صُنع ليتلف ويُستبدل بغيره

شركات تتعمد تعطيل منتجاتها

صُنع ليتلف ويُستبدل بغيره
TT

صُنع ليتلف ويُستبدل بغيره

صُنع ليتلف ويُستبدل بغيره

في عشرينات القرن الماضي، لاحظت كبرى الشركات الصانعة للمصابيح الكهربائية أن استهلاك الناس للمصابيح منخفض، نتيجة ديمومتها لنحو 1500 إلى 2000 ساعة. فاجتمع رؤساء هذه الشركات في جنيف نهاية سنة 1924، وقرّروا تقصير عمر المصابيح إلى 1000 ساعة فقط، بهدف مضاعفة الإنتاج وزيادة الأرباح.
ومنذ ذلك الإفشال المتعمّد لجودة المصابيح الكهربائية، تطوّرت سياسة إنتاجية في الصناعات الاستهلاكية اسمها «التقادم المخطَّط» (Planned Obsolescence)، وهي ممارسة ذات عوائد تجارية كبيرة، لأنها تزيد حجم الإنتاج وتعزّز ثقافة الاستهلاك، لكنها في المقابل ذات أثر ضار بالبيئة يظهر في استنفاد الموارد الطبيعية، وزيادة المخلفات والانبعاثات.
المصمم الصناعي الأميركي بروكس ستيفنز كان أفضل من قدّم وصفاً متكاملاً لهذه الحيلة التسويقية في محاضرة ألقاها سنة 1954. فاعتبر أن غاية التقادم المخطط هي غرس الرغبة لدى المشتري في شراء منتج جديد يحتوي على تحسينات بسيطة، وذلك قبل انتهاء صلاحية استخدام المنتج القديم. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا المصطلح مثار الجدل ومدار النقاش حول أخلاقيات التصميم الصناعي وحقوق المستهلك.

تقادم الهواتف الذكية
في حياتنا اليومية كثير من المنتجات التي جرى تصميمها كي نتوقف عن استعمالها بعد فترة محددة من الزمن. ونحن هنا لا نتحدث عن «نظرية مؤامرة»، بل عن حقائق مثبتة ووقائع معروفة.
فعلى سبيل المثال، تحتوي معظم طابعات الكومبيوتر وعبوات الحبر الخاصة بها على شرائح إلكترونية لتعطيلها بعد طباعة عدد محدد من الأوراق، بصرف النظر عن حالتها الفنية، وغالباً ما يكون مصير هذه الطابعات أن تتحول إلى نفايات إلكترونية في غضون 3 أو 4 سنوات من شرائها. وفي حالات كثيرة، يكون ثمن الطابعة الجديدة المحتوية على عبوات حبر أرخص من العبوات نفسها. وكذلك هي حال الهواتف الذكية التي أصبح المستهلك مضطراً للتخلص منها بسبب عدم دعمها برمجياً لمطابقة أنظمة التشغيل الأحدث.
وكثيراً ما واجهت شركتا «آبل» و«سامسونغ» اتهامات باتباعهما سياسة «التقادم المخطط» عند تصميم منتجاتهما الرقمية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2018، قامت السلطات الإيطالية بفرض غرامة مقدارها 10 ملايين يورو على «آبل»، و5 ملايين يورو على «سامسونغ»، بسبب هذه السياسة، حيث أظهر تحقيق أجرته هيئة المنافسة العادلة في البلاد أن تحديثات الهواتف الذكية المصنّعة من قبل الشركتين كان لها تأثير سلبي على أداء الأجهزة، خصوصاً عمر البطارية.
وجاء هذا القرار، الأول من نوعه ضد عملاقي تصنيع الهواتف الذكية، بعد تحقيق استمر عدة أشهر. واعتبرت الهيئة، في بيان رسمي، أن الشركتين «نفذتا ممارسات تجارية غير شريفة»، وأن تحديثات نظام التشغيل من قبل الشركتين «تسببت في أعطال خطيرة وأداء منخفض بشكل كبير، مما أدى إلى التسريع في استبدال الهواتف».
وكانت شركة «آبل» قد اعترفت في نهاية 2017 بأنها تعمدت إبطاء معالجات أجهزة «آيفون» التي تقادمت بطارياتها نتيجة الاستخدام، وذلك من خلال تحديث برنامج التشغيل، لتجنب مشاكل الإغلاق المفاجئ، لكنها نفت القيام بأي شيء للتقصير من عمر المنتج. ولاحقاً، اعتذرت الشركة عن أفعالها، وخفضت تكلفة استبدال البطاريات، كما أضافت واجهة برمجية في أنظمتها تعرض وضع البطارية، مع السماح للمستخدمين بإيقاف تباطؤ المعالج.
وتواجه «آبل» اتهامات جنائية خطيرة بممارسة «التقادم المخطط» في فرنسا، وهي من البلدان القليلة التي تعتبر أن تقصير عمر أي منتج من أجل زيادة المبيعات جريمة تستوجب العقاب بالسجن أو غرامة تصل إلى 5 في المائة من قيمة المبيعات السنوية.
إن تسريع استهلاك الهواتف الذكية واستبدالها بأخرى جديدة لا يمثل إرهاقاً على جيوب المستهلكين فحسب، بل يضع أيضاً هذه المنتجات ضمن صدارة التقنيات الضارة بسلامة البيئة وصحة الإنسان. وتبلغ كمية الهواتف الذكية التي يجري التخلص منها يومياً في الولايات المتحدة 416 ألف جهاز، تُضاف إلى 142 ألف جهاز كومبيوتر تصبح غير ذات قيمة بالنسبة لأصحابها يومياً، وفقاً لتقديرات وكالة حماية البيئة الأميركية.
وتستخدم الهواتف الذكية، وكذلك الأجهزة الإلكترونية الأخرى القابلة لإعادة الشحن، بطاريات الليثيوم أيون التي تحتوي على معدن الكوبالت. ويقترن هذا المعدن بانتهاك حقوق العمال والحروب الأهلية، لا سيما في الكونغو الديمقراطية، حيث توفر مناجمها 60 في المائة من إنتاج الكوبالت العالمي.
كما ينطوي تعدين الكوبالت على مخاطر لا يعرفها كثيرون، مثل القضاء على المجموعات النباتية التي تعتمد على التربة الغنية بالنحاس والكوبالت، والأثر التراكمي الخطير لغبار التعدين المحمّل بالكوبالت واليورانيوم والمعادن الأخرى على صحة المجتمعات المحلية.
وإلى جانب الكوبالت، تدخل معادن كثيرة في صناعة البطاريات القابلة للشحن، مثل الليثيوم والنيكل. وكان تعدين الليثيوم، في منجم «غانتززهو رونغدا» في هضبة التبت، قد تسبب قبل 3 سنوات في تسرب مواد كيماوية قضت على النظام البيئي المحلي في نهر «ليكي». أما تعدين النيكل وصهره، فيقترن بارتفاع التشوهات الخلقية والمشاكل التنفسية لدى كثير من المجتمعات التعدينية، كما في منجم «سيرو ماتوسو» في كولومبيا.
وفي ردّها على الاتهامات الموجهة لها، تنكر شركة «آبل» أي مسؤولية أو تقصّد لارتكاب «التقادم المخطط»، وتعتبر أن التحديث البرمجي الذي تُدخله على أنظمة التشغيل هو أشبه بعمل متعهد البناء الذي يُمنح الموافقة على هدم ما يريد من أجل صيانة وتحديث التمديدات والتشطيبات المنزلية. إن اتفاقية ترخيص نظام التشغيل التي يوافق عليها المستخدم (ويتجاهل قراءتها عادة) هي بمثابة الموافقة المسبقة على إجراء التعديلات التي تراها الشركة مناسبة، من وجهة نظر «آبل».
وليس من السهل دائماً تحديد ما إذا كان التقادم مخططاً، حيث توجد كثير من الأسباب التي تجعل المنتج غير مرغوب به بعد فترة من شرائه، كتخلّفه عن التطور التقني السريع أو خروجه من دائرة الذائقة الاجتماعية المتغيرة. كما يرى البعض أن «التقادم المخطط» مطلوب في بعض المجالات بسبب ما يُعرف بـهندسة القيمة. فالسيارات مثلاً انخفضت أسعارها بشكل كبير، وأصبحت متاحة لقطاعات واسعة من الناس، بفضل استعمال مواد خفيفة ورخيصة لا تدوم لسنوات طويلة.

سياسات جديدة لمواجهة التقادم
غالباً ما يتفاعل المستهلكون سلباً مع «التقادم المخطط»، خصوصاً إذا كانت الأجيال الجديدة من المنتج تتضمن تحسينات محدودة على الإصدارات السابقة. ويمكن أن تصبح هذه الاستراتيجية غير فعالة في الأسواق الشديدة التنافس على أساس السعر أو المتانة، وقد يتسبب «التقادم المخطط» بإلحاق ضرر بسمعة الشركات وابتعاد العملاء عنها.
وبعد سنوات من الضغط، اكتسبت مشكلة «التقادم المخطط» أرضية في الساحة التشريعية الأوروبية، عندما وافق البرلمان الأوروبي على تبني قرار تحت عنوان «عمر أطول للمنتجات: فوائد للمستهلكين والشركات»، يدعو فيه إلى التشجيع على وضع معايير مقاومة دنيا تغطي، من بين جملة أمور، الصلابة وقابلية الإصلاح والقدرة على الترقية لكل فئة من فئات المنتجات، من مرحلة التصميم فصاعداً.
ويشدد القرار الأوروبي على وجوب إقامة توازن بين تمديد عمر المنتج وتحويل النفايات إلى موارد (مواد خام ثانوية) والتعايش الصناعي والابتكار وحاجة المستهلك وحماية البيئة وسياسة النمو في جميع مراحل دورة المنتج. ويعتبر أن تطوير المنتجات ذات الكفاءة في استخدام الموارد بشكل متزايد يجب ألا يشجع على العمر الافتراضي القصير أو التخلص المبكر من المنتجات.
ويشير القرار إلى أن قضايا مثل متانة المنتج، والضمانات الموسعة، وتوافر قطع الغيار، وسهولة الإصلاح وقابلية استبدال المكونات، يجب أن تكون جزءاً من العرض التجاري للشركة الصانعة، وذلك لتلبية مختلف احتياجات وتوقعات المستهلكين وتفضيلاتهم، ولضمان المنافسة الحرة في الأسواق.
واستناداً لمسح أجرته مؤسسة «يوروباروميتر»، يفضل 77 في المائة من المستهلكين في الاتحاد الأوروبي محاولة إصلاح السلع المكسورة، بدلاً من شراء سلع جديدة، في حين أن المعلومات المقدمة إلى المستهلكين بشأن متانة المنتجات وقابليتها للإصلاح لا تزال بحاجة إلى تحسين.

«الحق في التصليح»
ويتّسع حول العالم نشاط المجموعات التي ترفع شعار «الحق في التصليح»، وهي تحالف مدني يضم متطوعين وناشطين يديرون مراكز ومقرات إصلاح وإعادة تشغيل المنتجات التي تعطلت قبل أوانها، مثل أجهزة المطبخ الكهربائية وأجهزة الكومبيوتر والاتصالات والمستلزمات المنزلية الأخرى، كالأثاث والمصابيح والملابس والدراجات وغيرها.
ويشتكي نشطاء حماية المستهلك في الاتحاد الأوروبي من أن المفوضية سمحت للشركات بالسيطرة على عملية تصليح الأجهزة، من خلال الإصرار على أن بعض المنتجات يجب إصلاحها من قبل محترفين تحت سيطرة الشركات المصنّعة.
وفي المقابل، يرحّبون بحزمة المقترحات المقدمة حالياً من قبل وزراء البيئة الأوروبيين لإجبار الشركات على تصنيع سلع تدوم لفترة أطول، على أن تكون أسهل في التصليح أيضاً. وتستهدف المقترحات الأوروبية الجديدة تجهيزات الإضاءة وأجهزة التلفزيون والأجهزة المنزلية الكبيرة. كما تدرس 18 ولاية أميركية مشاريع قوانين مماثلة، تستهدف المنتجات ذات المكونات المدمجة التي لا يمكن استبدالها بسهولة، أو تلك التي لا يتوفر لها قطع غيار أو تعليمات صيانة.
وتستند السياسات الجديدة في أوروبا والولايات المتحدة إلى معطيات إحصائية تثير القلق، حيث أظهرت إحدى الدراسات أنه خلال الفترة بين 2004 و2012، ارتفعت نسبة الأجهزة المنزلية الأساسية التي جرى التخلص منها، بعد أقل من 5 سنوات على شرائها، من 3.5 في المائة إلى 8.3 في المائة.
وتقدّر دراسة أخرى أنه نتيجة لانبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري خلال عملية التصنيع، ستوفّر آلة الغسيل المتينة التي تدوم عقدين من الزمن ما مقداره 1.1 طن من ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بالطرازات القصيرة الأجل. كما أن كثيراً من أجهزة الإضاءة المبيعة في أوروبا تتضمن مصابيح لا يمكن استبدالها، لذلك يرمى الجهاز بأكمله عندما يتضرر المصباح.
ماذا يجب علينا أن نفعل لمواجهة «التقادم المخطط» لتوفير المال وحماية البيئة؟ الخطوة الأولى يجب أن تكون في تقدير حاجتنا الفعلية الحقيقية لجهاز جديد. وعندما نفكر في الشراء، علينا التعرف على التكلفة البشرية للتقنية وقيمتها المضافة، إن وجدت. يجب ألا نكون جزءاً من المشكلة عندما يتعلق الأمر بالتدمير الإيكولوجي وحقوق الإنسان، ونعمل دائماً على استخدام التقنيات الجديدة بحكمة ووعي. لكن وعي المستهلك لا يكفي، إذ يجب دعمه بتدابير حكومية تحاسب الشركات على الممارسات المقصودة والتصنيع المبرمج لتقصير عمر الأجهزة، كما تجبرها على تأمين قطع غيار وإصلاح الأعطال لفترة طويلة.
- يُنشر بالاتفاق مع مجلة «البيئة والتنمية»



«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ خلال سبتمبر (أيلول)، وقد يُسهم في جعل هذا العام الأكثر حرّاً على الإطلاق على المستوى العالمي.

ويحذّر خبراء الأرصاد الجوية حول العالم منذ أشهر من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح الأقوى على الإطلاق، فيما تحطم الرقم القياسي الأخير حتى قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المتوقعة في وقت لاحق من العام الحالي.

و«إل نينيو» هي مرحلة احترار ضمن دورة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بشكل مؤقت، ما يتسبب في تغيرات بأنماط الطقس قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات وتفاقم الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» للمناخ بأن درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية لرصد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ تُعرف باسم «نينيو 3.4»، بلغت مستوى قياسياً غير مسبوق عند 29.70 درجة مئوية الشهر الماضي.

وتجاوزت هذه الحرارة المستويات القصوى المسجلة خلال موجات «إل نينيو» القوية السابقة في أعوام 1982-1983 و1997-1998 و2015-2016.

وقال مدير «كوبرنيكوس»، كارلو بونتمبو، لوكالة «فرانس برس»، إن «إل نينيو» هذا العام التي ظهرت في يونيو (حزيران) «استثنائية جداً»، لكن ما زال من المبكر تحديد إن كانت الأقوى التي يتم تسجيلها على الإطلاق.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل التغير المناخي، قد تبدو موجات «إل نينيو» الأخيرة أقوى من سابقاتها، ما يعقّد المقارنات التاريخية.

وأوضح مرصد «كوبرنيكوس» أنه اعتمد مؤشراً جديداً يأخذ في الاعتبار ارتفاع حرارة المحيطات الاستوائية، ويشير إلى أن الظاهرة الحالية لم تتجاوز بعد الموجات السابقة من حيث القوة.

وقال بونتمبو «إنه حدث كبير للغاية حتى وفق هذا المقياس، وهذه الظاهرة الكبيرة جداً تحدث اليوم في ظل مناخ أشد حرارة بكثير».

ولا يعتمد جميع خبراء الأرصاد الجوية المقياس نفسه لتقييم ظاهرة «إل نينيو».

لقطة من أعلى تُظهر المحاصيل بعد ظروف جفاف طويلة الأمد وذلك تزامناً مع إعلان الجمعية التشريعية في السلفادور حالة الطوارئ الوطنية بسبب تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» (رويترز)

وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، الجمعة، أن ظاهرة «إل نينيو» بلغت «أعلى شدة مسجلة على الإطلاق».

ومع اشتداد «إل نينيو»، سجل متوسط درجات حرارة سطح البحر عالمياً مستوى قياسياً لشهر سبتمبر (أيلول) بلغ 21.05 درجة مئوية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للشهر نفسه المسجل في عام 2023 الذي بلغ 20.92 درجة مئوية، وفق «كوبرنيكوس».

وحذّر خبراء من أن «إل نينيو» هذه المرة، مصحوبة بالتغيّر المناخي المدفوع بالأنشطة البشرية، يمكن أن تجعل 2027 العام الأكثر حراً على الإطلاق مع انبعاث الحرارة المخزّنة في المحيط الهادئ إلى الجو.

وقد تتسبب الظاهرة الجوية التي تقع عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتدوم ما بين 9 أشهر و12 شهراً، برفع درجات الحرارة في العام التالي لتبلغ ذروتها.

لكن بونتمبو أشار إلى أن حتى العام 2026 يمكن أن يحطّم أرقاماً قياسية مع استعداد ظاهرة «إل نينيو» الحالية لبلوغ ذروتها.

وقال لـ«فرانس برس»: «إذا تابعنا النموذج الذي شهدناه في الماضي فقد ينتهي بنا المطاف بعام 2026 يحطّم الأرقام القياسية، متبوعاً بـ2027 يحطّم الأرقام القياسية» أيضاً.

وبعد شهر أغسطس (آب) الذي سجّل حرارة قياسية، سجل العالم عموماً ثاني أشد أشهر سبتمبر حرارة على الإطلاق، إذ بلغ متوسط درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض 16.27 درجة مئوية، حسب المرصد الأوروبي.

وكانت درجات الحرارة في سبتمبر أعلى بمقدار 1.63 درجة مئوية من متوسط مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1900.

وكان الشهر الثاني على التوالي الذي تجاوز فيه ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

وقال بونتمبو إن درجات الحرارة ستبقى على الأرجح أعلى بـ1.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي مطلع العام المقبل.

جعلت دورة «إل نينيو» الأخيرة عام 2024 العام الأكثر حرّاً على الإطلاق بعد عدة أشهر تجاوزت فيها الحرارة 1.5 درجة مئوية، حسب بونتمبو.

لكن في حين تلعب «إل نينيو» دوراً مهماً، فإن «السبب النهائي لارتفاع الحرارة وتجاوزها 1.5 درجة مئوية يعود إلى الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة»، على حد قوله.

واتفقت الدول خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في باريس في عام 2015 على إبقاء ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى أقل بكثير من درجتَين مئويتَين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية، للحد من تداعيات التغير المناخي.

لكن الأمم المتحدة أعلنت في سبتمبر أن العالم سيتجاوز خلال سنوات قليلة هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري لتقليص الفترة التي يتجاوز فيها الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وإعادة درجات الحرارة إلى ما دونها بأسرع وقت ممكن.


البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.