الواقع الافتراضي والمُعزّز يدخل بقوة في قطاعات خليجية عدة

يحتاج إلى بنية تحتية متقدمة جداً ويتوقع توسعه أكثر مع اعتماد الجيل الصناعي الرابع

يتيح مزيد من تطور تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز إحداث ثورة في كثير من مجالات الحياة (رويترز)
يتيح مزيد من تطور تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز إحداث ثورة في كثير من مجالات الحياة (رويترز)
TT

الواقع الافتراضي والمُعزّز يدخل بقوة في قطاعات خليجية عدة

يتيح مزيد من تطور تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز إحداث ثورة في كثير من مجالات الحياة (رويترز)
يتيح مزيد من تطور تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز إحداث ثورة في كثير من مجالات الحياة (رويترز)

استخدمت تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز على المدى الطويل، للظهور في قطاعي الترفيه والألعاب، وتطلب ذلك أجهزة فريدة ومُكلفة. وبمجرد انخفاض سعر المعدات التي أصبحت في متناول المستهلكين، بدأت سوق الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز في النمو بسرعة. وسيتيح مزيد من تطور هذه التقنيات؛ ليس فقط تطبيقها على معالجة مهام الإنتاج والأعمال التجارية، وإنما أيضاً على إحداث ثورة في كثير من مجالات الحياة.
ووفقاً لشركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، تعد تقنيات الواقع الافتراضي والمُعزّز من ضمن التقنيات التي ستؤثر على تطوير الأعمال التجارية في 2018 - 2022. والشرط الأساسي هنا هو تعاونها مع التقنيات الأخرى، مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. وتتوقع شركة البيانات الدولية أنه في عام 2019، ستقود القطاعات التجارية الإنفاق العالمي على حلول الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز، والتي ستشهد حصتها المشتركة من إجمالي الإنفاق العام نسبة 64.5 في المائة عام 2019.
وتتضمن الصناعات التي من المتوقع أن تنفق بشكل أكبر على الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز في عام 2019، الخدمات الشخصية والاستهلاكية، بما يصل إلى 1.6 مليار دولار، وتجارة التجزئة بنحو 1.56 مليار دولار، والصناعات المتميزة بنحو 1.54 مليار دولار. بالإضافة إلى أن شركة البيانات الدولية تتوقع أن صناعات الموارد ستوفر معدل نمو سنوي مركب يبلغ 123.7 في المائة، على مدى فترة الخمس سنوات المتوقعة.
من المتوقع أن ترتفع سوق الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز في الشرق الأوسط وأفريقيا إلى 6 مليارات دولار في عام 2020، وفقاً للتوقعات نفسها من شركة البيانات الدولية. وعلى وجه الخصوص، تبذل الإمارات والسعودية كثيراً من الجهود لتبنّي الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز، وتركز على أن هذه التقنيات قد تنشئ فرصاً وظيفية جديدة وتجذب الاستثمارات.
ويمكن أن تقدم تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز مساعدة كبيرة في مجموعة متنوعة من الصناعات، حتى في تلك التي تبدو بعيدة عن استخدام الرسومات ثلاثية الأبعاد، مثل القطاع المصرفي. وفي الواقع، فإن هناك دراسات للحالة الواقعية في القطاع المالي؛ حيث تستخدم الشركات بالفعل أجهزة محاكاة ثلاثية الأبعاد، لتدريب الموظفين على اتصالات العملاء المهذبة والمتفهمة.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن بصعوبة تخيل التصميم الفني، أو الموافقة على الفكرة دون استخدام أدوات مجموعة المرئيات. وعلى الرغم من ذلك، فلا تزال السوق تشكل طلبها لحلول الواقع الافتراضي. وغالباً ما يجذب الواقع الافتراضي انتباه شركات التصنيع التي تمر بمرحلة التحول الرقمي؛ وخصوصاً عمالقة النفط والغاز وشركات البتروكيماويات، التي كانت أول مَن أدرك قيمة الواقع الافتراضي، من أجل تحسين سلسلة الإنتاج وتدريب الموظفين.
وتستخدم شركات التصنيع الواقع الافتراضي تقريباً طوال دورة حياة المنتج. على سبيل المثال، توحد بعض الحلول فروعاً عن بُعد في بيئة افتراضية، في حين يمكن للمصممين التفاوض والموافقة على التصميم بشكل مشترك، على أساس النموذج ثلاثي الأبعاد.
ويساعد الواقع الافتراضي في تنظيم تدريب موظفي الإنتاج في العمليات والعمليات الفنية المتطورة؛ حيث تستخدم بعض الشركات بالفعل مشروعات تدريب الموظفين، التي يتم تشغيلها بواسطة الرسوم ثلاثية الأبعاد. وكقاعدة عامة، فإن هذا التدريب يتعلق بمواقف أو عمليات مستحيلة أو مُكلفة للغاية لمحاكاتها في الواقع. هنا تمكّن أدوات الواقع الافتراضي السيناريوهات التي تستدعي التعاون واندماج الشخص في هذه العملية. وتساعد الأدوات نفسها في تحليل إجراءات الموظفين، والتحقق من الاحتفاظ بالمعرفة، وممارسة التأثير العاطفي، وهو أمر ضروري لتدريبات السلامة المهنية.
وتشهد السوق طلباً متزايداً على منتجات التصنيع الرقمية، بما في ذلك تدريبات الطوارئ للموظفين، أو ما تُسمى «حلول الصحة والسلامة». وتطرقت بعض الشركات إلى أبعد من ذلك، عن طريق إنشاء مراكز التميز الرقمية.
ويُظهر العملاء في دول مجلس التعاون الخليجي طلباً ثابتاً على تسويق منتج الواقع الافتراضي، وهو الأسهل في نشره. ويتم الآن استخدام تطبيقات الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز بشكل أكثر نشاطاً، من قِبل متخصصي التسويق لترويج المنتجات والخدمات، على سبيل المثال، في مبيعات تجارة التجزئة والشركات. هنا، تتيح تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز للبائعين عرض المنتج، وهو أمر لا يتوفر بعد، بالإضافة إلى المزايا، والاختلاف عن المنافسين، بفضل تجربة العملاء الجديدة.
ولقد أثبتت أدوات الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز بالفعل فعاليتها الكبيرة عند بيع وتسويق المنتجات المتطورة فنياً، بما في ذلك السلع الدفاعية والصناعية. على سبيل المثال، يقوم ممثلو موردي الآلات الصناعية بالاستفادة من تطبيق الواقع المُعزّز، وطاولة الصور ثلاثية الأبعاد، لعرض منتجاتهم للمشترين والمستثمرين المحتملين، خلال الاجتماعات والمعارض الخاصة بالصناعة. ويصنع العرض التوضيحي الجذّاب والواضح للمعدات المتطورة الفارق.
بالتحول الرقمي الحالي، اكتسب العملاء رؤية أفضل للتقنيات، وتعلموا تقديم طلبات أكثر حكمة، مما يساهم في وجود فهم جديد للفعالية، من قِبل كل من العميل والمتعهد، وأشكال التعاون الجديدة التي تظهر في السوق. وعلى الرغم من ذلك، توجد بعض العقبات في طريقة تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز لقطاع معاملات الشركات.
وإحدى المشكلات هي أن التقنيات الجديدة تستدعي إنشاء بنية تحتية متقدمة جديدة، بما في ذلك أجهزة الاتصالات اللاسلكية والخوادم الرسومية والمكونات الأخرى في النظام البيئي للتقنية. وعملية التحويل الرقمي هذه - المليئة بالتحديات الفنية - هي أمر لا مفر منه، ولكنها تتطلب إجراء الاستثمارات.
ويشكل نقص عدد محترفي الواقع الافتراضي عقبة أخرى هنا؛ حيث يلزم التعاون بين رواد الصناعة لتسهيل عمل المختصين ذوي المؤهلات الجديدة.
ويتوقع أن تقوم منتجات الواقع الافتراضي الصناعية بتوسيع وجودها في دول الخليج خطوة بخطوة، مع اعتماد الجيل الصناعي الرابع من قِبل شركات التصنيع. ونشهد اليوم وعياً كبيراً بإمكانات الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز بين الشركات المختلفة. ويبادر رواد التحول الرقمي باستخدام مزيد ومزيد من حالات استخدام الواقع الافتراضي والواقع المُعزّز، من خلال تطوير مشروعات تجريبية داخل الشركة، ومن خلال التعاون مع الشركاء.
وتدرس شركات دول مجلس التعاون الخليجي الآن، ليس فقط تطبيقات التقنية المحلية، ولكن أيضاً التطبيق المركزي الذي سيغير المنهجيات والنُّهج التراثية. على سبيل المثال، توظِّف شركات البتروكيماويات بنشاط أجهزة محاكاة الواقع الافتراضي، لتدريبات موظفي الإنتاج وإدارة المخاطر بشكل أكثر فعالية. وعلى الصعيد العالمي، سيؤدي كل ما سبق إلى نشوء ثقافة رقمية جديدة تماماً.


مقالات ذات صلة

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

تكنولوجيا يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

تحديث «iOS 26.4» يقدم تحسينات يومية وميزات ذكاء اصطناعي محدودة بينما تأجل إطلاق النسخة المطورة من «سيري» المنتظرة لاحقاً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً لوكلاء الذكاء الاصطناعي لتمكين المؤسسات من تشغيل مهامها عبر وكلاء أذكياء بدل البرمجيات التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

خاص من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

قطاع «الفنتك» في السعودية ينتقل من التبنِّي السريع إلى تحديات التنفيذ مع الحاجة لتحديث الأنظمة والبيانات لتعزيز الابتكار والتوسع المستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.