شراكة إيلي صعب ومجموعة {إعمار} من أجل أسلوب حياة أكثر فخامة

بعد أن تألق في مجال تصميم الأزياء يتوسع لتصميم الديكورات الداخلية

جانب من ديكور داخلي لصالون بلمسات إيلي صعب
جانب من ديكور داخلي لصالون بلمسات إيلي صعب
TT

شراكة إيلي صعب ومجموعة {إعمار} من أجل أسلوب حياة أكثر فخامة

جانب من ديكور داخلي لصالون بلمسات إيلي صعب
جانب من ديكور داخلي لصالون بلمسات إيلي صعب

«ما حققته من إنجازات أكثر من رائع... أنت قصة نجاح تُلهمنا كعرب... جعلت نساء مميزات من كل أنحاء العالم يتألقن بإبداعاتك، ومع ذلك فإن أكثر ما يجعل لاسمك كل هذا التأثير، ليس تصاميمك فحسب بل أنت كشخص: بتواضعك ودماثة أخلاقك ولطفك في التعامل. أقول هذا وأنا أشكرك من كل قلبي على منحنا فرصة العمل معك». هذه هي الكلمة التي افتتح بها محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة «إعمار» العقارية المؤتمر الذي تم فيه الإعلان عن عنوان جديد بدبي يجمع الفخامة بالجمال.
وطبعاً لا يحتاج الأمر للتخمين أن المقصود هنا هو المصمم إيلي صعب، الذي دخل في مشروع مع المجموعة العقارية من شأنه أن يفتح شهية كل المعجبين به للحصول على مزيد من سحره. هذه المرة ليس باقتناء فستان مطرز أو مغزول من الذهب، بل بشقق تتزين بديكورات تحمل توقيعه. خبر استحق الاحتفال به في دار الأوبرا بدبي يوم الجمعة الماضي، وشمل عرض أزياء ضخماً لمجموعة المصمم الأخيرة، مصحوباً بموسيقى حية من أوركسترا يقودها المايسترو ميشال فضل.
الترف بالنسبة لكل من محمد العبار وإيلي صعب يشمل كل مناحي الحياة، من الأزياء والإكسسوارات والعطور إلى الإقامة في أماكن مميزة وخوض تجارب جديدة وفريدة من نوعها. فهذا هو الترف بمعناه المعاصر، وهذا ما يعملان على توفيره في برج سيضم مجموعة من الشقق بدأ العمل عليها لتتوفر في عام 2023 للذواقة ومن لهم الإمكانات لشرائها.
الدخول في مشروع من هذا النوع كان مسألة وقت فقط بالنسبة لإيلي صعب، حسب قوله. فقد سبق له أن جرب كل شيء من الأزياء والاكسسوارات إلى العطور والسيارات واليخوت، لهذا جاء دخوله مجال تصميم الديكور المنزلي من تحصيل حاصل. «إنه ليس بالأمر الغريب أو الخارج عن مجالي، فهو مثل كل شيء له علاقة بفن التصميم، يخضع للرؤية الجمالية نفسها والأبجديات أيضاً، الأدوات هي التي تختلف أحياناً». لكنه لا يُخفي أن التعاون مع شركة «إعمار» جاء في وقته لعدة أسباب؛ أهمها أنه كان ينوي إطلاق خط خاص بقطع الأثاث والديكور في كل الأحوال وبدأ فعلاً العمل عليه. أما السبب الآخر الذي لا يقل أهمية، بالنسبة لمصمم لم ينكر يوماً أنه لا يحب المجازفة ولا يخوض أي تجربة أياً كان نوعها من دون أن يدرسها من كل الجوانب، فهو التعاون مع شركة تعتبر أيقونة في مجال الإعمار بدبي، «فحيثما توجهت بنظرك ترى اسمها مطبوعاً على بناية مميزة تشد النظر بشكلها وتصميمها». ومع ذلك يبقى القاسم المشترك الأقوى بينهما رغبتهما في بيع أسلوب حياة مطبوع بالأناقة والفخامة للعالم.
محمد العبار يعرف بحسه التجاري أن أكثر ما سيجعل البُرج معلمة جديدة من معالم دبي، أسلوب إيلي صعب الرومانسي والحالم. ولم يخيب إيلي الظن، فكل ما في البرج من المدخل إلى الشقق، جاء مطعماً بفن الباروك، الذي يعشقه ويستلهم منه بين الفينة والأخرى تشكيلاته. ورغم أن الشقق غير جاهزة بعد، فإن الصور التي تم نشرها وتداولها، تؤكد أن كثيراً مما أصبح يعتبر ماركته المسجلة من الدانتيل والذهب والانسيابية وغيرها، حاضر بقوة من خلال قطع أثاث وألوان برونزية وتفاصيل معدنية، أو من خلال إكسسوارات متناثرة هنا وهناك. الفرق أنه استعاض عن الدانتيل مثلا، بمواد تستخدم في البناء وفن العمارة المعاصرة مثل البرونز والخشب، صاغها على شكل مشربيات عصرية تحاكيه جمالاً ونعومة. وهذا يعني أن المرأة التي تعرفه وتعشق أسلوبه ستشعر بالأمان والزهو في الوقت ذاته كونها اقتطعت لنفسها قطعة ستستمتع بها في كل الأوقات. فهي قد تلبس فستاناً راقياً من تصميمه مرة أو مرتين في مناسبة مهمة، لكن في شقة من هذا النوع فهي ستتنفس الفخامة في كل الأوقات، وستعيش «الحياة اللذيذة» كما رسمها لها.
هل فكر المصمم في بدايته أن يحتفل به العالم يوماً بهذا الشكل؟ أن يصبح مدرسة قائمة بذاتها في عالم الجمال والأناقة وقدوة يقتدي بها الشباب؟ هل خامره يوماً أن تصبح له إمبراطورية مترامية ونجمة على ممشى المشاهير بدبي؟ يجيب بصدقه وعفويته المعهودين: «في بداية الثمانينات، تزامنت انطلاقتي مع اندلاع الحرب اللبنانية. حينها كان كل همي أن أحقق الربح المالي لكي أعيل نفسي وعائلتي. لم أبدأ بالتفكير في أبعد من ذلك إلا بعد مرور بضع سنوات. حينها فقط بدأ الحلم يكبر بداخلي، وبت أرى أن من الممكن تحقيقه».
ما يُحسب لإيلي أنه منذ انطلاقته من خلال تشكيلة خاصة بالعرائس عرضها في كازينو لبنان في بداية الثمانينات، نجح في نسج الحلم من خامات ناعمة تبعث السعادة كما تبث الثقة في النفوس، مؤكداً أنه من رحم الحرب والمآسي والفوضى يمكن أن يولد الجمال والفرح. كلما زاد وطيس الحرب، زاد هو من جُرعة البريق كأنه يريد أن يمحي به كل ما يُذكره بالحزن والقتامة. لم يتراجع عن هذا الأسلوب حتى بعد أن تلقى انتقادات من وسائل الإعلام الغربية. بعضهم كان متحاملاً على مصمم عربي سولت له نفسه أن ينافسهم في عُقر دارهم، وبعضهم الآخر لم يكن مستعداً لكل هذا البريق والسحر الشرقي. لم يخنع أو يحاول إرضاءهم، بل بالعكس صمد، خصوصاً أنه كان مستقوى بزبوناته من منطقة الشرق الأوسط، اللاتي كن من أهم المحركات لسوق «الهوت كوتير» في العالم. ولأنه فهمها وزاد من تألقها، ردت له الجميل بالإقبال على إبداعاته حتى الآن. وهكذا نجح في تأسيس مدرسة قائمة بذاتها، تتطور مع الزمن لكن دائماً محافظة على فكرة الأنوثة والرومانسية بشكل عصري. وهذا ما تستشفه من الصور التي وزعتها شركة «إعمار» وتداولتها الصحف والمجلات. قطع أثاث بخطوط «نظيفة» وألوان راقية تتوخى فخامة بعيدة كل البعد عن الابتذال. لكن ما تجب الإشارة إليه أن إيلي صعب ليس أول مصمم يخوض مجال الديكور المنزلي، فقد سبقه كثير من المصممين الكبار وبيوت الأزياء والمجوهرات من أمثال «موسكينو» و«فرساتشي» و«بلغري» و«جيورجيو أرماني» وآخرين.
كلهم صرحوا بأن الموضة تبقى حبهم الأول، لكنها لا تمنعهم من خوض تجارب في مجالات أخرى قد تفتح لهم الأبواب لربط علاقة أكثر حميمية مع زبائنهم، وفي الوقت ذاته استقطاب زبائن جدد. وإذا كان إيلي صعب وجد الخطوة عُضوية وتطوراً طبيعياً لا يختلف تماماً عما يقوم به في مجال الأزياء بحيث لا يحتاج سوى إلى نظرة أكبر للأحجام وتغيير الأدوات، فإن البعض الآخر اعترفوا بأنها تمنحهم حرية أكبر لأنهم هنا لا يتعاملون مع الجسد وما يتطلبه من حذر.
بيد أنه بالإضافة إلى الرغبة في الابتكار وتجربة مجالات جديدة، فإنه من الصعب عدم التفكير في الجانب التجاري، فهو في غاية الأهمية لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن قطاع الديكور الداخلي، سيصل إلى 27 مليار دولار بحلول 2020، حسبما جاء في تقرير نشرته «ألايد ماركت ريسورش» منذ فترة. وهو ما يُشجع كثيراً من بيوت الأزياء على دخوله، لا سيما تلك التي تملكها مجموعات كبيرة، مثل كيرينغ و«إل في آم آش». الأولى تستغل ما حققه بعض بيوتها من نجاحات في مجال الأزياء مثل «غوتشي» و«بوتيغا فينيتا»، والثانية بالتوسع في مجال الفنادق. هناك أيضاً مصممون تقتصر محاولاتهم على طرح إكسسوارات منزلية لجس نبض شريحة مهمة.
لكن تجربة «إعمار» وإيلي صعب، تتميز بخاصيات مختلفة. فهي شراكة بين جهتين عملاقتين، كل واحدة لها القدرة على إضافة زخم للأخرى. فبينما الأولى تتمتع بخبرة في مجال العمارة والبنيان إضافة إلى إمكاناتها العالية ورغبتها الدائمة في التفوق بالأطول والأكبر والأفخم، فإن إيلي صعب له باع في صياغة الجمال ونسج الأحلام. قوته هنا تكمن في أنه سيضيف نعومة ودفئاً على حيطان ومساحات باردة ليرتقي بها إلى مستوى يجعلها تجسد مفهوم «البيت مملكة» بشكل حرفي.

> قد يشفع لبرج «إيلي صعب... إعمار بيتشفرونت» موقعه المطل على البحر ومناظر بانورامية رائعة، لكن الديكور سيحمله إلى مستوى آخر، بحسب قول محمد العبار. وطبعاً سينعكس هذا على أسعاره، التي تتراوح بين 326.706 دولار لشقة بغرفة نوم واحدة، و1.2 مليون دولار لشقة بـ4 غرف نوم. والأهم من هذا فإنه سيُبررها ويجعلها غنيمة بالنسبة لعشاق إيلي صعب. سيتوفر البرج على خدمات عصرية كثيرة تُغني عن السفر بعيداً بحثاً عن البحر أو الراحة أو حتى التسوق. فالطابق الأرضي سيضم باقة من متاجر الأزياء وصالات العرض والمقاهي. كما سيتميز بفضاءات طبيعية، الغاية منها توفير الراحة والسكينة، بما في ذلك شاطئ ومرسى خاصان.

> في المناسبة نفسها التي تم فيها الإعلان عن إطلاق مشروع «إيلي صعب... إعمار بيتشفرونت»، أعلن محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة «إعمار» العقارية عن إنشاء ممشى المشاهير في «داونتوان دبي» على شاكلة ممشى هوليوود الشهير. النجمة الأولى ستكون من نصيب المصمم المبدع إيلي صعب.
ويتوقع أن يكشف الستار عن هذه المبادرة، التي ستشمل نحو 10 آلاف نجمة لشخصيات تألقت في مجالات مختلفة وأسهمت في ترك بصمات إيجابية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

محطات في مسيرة إيلي صعب
> في عام 1964 ولد المصمم في الدامور، بلدة ساحلية.
> افتتح مشغله وهو في الـ18 من العمر بعد أن قضى فترة قصيرة في باريس للتخصص في تصميم الأزياء، عاد بعدها إلى بيروت لإطلاق داره.
> في عز الحرب اللبنانية قدم أول عرض له، في كازينو لبنان. كان خاصاً بفساتين الأعراس كما كان بداية الأحلام.
> في التسعينات، وتحديداً في عام 1997. توجّه إلى روما، حيث قدم أول مجموعة خاصة به خارج لبنان. وكان أول مصمم عربي يعرض تصاميمه في أسبوع الموضة بروما فاتحاً الأبواب لغيره. كان أيضاً أول من انضم إلى الغرفة الوطنية للموضة الإيطالية، وهو ما لم يكن مسبوقاً بالنسبة لأي مصمم غير إيطالي.
> في عام 1999. ظهرت الملكة رانيا بفستان من تصميمه في حفل تتويجها. غني عن القول أن الأمر رسخ مكانته واحداً من أهم المصممين في العالم العربي.
- في عام 2002، تسلمت الممثلة السمراء هالي بيري، جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة في فستان من تصميمه، وهو ما كان علامة فارقة في مسيرته، الآن أصبح ظهور نجمات من مثيلات أنجيلينا جولي، وتايلور سويفت، وريهانا، وبيونسيه وكاثرين زيتا جونز وكثيرات غيرهن، إضافة إلى أميرات من كل أنحاء العالم، بتصميماته، أمراً عادياً.
> في عام 2003، أصبح عضواً رسمياً في منظمة اتحاد مصممي الأزياء الراقية في باريس «لاشومبر سانديكال».
> في عام 2018، أطلقت شركة «Liban Post» برعاية رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري، طابعاً جديداً يحمل اسم «Elie Saab Le Timbre»، عليه صورته واسمه، تكريماً له على إسهاماته العالمية.



«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
TT

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم. فقد فتح متحف «فيكتوريا أند ألبرت» أبوابه لاحتفاء استثنائي هو الأول من نوعه في المملكة المتحدة، وهو مكرّس لها ولإرثها المتواصل. معرض بعنوان سكياباريللي: حين تتجلَّى الموضة لتصبح فناً (Schiaparelli: Fashion Becomes Art) لا يدخلك عالم إلسا وحدها، بل أيضاً عوالم أصدقائها سلفادور دالي وجان كوكتو وبابلو بيكاسو وغيرهم ممن تعاونت معهم.

لم تفقد الدار في أي مرحلة روحها الإبداعية المسكون بجنون الفن (سكياباريللي)

أثَّرت فيهم بقدر ما أثَّروا فيها، وأثبتت أنها كانت ندّاً لهم في مجالها. فرادتها تتمثل في أنها لم تتعامل مع الموضة كأزياء يجب أن تكون جميلة وأنيقة فحسب، بل أن تكون ذكية ومرحة تعبق بالفن أولاً وأخيراً. بهذا الجنوح نحو كل ما هو سريالي كانت كمَن يُعبِر عن فن يسري في دمها.

في مذكراتها تروي كيف أنها كانت ترى نفسها عادية لا تتمتع بجمال تُحسد عليه، وكيف كانت تأخذ بذور أزهار حديقة بيت العائلة وتزرعها في فمها وأنفها وأذنيها على أمل أن تتفتح كوردة. ما كانت تشعر بأن ما تفتقده من جمال كلاسيكي عوَّضت عنه بثقافة ورؤية فنية فذة. فتصميم الأزياء بالنسبة لها، وفق قولها «ليس مهنة، بل هو فن».

يتتبع المعرض قصة الدار من التأسيس إلى اليوم (سكياباريللي)

هذه الروح هي التي تسري في أرجاء معرض مليء بالتلاعبات البصرية، حيث يتحول حذاء إلى قبعة، وتتفرع عظام على سطح فستان، ويصبح قرص هاتف مرآة مدمجة وهلم جرا من التصاميم التي تتراوح بين الغرابة والإبداع.

تتنقل بين أرجاء المعرض في رحلةٍ آسرة تمتد من عشرينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. يروي فيها كل قسم فصلاً من قصتها كواحدة من بين أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الموضة، كاشفاً عن إرث الدار منذ لحظاتها التأسيسية وصولاً إلى تجلّياتها الراهنة بقيادة المدير الإبداعي دانيال روزبيري. هذا الأخير جعل لقاء الماضي بالحاضر لعبته، بدليل حواره الإبداعي المتواصل بينه وبين المؤسسة.

كان الفن بالنسبة للمصممة جزء لا يتجزأ من الموضة (سكياباريللي)

يضم المعرض أكثر من 400 قطعة، تشمل 100 إطلالة و50 عملاً فنياً، إلى جانب الإكسسوارات، والمجوهرات، واللوحات، والصور، وقطع الأثاث، والعطور، والمواد الأرشيفية. من أبرز المعروضات: فستان «الهيكل العظمي» من عام 1938 - وهو النسخة الوحيدة المعروفة الباقية حتى اليوم، وجزء من المجموعة الدائمة لمتحف فيكتوريا وألبرت، إلى جانب فستان «الدموع» من العام نفسه، بالإضافة إلى القبعة الأيقونية التي تستحضر شكل حذاء مقلوب؛ وجميعها جاءت ثمرة تعاونها مع الفنان سلفادور دالي. كما يضم المعرض أعمالاً لفنانين كبار، من بينهم بابلو بيكاسو، جان كوكتو، مان راي، وإيلين آغار، فضلاً عن عدد من تصاميمها المخصّصة لعالمَي المسرح والسينما.

يرسخ المعرض صوتها كفنانة سريالية من الطراز الرفيع (سكياباريللي)

يُختتم المعرض بلمسة معاصرة آسرة، تتجلّى فيها إبداعات لدانيال روزبيري، تألَّقت بها نجمات عالميات مثل أريانا غراندي ودوا ليبا، في خاتمة درامية تشكل حواراً بصرياً بين إرث الدار ورؤيتها الراهنة.

في هذا السياق، صرَّح تريسترام هانت، مدير متحف فيكتوريا وألبرت: «يحتفي معرض (سكياباريللي: حين تتجلّى الموضة لتصبح فناً) بإحدى أكثر المصممات إبداعاً وجرأة في تاريخ الموضة. ويضمّ متحف فيكتوريا وألبرت واحدة من أكبر وأهم مجموعات الأزياء في العالم، إلى جانب أبرز مجموعة لقطع سكياباريللي في بريطانيا. إن التعاون الذي جمع الدار بعالم الفن وعوالم الأداء يجعل من الدار والمرأة التي كانت وراء تأسيسها موضوعاً مثالياً لمعرض استثنائي بهذا المستوى في متحف فيكتوريا وألبرت».

يخلق المصمم الحالي دانيال روزبيري في كل موسم حوارا إبداعيا مع إرثها (سكياباريللي)

كما قالت دلفين بيليني (Delphine Bellini)، الرئيسة التنفيذية لدار سكياباريللي: «لقد أعادت إلسا سكياباريللي، بخيالها الجريء ورؤيتها الراديكالية، رسم الحدود بين الموضة والفن. وهذا ما يحتفي به هذا المعرض: تأثيرها المتجدد من خلال تعاوناتها الأيقونية مع كبار فناني القرن العشرين، وبذلك المزج الريادي بين الإبداع وعالم الأعمال. وبفضل مجموعاته الاستثنائية، وخبرته العميقة في مجالي الموضة والتصميم، وتأثيره الثقافي الواسع، وقدرته على وصل التراث بالابتكار، يشكِّل متحف فيكتوريا وألبرت الإطار الأمثل لعرض إرثها، إلى جانب إبداعات دانيال روزبيري، التي تواصل حمل روحها السريالية قدماً، من خلال تصاميم نحتية جريئة في تكريم لرؤيتها الإبداعية وإعادة ابتكارها لقرنٍ جديد».

فنية الدار لم تخفت بل زاد وهجها في السنوات الأخيرة ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

في عام 1973 توفيت بعد 19 عاماً من اعتزالها، ودُفنت باللون الوردي، لونها المفضل الذي جعلته جزءاً من هويتها وهوية دار لم تنسَها. فمديرها الإبداعي الحالي روزبيري، لا يزال يرسم ملامحها. نجاحه في خلق الاستمرارية يكمن في أنه لم يُقدس إرث الماضي إلى حد التقيد به، بل يحاوره بلغة معاصرة وواقعية.


صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
TT

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

هذا العام، غُبن اليوم العالمي للمرأة إلى حد ما. لم يحظَ باحتفالات تليق بما تحققه من إنجازات، ولم تُفتح لها المنابر بما يكفي للتنديد بما تعانيه من نكسات والمطالبة بتصحيحها. فقد غطى التصعيد الأميركي الإيراني على نشرات الأخبار فتوارى الحدث خلف دخان حجب السماء وأعتم النهار.

لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك محاولات إيجابية، ولو خجولة، لإبقاء الشعلة النسوية متقدة طوال الشهر مع تسليط الضوء على قضايا قديمة عادت لتشتعل من تحت الرماد بعد أن خُيِل للجميع أنه قُضي عليها. والمقصود هنا تحديداً تلك النظرة التي لا تنفصل عن جسد المرأة وتضعها تحت ضغوطات شتى.

فمنذ قرون، وهذا الجسد ساحة تُسقِط عليها المجتمعات تصوراتها عن الجمال والهوية والرغبات. من التماثيل الحجرية إلى منصات عروض الأزياء ومناسبات السجاد الأحمر، ومن لوحات كبار الفنانين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تغيَر شكل «المرأة المثالية» مراراً، وفي كل مرة يترك أثراً عميقاً في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء.

الممثلة آن هاثاواي تلقي خطاباً في الأمم المتحدة في اليوم العالمي للمرأة (أ.ف.ب)

في القرن الواحد والعشرين، تؤكد حالة النجمة ديمي مور أن هذه الإشكاليات النسوية لا تزال قائمة، بعد أن ظهرت مؤخراً بمظهر غيَّر ملامحها ووزنها بشكل مقلق تلبية لإملاءات هوليوود والموضة. حالتها ليست منفردة، فهي تختصر الضغوطات الخارجية وحالات التنمر التي تتعرض لها المرأة عموماً، إلى جانب خوفها من الإقصاء.

علاوة على ذلك، أفاد استطلاع بريطاني تم إجراؤه على مجموعة من الفتيات حديثاً، أنهن يشعرن بأن المجتمع يحكم عليهن بناء على مظهرهن أكثر من قدراتهن وكفاءاتهن. هذا الإدراك المبكر يربط القيمة بالهيئة، ويجعل أي انحراف عن الشكل المرسوم من قبل جهات خارجية، سواء هوليوود أو الموضة أو وسائل الإعلام، مصدر قلق على الصحة النفسية والجسدية، لا سيما عندما تتحول إلى شبه إدمان. فالنجاح في الكثير من الأوساط لا يزال يرتبط بالجمال، وليس أدل على هذا من مظهر السياسيات الجمهوريات في حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بينما أصبح يعرف بوجه «مارا لا غو»: وجه مشدود، وابتسامة هوليوودية، وشعر أشقر، وماكياج واضح. كلما تقيَّدن بشروط جمال معيَن، ارتفعت فرصهن للحصول على مناصب مهمة.

أوبرا وينفري عانت لعقود طويلة من الوزن الزائد واعترفت أخيراً بأنها تدين برشاقتها للأدوية (أ.ب)

لكن هل هذه الصورة الجمالية جذابة فعلاً؟ سؤال صعب لأن الجمال في عين الناظر. لكن الخوف هنا لا يتعلق بالإجراءات التجميلية بل بالنحافة المفرطة، التي أصبحت سمة من سمات نجمات مثل أريانا غراندي، وديمي مور، وكيلي أوزبورن ومايلي سايروس وحتى أوبرا وينفري وغيرهن كثيرات. فمن لا يتذكر استماتة أوبرا وينفري لإنقاص وزنها بكل الوسائل. قهرت كل الصعاب التي مرَّت بها، لكن هاجس الرشاقة ظل يؤرقها لخمسة عقود تقريباً. ورغم أنها جرَّبت كل الحميات، لا تزال لحد اليوم تحارب من أجل الرشاقة. لهذا ليس غريباً أن يتوسَّع الأمر ليشمل المرأة العادية التي تتخذ من هؤلاء النجمات قدوة تحتذي بها.

نيكول كيدمان ونحافة واضحة في السنوات الأخيرة (سكياباريلي)

النجمة ديمي مور لها تجارب متكررة مع شكلها. سبق واعترفت بخضوعها لعدة إجراءات تجميلية شملت أجزاء مختلفة من جسدها بما في ذلك ركبتيها. المفارقة أن مور نفسها تحدّثت علناً عن معاناتها السابقة مع صورة الجسد، وكيف أن كل الإجراءات التي خضعت لها لم تمنحها سوى سعادة مؤقتة. خلال الترويج لفيلمها «ذي سابستانس» The Substance، الذي جسَّدت فيه شخصية نجمة تجري وراء الشباب الدائم، تحدثت عن تجربتها في التسعينيات، حين كانت نحافة المرأة معياراً أساسياً للنجاح. وروت كيف تحوَّل التدريب الرياضي الصارم خلال تصوير فيلم «A Few Good Men» إلى هوس، وكيف دخلت في علاقة غير صحية مع الطعام استمرت حتى انتهائها من فيلم G.I.Jane. لاحقاً تحدثت عن لحظة وعي دفعتها إلى التصالح مع ذاتها، وكيف أنها لم تعد تعيش علاقة «عدائية» مع جسدها، بل تركز على النوم والتأمل وكتابة يومياتها، وتتبنى نظاماً غذائياً متوازناً.

ديمي مور في واحدة من إطلالاتها الأخيرة بعد التجميل والتنحيف (رويترز)

غير أن هذا التصالح مع الذات لم يدم طويلاً بالنظر إلى صورها في كل من ميلانو وباريس حديثاً. كان مظهرها مثيراً بباروكة بقصة «كاري». كانت الإجراءات التجميلية مُوفَقة إلى حد كبير، وفق قول د. خيسوس أوليفاس مينايو، المدير السريري ومدير المعهد البرتغالي لـ«الليبيديما»: «عند مقارنة صورها الحديثة بصورها قبل عدة سنوات، يبرز مدى الشد في ملامح وجهها، بحيث يبدو خط الفك أكثر تحديداً، والجلد أكثر تماسكا، كما تبدو ملامح الوجه بشكل عام أكثر نحتاً وتناسقاً». لكنه يضيف أن «تقلبات الوزن وإنقاصه بشكل كبير يمكن أن تؤثر على الوجه. فعندما تنخفض دهونه، تبرز البنية العظمية، غير أنها في الوقت ذاته تسبب ترهل الجلد أو ظهور فراغات، خصوصاً حول الجزء السفلي من الوجه وخط الفك. وغالباً ما يبدأ المرضى في هذه المرحلة بالبحث عن علاجات تعيد دعم البنية وتشد الجلد».

إطلالة ديمي مور تظهر فيها بنحافة مفرطة (أ.ف.ب)

الخوارزميات ودورها

وبغض النظر عن وجه ديمي مور وجمالياته، فإن جسدها النحيل بعظامه البارزة، أكثر ما أثار القلق وأدَّى إلى فتح ملفات قديمة اعتقد الجميع أنها طُويت للأبد.

فبعد أكثر من عقد من المناداة بالتنوع الجسدي وتقنين ظهور عارضات «أنوركسيات» على منصات عروض الأزياء، وسنوات من انتشار عبارات مثل «إيجابية الجسد» و«التصالح مع الذات» منحت نساء كثيرات الشجاعة على الظهور بأجساد لا تنتمي إلى القالب النمطي السابق، عاد الضغط ليطفو على السطح مرة أخرى. السبب على ما يبدو توفر وانتشار حقن «الأوزمبيك» و«مونجارو» في أوساط النخبة، مما جعل الخيط بين استعمالها لأسباب صحية أو فقط للحصول على الرشاقة رفيع للغاية. مؤخراً بدأت تنتشر محتويات على تطبيقات الـ«تيك توك» و«الإنستغرام» تمجِّد الرشاقة، بعناوين مثل «ماذا آكل في يومي»، و«كيف أفقد وزني» ونصائح حول «التنظيف الغذائي» وما شابه من آخر الحميات. كل هذا مرفوق بصور لأجساد نجمات وشخصيات معروفة تتراوح بين الرشاقة والنحافة. فهن دائماً ورقة رابحة في كسب التفاعلات. من هذا المنظور، تم تداول صور ديمي مور بفستان أسود من دون أكتاف بشكل مُكثَّف حوَل الحديث من ترشيحها عن مسلسل «لاندمان» إلى نحافتها، وما إذا كانت تعاني من مشكلة صحية أو تستخدم أدوية لإنقاص الوزن.

كيلي أوزبورن أثارت مؤخرا موجة من القلق على صحتها بعد ظهورها بنحافة مفرطة (أ.ب)

أليكس لايت، مؤلفة كتاب «لستَ صورة (قبل): كيف تتصالحين مع جسدك أخيراً وإلى الأبد» You Are Not a Before Picture: How to Finally Make Peace with Your Body, for Good تقول إن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في المحتوى الذي يروِج لثقافة النحافة على الإنترنت. أحياناً بطرق غير مباشرة، تحت مسميات «العافية» و«الانضباط» و«الأهداف الصحية اللطيفة»، لكن النتيجة واحدة وهي إعادة إنتاج «فكرة أن الجسد مشروع للتحسين والتصليح». وتوضح لايت أن أحد أهم الأسباب في انتشار هذه الظاهرة، أن الخوارزميات لا تكافئ المحتوى المتزن والمتوازن، بينما تكافئ الصور الصادمة والدراماتيكية. هذه الخوارزميات تُفسر أيضاً سبب عودة بعض المؤثرين الذين بنوا شهرتهم على خطاب حب الذات، لعرض تجارب مرتبطة بخسارة الوزن. لكن السؤال الجوهري بالنسبة لأليكس لايت هو «من يستفيد من الترويج لهذه النحافة؟» الإجابة بالنسبة لها غالباً ليست الفرد، بل صناع حميات تدر عليهم المليارات من الدولارات.

مسؤولية الموضة

ورغم أنها لم تُشر بأصابع الاتهام لصناعة الموضة فإن هذا لا يستثنيها. في تصريح سابق للمصممة البريطانية ستيلا مكارثني حول هذا الموضوع قالت إنها تُحمِل الموضة جزءاً كبيراً من المسؤولية. وهي على حق لأن نظرة على تاريخ الموضة تُثبت أنها في كل حقبة ترسخ نموذجاً جمالياً نحيلاً داخل اللاوعي، من خلال صور الإعلانات وعروض الأزياء والحملات المصورة، بغض النظر عما تجره من نتائج كارثية.

تتحمل الموضة جزء كبير من المسؤولية في الترويج للنحافة (ديور+ فندي)

قوانين صارمة ولكن

في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي روَجت لمظهر «هيروين شيك» تظهر فيه العارضات بشكل «أنوريكسي» للغاية، الأمر الذي أثار قلقاً تداعى صداه في كل العالم في عام 2007 إثر وفاة إيزابيل كارو وهي عارضة أزياء فرنسية سابقة عن عمر يناهز 28 عاماً بسبب مرض فقدان الشهية. لم تكن إيزابيل حالة فردية إذ تعرضت عارضات أخريات إلى نفس المصير، بسبب ضغوطات تفرض عليهن فقدان أوزانهن بشكل مبالغ فيه.

بعد أن دقَّت الجهات الصحية نواقيس الخطر، وتسرَّب الخوف في النفوس من تأثيرات هذه الصور على صغار السن، حاول قطاع الموضة أن يُغيِر جلده ويحتضن الاختلاف. لكنه واجه مقاومة من قبل بعض المصممين، فتدخلت الحكومات على الخط، لتنص قوانين تُجرِم التعاون مع عارضات نحيفات بشكل مفرط أو صغيرات السن، وفرضت غرامات على وكالات الإعلان أو دور الأزياء في حال عدم التزامهم بهذا القانون، حسبما قالته وزيرة الصحة الفرنسية ماريسول تورين آنذاك. وقال الفرنسي أوليفييه فيران البرلماني الاشتراكي الذي صاغ التعديلين إن القانون سيفرض فحوصات منتظمة وغرامات مالية، وأضاف أنه سيتعيَن على العارضات تقديم شهادات طبية تظهر مؤشراً لكتلة الجسم لا يقل عن 18 - أو نحو 55 كيلوغراماً لطول قدره 1.75 متر - قبل التعاقد معهن. في عام 2017 أصبح لزاماً على العارضات الحصول على شهادة طبية إلزامية لمزاولة المهنة، في حين وقَّعت مجموعتا السلع الفاخرة «إل في إم إتش» و«كيرينغ» في العام نفسه وثيقة تلزم بإلغاء المقاس 32 كشرط للتقدم الاختبار الأداء للعارضات.

مع مرور الوقت تبيَّن أن معظمها مجرد إجراءات نظرية. فالمصممون يُفضلون ابتكار أزياء للأجسام الرفيعة والمقاييس الصبيانية. فكلما خلَّت هذه الأجساد من أي تضاريس أو منحنيات تُبرز جمال التصاميم أكثر. كما أن إنتاج وبيع الملابس بقياسات كبيرة إلى جانب أنه مكلف بالمقارنة، يتطلب مهارة أكبر ليأتي بالشكل المطلوب.

تعرضت المغنية أديل للتنمر بسبب وزنها الزائد في الماضي قبل أن تكتسب رشاقتها الحالية (غيتي)

حرب لاغرفيلد على البدانة

المصمم الراحل، كارل لاغرفيلد كان واحداً ممن أعلنوا الحرب على الوزن الزائد. عانى منه هو شخصياً لسنوات، قبل أن يتبع ريجيماً قاسياً قال إنه نبع من رغبته في ارتداء تصاميم هادي سليمان، مصمم دار «ديور» في القسم الرجالي، الذي طرح أول تشكيلة له في عام 2001، عبارة عن تصاميم رشيقة للغاية لا تناسب الرجل الممتلئ، فما البال بالسمين؟ كارل لاغرفيلد لم يكتفِ بهذا، بل استعمل كلمة «بدينة» لوصف المغنية أديل، مضيفاً أن كل من تنتقد رأيه أو لها رأي مخالف عن النحافة هي «امرأة كسولة ومتكاسلة».

صورة أرشيفية تعود إلى عام 2025 لديمي مور (إ.ب.أ)

المشكلة أنه حتى المرأة باتت مقتنعة بما تُمليه الموضة، مما جعل النيات الطيبة لفك ارتباط هذه الصناعة بالعارضات النحيفات ضعيفة، بدليل الصور التي باتت تطالعنا مؤخراً في عروض الأزياء وتُعزِزها صور نجمات هوليوود مثل ديمي مور ونيكول كيدمان وغيرهما.


جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».