شوقي أبي شقرا... صياد الدهشة وشاعر العبث الطفولي

هل كان «القلم الأحمر» إحياءً طقوسياً لذكرى أبيه القتيل؟

شوقي أبي شقرا
شوقي أبي شقرا
TT

شوقي أبي شقرا... صياد الدهشة وشاعر العبث الطفولي

شوقي أبي شقرا
شوقي أبي شقرا

ينتمي الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا إلى ذلك الجيل التأسيسي الريادي الذي ترافق صعوده مع فورة الازدهار القصيرة التي شهدها لبنان بُعيد استقلاله، مستفيداً من موقعه الحساس ومن تنوعه الإثني والثقافي، ومن دوره الاستثنائي وسيطاً حاذقاً بين عالمي الشرق والغرب. ولعل البلد الصغير لم يكن لينجح في لعب ذلك الدور المتميز لو لم تتوفر له عناصر النجاح التي تمثلت بازدهار صحافته وتعدد جامعاته ومعاهده وانفتاحه على ثقافات العالم ولغاته الحية، ولولا تنعمه بقدر وافر من الحرية والتنوع الإثني والمعرفي، فيما كان العالم العربي آنذاك متقوقعاً على نفسه، رازحاً تحت وطأة الاستبداد، ومتوجساً من أي تغيير حقيقي. لذلك لم يكن تأسيس مجلة «شعر» آنذاك سوى الترجمة الطبيعية لما تحمله الأجيال الشابة من هواجس وأحلام وتطلعات. ولم يكد يوسف الخال يعلن عن مشروعه، حتى كان أبي شقرا، وهو بعدُ في النصف الأول من عشريناته، يستجيب للدعوة الجديدة التي عملت على بناء مشروع عربي حداثي، يشكل الشعر متنه وعمقه وواسطة عقده. وقد بدا واضحاً يومها أن إسهامات شوقي في المجلة لم تكن تقتصر على النصوص الشعرية، وبعض القراءات النقدية المتباعدة لعدد من المجموعات الصادرة في حينها، بل كانت تتعدى ذلك لتتصل بقراءة النصوص وما تستلزمه من تدقيق وتنقيح لغوي، كما يعبر الشاعر نفسه في غير مناسبة وحوار.
وبعد توقف «شعر» عن الصدور وتسلّم أبي شقرا مهمات ثقافية محورية في «الزمان» و«النهار»، ملحقاً وصفحة ثقافية يومية، ظل الشاعر القادم من مزرعة الشوف إلى بيروت يتربع لسنوات على سدة «السلطة» الثقافية في واحدة من أعرق المنابر الصحافية اللبنانية وأكثرها تأثيراً في المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد اكتسب قلمه الأحمر شهرة واسعة وهو يُعمل تصحيحاً وتعديلاً وتشطيباً في مئات النصوص التي ظلت تتكدس أمامه ومن حوله لأكثر من 40 عاماً من الزمن. ويحق لنا أن نتساءل في هذا السياق عما إذا كان اللون الأحمر يرمز إلى منع الأخطاء من المرور، أم هو إحياء طقوسي لدم أبيه الدركي الذي قضى في حادثة مروعة ولم يأخذ طريقه إلى التخثر؟ ولقد ظل شوقي بجسده النحيل وجبهته العريضة وحاجبيه الكثيفين، يكرر الطقوس ذاتها ويواكب التجارب المتنوعة لكثير من الأسماء الجديدة التي ثابر بعضها على الصعود والتطور المستمر، فيما آل بعضها الآخر إلى نسيان محقق. على أن عمله المرهق لم يكن ليُنسيه عاداته وسلوكياته الريفية التي زوّده بها مسقط رأسه في الجبل اللبناني، حيث لا يكاد زائرٌ ما يطرق الباب حتى يأذن له بالدخول ويستقبله بتهذيب بالغ طالباً إليه الجلوس بانتظار الانتهاء من تنقيح الأوراق والنصوص المعدّة للنشر في اليوم التالي. ولم يكن صاحب «نوتي مزدهر القوام» ليخيب ظن أحد من قاصديه الكثر، بصرف النظر عن أعمارهم ومشاربهم ومدارسهم الشعرية والنقدية المختلفة، لا بل إنه احتفى بالناشئين ممن لا يشبهونه في شيء، ومنحهم بسخاء بالغ المنبر الذي طالما حلموا باعتلائه. وحيث قام بالنسبة لهم، مقام الوالد، على ما يعبر المتنبي، بدا كأنه يعوضهم عما خسره هو بالذات من رعاية والده الدركي الذي خلفه على حين غفلة، تاركاً للصبي الذي كانه أن يرزح تحت وطأة اليتم المبكر، وأن يصاب بجروح في الروح سيكرس لاندمالها جلّ ما كتبه لاحقاً من قصائد ونصوص. وفي الكتاب الجامع الذي صدر أخيراً في بيروت تحت عنوان «شوقي أبي شقرا يتذكر»، ستكون أطياف الوالد حاضرة بقوة في غير مكان من السيرة، كما في مقدمة الكتاب التي يجيء فيها: «لي نجمتي ولي روح والدي الذي مضى إلى الأمس شاباً وهو يدلني في صحراء العمر على الواحة».
تكشف مذكرات شوقي أبي شقرا، التي صدرت عن دار نلسن منذ فترة، عن أسلوبه النثري الذي يحافظ، خلافاً لشعره، على تقاليد النثر العربي في سبكه المحكم ومتانته التعبيرية وإلحاحه على الفكرة عبر تكرارها في صيغ ووجوه مختلفة، كما تقدم بصفحاتها الثمانمائة وأبوابها المتعددة، صورة بانورامية واسعة عن الحياة الثقافية في لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين. أما البورتوريهات الكثيرة التي قدمها الكاتب لملامح عشرات الكتاب والفنانين من أصدقائه الأقربين أو من المشتغلين في حرفة الكتابة، فهي أقرب إلى الانطباعات والمجاملات الشخصية منها إلى التقصي النقدي والقراءة المعمقة. وإذا كان من باب الإنصاف الاعتراف بالجهود المضنية التي بذلها أبي شقرا شاعراً وصحافياً ومثقفاً بارزاً في تنشيط الحياة الثقافية اللبنانية ومدها بأسباب الحيوية والتطور، فإن ذلك لا يحول دون التوقف ملياً عند المحطات التي يعمد فيها صاحب المذكرات إلى الغمز المتكرر من قناة زملائه ورفاقه في «شعر» وغيرها، إضافة إلى حملته المستهجنة على شعراء الوزن الذين يرفضهم «بالجملة» ويمتدحهم «بالمفرق»، كما يظهر في كثير من فصول الكتاب وفقراته. فهم في رأيه «لم يرعووا ولم يخجلوا ولم يصادفوا حرجاً حين يؤوبون بالقصيدة الحديثة إلى عالم الوزن والقافية، أو إلى التوافق مع التفعيلة». وهو بذلك يربط الشعر بعنصر واحد من عناصره الفنية، ويتناسى أن الشعر العظيم يتجاوز أشكاله الظاهرة لينفذ إلى الأعماق متسلحاً بلهب المخيلة وكشوف الداخل. لا بل إن مثل هذه الأحكام المتعسفة لا تجد ما يسندها في بواكير الشاعر الموزونة ذاتها، خصوصاً في «أكياس الفقراء» و«خطوات الملك». فمن يقرأ بعناية قصائد هاتين المجموعتين، الصادرتين تباعاً عامي 1959 و1960، لا بد أن يلاحظ الحساسية العالية التي يمتلكها شوقي إزاء الأوزان وجرْسها التفعيلي الإيقاعي، فضلاً عن طراوة اللغة وفرح التبشير التموزي بقيامة الحياة وربيعها المتجدد: «أتُرى أذهب ميلاداً وفصحا/ من هنا من عالمي المغمى عليهِ/ يحفر الحبّ على الأشجار قلبي بيديهِ/ لست أُمحى/ فأنا علبة نعْمى لثغور الفقراءِ/ ولكم يا أصدقائي/ سأرشّ الأرض قمحا/ وترفّ القبة البيضاء لي».
كما يكتنف هذه البواكير شعور بالرجاء تتفاوت مصادره بين الأسطوري المتمثل بصورة جلجامش السومري الباحث عن الخلود عبر «عشبة خلف البحار»، والديني المتمثل بصورة المسيح الذي يدحرج الصخرة من مكانها، كما يظهر في نصوص «خطوات الملك». ورغم قسوة الحياة على «الولد الضائع»، فإن ما يعتّمه المعنى المتصل بصورة الأب القتيل، يحمله الشكل إلى ضالته الغنائية المترعة بالعاطفة: «كلّ يوم نجمتي منطلقه/ بزياره/ للقاء الآخرين/ لترى يا أبتِ/ ولداً كالورقه/ كالمغاره/ ضائعاً خلف السنينْ/ هو في المنفى حزينْ/ في القبور المغلقه/ في خيام الفاتحينْ/ يصبغ الأحذية المحترقه/ بالمراثي/ وبألوان حبال المشنقه».
لكن أعمال شوقي اللاحقة، بدءاً من «ماء إلى حصان العائلة» ووصولاً إلى «تتساقط الثمار والطيور وليس الورقة»، ما لبثت أن انعطفت، وبقرار واعٍ على الأرجح، باتجاه مسارات ومسالك أخرى لا تكاد تمت بصلة إلى كتاباته الأولى. ليس فقط لأنها ركنت إلى قصيدة النثر خياراً حاسماً ونهائياً في كتابة الشعر، وهو ما كان قد سبق إليه أنسي الحاج ومحمد الماغوط، بل لأن الشاعر تنكّب في كتابته لغة ما قبل مدينية تتخذ من عالم الريف ونباتاته وحيواناته المختلفة مسرحها الملائم وضالتها المنشودة. فليس ثمة في معظم ما كتبه شوقي فيما بعد من صلة بواقع الحال أو باللحظة الراهنة في جزئياتها الساخنة وتفاصيلها المعيشية، بقدر ما تشي نصوصه بعوالم منقضية يتم استدعاؤها من مكانها الطبيعي في تربة الماضي، لتعاد صياغتها في فضاء التأليف الحاذق والسخرية المجردة. بات الشعر هنا انسلاخاً عن مجريات الحياة الفعلية واستدراجاً متعمداً للغرابة والإدهاش غير المستندين إلى ظهير قلبي أو معنى بعينه. أو هو نوع من فن «الكولاج» واللصق المشهدي الذي يتم تجهيزه بكثير من العناية والاحتراف، على طريقة الرسم الحديث أو أفلام الصور المتحركة.
وقد يحسب لأبي شقرا إثراؤه اللافت للمعجم الشعري التقليدي، ولغته الخاصة التي لا تمتح من مياه الآخرين، وجرأته البالغة في ربط الشعر بما هو منسي وغفْل من المحسوسات والتفاصيل، ولكن بعض نصوصه تفتقر إلى الفوران الداخلي للغة، وإلى الكهرباء التي تمس الشغاف، حيث يحل بدلاً منهما التركيب الصوري والطرافة المتعمدة. فإذا كنا نقع في «سنجاب يقع من البرج» على لُمح ذكية ومستساغة، من مثل «الشمس حمارة في الحساب/ كل مساء تغيب وتقع في الغلطة ذاتها»، فثمة بالمقابل نصوص ومقطوعات لا تتعدى كونها تمارين لغوية مجانية، وألعاباً ذهنية لا تجد ما يسوغها، كقول الشاعر: «البحيتيرة سمكةٌ طول نكتة/ طول شعرة من ذقني/ والبحيتيرة طفلي سيجيء: سلّمي يا حبيبتي عليه/ حبيبتي عالية 1500 متر/ تنام فتسكت الغيمات». كما نقرأ له في مجموعة «حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة» نصاً من مثل «الموظفون في مكتب أسفارنا مسطرة/ فتاحة للقناني/ كاوتشوكة/ رمانة/ تمّ السمكة/ سطل الدوار/ نصحح طريق العين/ سراجنا قصبنا للمصّ/ كفّنا للأصلع المعاق/ قرصة للضمير المنفصل/ قبلة للمتأخر، شورباء!».
من الواضح بالطبع أن شوقي أبي شقرا في معظم أعماله قد سعى جاهداً لإظهار نزوعه الطفولي السوريالي الذي يعبث بالعالم ويرفع الكلفة بين الجمادات والكائنات الحية. وهو بإصراره على استدعاء عالم الطفولة المشوش والحلمي بدا كأنه يحتج بطريقته الخاصة على فقدان أبيه، كما لو أنه «الابن المصبّر» في رواية فينوس خوري غاتا، أو الصبي الذي يريد أن يختبئ من درب الأعمار، وفق الأغنية الفيروزية. وإذا كان الجانب السوريالي من هذه التجربة يتمثل في تصيّد الدهشة وحشد الصور الغريبة وغير المألوفة، فإن الشاعر بالمقابل لا يستسلم لتداعياتها اللاواعية وعوالمه الحلمية كما يفعل السورياليون، بل يكتب نصوصه عن سابق تصور، وبوعي تام وحرفية واضحة، كما لو أن هناك تعارضاً ضدياً بين براءة الروح والرؤية الطفولية إلى العالم، وبين الكدح التأليفي والأسلوبي. ولعلني أميل إلى الاعتقاد بأن أسلوبه يتقاطع من ناحية مع المدرسة اللبنانية التي شغف أركانها بالأناقة والتنميق اللغوي، كما كان حال أمين نخلة وصلاح لبكي وفؤاد سليمان، ويتقاطع من ناحية أخرى مع المناخات الريفية والفولكلورية لمارون عبود.
ومع ذلك فلا بد من الإشارة أخيراً إلى أن كثيراً من قصائد شوقي أبي شقرا ونصوصه تتخفف من عبثيتها الظاهرة ولعبها المجاني، لمصلحة البوح الداخلي وتمزقات النفس المعطوبة والباحثة عن رجاءٍ ما. وقد تكون مجموعة «ثياب سهرة الواحة والعشبة» هي من بين الأعمال الأكثر إصابة لمعنى الشعر، والألصق بمعاناة الشاعر ومكابداته.



محمد زين الدين: استعرتُ بعض تفاصيل «حتى الفجر» من طفولتي

واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

محمد زين الدين: استعرتُ بعض تفاصيل «حتى الفجر» من طفولتي

واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
واجه المخرج صعوبات عدة في تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج المغربي محمد زين الدين إن علاقته بعالم الكاتب محمد زفزاف، الذي عاد إليه في فيلمه «حتى الفجر»، بدأت بلقاء جمعهما في الدار البيضاء عام 1992، حين كان يفكر في إنجاز فيلم وثائقي عنه. لكن اللقاء تجاوز غرضه الأول، وتحول إلى تجربة ألهمته الكتابة، بعدما أمضى ساعات في الإنصات إلى صاحب «محاولة عيش»، ليخرج بأفكار أسهمت لاحقاً في ولادة فيلمه الروائي الطويل الأول «يقظة».

واستعاد زين الدين، في حواره مع «الشرق الأوسط»، تفاصيل ذلك اللقاء، موضحاً أنه جلس مع زفزاف نحو 4 أو 5 ساعات من دون أن يسجل شيئاً، إذ انصرف تماماً إلى الإنصات إليه. وما إن وصل إلى الفندق حتى شرع في الكتابة، وكأن الحديث الذي دار بينهما فتح أمامه طريقاً إلى حكايات وصور لم تكن قد اتخذت شكلها بعد.

المخرج المغربي محمد زين الدين (الشرق الأوسط)

وبعد نحو 30 عاماً، أعادته مصادفة في الشارع إلى ذلك العالم، حين عثر على رواية «محاولة عيش» لدى بائع كتب يفترش بها الأرض. اشتراها وجلس يقرأها في مقهى، لتستوقفه الشخصيات والأجواء والأماكن التي تزخر بها، وشعر بأنها تحمل عناصر قابلة للحياة على الشاشة. وهكذا تحولت القراءة إلى بداية مشروع سينمائي عاد من خلاله إلى عالم زفزاف، عبر حكاية فتى يحاول العثور على موقعه في واقع يضيّق أمامه خيارات الحياة.

وتدور أحداث الفيلم المغربي «حتى الفجر» في مدينة القنيطرة المغربية خلال سبعينات القرن الماضي، متتبعاً حكاية «حميد»، وهو فتى في الـ16 من عمره، تدفعه أمه إلى بيع الصحف وتحميله مسؤوليات تفوق سنه، فيما ترتب زواجه من شابة تمتلك قارباً صغيراً لنقل السكان عبر النهر.

وبين شوارع المدينة وحانات الميناء، يتعرف حميد إلى امرأة تمنحه الحنان والإنصات اللذين يفتقدهما، ليجد نفسه ممزقاً بين مشاعره الخاصة وتوقعات أسرته، في رحلة تتداخل فيها أسئلة النضج والرغبة والبحث عن الذات.

وعن انتقال الحكاية من الرواية إلى السينما، رأى زين الدين أن الاقتباس يحتاج إلى حرية تتيح للمخرج إعادة بناء العمل بأدواته الخاصة، لأن لكل فن قوانينه وأساليبه في التعبير. وأوضح أن الوفاء للنص الأدبي، بالنسبة إليه، لا يعني الالتزام الحرفي بتفاصيله، بل الحفاظ على روح الكاتب والخلفية التي تنطلق منها نظرته إلى شخصياته، بينما تظل المعالجة قابلة للتغيير بما يمنح الفيلم لغته وإيقاعه واستقلاليته الفنية، من دون أن يقطع صلته بالعالم الذي استُلهم منه.

اهتم المخرج بإبراز مشاعر إنسانية في العمل (الشركة المنتجة)

ومن أبرز الإضافات التي أدخلها على الحكاية موقع تأوي إليه أعداد كبيرة من طيور اللقلق، كان يُعرف باسم «قمامة الأمريكان»، حيث كان الأميركيون الموجودون في مدينة القنيطرة يلقون مخلفاتهم، ويقصده مغاربة بحثاً عما يمكن الانتفاع به.

وأوضح زين الدين أن هذا المكان غير موجود في الرواية، لكنه وجد فيه مساحة تجمع بين تفاصيل العيش الهش ودلالات الطيور التي تحط فيه، ليصبح جزءاً من التصور السينمائي الذي بناه حول الشخصيات وبيئتها. واختار اللقلق لما يحمله من إيحاءات تتصل بالهجرة والولادة، مستحضراً الحكايات الشعبية التي تربطه بمجيء الأطفال إلى العالم، فضلاً عن انتقاله الموسمي من شمال أوروبا. وأضاف: «استعرتُ تفاصيل من طفولتي رأيت أنها مفيدة لشخصية حميد».

وتتصل هذه الإضافات برؤية المخرج لشخصية البطل، الذي تتشكل ملامح أزمته حول سؤال الهوية. فحميد، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة، يجد نفسه مطالباً بالعمل والزواج والتصرف كأنه رجل مكتمل، في وقت لا يزال فيه يحاول فهم ذاته واكتشاف رغباته.

ويرى زين الدين أن هذه الحيرة لا تقتصر على البيئة المغربية، بل تمتد إلى تجارب المراهقين في أنحاء مختلفة من العالم، ممن يبحثون عن تعريف لذواتهم وسط توقعات الآخرين. فحميد غير راضٍ عن واقعه ويسعى إلى تغييره، فيما تدفعه علاقته بالمرأة التي يتعرف إليها في الحانة إلى اكتشاف مشاعر ورغبات تسهم في إعادة توجيه مساره.

وفي سياق حديثه عن اختياراته الفنية، توقف المخرج عند الجمع بين العربية الفصحى في السرد والدارجة المغربية في الحوار، مؤكداً أن هذا الأسلوب يستند إلى طريقة زفزاف نفسه في الكتابة، إذ كان يصف الأماكن والشخصيات بالفصحى، ويترك لشخصياته أن تتحاور بلغتها اليومية. وأشار إلى أن هذه السمة من الخصائص التي لم يجرؤ على تغييرها، لارتباطها الوثيق بطريقة الكاتب في بناء عالمه الأدبي.

ينطلق عرض الفيلم من مهرجان تالين في إستونيا (الشركة المنتجة)

ولم تقتصر عودة زين الدين إلى أجواء القنيطرة على استحضار الأماكن الواردة في الحكاية، بل امتدت إلى البحث عن مواقع تحمل آثاراً من ماضي المدينة. وفي هذا السياق، قاده البحث إلى مطبعة تعود إلى خمسينات القرن الماضي، كانت مغلقة وغير مستخدمة، فاختارها لتصوير المكان الذي تُوزع منه الصحف، في استعادة بصرية لأجواء المرحلة التي تدور فيها الأحداث.

ويشارك «حتى الفجر» في ثلاثة مهرجانات سينمائية خلال نوفمبر (تشرين الثاني)، إذ يشهد عرضه العالمي الأول ضمن مسابقة «اختيارات النقاد» في الدورة الثلاثين لمهرجان تالين «الليالي السوداء» في إستونيا، وينافس ضمن مسابقة «آفاق السينما العربية» في الدورة السابعة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كما يُعرض ضمن قسم «بانوراما السينما المغربية» في الدورة الثالثة والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش في المغرب.


الأسطورة «شوشو»... أضحك جمهوره ومات حزيناً عن 36 عاماً

مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
TT

الأسطورة «شوشو»... أضحك جمهوره ومات حزيناً عن 36 عاماً

مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)
مع نيللي في مسرحية «الدنيا دولاب» (من الكتاب)

نحن في بيروت، يوم كانت مركزاً عربياً للكتاب والمال والحرية، وتعيش أوج ازدهارها، في مطلع ستينات القرن الماضي. في تلك الحقبة، وفي وسط العاصمة التجاري الذي يُعرَف بـ«نص البلد»، نشأ «المسرح الوطني»، على بعد أمتار من ساحة الشهداء. في هذه الظروف المؤاتية أنجب لبنان النجم الكوميدي الكبير شوشو، الذي سيصبح بمثابة أسطورة. هو حسن علاء الدين، الذي رهن حياته للمسرح، وواجه المصاعب، وقدَّم تضحيات جساماً، وتوفي في قمة عطائه، وهو في الـ36 عاماً، بعدما شكَّل علامةً فارقةً في تاريخ المسرح اللبناني.

غلاف الكتاب

بعد 50 عاماً من ذلك الغياب، يطلُّ فارس يواكيم، الموهوب الذي لازم شوشو 10 سنوات وكتب له أشهر مسرحياته، بكتاب «شوشو في الذاكرة»، الصادر عن «دار الفرات». يوثِّق يواكيم المرحلة، ويصحِّح معلومات خاطئة شابت بعض ما كُتب عن سيرة الفنان، ويقدِّم شهادةً حيةً. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب.

كان شوشو بحاجة إلى بيئة حاضنة ليعلن مولده، وكانت المدينة بحاجة إلى موهبة فنية بارزة تدعم ازدهارها. هكذا استمرَّ «المسرح الوطني» في تقديم عروضه على مدى عقد، بفضل فرقته الثابتة، ليصبح ظاهرةً لم تشهد بيروت مثيلاً لها.

البداية المبشّرة

في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965، ارتفعت الستارة للمرة الأولى في «المسرح الوطني» عن مسرحية «شوشو بك في صور»، التي أعدَّها وأخرجها نزار ميقاتي، مقتبسة من «رحلة السيد بريشون» للفرنسي أوجين لابيش. يصف الكتاب العرض بأنه كان «أنيقاً، سخياً، بهر جمهور بيروت»، واستمرَّ 21 أسبوعاً. وكرت السبحة بعد ذلك بكوميديات شعبية، خاطبت الجمهور العريض بالمحكية اللبنانية، في قاعة تتسع لـ450 متفرجاً، وتعمل طوال السنة باستثناء شهرَي الصيف، حين كانت المسرحيات تجول المناطق. كانت أعمالاً مبهجةً وطريفةً، لكن المسرح تحوَّل، مع مرور الوقت، إلى منبر يعبِّر عن الرأي العام والمطالب الشعبية، فازداد تعلق الجمهور به.

شوشو الذي سرقه المسرح حتى الموت (الشرق الأوسط)

شوشو، المولود في بيروت عام 1939، والده خضر الجوني من الشوف، ووالدته نوّار حيدر من بعلبك، أما زوجته فهي فاطمة، ابنة الفنان محمد شامل، الذي تسبب زواجه منها بقطيعة بينه وبين والدها، صاحب الفضل عليه في إدخاله إلى الإذاعة والتلفزيون.

يتيم الأب منذ كان في السابعة، ربَّته أمه حتى اشتدَّ عوده. عشق التمثيل منذ صغره، واتَّخذ لنفسه اسماً فنياً هو «مبروك». شارك في مشاهد هزلية، وقلَّد شخصيات، وغنى للأطفال، متنقلاً بين فرق الهواة، ومشاركاً في حفلات نظَّمتها جمعيات كشفية.

شاهده محمد شامل في أحد العروض وأُعجب بأدائه، وأسند إليه دوراً في برنامج للأطفال في «تلفزيون لبنان والمشرق». كانت تلك بداية خطواته نحو الاحتراف. وشامل هو الذي أطلق عليه اسم «شوشو»، وأعطاه أدواراً في مسلسلات تلفزيونية وإذاعية، مثل «يا مدير»، و«شارع العز»، و«يا صبر أيوب». لكن ارتباط شوشو بابنة شامل، من دون موافقته، أغضب الأخير، فاستغنى عن خدماته، وكانت تلك ضربةً قاسيةً له.

ولادة مشروع

أصبح شوشو عاطلاً عن العمل، يسير على غير هدى، إلى أن وقع على سينما «شهرزاد» وأقنع صاحبها بتأجيرها. ورغم الصعوبات المالية فإنه استطاع، بالتعاون مع المخرج نزار ميقاتي، إطلاق مشروع «المسرح الوطني» الذي يقدِّم عروضاً يومية.

بعد 3 سنوات على افتتاح المسرح، تعرَّف فارس يواكيم إلى شوشو، الذي حضر إلى المسرح ليكتب مقالة نقدية، بعد عودته حديث التَّخرُّج من مصر. لكن العلاقة بينهما امتدت لـ10 سنوات. فقد تابع شوشو بصفته ناقداً، وعاشره وصادقه وجالسه، والأهم أنه كتب له نصوصاً مسرحية وسينمائية وإذاعية. كانت المعايشة يومية ومهنية، واستمرَّت حتى آخر عرض قدَّمه شوشو في أواخر يونيو (حزيران) 1975.

عرفت بيروت «فرقة منير أبو دبس» وفرقة «ملتقى»، إلى جانب مسرحيات متفرقة ذات طابع تجريبي جاد، لكن لم يتشكَّل جمهور مسرحي مواظب بالمعنى الحقيقي للكلمة إلا بعد افتتاح مسرح شوشو.

صار المسرح شغل نزار ميقاتي الشاغل؛ يدرِّب الممثلين، وينحت المواهب، ويتابع العمل. قدَّم مع شوشو 12 مسرحية، منها «مريض الوهم» و«البخيل» لموليير، و«توباز» لمارسيل بانيول، و9 مسرحيات من نوع الفودفيل، مقتبسة من أعمال لكتاب معروفين. وبعد 5 سنوات، فُضّت الشراكة، وباع ميقاتي حصته في «المسرح الوطني» إلى محمد الطوخي.

شوشو في السينما

لم يكن شوشو حبيس المسرح، فقد أطلَّ في 8 أفلام، بدأها عام 1962 بفيلم «شوشو والمليون» مع محمد شامل، وبعده بعام قدَّم «يا سلام ع الحب». وبعد أن لمع نجمه على الخشبة، شارك في فيلم «مغامرات شوشو» وغيره.

كان يريد من السينما أن تكون نافذته إلى شهرة عربية واسعة، على غرار نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وفؤاد المهندس. لهذا لجأ إلى أفلام مشتركة لبنانية - مصرية. وكان آخر أفلامه «سيدتي الجميلة»، الذي كتب فارس يواكيم السيناريو والحوار له، من بطولة نيللي ومحمود ياسين. وعُرض في مصر بعنوان «النشّالة»، وأنتجه شوشو لتأمين بعض الإيرادات والتخفيف من ديونه. وقد حقَّق إيرادات بالفعل، لكن شوشو كان قد رحل قبل بدء عرضه.

مزاج صعب... وظروف أصعب

يحكي الكتاب بإسهاب عن الصعوبات المالية التي واجهها شوشو كي يتمكَّن من تأسيس مسرحه، وعن صعوبة إدارة نفقاته، والديون التي أثقلت كاهله، وكذلك عن شخصيته البوهيمية، وانسياقه وراء هدف واحد هو النجاح على المسرح. ويقول يواكيم إنه كان معجباً بشارلي شابلن، ولا يملُّ من مشاهدة أفلامه ومراقبة حركاته الصامتة وتعابير وجهه، كما كان يتابع أفلام نجيب الريحاني، الذي لم يتسنَّ له أن يراه.

بجسد نحيل، وشارب كثيف، وبنية ضعيفة، وعينين تشعان ذكاء، كان شوشو لا يتوقف عن التدخين وشرب القهوة، ويسهر حتى لا يذهب إلى فراشه قبل طلوع الفجر. كثير الإنصات، قليل الكلام والطعام. في قرارة نفسه، كان رجلاً حزيناً. يأتي إلى المسرح قبل العرض بساعتين؛ فالمسرح بالنسبة إليه الأكسجين، والشفاء من همومه المالية وآلامه المرضية. كان يُضحك الآخرين، لكنه هو نفسه يتألم.

مع عصام رجي في و«صلت لـ99» (من الكتاب)

ساعدته بنيته النحيلة على تأدية الأدوار الكوميدية والإيمائية. وكان موهوباً في تلوين صوته والارتجال السريع وتوزيع النكات. لهذا لم يبلغ نجاحه في السينما والتلفزيون الذروة التي بلغها على المسرح لمهارته الاستثنائية في التفاعل المباشر مع الجمهور. قال عنه المخرج المسرحي روجيه عساف، بمناسبة عرض مسرحية «أخ يا بلدنا»: «إنه صاحب الفرقة اللبنانية الوحيدة التي لها جمهور. فالوصول إلى 70 ألف مشاهد إنجاز كبير. إنه فريد في لبنان بمسيرته».

كان شوشو فناناً متعدد المواهب بالفعل. وإلى جانب السينما والتلفزيون، شارك في المهرجانات الصيفية الكبرى، مثل «مهرجانات بعلبك» و«مهرجانات الأرز». كما أسَّس مسرحاً للأطفال، رغبة في زيادة دخله وتأهيل جيل يتذوق المسرح.

تراكمت الديون على شوشو، رغم أن صالته لم تكن تهدأ، والجمهور لا يكلّ من حضور عروضه. ويشرح الكتاب أنه تورَّط في الديون عند تأسيس المسرح، لأنه لم يتمكَّن من الاستدانة من المصارف، واضطر إلى اللجوء إلى المرابين، الذين فرضوا عليه فوائد خيالية. وأخذت الديون تكبر مثل كرة ثلج، حتى أصبحت أحد أسباب تدهور صحته. وكانت ميرنا البستاني قد وعدته بتسديد ديونه من خلال «بنك الصناعة والعمل»، الذي كانت تملك حصةً وازنة فيهً، ليصبح مديناً للمصرف بفائدة أقل بكثير. لكن الحرب الأهلية اشتعلت، وأطاحت بالوعد والمسرح وشوشو.

وفاة شوشو

كان الدكتور روبير خوري يحضر مسرحية «آخ يا بلدنا»، حين لاحظ أن ملامح وجه شوشو المرهقة قد تشير إلى مشكلة في القلب، فاستدعاه إلى عيادته. وبعد الكشف، تبيَّن وجود خلل في القلب، وطلب منه التخفيف من التدخين وأخذ قسط من الراحة.

لكنه لم ينفِّذ شيئاً من ذلك. وبعد سنة، تعرَّض لنوبة قلبية حادة، ونُقل على عجل إلى مستشفى البربير. خرج بعدها من المستشفى وبدأ التحضير لموسم 1976. وبما أن الحرب كانت قد بدأت، لم يكن ممكناً افتتاح موسمه البيروتي. فسافر لتقديم مسرحيتين في الأردن، وحضر العرض الأول العاهل الأردني يومها الملك حسين، وأبدى إعجابه به.

شوشو في مسرحية «اللعب عالحبلين» (من الكتاب)

عاد شوشو مع الفرقة من عمّان، وكان يقود سيارته بنفسه. كان الإجهاد كبيراً، خصوصاً أنه أُرهق بالعروض المتوالية والهموم النفسية وتراكم الديون، إلى جانب عجزه عن فتح أبواب مسرحه. وفي الثاني من نوفمبر 1975، توقف قلبه عن النبض.

«مات البطل، واحترق المسرح، وانهارت المدينة»، يقول يواكيم في كتابه: «مات النجم مع مسرحه الذي أحبه، لكنه بقي أسطورة في تاريخ المسرح اللبناني».

تكمن أهمية الكتاب في أنه يؤرخ لحقبة مهمة من حياة شوشو ويوثِّقها، ويحاول الإحاطة حتى بفترات لم يعايشها الكاتب أو يشهدها، متى توافرت المعلومات الموثوقة. وفيه تفاصيل تهم كلَّ مَن يرغب في دراسة هذه الظاهرة الفنية، وهو مزوَّد بفهرس لأسماء المسرحيات والأعمال السينمائية، وكذلك أسماء الصحافيِّين الذين كتبوا عن شوشو. ومن الطرائف التي يتضمَّنها الكتاب فهرس للأخطاء التي تمكَّن يواكيم من جمعها فيما يخص شوشو، في كتاب محمد كريم «كما عرفتهم».

بعد 50 عاماً على وفاة الفنان المسرحي الكبير شوشو، قرَّر كاتب أشهر مسرحياته، فارس يواكيم، أن يصدر كتاباً يسجِّل فيه ما شهده وعرفه من حقائق عايشها بصحبته، أو سمعها عنه، أو تقصّاها، اعترافاً بفضله الكبير، ولأنه فتح له باب الشهرة في المسرح اللبناني.


هل تتعرض مصر لسيول عنيفة في الشتاء؟

بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
TT

هل تتعرض مصر لسيول عنيفة في الشتاء؟

بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)
بحيرة لتجميع مياه السيول في سيناء (وزارة الري المصرية)

شهدت مناطق في سيناء وأخرى بمحافظة البحر الأحمر، (جنوب شرقي مصر)، خلال فصل الخريف، موجات من الأمطار الغزيرة التي تسببت في تشكل السيول، وأدت إلى جرف المياه في بعض المناطق، وسط تحذيرات متكررة من تداعيات التقلبات الجوية الحادة. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن احتمالات تعرض مصر لموجات أكثر شدة من السيول خلال فصل الشتاء، ومدى ارتباط ذلك بالتغيرات المناخية التي يشهدها العالم.

وقبل أسبوع، شهدت محافظتا جنوب سيناء والبحر الأحمر، موجة من التقلبات الجوية الحادة والأمطار الغزيرة التي تسببت في سيول جارفة، وسط امتداد تأثير منخفض البحر الأحمر الموسمي.

وتسببت التدفقات المفاجئة للمياه في وادي وتير، التابع لمدينة نويبع بجنوب سيناء، في جرف سيارة «خلاطة أسمنت» كان على متنها ثلاثة أشخاص، ما أسفر عن وفاة أحدهم وإصابة آخر، ما يثير تساؤلات بشأن احتمالات تكرارها أو اشتداد حدتها خلال فصل الشتاء في ظل التغيرات المناخية.

وفي هذا السياق، قال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية السابق، إن فصل الخريف يتسم عادة بالتقلبات الجوية الحادة والسريعة، ويشهد حالات من عدم الاستقرار في الطقس، خصوصاً في محافظات جنوب مصر والبحر الأحمر وسيناء، حيث تزداد فرص سقوط الأمطار التي قد تتحول إلى سيول بفعل الطبيعة الجغرافية لهذه المناطق.

وأوضح قطب لـ«الشرق الأوسط» أن «المناطق الجبلية والمرتفعة تشهد أحياناً هطول أمطار تتجمع مياهها وتندفع بفعل الجاذبية نحو الأودية والمناطق المنخفضة، مما يؤدي إلى تشكل السيول التي قد تكون سريعة وقوية، حتى في المناطق التي لا تشهد سقوط أمطار مباشرة. وحدث ذلك خلال موجات الأمطار الأخيرة في سيناء، إذ اندفعت مياه السيول باتجاه مناطق في شرق سيناء، ومنها محيط خليج العقبة ونويبع، ما أسفر عن خسائر بشرية».

لقطة جوية لأحد أودية سيناء عقب هطول الأمطار (تصوير: عبد الفتاح فرج)

في المقابل، تختلف طبيعة المخاطر في المناطق الساحلية والمستوية، مثل الإسكندرية والساحل الشمالي ومطروح، حسب قطب، إذ قد تشهد هذه المناطق أمطاراً غزيرة، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى سيول جارفة مثل التي تحدث في المناطق الجبلية ذات التضاريس الوعرة والأودية والمنحدرات. وتتمثل الخطورة هناك بصورة أكبر في تجمع مياه الأمطار أو تراكمها في الشوارع والمناطق المنخفضة، لا في اندفاع كميات كبيرة من المياه عبر الأودية من مناطق مرتفعة إلى أخرى منخفضة.

هل تزداد فرص السيول خلال الشتاء؟

وعن احتمالات تعرض مصر لموجات أشد من السيول خلال فصل الشتاء، قال قطب إن التغيرات المناخية أسهمت في زيادة تطرف بعض الظواهر الجوية، سواء في صورة موجات حر شديدة أو انخفاضات حادة في درجات الحرارة، إلى جانب الأمطار الغزيرة التي قد تتسبب في حدوث السيول.

وأضاف قطب أن البلاد تشهد خلال الفترة الحالية انخفاضاً في درجات الحرارة، لتصبح أقل من معدلاتها الطبيعية في بعض المناطق خلال هذا الوقت من العام، بالتزامن مع نشاط الرياح الذي يزيد الإحساس ببرودة الطقس، فضلاً عن اضطراب حركة الملاحة البحرية في البحر المتوسط وخليج السويس، واستمرار فرص سقوط الأمطار على السواحل الشمالية وشمال سيناء.

وأوضح قطب أن فرص هطول الأمطار على مناطق من الصعيد والبحر الأحمر وسيناء تظل قائمة خلال ما تبقى من فصل الخريف وخلال الشتاء، وقد تتسبب في حدوث سيول، مشيراً إلى أن فصل الخريف يظل من الفترات التي تستدعي قدراً أكبر من الحذر، نظراً إلى التقلبات السريعة في الأحوال الجوية والتحولات بين الموجات الدافئة والباردة.

وربط قطب هذه التقلبات بتفاقم الظواهر المناخية، مشيراً إلى ظاهرة «النينيو» وتأثيراتها في أنماط الطقس العالمية، وما قد يصاحبها من تغيرات في درجات الحرارة ومعدلات الأمطار في مناطق مختلفة من العالم.

آثار سلبية خلفتها مياه السيول في مصر (وزارة الري المصرية)

وتُعد «النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح المياه في أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي عن معدلاتها المعتادة، وتؤثر في أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة على نطاق واسع من العالم. وتختلف تأثيراتها من منطقة إلى أخرى حسب قوة الظاهرة وتوقيتها وتفاعلها مع أنظمة المناخ الأخرى، ولا تعني بالضرورة زيادة الأمطار أو حدوث السيول في جميع المناطق.

وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع انطلاق فعاليات مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «كوب 31» (COP31)، في مدينة أنطاليا التركية، خلال الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بمشاركة ممثلي الدول والمنظمات الدولية والخبراء المعنيين بقضايا المناخ.

ووفق أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق فإن «عدداً من دول العالم، بينها الولايات المتحدة والصين واليابان وتايوان، تواجه ظواهر جوية عنيفة، من بينها الأعاصير والعواصف، في مناطق مختلفة من المحيطين الهادئ والأطلسي، بما يعكس اتساع نطاق التأثيرات المناخية».

وأكد قطب أن مصر ليست بمنأى عن هذه التغيرات، إذ تتأثر بدورها بالتحولات التي يشهدها النظام المناخي العالمي، وتظهر انعكاساتها في صورة تقلبات حادة في درجات الحرارة، بين الارتفاع والانخفاض.