موضة الخمسينات.. فخامة ورومانسية تتحدى زمنها

أطلقها كريستيان ديور في عام 1947 .. مضادة للتقشف وتبناها معظم المصممين هذا الموسم

جورج حبيقة   -  «رالف آند روسو»  -  «جيامباتيستا فالي»  -  «ديور»
جورج حبيقة - «رالف آند روسو» - «جيامباتيستا فالي» - «ديور»
TT

موضة الخمسينات.. فخامة ورومانسية تتحدى زمنها

جورج حبيقة   -  «رالف آند روسو»  -  «جيامباتيستا فالي»  -  «ديور»
جورج حبيقة - «رالف آند روسو» - «جيامباتيستا فالي» - «ديور»

في الشهر الماضي، أسدل الستار على معرض «سحر الموضة الإيطالية: 1945 - 2014» في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن. سلط المعرض الضوء على الموضة الإيطالية من الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، وكان لحقبة الخمسينات فيه حصة الأسد؛ فهذه الحقبة كانت مفعمة بالرومانسية، كما أنها شكلت شخصية الموضة كما نعرفها اليوم. حتى قبل أن ينتهي هذا المعرض بأشهر، سارعت باريس بافتتاح معرض لا يقل أهمية، في «باليه غاليريا» بعنوان «الخمسينات من 1947 إلى 1957» سيمتد إلى بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. والعارف لتاريخ الموضة لا بد أن يربط هذا التاريخ بالسيد كريستيان ديور، الذي قدم أول تشكيلة له في عام 1947 بمجموعة أطلقت عليها رئيسة تحرير مجلة «هاربرز بازار» آنذاك «ذي نيو لوك» ووفاته المفاجئة في عام 1957. لم يفت هذا الربط مصممي الأزياء، وإن كان الأمر لا يتعدى كونه مجرد توارد أفكار بحكم أنهم يفكرون في تشكيلاتهم ويرسمون خطوطها قبل طرحها بعدة أشهر؛ فقد حفلت عروض الأزياء الأخيرة بالأسلوب الذي أرساه كريستيان ديور، محددا به موضة القرنين العشرين والحادي والعشرين. ما لا ينكره أحد أن هذا الرجل الذي كان يحلم بأن يكون مهندسا ثم رساما، يعود له الفضل في تشكيل موضة الخمسينات وكتابة فصل جديد من الأناقة التي تفوح طياتها بالرومانسية، فضلا عن أنوثة مفعمة لا تبخل على المرأة بشيء، بدءا من أمتار طويلة من الأقمشة أو بالألوان أو الورود. على منصات العروض رأينا الكثير من التنورات المستديرة وأخرى أقل درامية ومستقيمة، لكن كلها بخصور مشدودة تبرز نحول هذا الجزء من الجسم، بالإضافة إلى طبعات الورود المتنوعة، مع أحذية من دون كعوب أو بكعوب منخفضة، مما لا يترك أدنى شك بأن «ذي نيو لوك» الذي أطلقه ديور في عام 1947 عاد مرة أخرى، وأعاد معه أنوثة بطعم عصري لـ«لادولتشي فيتا».
قد يكون مجرد صدفة تزامن هذا التوجه مع افتتاح معرض «الخمسينات من 1947 إلى 1957» في «باليه غاليريا» الباريسي، لكنه حتما يحكي ألف قصة وقصة من خلال فساتين بتصاميم متنوعة تؤرخ لهذه الحقبة وتأثيراتها على حياة المرأة في كل أنحاء العالم، مع أن المعرض الذي سيمتد إلى بداية شهر نوفمبر المقبل يسلط الضوء على هذه الموضة في فرنسا تحديدا، من خلال مجموعة متنوعة من الأزياء والرسومات والتغطيات في مجلات، مثل «إيل» و«باريس ماتش» وغيرهما.
استطاع أمين المعرض أوليفييه سايارد أن يجمع الكثير من الفساتين الفخمة للسهرة وأخرى للنهار، مطبوعة بأسلوب السيد كريستيان ديور، بعضها من تصميمه وبعضها الآخر لمصممين تأثروا به، أو كانوا أبناء عصرهم، من أمثال جاك فاث، كريستوبال بالانسياجا، مدام غري، وغيرهم. ما سيكتشفه الزائر إلى المعرض أن كريستوبال بالنسياجا كان يتمتع بعدة وجوه؛ فهو لا يتميز بأسلوب مهندس أو نحات فحسب، بل قدم تصاميم تتراقص فيها التنورات وتدور وكأنها مراوح هوائية مع كل حركة بفضل استعماله السخي للأقمشة بتقنيات مبتكرة، فضلا عن تنورات مستقيمة لكن منفوخة حول الخصر مع جاكيتات بأشكال مستديرة. في الفترة نفسها، بدأت بذور التغيير تظهر، مع الشاب إيف سان لوران الذي خلف كريستيان ديور إثر موته المفاجئ في عام 1957 ليبدأ تشكيل موضة الستينات من خلال فساتين قصيرة تبتعد عن الخصر ولا تلمسه، استنكرها عشاق الأسلوب الخمسيني لكن عانقتها المرأة الشابة التواقة للانعتاق والتحرر من كل القيود الاجتماعية والاقتصادية وإملاءات الموضة كما تراها الأمهات والجدات.
لكن رغم مرور العقود، وظهور عدة موجات في الستينات والسبعينات، ظل أسلوب الخمسينات حيا، يتأرجح بين القوة والضعف، لكنه لا يتراجع أو يسمح للنسيان بأن يطويه. ودائما، ما إن يشار إليه، حتى يحضر اسم كريستيان ديور، إلى حد أنه يمكن تسميته بالرجل الذي حقق ثورة التنورة المستديرة والخصر النحيل، وفي وقت كانت فيه جراح العالم لم تندمل بعد من آثار الحرب العالمية الثانية وحالة التقشف التي كانت لا تزال مفروضة على الناس. ثم جاء ديور ومحا آثارها من خزانة المرأة، على الأقل، بتمرده على الأشكال القديمة وعلى حالة التقشف باستعماله أمتارا وأمتارا من الأقمشة.
باركته المرأة لأنه أعاد إليها أنوثتها، كما أعاد لها خصرها الذي اختفى طوال سنوات الحرب تحت أزياء أقرب إلى الرجالية بخشونتها، إضافة إلى تلك الرومانسية التي افتقدتها من خلال باقات من الورود طبعها على هذه التصاميم. فجأة تغيرت صورة الموضة ومعها صورة المرأة التي تحولت إلى ما يشبه الوردة المتفتحة.
في هذه الفترة، بدأت باريس تستعيد قوتها كعاصمة أزياء راقية «هوت كوتير» بعد سنوات عجاف، فيما يمكن تسميته بعصر النهضة، لأن كريستيان ديور كان واحدا فقط من بين عدة أسماء ساهموا في هذه النهضة، نذكر منهم شانيل، جاك فاث، بالنسياجا، بيير بالمان، جيفنشي وغيرهم ممن شكلوا ملامح هذه الفترة. ولأن الأزياء كانت في الخمسينات، خصوصا الـ«هوت كوتير»، إحدى ركائز الاقتصاد الفرنسي، لم يكن غريبا أن تساهم هذه النهضة في انتعاش الاقتصاد، لا سيما بعد معانقة السوق الأميركية لـ«ذي نيو لوك» الذي أطلقه ديور.
لم تعانقه كل نساء أميركا عن طواعية، بل روجت له النجمات أيضا بصدر رحب، حيث ارتبط اسم أودري هيبورن بهيبار جيفنشي، وغرايس كيلي بكريستيان ديور، وربما هذا ما يجعل هاتين النجمتين، على اختلاف أسلوبهما، تجسيدا لأناقة الخمسينات. مثلا، لا يمكن ذكر اسم غريس كيلي من دون ذكر كريستيان ديور، حيث ظهرت في الكثير من تصاميمه في حياتها الخاصة وفي أفلامها، مثل «النافذة الخلفية» و«كيف تلقي القبض على لص؟» و«هاي سوسايتي» وغيرها من الأفلام الكلاسيكية. كان كل ما فيها يضج بأناقة راقية تتميز دائما بتنورة مستديرة وخصر مشدود يبرز نحوله، وكنزة بسيطة بياقة مستديرة تظهر جزءا من صدرها. كان أسلوبها مختلفا عن ذلك الذي تبنته أودري هيبورن في هذه الفترة. فهذه الأخيرة تبنت بنطلونات «كابري» التي تجلس فوق الكاحل وتظهر جزءا مهما منه، أو تنورات مستديرة لكنها أقصر بعض الشيء، مع كنزات ضيقة وأحذية باليرينا، وهو ما يراه البعض أسلوبا آخرا يميز الخمسينات، ويمهد نوعا ما لموضة الستينات، كما فرضتها التغيرات الاجتماعية؛ فهذه الفترة شهدت تحرر المرأة وبوادر خروجها للعمل بشكل رسمي، وهو ما تطلب أسلوبا أقل درامية وأكثر عملية مع لمسة تحرر تمثلت في الطول القصير جدا بالنسبة للفتيات خصوصا.
كأي شيء يبدأ في باريس، سرعان ما انتشر «ذي نيو لوك» في باقي العواصم العالمية. في إيطاليا التي كانت تعيش نهضتها السينمائية في روما، أخذت هذه الموضة بعدا أوروبيا راق الأميركيات، خصوصا أن من روجن له هن صوفيا لورين، جينا لولو بريجيدا وكلوديا كاردينالي، فضلا عن نجمات هوليوود، مثل أودري هيبورن، إيفا غاردنر، إليزابيث تايلور وغيرهن. كان هؤلاء يحضرن إلى روما لتصوير أفلام مثل «كليوباترا» و«رومان هوليداي»، (إجازة رومانية) يستغللن الفرصة لخياطة أزيائهن في معاملها. فبينما كانت باريس توفر لهن فساتين سهرة فخمة، كانت روما توفر لهن أزياء للنهار بلمسة إيطالية تستحضر شمس كابري وأجواء بورتوفينو. ورغم المنافسة والصراع بين باريس وروما، كان هناك دائما خيط يجمعهما هو فخامة الخمسينات.
هذا الخيط ميز الكثير من العروض التي شهدتها العواصم العالمية سواء لصيف 2014 أو خريفه وشتائه المقبلين. تامارا رالفن المصممة الفنية في دار «رالف آند روسو» تقول بأن هذه الفترة «هي المفضلة لدي، لأنها تخاطب امرأة تتمتع بإحساس قوي بالأناقة والأنوثة، وتقدر أزياء راقية وفخمة في الوقت ذاته. هذا الأسلوب الذي يتباين بين المسرحي الدرامي والرومانسي الذي يستحضر قصص الأساطير والأميرات، كان دائما مصدر إلهام بالنسبة لي. كل شيء فيه، من الخطوط إلى التطريزات الدقيقة والغنية، لكن دائما بأسلوب عصري يناسب إيقاع الحياة التي نعيشها الآن». ويبدو أن تامارا ليست وحدها في هذا الرأي بالنظر إلى ما طرحه كل من جيامباتيستا فالي، وإيلي صعب، وطبعا ديور، لكن بأسلوب مصممها الفني الحالي، راف سيمونز، البعيد عن الدرامية.

* همسات:
* في الوقت الذي تناسب فيه التنورة المستقيمة أغلب النساء، فإن التنورة المستديرة تتطلب تعاملا خاصا حتى يأتي المظهر موفقا. السبب أنها رغم سخاء الأقمشة تخاطب الرشيقات أكثر، لهذا ينصح الخبراء دائما باختيارها بلون كلاسيكي يميل إلى الداكن، وبقماش ناعم حتى تنسدل على الجسم بسهولة عوض أن تزيد من عرضه. وإذا كان جسمك ممتلئا، فتجنبيها إذا كانت مبطنة.
* يفضل أيضا تنسيقها مع قميص مفصل أو مع كنزة ضيقة، علما بأن الخمسينات لا تعني فقط تنورة مستديرة وطويلة، بل تعني أيضا تنورة مستقيمة تصل إلى الركبة، لهذا اختاريها بدرجات طبيعية ولا بأس أن تزينها فتحة من الجانب أو بثنيات «بليسيه» حتى يسهل عليك المشي فيها.
* تعرفين جيدا أن تصميم الحذاء يلعب دورا مهما في إضفاء الحداثة على هذا المظهر أو الكلاسيكية. عندما يكون بكعب عال ورفيع، فإن المظهر يستحضر غرايس كيلي وتلك الأناقة الكلاسيكية التي تخاطب امرأة ناضجة أو جريئة، بينما عندما يكون من دون كعب، أو بتصميم رياضي أو رجالي، فإنه يقول بأنك ابنة عصرك.
* معرض«الخمسينات من 1947 إلى 1957» سيمتد إلى شهر نوفمبر المقبل في
Palais Galliera
10 avenue Pierre 1er de Serbie،
Paris 16e، 75116 Paris



ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.