أنييس فاردا التي رحلت {شابة} في التسعين

مزجت الحياة بالخيال والواقع ومنحتها صورة جديدة

أنييس فاردا في مهرجان كان عام 2015 حاملة السعفة الذهبية التي كرمها بها المهرجان (أ.ب)
أنييس فاردا في مهرجان كان عام 2015 حاملة السعفة الذهبية التي كرمها بها المهرجان (أ.ب)
TT

أنييس فاردا التي رحلت {شابة} في التسعين

أنييس فاردا في مهرجان كان عام 2015 حاملة السعفة الذهبية التي كرمها بها المهرجان (أ.ب)
أنييس فاردا في مهرجان كان عام 2015 حاملة السعفة الذهبية التي كرمها بها المهرجان (أ.ب)

رحلت المخرجة الفرنسية أنييس فاردا ‬صبيةً في التسعين من العمر. إنه عمر المسنين، لكنها، في الحياة وعلى الشاشة ووراء الكاميرا، كانت لا تزال نشطة وحيوية وتتصرف كفتاة في مطلع مهنتها في السينما.
هذا ليس غزلاً ومن باب تنميق الكلام. في الشهر الماضي شاهدناها على شاشة «مهرجان برلين» في فيلم توثيقي من إخراجها (لجانب مساعدها ديدييه روكيه) بعنوان «فاردا بتوقيع أنييس» نراها فيه تتحدث جيداً، تختار كلماتها بعناية، تضحك. تتذكر وتتحرك من دون أي عائق بدني أو تأثير شيخوخة. للواقع، الفيلم ليس أكثر من جمع وثائق وتصوير أحاديث قريبة عنها، ومصنوع بتوقيعها للحديث عن نفسها وأفلامها بأقل المفردات الفنية الممكنة، لكنه وثيقة شخصية وسينمائية، وعرض قبل أقل من شهرين على وفاتها أول من أمس في التاسع والعشرين من هذا الشهر.
كانت تحب الأرجواني، وتصبغ شعرها بذلك اللون، وتصممه كما لو كان طاقية مستديرة. كانت كذلك صاحبة 23 فيلماً تسجيلياً عرضتها صالات السينما و6 أعمال تلفزيونية و5 أفلام فيديو، وكتبت 17 فيلماً قصيراً، و22 من أفلامها الطويلة، وقائمتها الموازية تحتوي على التوليف والإنتاج والتصوير، ولديها فيلم شاركت فيه بالتأليف الموسيقي، وهو فيلمها المعروف (ربما أكثر من سواه) «كليو من الخامسة للسابعة» (1962).
مدرستها الخاصة
ذلك الفيلم كان الفيلم الطويل الثاني في ترتيب أعمالها بعد فيلمها الأسبق «نقطة قصيرة» (1955)، وكان ممتعاً في حينه كما ما زال ممتعاً اليوم. ليس لأنه كان فيلماً مسلياً، بل لكونه فيلماً منعشاً جديداً في تعامله مع الحكاية البسيطة التي يرويها: مغنية (كورين مارشان) لديها ساعتان تمضيهما ريثما ينتهي التحليل الطبي لتحديد ما إذا كانت مصابة بالسرطان أم لا. خلالهما تمشي في شوارع وساحات باريس محاطة بالعابرين على نحو يمزج بنجاح بين حكاية بطلتها وبين تسجيل الحياة اليومية من حولها. كذلك تختار المخرجة بدء ذلك الفيلم بالألوان (لبضع دقائق)، ثم تنطلق فيه بالأبيض والأسود، وتضم إليه المخرج جان - لوك غودار والموسيقار ميشيل لاغران.
تتمشى كليو في المدينة محاولة شغل نفسها عن النتيجة المرتقبة. لكن الترقب يبقى شاغلنا نحن المشاهدين. هل ستعلن النتيجة إصابتها بالمرض أم لا. وتحوّل فاردا السؤال إلى طرح قد يشمل كل سؤال مرتقب، ولو أن السرطان، كحالة مرضية، يبقى الأكثر وقعاً. حول ذلك، قالت المخرجة لمجلة أسترالية كانت لا تزال تصدر في ثمانينيات العقد الماضي، في إجابة على سؤال حول اختيارها المرض الخبيث تحديداً، «آنذاك كان السرطان هو الخوف الجماعي، كما حال القنبلة (النووية) أو الحرب حالياً».
وُلدت فاردا في بلجيكا في الثلاثين من مايو (أيار) سنة 1928 من أب يوناني وأم فرنسية. كرهت اسمها الممنوح لها حين الولادة (وهو أرليت)، وقامت بتغييره إلى أنييس وهي في الثامنة عشر من عمرها. ذهبت إلى باريس من مطلع الخمسينات لتدرس المسرح والتصوير. وفي ذلك الحين قابلت زمرة المخرجين المتمردين على السينما الفرنسية التقليدية مثل جان - لوك غودار وكريس ماركر وألان رينيه وفرنسوا تروفو وجاك ديمي الذي تزوّجت منه (تذكره أكثر من مرّة في فيلمها الأخير «فاردا بتوقيع أنييس»).
سنة 1990 أطلقت فيلماً عن زوجها بعنوان «جاكو نانت» (Jacques de Nantes) الذي ظهر فيه جاك ديمي، وقيل إنه أحبه حين شاهده قبل أشهر قليلة من وفاته.
لم تتجاوب أنييس فاردا كثيراً مع الأشكال التعبيرية التي ساقتها مجموعة «السينما الفرنسية الجديدة» لغودار ورفاقه. لم ترغب في أن تحقق أفلاماً مكبلة بالمراجع والمضامين الثقافية، بل اهتمت بتطوير مدرستها اللغوية في السينما. هذا تضمن طريقتها الخاصة في التوليف. أفلامها في الواقع تعتمد على التوليف في صياغة أسلوبها قبل أي شيء آخر.
هي مختلفة أساساً (عن سينمائيي تلك الموجة كما عن أي سينمائي آخر) باختياراتها من المواضيع، وتركيزها على حب الحياة والتحرر الفردي، كما في أسلوب وصياغة عملها كما تقدم. في سنة 1988 أخرجت فيلمين عن الممثلة جين بيركِن تحت عنوان واحد هو «جين بيركِن» قسمته إلى فيلمين؛ أحدهما بعنوان «جين ب. بتوقيع أنييس ف» والثاني «الحب الصغير». الأول تسجيلي عن حياة الممثلة وأعمالها والثاني روائي.
احتفاء بسنوات الحياة
قبلهما كانت حققت فيلماً مثيراً للاهتمام (والإعجاب) بعنوان «متشردة» (Vagabond) مع وجه آخر معروف في السينما الفرنسية هي ساندرين بونير. يبدأ الفيلم بمشهد تلتقط فيه فاردا الطبيعة شبه الميتة في الشتاء. شجر وحشائش ولا نسمة هواء. ثم تتقدم الكاميرا إلى حيث حفرة صغيرة نكتشف فيها وجود جثة امرأة بوجه شاحب.
من هنا، وبعد تصوير وصول الشرطة للمعاينة، تبدأ فاردا تعليقاً بصوتها تتحدث فيه عن نفسها، وتخبرنا بسبب اهتمامها بتلك المرأة، مخصصة الفيلم الذي سنراه لاستعراض آخر ثلاثين يوماً من حياتها. من لا يعرف أسلوب المخرجة، ولا يدري من هي ساندرين بونير، قد يصدق أن الفيلم تسجيلي. هذا أسلوب فاردا الأثير في تحقيق فيلم روائي. تنتقل بعد المقدمة المذكورة إلى ممارسة الخيال بأسلوب التسجيل، لكنها تبقى بعيدة عن وصف مثير للضحك وشائع هذه الأيام يصف مثل هذه الأفلام بـ«دوكيو دراما». فاردا تبحث في حياة بطلتها كمتشردة تجمع الطعام وما تسنى لها من هبات. وحين يمنحها البعض مالاً قليلاً نراها تصرفها على السجائر أو على سماع الموسيقى، وليس على الطعام. حياتها، كما يصفها الفيلم، خالية من أسباب السعادة. ليست من النوع الذي يتوهم أن التغيير قادم، وهي لم تعد تسعى إليه على أي حال.
لم تكترث فاردا «لتكتيكات» الصحافة، ورفضت تبويبها لها كـ«فيمينيست»، ولم تكترث لكونها المخرج الأول (من بين الجنسين) الذي عمد إلى ابتكار أسلوب سرد وتعبير يبتعد عن السائد في الخمسينيات، سنوات قليلة قبل غودار وتروفو وسواهما. وكما تجنبت الوقوع في شرك التبويب، انفتحت في المقابل على امتلاك تلك اللغة الأصلية المتحررة روحاً وشكلاً، كما شهد، مجدداً، فيلمها البديع «سواحل أنييس» الذي مثل كثير من أعمالها الأخيرة يعج بالذكريات والمصادر الذاتية. هي كما لو كانت تحتفي بحياتها المديدة وتتحدى من يستسلم لسنوات الحياة مكتفين بما أنجزوه.
في السنة الماضية شهدنا منحها «أوسكاراً» شرفياً، في الوقت الذي دخل فيه فيلمها التسجيلي «وجوه أماكن» سباق «أوسكار أفضل فيلم». كان عمرها آنذاك 89 سنة، وبهذا أصبحت أكبر مخرج (ذكر أو أنثى) يدخل الترشيحات الرسمية في تاريخ «الأوسكار». فيلمها ما قبل الأخير «وجوه أماكن» حققته مع فنان طليعي جديد يكتفي بحرفين من اسمه هما «ج. ر» ويساعدها في المهام التي تتطلب مشاقاً بدنياً. تنطلق المخرجة البديعة (على امتداد سنوات مهنتها) إلى بعض القرى الفرنسية منقبة عن أوجه تلك الحياة وشخصياتها. فيلمها ليس، كما هو حال الكثير من الأفلام المماثلة من حيث بحثها عن أماكن أو وجوه منسية، بل هو ليس حتى نوستالجيا. إنه حبور دائم وبهجة تمارسها المخرجة عبر ما تسجله في فيلمها من أوجه تلك الحياة والطريقة التي تفعل بها، تلك الثرية بفن حيوي وحاضر، منتقلة من بلدة فرنسية صغيرة إلى أخرى.
في آخر أفلامها «فاردا بتوقيع أنييس» تشكل محاضرتها لطلاب ملأوا المدارج، وتابعوها باهتمام كلي، لب الفيلم. تتحدث من صميم خبرتها وتحاول أن تبتعد عن إلقاء الدرس في مقابل توفير مفاداته المباشرة. تقول، عن صواب، إن الفيلم يمر بثلاث مراحل: الاستلهام. الخلق. التواصل. في المرحلة الأولى استلهام الفكرة الآتية، كما تشير، من داخل الفرد ومحيطه. الثانية، تحويل الفكرة إلى عمل حي. أما الثالثة فتتمثل في توجيه الفيلم ليكون نقطة تواصل بين مبدعه وجمهوره.
وفي مشهد آخر لها، قالت لمستمعيها ولنا جميعاً: «ليس أمراً معدوم القيمة أو الأصالة إذا صورت الناس بتعاطف وحب». وهي إذ ودّعتنا بكلماتها الحكيمة وبرغبتها في تقديم الإنسان بحب ودفء أعطتنا كذلك سبباً إضافياً للسير في خطاها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».