رحلت المخرجة الفرنسية أنييس فاردا صبيةً في التسعين من العمر. إنه عمر المسنين، لكنها، في الحياة وعلى الشاشة ووراء الكاميرا، كانت لا تزال نشطة وحيوية وتتصرف كفتاة في مطلع مهنتها في السينما.
هذا ليس غزلاً ومن باب تنميق الكلام. في الشهر الماضي شاهدناها على شاشة «مهرجان برلين» في فيلم توثيقي من إخراجها (لجانب مساعدها ديدييه روكيه) بعنوان «فاردا بتوقيع أنييس» نراها فيه تتحدث جيداً، تختار كلماتها بعناية، تضحك. تتذكر وتتحرك من دون أي عائق بدني أو تأثير شيخوخة. للواقع، الفيلم ليس أكثر من جمع وثائق وتصوير أحاديث قريبة عنها، ومصنوع بتوقيعها للحديث عن نفسها وأفلامها بأقل المفردات الفنية الممكنة، لكنه وثيقة شخصية وسينمائية، وعرض قبل أقل من شهرين على وفاتها أول من أمس في التاسع والعشرين من هذا الشهر.
كانت تحب الأرجواني، وتصبغ شعرها بذلك اللون، وتصممه كما لو كان طاقية مستديرة. كانت كذلك صاحبة 23 فيلماً تسجيلياً عرضتها صالات السينما و6 أعمال تلفزيونية و5 أفلام فيديو، وكتبت 17 فيلماً قصيراً، و22 من أفلامها الطويلة، وقائمتها الموازية تحتوي على التوليف والإنتاج والتصوير، ولديها فيلم شاركت فيه بالتأليف الموسيقي، وهو فيلمها المعروف (ربما أكثر من سواه) «كليو من الخامسة للسابعة» (1962).
مدرستها الخاصة
ذلك الفيلم كان الفيلم الطويل الثاني في ترتيب أعمالها بعد فيلمها الأسبق «نقطة قصيرة» (1955)، وكان ممتعاً في حينه كما ما زال ممتعاً اليوم. ليس لأنه كان فيلماً مسلياً، بل لكونه فيلماً منعشاً جديداً في تعامله مع الحكاية البسيطة التي يرويها: مغنية (كورين مارشان) لديها ساعتان تمضيهما ريثما ينتهي التحليل الطبي لتحديد ما إذا كانت مصابة بالسرطان أم لا. خلالهما تمشي في شوارع وساحات باريس محاطة بالعابرين على نحو يمزج بنجاح بين حكاية بطلتها وبين تسجيل الحياة اليومية من حولها. كذلك تختار المخرجة بدء ذلك الفيلم بالألوان (لبضع دقائق)، ثم تنطلق فيه بالأبيض والأسود، وتضم إليه المخرج جان - لوك غودار والموسيقار ميشيل لاغران.
تتمشى كليو في المدينة محاولة شغل نفسها عن النتيجة المرتقبة. لكن الترقب يبقى شاغلنا نحن المشاهدين. هل ستعلن النتيجة إصابتها بالمرض أم لا. وتحوّل فاردا السؤال إلى طرح قد يشمل كل سؤال مرتقب، ولو أن السرطان، كحالة مرضية، يبقى الأكثر وقعاً. حول ذلك، قالت المخرجة لمجلة أسترالية كانت لا تزال تصدر في ثمانينيات العقد الماضي، في إجابة على سؤال حول اختيارها المرض الخبيث تحديداً، «آنذاك كان السرطان هو الخوف الجماعي، كما حال القنبلة (النووية) أو الحرب حالياً».
وُلدت فاردا في بلجيكا في الثلاثين من مايو (أيار) سنة 1928 من أب يوناني وأم فرنسية. كرهت اسمها الممنوح لها حين الولادة (وهو أرليت)، وقامت بتغييره إلى أنييس وهي في الثامنة عشر من عمرها. ذهبت إلى باريس من مطلع الخمسينات لتدرس المسرح والتصوير. وفي ذلك الحين قابلت زمرة المخرجين المتمردين على السينما الفرنسية التقليدية مثل جان - لوك غودار وكريس ماركر وألان رينيه وفرنسوا تروفو وجاك ديمي الذي تزوّجت منه (تذكره أكثر من مرّة في فيلمها الأخير «فاردا بتوقيع أنييس»).
سنة 1990 أطلقت فيلماً عن زوجها بعنوان «جاكو نانت» (Jacques de Nantes) الذي ظهر فيه جاك ديمي، وقيل إنه أحبه حين شاهده قبل أشهر قليلة من وفاته.
لم تتجاوب أنييس فاردا كثيراً مع الأشكال التعبيرية التي ساقتها مجموعة «السينما الفرنسية الجديدة» لغودار ورفاقه. لم ترغب في أن تحقق أفلاماً مكبلة بالمراجع والمضامين الثقافية، بل اهتمت بتطوير مدرستها اللغوية في السينما. هذا تضمن طريقتها الخاصة في التوليف. أفلامها في الواقع تعتمد على التوليف في صياغة أسلوبها قبل أي شيء آخر.
هي مختلفة أساساً (عن سينمائيي تلك الموجة كما عن أي سينمائي آخر) باختياراتها من المواضيع، وتركيزها على حب الحياة والتحرر الفردي، كما في أسلوب وصياغة عملها كما تقدم. في سنة 1988 أخرجت فيلمين عن الممثلة جين بيركِن تحت عنوان واحد هو «جين بيركِن» قسمته إلى فيلمين؛ أحدهما بعنوان «جين ب. بتوقيع أنييس ف» والثاني «الحب الصغير». الأول تسجيلي عن حياة الممثلة وأعمالها والثاني روائي.
احتفاء بسنوات الحياة
قبلهما كانت حققت فيلماً مثيراً للاهتمام (والإعجاب) بعنوان «متشردة» (Vagabond) مع وجه آخر معروف في السينما الفرنسية هي ساندرين بونير. يبدأ الفيلم بمشهد تلتقط فيه فاردا الطبيعة شبه الميتة في الشتاء. شجر وحشائش ولا نسمة هواء. ثم تتقدم الكاميرا إلى حيث حفرة صغيرة نكتشف فيها وجود جثة امرأة بوجه شاحب.
من هنا، وبعد تصوير وصول الشرطة للمعاينة، تبدأ فاردا تعليقاً بصوتها تتحدث فيه عن نفسها، وتخبرنا بسبب اهتمامها بتلك المرأة، مخصصة الفيلم الذي سنراه لاستعراض آخر ثلاثين يوماً من حياتها. من لا يعرف أسلوب المخرجة، ولا يدري من هي ساندرين بونير، قد يصدق أن الفيلم تسجيلي. هذا أسلوب فاردا الأثير في تحقيق فيلم روائي. تنتقل بعد المقدمة المذكورة إلى ممارسة الخيال بأسلوب التسجيل، لكنها تبقى بعيدة عن وصف مثير للضحك وشائع هذه الأيام يصف مثل هذه الأفلام بـ«دوكيو دراما». فاردا تبحث في حياة بطلتها كمتشردة تجمع الطعام وما تسنى لها من هبات. وحين يمنحها البعض مالاً قليلاً نراها تصرفها على السجائر أو على سماع الموسيقى، وليس على الطعام. حياتها، كما يصفها الفيلم، خالية من أسباب السعادة. ليست من النوع الذي يتوهم أن التغيير قادم، وهي لم تعد تسعى إليه على أي حال.
لم تكترث فاردا «لتكتيكات» الصحافة، ورفضت تبويبها لها كـ«فيمينيست»، ولم تكترث لكونها المخرج الأول (من بين الجنسين) الذي عمد إلى ابتكار أسلوب سرد وتعبير يبتعد عن السائد في الخمسينيات، سنوات قليلة قبل غودار وتروفو وسواهما. وكما تجنبت الوقوع في شرك التبويب، انفتحت في المقابل على امتلاك تلك اللغة الأصلية المتحررة روحاً وشكلاً، كما شهد، مجدداً، فيلمها البديع «سواحل أنييس» الذي مثل كثير من أعمالها الأخيرة يعج بالذكريات والمصادر الذاتية. هي كما لو كانت تحتفي بحياتها المديدة وتتحدى من يستسلم لسنوات الحياة مكتفين بما أنجزوه.
في السنة الماضية شهدنا منحها «أوسكاراً» شرفياً، في الوقت الذي دخل فيه فيلمها التسجيلي «وجوه أماكن» سباق «أوسكار أفضل فيلم». كان عمرها آنذاك 89 سنة، وبهذا أصبحت أكبر مخرج (ذكر أو أنثى) يدخل الترشيحات الرسمية في تاريخ «الأوسكار». فيلمها ما قبل الأخير «وجوه أماكن» حققته مع فنان طليعي جديد يكتفي بحرفين من اسمه هما «ج. ر» ويساعدها في المهام التي تتطلب مشاقاً بدنياً. تنطلق المخرجة البديعة (على امتداد سنوات مهنتها) إلى بعض القرى الفرنسية منقبة عن أوجه تلك الحياة وشخصياتها. فيلمها ليس، كما هو حال الكثير من الأفلام المماثلة من حيث بحثها عن أماكن أو وجوه منسية، بل هو ليس حتى نوستالجيا. إنه حبور دائم وبهجة تمارسها المخرجة عبر ما تسجله في فيلمها من أوجه تلك الحياة والطريقة التي تفعل بها، تلك الثرية بفن حيوي وحاضر، منتقلة من بلدة فرنسية صغيرة إلى أخرى.
في آخر أفلامها «فاردا بتوقيع أنييس» تشكل محاضرتها لطلاب ملأوا المدارج، وتابعوها باهتمام كلي، لب الفيلم. تتحدث من صميم خبرتها وتحاول أن تبتعد عن إلقاء الدرس في مقابل توفير مفاداته المباشرة. تقول، عن صواب، إن الفيلم يمر بثلاث مراحل: الاستلهام. الخلق. التواصل. في المرحلة الأولى استلهام الفكرة الآتية، كما تشير، من داخل الفرد ومحيطه. الثانية، تحويل الفكرة إلى عمل حي. أما الثالثة فتتمثل في توجيه الفيلم ليكون نقطة تواصل بين مبدعه وجمهوره.
وفي مشهد آخر لها، قالت لمستمعيها ولنا جميعاً: «ليس أمراً معدوم القيمة أو الأصالة إذا صورت الناس بتعاطف وحب». وهي إذ ودّعتنا بكلماتها الحكيمة وبرغبتها في تقديم الإنسان بحب ودفء أعطتنا كذلك سبباً إضافياً للسير في خطاها.
أنييس فاردا التي رحلت {شابة} في التسعين
مزجت الحياة بالخيال والواقع ومنحتها صورة جديدة
أنييس فاردا في مهرجان كان عام 2015 حاملة السعفة الذهبية التي كرمها بها المهرجان (أ.ب)
أنييس فاردا التي رحلت {شابة} في التسعين
أنييس فاردا في مهرجان كان عام 2015 حاملة السعفة الذهبية التي كرمها بها المهرجان (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

