«التعاون الإسلامي» تدعو إلى تحرك دولي ضد الكراهية و«الإسلاموفوبيا»

«التعاون الإسلامي» تدعو إلى تحرك دولي  ضد الكراهية و«الإسلاموفوبيا»
TT

«التعاون الإسلامي» تدعو إلى تحرك دولي ضد الكراهية و«الإسلاموفوبيا»

«التعاون الإسلامي» تدعو إلى تحرك دولي  ضد الكراهية و«الإسلاموفوبيا»

دعت منظمة التعاون الإسلامي إلى عقد دورة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة، لـ«إعلان الإسلاموفوبيا شكلاً من أشكال العنصرية» وإعلان يوم 15 مارس (آذار) تاريخ مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، يوماً دولياً للتضامن ضد «الإسلاموفوبيا».
وأدانت المنظمة، في البيان الختامي الصادر عن الاجتماع الطارئ للجنة التنفيذية للمنظمة على مستوى وزراء الخارجية، الذي عقد في مدينة إسطنبول أمس الجمعة، بدعوة من تركيا، لبحث تداعيات مجزرة المسجدَين في نيوزيلندا، بأشد العبارات، الهجوم الإرهابي المروع والشنيع في نيوزيلندا، الذي أودى بحياة أكثر من 50 شخصاً، يوم الجمعة قبل الماضي.
ودعت الأمم المتحدة إلى تعيين مقرر خاص معني بمكافحة «الإسلاموفوبيا»، وطالبت الأمين العام أنطونيو غوتيريش بالتواصل مع آليات المنظمة الدولية ذات الصلة، لتوسيع نطاق القرار 1267 بشأن العقوبات، ليشمل الأفراد والكيانات المرتبطة بالمجموعات العرقية المتطرفة.
كما دعت منظمة التعاون الإسلامي، في بيانها، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، إلى إنشاء مرصد يعنى بأعمال الكراهية ضد المسلمين، ويرفع تقارير عنها إلى الأجهزة المعنية. وأشار البيان إلى ضرورة انخراط الأمم المتحدة مع منصات التواصل الاجتماعي، لاتخاذ التدابير المؤسسية والتقنية لحظر أي محتوى يحرض على العنف والكراهية ضد المسلمين.
وأعربت المنظمة عن تقديرها لحكومة نيوزيلندا؛ لإدانتها الصريحة للهجمات الإرهابية، لا سيما الموقف الحازم الذي اتخذته رئيسة وزراء البلاد جاسيندا أرديرن.
وكان الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يوسف العثيمين، قد حذر في كلمته في افتتاح الاجتماع الطارئ، من أن الفوضى ستطرق أبواب العالم، إذا لم يتم التصدي لخطاب الكراهية و«الإسلاموفوبيا».
وأكد العثيمين أن خطاب الكراهية و«الإسلاموفوبيا» يزداد يوماً بعد يوم، والملمح المشترك بين الأحزاب اليمينية المتطرفة، المناهضة حتى للمؤسسات الرسمية، هو «الإسلاموفوبيا»، وأعداد هذه الأحزاب تزداد بشكل غير مسبوق. وأضاف أنه «إذا لم يتم لجم هذا الخطاب بشكل فوري وعاجل، فإن الفوضى ستطرق البلدان المستقرة والعالم وترعب الآمنين».
وتابع: «إذا لم نمنع خطاب الكراهية والإسلاموفوبيا، فسنشهد هجمات مماثلة لهجوم نيوزيلندا»، معتبراً أن هذا الخطاب «بات يهدد المجتمعات المسالمة في العالم». وأضاف أن «خطاب الكراهية القائم على الفكر اليميني المتطرف، لا يستهدف الإسلام والمسلمين فحسب؛ وإنما يستهدف كذلك الأنظمة والدول الغربية الليبرالية الديمقراطية».
وقال العثيمين: «لا يمكننا التغاضي عن الأنشطة التي تحرض على العنف، والتي يقوم بها المتعصبون جماعات أو أفراداً، وأياً كانت معتقداتهم الدينية»، معتبراً أن التعاون الإيجابي بين الدول الإسلامية الأعضاء بمنظمة التعاون، سيساعد في القضاء على التطرف والإرهاب، وعلينا التأكيد على أن الإرهاب لا دين ولا عرق له.
وأضاف أن منظمة التعاون الإسلامي تؤكد على تعزيز المبادرات التوافقية، مثل القرار رقم 16 - 18 الصادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بعنوان محاربة التعصب والقولبة النمطية السلبية، والوصم والتمييز والتحريض على العنف، وممارسته على الأشخاص بسبب المعتقد.
ووصف «مجزرة المسجدين» في نيوزيلندا بأنها «أمر بشع»، و«له تبعات خطيرة على العالم». وقال إن هذا الهجوم الإرهابي جرح مشاعر المسلمين والبشر بأسرهم، وأياً كانت الدوافع، فإن مرتكبه إرهابي يستحق أشد العقاب. وأشاد بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة النيوزيلندية عقب الهجوم.
وقال: «إننا نعرب عن كامل تقديرنا للحكومة النيوزيلندية التي اتخذت ما يلزم؛ حيث فتحت تحقيقاً فورياً في هذا الحادث، وقدمت الدعم للمجتمعات المسلمة المتضررة التي تعيش في تلك البلاد»، مؤكداً «أهمية وجود تشريعات حاسمة في الفضاء الإلكتروني الذي - للأسف الشديد - تحول إلى ساحة لتفريغ الأفكار المتطرفة».
وأعرب العثيمين عن أمله في أن يتمخض عن الاجتماع خطوات وقائية لاحتواء التطرف والإرهاب، الذي يستهدف المسلمين أينما كانوا.
وفي كلمته في افتتاح الاجتماع، طالب وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، باتخاذ إجراءات تجاه زيادة الحملات والهجمات العنصرية على الإسلام، قائلاً: «لا نقبل أن يوصم ديننا بالإرهاب».
وحمّل الوزير التركي وسائل الإعلام والسياسيين، الذين قال إنهم «ينشرون خطابات معادية للإسلام»، إضافة إلى الأجانب والمهاجرين، مسؤولية «ازدياد الإرهاب العنصري»، مشيراً إلى أن عدد الحملات والهجمات العنصرية في زيادة بالعالم، وفي الاتحاد الأوروبي.
وأكد نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية النيوزيلندي، وينستون بيترز، أن الإرهابي الذي نفذ الهجوم على مسجدَين في مدينة كرايستشيرش: «سيقضي بقية حياته في زنزانة انفرادية».
وقال في كلمته، خلال افتتاح الاجتماع: «إن شخصاً جباناً سعى قبل أسبوع لأن يرهبنا جميعاً، وأن يمزّق بلادنا، وقد تعرض الأشخاص الذين ذهبوا إلى المسجد لصلاة الجمعة لهجوم جبان وشنيع، أدى إلى مقتل 50 وإصابة 50 آخرين، ويتم علاج كثير من الأشخاص في المستشفيات».
وأكد أن الحكومة النيوزيلندية تسعى لأن يشعر المسلمون بالأمان في البلاد، «وقد كلّفت أفراداً من الشرطة لحراسة المساجد في هذا الصدد، وإن هذا أمر مهم للغاية، دولتنا تولي أهمية كبيرة للحرية الدينية، والهجوم على المسلمين هجوم علينا جميعاً».
وشدّد على أن نيوزيلندا أطلقت أكبر تحقيق في تاريخها لضمان التدقيق في كافة أبعاد الهجوم، «ولكن لا يمكن لأي عقوبة أن تعادل حجم قبح الجريمة»، موضحاً أن هدفهم الأساسي هو التأكيد على إدانتهم للهجوم على المسجدين في نيوزيلندا، مضيفاً: «نعيش في ظل ظروف صعبة للغاية، وقد جئنا إلى هنا لإدانة الهجوم الإرهابي الشنيع».
والتقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بيترز والوفد المرافق له، على هامش الاجتماع. وحضر اللقاء المغلق وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، والمتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، ورئيس دائرة الاتصال في الرئاسة فخر الدين ألطون.
وتم خلال الاجتماع بحث أبعاد الهجوم الإرهابي على المسجدين، والتصريحات التي أدلى بها إردوغان، والتي رأت فيها نيوزيلندا استغلالاً سياسياً من جانب إردوغان لما حدث، في إطار حملة الدعاية لحزبه (العدالة والتنمية) في الانتخابات المحلية التي تشهدها البلاد نهاية شهر مارس الجاري، لا سيما بعد أن قام بعرض فيديو المجزرة الذي تدخلت نيوزيلندا لحذفه من مختلف مواقع التواصل، وشبكة الإنترنت.
وبحسب مصادر قريبة من الاجتماع، حرص الجانب التركي على استبعاد فكرة الاستغلال والتوظيف السياسي للحادث، والتأكيد على أن تصريحات إردوغان لم تستهدف نيوزيلندا، في مسعى لإزالة التوتر الذي نتج عن عرض الفيديو في التجمعات الجماهيرية.
وكان إردوغان قد أشاد في كلمة خلال اجتماع منظمة التعاون الإسلامي بموقف رئيسة وزراء نيوزيلندا، وتحركها بعد مجزرة المسجدين؛ مؤكداً أنه موقف يجب أن يحتذى به.
ودعا الرئيس التركي إلى ضرورة أن يعمل المسلمون معاً على قلب رجل واحد، في القضايا المتعلقة بمستقبل الأمة الإسلامية، قائلاً: «علينا إعطاء رسالة قوية للذين يتشاطرون النوايا نفسها مع الإرهابي منفذ الهجوم، عبر معاقبته بالعقوبة التي يستحقها، والكشف عن جميع ارتباطاته».
وأضاف أن «على السياسيين الذين يربحون الانتخابات بتبني مواقف تدعو لإقصاء المسلمين وكراهية اللاجئين، أن يضبطوا خطاباتهم. نحن نبدي موقفنا بوضوح حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي، وكي لا تغرق المساجد في الدماء».
وأشار إردوغان إلى وجود حاجة لتأسيس آلية قوية ترصد وتتابع جرائم الكراهية التي يتعرض لها المسلمون، ومن ثم تطرحها في الأجندة العالمية بشكل دائم، قائلاً: «وعلينا أن نزيد شركائنا، من خلال نقل قضية العداء للإسلام إلى منصات مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي».
وقال: «استهدافي أنا شخصياً، وجعلي هدفاً للكراهية في الغرب، بسبب حديثي عن الحقائق، لن يعود بالفائدة على أحد». وأكد أنهم لم ولن يترددوا على الإطلاق في قول الحقيقة، ولن يخضعوا أمام خطابات الإعلام العنصري والنازيين الجدد، وضغوط السياسيين المعادين للأتراك والمسلمين. وفي مؤتمر صحافي، عقب الاجتماع، دعا وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، العالم، إلى التعاون في مكافحة ظواهر معاداة الإسلام والتعصّب والعنصرية والإرهاب.
وأضاف: «عبرنا خلال الاجتماع عن تضامننا ووحدتنا مع جميع المسلمين، وعلى رأسهم النيوزيلنديون، مثلما تحركنا سابقاً بخصوص فلسطين والقدس، ووجه الاجتماع رسالة تاريخية إلى معاداة الإسلام والعنصرية وكراهية الأجانب».
ورحب بالموقف الذي تبنته نيوزيلندا شعباً وحكومة، حيال الهجوم الإرهابي، مضيفاً: «نأمل أن يكون هذا الموقف مثالاً للسياسيين في جميع دول العالم، وخصوصاً في البلدان التي تتصاعد فيها العنصرية، ونحن سعداء للغاية بتلبية أصدقائنا النيوزيلنديين دعوتنا للمشاركة في الاجتماع ورؤيتهم بيننا».


مقالات ذات صلة

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

اقتحم مسلحون متطرفون في وقت متأخر من مساء أمس (الأحد) قاعدة للجيش النيجيري، قرب الحدود الشمالية الشرقية للبلاد مع تشاد، ما أسفر عن مقتل قائد القاعدة و6 جنود.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.


شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
TT

شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)

استكمالا لجولته المكوكية التي بدأت من السعودية، بحث محمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وذلك خلال اجتماع عقد في الدوحة يوم الخميس.

وجدد رئيس الوزراء الباكستاني إدانة بلاده للهجمات التي استهدفت قطر ودول المنطقة، مؤكداً تضامن باكستان الكامل، ودعمها لما تتخذه الدوحة من إجراءات لحماية سيادتها، وصون أمنها، واستقرارها.

وأعرب أمير قطر عن تقديره للدور الباكستاني في دعم المساعي لخفض التصعيد، وتعزيز الحوار الدبلوماسي بما يخدم الأمن والسلم الإقليميين.

بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر ومحمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية (قنا)

ووفقا للمصادر الرسمية، أكد الجانبان ضرورة دعم مسار التهدئة، وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية.

كما جرى، خلال الاجتماع، استعراض علاقات التعاون والصداقة بين البلدين، وسبل تطويرها بما يعزز الشراكة بين البلدين، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثنائي.

وأكد الجانبان ضرورة مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين، في ظل الأحداث الجارية وتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني وصل إلى الدوحة يوم الخميس في زيارة عمل، وكان في استقباله والوفد المرافق، لدى وصوله لمطار الدوحة الدولي، سلطان المريخي وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية.