة انتخابية شرسة قبول تحديد حصة الصلب والألومنيوم الكندي مقابل إلغاء الولايات المتحدة للتعريفة الجمركية. وتعرض ترودو لانتقادات أثناء المفاوضات الخاصة بالاتفاقية نظراً لخضوعه لترمب فيما يتعلق بغزو قطاع الألبان الكندي.
وهدد الديمقراطيون الأميركيون بعرقلة الاتفاقية الجديدة ما لم تمرر المكسيك تشريعاً يضمن وضع أفضل لحقوق العمال، وهو مطلب الحكومة الكندية أيضاً. كذلك من المفترض أن تتم الموافقة على مشروع قانون تتم مناقشته في البرلمان المكسيكي لدعم اتحادات العمال خلال الشهر الحالي على حد قول الحكومة. ويرى ترمب أن الـ«نافتا» تسببت في فقدان الملايين لوظائفهم في الولايات المتحدة، حيث توجهت الشركات نحو الجنوب بحثاً عن العمالة المكسيكية التي تتقاضى أجوراً أقل. وسوف يترشح ترمب في الانتخابات القادمة للفوز بفترة رئاسية أخرى، ومن المرجح أن يركّز في حملته الانتخابية على سياسته «أميركا أولا». وكان إجبار المكسيك وكندا على إعادة التفاوض على الـ«نافتا» من الوعود التي قطعها خلال الانتخابات الرئاسية التي حقق فيها فوزاً مفاجئاً عام 2016. ويبذل الديمقراطيون أقصى جهدهم لتجنب الخسارة مرة أخرى. وقال سيرجيو ألكوسير، نائب وزير الخارجية المكسيكي السابق: «كلما اقترب موعد الانتخابات، ازدادت الصعوبة التي يواجهها الديمقراطيون في منح ترمب فرصة النصر بالتصديق على الاتفاقية الجديدة». ويدفع بعض الديمقراطيين باتجاه تعديل الاتفاق، وهي فكرة يقاومها المسؤلون في كندا والمكسيك. وقالت فريلاند: «عليهم توخي الحذر من فتح ما قد يصبح مثل صندوق باندورا». ويقول مسؤولون كنديون إنهم يخشون من أن تؤدي إعادة فتح باب مناقشة جزء من الاتفاقية إلى إثارة اللغط بشأن أجزاء أخرى منها.

- شارك في إعداد هذا التقرير كل من ديف غراهام من مدينة مكسيكو وديفيد ليونغرين من أوتاوا وكريس برينتيس من واشنطن
- خدمة (رويترز)


مقالات ذات صلة

4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائه نظيره الصيني وانغ يي في ميونيخ (رويترز) p-circle

4 سنوات على حرب أوكرانيا... ولادة قيصرية لأوروبا الجديدة

أصبح الأوروبيون أمام واقع كانوا يناورون لتجاهله لسنوات، وأدركوا أن أمنهم لا يمكن أن يبقى مرهوناً بمزاج حليف أميركي تبدّلت أولوياته وبات في خانة المنافسين.

شوقي الريّس (بروكسل)
الولايات المتحدة​ صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني (أ.ف.ب)

الأنظار على اجتماع ترمب ورئيس الوزراء الكندي الجديد في البيت الأبيض

يعقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الكندي الجديد مارك كارني في البيت الأبيض لقاء، الثلاثاء.

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يتوسط رئيس وزراء كندا ورئيس المكسيك بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة في 2019 (أرشيفية-رويترز)

المكسيك تطالب ترمب بالحفاظ على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية

طالبت مكسيكو واشنطن بالحفاظ على اتفاقية التبادل التجاري الحر في أميركا الشمالية، التي تربط الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز)

المجر: رئاسة ترمب ستساعد اليمين الأوروبي على «احتلال» بروكسل

قال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إن رئاسة دونالد ترمب للولايات المتحدة ستساعد على إطلاق موجة ثانية من التغيير السياسي اليميني الشامل في أوروبا.

«الشرق الأوسط» (بودابست )
العالم طائرات تحلّق ضمن معرض الصين الدولي الـ15 للطيران والفضاء جنوب الصين (أ.ب)

إلى أين ستقود سياسة ترمب «أميركا أولاً»؟

رغم أن دونالد ترمب لا يخفي اعتزامه تبني نهج متشدد مع بكين؛ يمكن أن تمثل إدارته فرصة كبيرة أمام الصين لتعزيز نفوذها العالمي والاقتراب من قيادة العالم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بيانات: ناقلة غاز روسية تسلم شحنة إلى الصين بعد 6 أشهر في البحر

يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)
يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)
TT

بيانات: ناقلة غاز روسية تسلم شحنة إلى الصين بعد 6 أشهر في البحر

يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)
يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)

أظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن مجموعة بورصة لندن (LSEG) أن ناقلة غاز سلّمت شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا إلى الصين بعد أن ظلت ستة أشهر تقريباً في البحر، في ظلّ مواجهة روسيا تحديات في بيع الغاز الطبيعي المسال بسبب العقوبات الغربية المفروضة عليها على خلفية حرب أوكرانيا.

ووفقاً للبيانات، رست ناقلة الغاز «بيرلي» في ميناء بيههاي للغاز الطبيعي المسال في الصين، الثلاثاء. وكانت قد استلمت الشحنة من ميناء بورتوفايا الروسي للغاز الطبيعي المسال، الخاضع للعقوبات الأميركية في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ويستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا إلى آسيا عادةً ما يصل إلى 45 يوماً، وذلك حسب المسار.

وتستخدم شركة «نوفاتك»، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في روسيا، منفذ التحميل نفسه في الصين لشحنات من مصنعها «آركتيك2» للغاز الطبيعي المسال، الخاضع أيضاً للعقوبات.

وهذه هي الشحنة الثالثة التي تُصدّر إلى الصين من المصنع الواقع على بحر البلطيق منذ أن فرضت واشنطن عقوبات في فبراير (شباط) 2025. وقد سُلّمت الشحنة الأولى في ديسمبر الماضي.

وفي المراحل الأولى من عملياتها، كانت معظم شحنات بورتوفايا تُصدّر إلى تركيا واليونان. ثم توسّعت أسواق التوريد لاحقاً لتشمل الصين وإسبانيا وإيطاليا.


السوق السعودية تغلق مرتفعة بدعم من «أرامكو» و«الراجحي»

مستثمران يتابعان تحركات الأسهم (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات الأسهم (أ.ف.ب)
TT

السوق السعودية تغلق مرتفعة بدعم من «أرامكو» و«الراجحي»

مستثمران يتابعان تحركات الأسهم (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات الأسهم (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الثلاثاء على ارتفاع بنسبة 0.2 في المائة ليغلق عند 10982 نقطة، بتداولات بلغت قيمتها نحو 4.7 مليار ريال.

وقاد الارتفاع كل من سهمَي «أرامكو السعودية» و«مصرف الراجحي»، حيث صعدا بنحو 1 في المائة ليغلقا عند 27.96 ريال و66.90 ريال على التوالي.

وتصدَّر سهم «ساسكو» قائمة الأسهم المرتفعة بعد قفزة بلغت 10 في المائة ليغلق عند 46.42 ريال، عقب تصريحات صحافية أدلى بها الرئيس التنفيذي للشركة حول استثمارات بقيمة مليار ريال في شركة «سبايس إكس» المقرَّر طرحها في السوق الأميركية الشهر المقبل.

كما ارتفعت أسهم «نادك» و«مجموعة صافولا» و«تبوك الزراعية» بنسب تراوحت بين 4 و6 في المائة.

وقفز سهم «أميركانا» بنحو 2 في المائة ليصل إلى 1.90 ريال، وذلك بعد إعلان الشركة شراكة مع «أدنوك للتوزيع» لافتتاح 200 مطعم خدمة سريعة.

في المقابل، تراجع سهم «سليمان الحبيب» بنحو 2 في المائة ليغلق عند 215.40 ريال، كما هبط سهم «سابك للمغذيات الزراعية» بنسبة 1 في المائة عند 140 ريالاً.

وانخفض سهم «بوبا العربية» بنحو 4 في المائة، بينما سجَّلت أسهم «الموسى» و«ريدان» و«الوسائل الصناعية» و«ثمار» تراجعات تراوحت بين 1 و3 في المائة.


قمة بوتين وشي تعيد رسم مثلث التوازن الاقتصادي بين موسكو وبكين وواشنطن

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في لقاء سابق بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في لقاء سابق بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

قمة بوتين وشي تعيد رسم مثلث التوازن الاقتصادي بين موسكو وبكين وواشنطن

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في لقاء سابق بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في لقاء سابق بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)

اتجهت الأنظار إلى القمة المرتقبة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين، ليس فقط بسبب أبعادها السياسية والجيوسياسية؛ بل أيضاً لما تحمله من رسائل اقتصادية عميقة في لحظة تشهد إعادة تشكيل للتوازنات العالمية بين الصين وروسيا والولايات المتحدة.

وتأتي زيارة بوتين إلى الصين بعد أقل من أسبوع على انتهاء زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين، في مشهد يعكس محاولة الصين السير على خط دقيق بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع موسكو، وتثبيت علاقاتها الاقتصادية الحساسة مع واشنطن.

وحسب الكرملين، سيركز بوتين وشي خلال القمة على ملفات التعاون الاقتصادي والطاقة والتجارة، إضافة إلى القضايا الدولية والإقليمية الكبرى، بينما تتزامن الزيارة مع الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة الصداقة الصينية الروسية الموقعة عام 2001.

وقال بوتين قبيل الزيارة إن العلاقات بين البلدين وصلت إلى «مستوى غير مسبوق»، مضيفاً أن التعاون بين موسكو وبكين يشكل «عامل توازن واستقرار» في النظام العالمي.

الصين... شريان الاقتصاد الروسي

ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، تحولت الصين عملياً إلى الرئة الاقتصادية الأهم لروسيا، بعدما قطعت العقوبات الغربية جزءاً كبيراً من علاقات موسكو التجارية والمالية مع أوروبا والولايات المتحدة.

وباتت بكين الشريك التجاري الأول لروسيا، والمستورد الأكبر للنفط والغاز الروسيين، بينما ارتفعت التجارة الثنائية إلى مستويات قياسية خلال العامين الماضيين.

وحسب بيانات روسية رسمية، ارتفع حجم التجارة الثنائية بين البلدين إلى أكثر من 320 مليار دولار خلال 2025، مقارنة بنحو 147 مليار دولار فقط قبل الحرب في 2021.

وقال مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، إن صادرات النفط الروسية إلى الصين ارتفعت بنسبة 35 في المائة خلال الربع الأول من 2026، بينما أصبحت موسكو واحدة من أكبر مورِّدي الغاز الطبيعي لبكين.

عرائس خشبية تمثِّل الرئيسين الصيني والروسي في متجر للهدايا التذكارية بالعاصمة الروسية موسكو (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، والتوترات في مضيق هرمز، ما يدفع الصين إلى تعزيز الاعتماد على الإمدادات الروسية، بوصفها أكثر استقراراً وأقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية.

كما أشار أوشاكوف إلى أن موسكو ترى في الصين «مستهلكاً مسؤولاً للطاقة»، بينما تعتبر بكين روسيا مورداً موثوقاً وسط اضطرابات أسواق النفط العالمية.

النفط والغاز... قلب القمة

ويُتوقع أن يكون ملف الطاقة المحور الاقتصادي الأبرز في لقاء بوتين وشي؛ خصوصاً مع اقتراب الجانبين من إنهاء تفاهمات واسعة تتعلق بمشاريع النفط والغاز وخطوط الإمداد المستقبلية.

وقال بوتين مؤخراً إن موسكو وبكين حققتا «تقدماً كبيراً جداً» في التعاون بقطاع النفط والغاز، مؤكداً أن «جميع القضايا الرئيسية تقريباً تم الاتفاق عليها».

ويبرز ضمن ملفات الطاقة الكبرى بين موسكو وبكين مشروع خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2»، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أهم المشاريع الاستراتيجية لإعادة توجيه صادرات الغاز الروسية من أوروبا إلى آسيا.

ويهدف المشروع إلى نقل نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من حقول غرب سيبيريا إلى الصين عبر منغوليا، وهو حجم يقترب من الكميات التي كانت روسيا تضخها إلى أوروبا قبل الحرب الأوكرانية. ورغم أن المشروع لم يحصل بعد على الموافقة النهائية، فإن بوتين أكد أخيراً أن الجانبين أحرزا «تقدماً كبيراً» في المفاوضات المتعلقة بالطاقة. وتسعى موسكو للإسراع في تنفيذ المشروع لتعويض خسائر السوق الأوروبية، بينما تستخدم بكين المفاوضات للحصول على أسعار وشروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من حاجة روسيا المتزايدة إلى السوق الصينية.

ويرى خبراء أن روسيا تسعى عبر هذه المشاريع إلى تعويض خسائر السوق الأوروبية، بينما تحاول الصين تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على الإمدادات البحرية التي تمر عبر مناطق متوترة، مثل الخليج العربي وبحر الصين الجنوبي.

كما يتوقع أن تشمل المباحثات توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، في إطار جهود البلدين لتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي. فالتبادل التجاري بين البلدين باليوان والروبل ارتفع بشكل كبير منذ 2022، كما توسع استخدام أنظمة دفع بديلة عن النظام المالي الغربي.

بورتريهات للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب في محل للهدايا التذكارية بمدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

توازن صيني

ورغم تعمق التعاون مع روسيا، تحرص الصين في الوقت نفسه على تجنب مواجهة اقتصادية مفتوحة مع الولايات المتحدة؛ خصوصاً بعد القمة الأخيرة بين ترمب وشي في بكين.

وخلال زيارة ترمب، وصف شي العلاقات الأميركية الصينية بأنها «الأهم في العالم»، بينما اتفق الجانبان على العمل على إطار جديد لإدارة علاقة «مستقرة وبنَّاءة».

ويرى محللون أن بكين تحاول الحفاظ على مسارين متوازيين، بين شراكة استراتيجية مع موسكو، وعلاقة اقتصادية مستقرة مع واشنطن، باعتبار أن الاقتصاد الصيني لا يزال مرتبطاً بشكل كبير بالأسواق الغربية.

وقال وانغ زيتشن، نائب الأمين العام لمركز الصين والعولمة في بكين، إن «زيارة ترمب هدفت إلى استقرار أهم علاقة ثنائية في العالم، بينما تهدف زيارة بوتين إلى طمأنة شريك استراتيجي طويل الأمد». وأضاف أن الصين لا ترى تعارضاً بين المسارين.

التكنولوجيا والعقوبات... وتعدد الأقطاب

وفي خلفية القمة، يبرز ملف التكنولوجيا كأحد أبرز مصادر القلق الغربي من التعاون الروسي الصيني.

فبينما تؤكد بكين أنها محايدة في الحرب الأوكرانية، تتهمها واشنطن وحلفاؤها بتزويد روسيا بمكونات وتقنيات تساعد صناعاتها العسكرية على تجاوز العقوبات الغربية. كما تجاهلت الصين مطالب غربية بوقف تصدير بعض المكونات الإلكترونية والتقنيات المتقدمة التي تستخدمها الصناعات الدفاعية الروسية.

عرائس زينة روسية تقليدية تزيِّن ممشى نهرياً في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

وفي المقابل، تستفيد الشركات الصينية من السوق الروسية الضخمة بعد انسحاب عدد كبير من الشركات الغربية من روسيا منذ بدء الحرب.

وتحمل القمة أيضاً بعداً أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي. فكل من موسكو وبكين تدفعان باتجاه نظام عالمي أقل اعتماداً على الغرب والمؤسسات المالية التقليدية، مع توسيع دور تكتلات مثل «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون.

كما يعمل البلدان على تعزيز أنظمة الدفع البديلة، وتقوية التبادل التجاري باليوان والروبل، في محاولة لتقليل تأثير العقوبات الأميركية.

ويرى مراقبون أن قمة بوتين وشي تعكس بوضوح التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي؛ إذ تسعى الصين إلى تثبيت نفسها كقوة قادرة على التعامل مع جميع الأطراف، بينما تعتمد روسيا بشكل متزايد على الشرق لتعويض خسائرها في الغرب.

وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط والتنافس الأميركي الصيني، تبدو القمة أكثر من مجرد لقاء ثنائي؛ بل محطة جديدة في سباق إعادة رسم موازين الاقتصاد والسياسة في العالم.