يقول ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، في مقدمته إنّ «الإنسان اجتماعي بطبعه»، ما يعني أنّ الإنسان فطر على العيش مع الجماعة، ولا يقدر على العيش وحيداً مهما توفرت له سبل الرّاحة. وتبدو مقولته هذه مفيدة في النّظر إلى حياة الإنسان في عصرنا هذا، حيث وفرت له «وسائل التواصل الاجتماعي» وتطور التقنيات الرّقمية، وسيلة مريحة للتّواصل، لكنّها دمّرت بشكل مخيف الطبيعة التقليدية - الإنسانية للعلاقات الاجتماعية. أمّا التطور الصّناعي والاقتصادي، ومع كل ما قدّماه من وسائل راحة ورفاهية للإنسان، إلّا أنّهما ألحقا ضرراً لا يمكن التعويض عنه في حياتنا، مثال على ذلك التلوث البيئي الشّامل نتيجة التطور الصناعي، والتأثير السّلبي على نمط التفكير الإنساني - الاجتماعي لدى كثيرين، نتيجة تطوّر العمليات الاقتصادية، وزيادة تأثير عنصر «المادة» أي «المال» على العلاقات الاجتماعية.
وأظهرت دراسة أعدتها الوكالة الفيدرالية الرّوسية للإحصاء أنّ نسبة كبيرة من المواطنين الرّوس، من ذوي الدّخل المحدود يشكون من الوحدة، والشّعور الدّائم بالقلق، بينما يشكو من هذه الحالة عدد قليل جداً من أصحاب الدّخل المرتفع. وفي استطلاع للرأي ضمن تلك الدراسة، قال 47 في المائة من المواطنين الرّوس، الذين صنفوا أنفسهم ضمن فئة «ذوي الدّخل المحدود»، إنّهم يعانون من الشّعور بالوحدة، وقال 20 في المائة إنّهم يشعرون بالوحدة لكن مراراً، ومن حين لآخر. في الوقت ذاته اشتكى من الوحدة 16.7 في المائة فقط من المواطنين الرّوس الذين صنّفوا أنفسهم ضمن فئة «ذوي دخل مرتفع». أمّا المواطنون الذين قالوا إنهم يعتبرون أنفسهم من «أصحاب الدّخل المتوسط» فقد قال 23.8 في المائة منهم فقط، إنّهم يشعرون بالوحدة.
وكان لافتاً أنّ التعبير عن الشّعور بالوحدة بين النساء الروسيات كان بنسبة أكبر من الرجال. وقالت 30.2 في المائة من النساء الرّوسيات إنّهن يشعرن بالوحدة، بينما اشتكى من الوحدة 18.3 في المائة فقط من الرّجال. في المقابل قال 47.5 من النساء و60.2 في المائة من الرّجال في روسيا إنّهم لا يشعرون بالوحدة. وتزداد الشّكوى من الوحدة كلّما تقدم العمر، إذ قال 18.1 في المائة من المشاركين باستطلاع الرأي في عمر الـ30 سنة أيضاً، إنّهم يشعرون بالوحدة، بينما اشتكى من هذا الشّعور 25.6 في المائة من المواطنين بعمر أكبر من 50 سنة، و37.5 في المائة بعمر أكبر من 60 سنة. وغالباً ما يفقد الإنسان فرصة التفاعل الاجتماعي في سن التقاعد، بعد أن يخسر عمله لتقدم السّن.
وفي تصريحات تؤكد، دون قصد من صاحبها، صحّة استنتاجات ابن خلدون بشأن عدم قدرة الإنسان على العيش وحيداً، قال غينادي أونشينكو، مدير لجنة مجلس الدوما الروسي للتّعليم والتربية، إنّ الوحدة خطر رئيسي يهدّد طول عمر الرجال، وإنّها تقصر أعمارهم لأكثر من 10 سنوات. ومع أنّ الشّعور بالوحدة ظاهرة لا تقتصر على فئة عمرية معينة، إلّا أنّها تبرز بشكل واضح ومؤلم بين كبار السن، الأمر الذي استدعى اهتماما على المستوى الرسمي. واقترحت فالنتينا ماتفيينكو، رئيسة المجلس الفيدرالي، تأسيس وزارة خاصة اسمها «وزارة الوحدة» تُساعد كبار السّن الذين وجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام وحدة مؤلمة، تخالف طبيعة وطبع الإنسان.
9:44 دقيقه
الدّخل المحدود مصدر وحدة تتعارض مع الطّبع الاجتماعي للإنسان
https://aawsat.com/home/article/1653656/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D9%85%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%91%D8%A8%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86
الدّخل المحدود مصدر وحدة تتعارض مع الطّبع الاجتماعي للإنسان
العامل يدفع أثماناً باهظة للتّطور وما يوفره من رفاهية ووسائل راحة
- موسكو: طه عبد الواحد
- موسكو: طه عبد الواحد
الدّخل المحدود مصدر وحدة تتعارض مع الطّبع الاجتماعي للإنسان
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

