شوقي أبي شقرا... صياد الدهشة وشاعر العبث الطفولي

هل كان «القلم الأحمر» إحياءً طقوسياً لذكرى أبيه القتيل؟

شوقي أبي شقرا
شوقي أبي شقرا
TT

شوقي أبي شقرا... صياد الدهشة وشاعر العبث الطفولي

شوقي أبي شقرا
شوقي أبي شقرا

ينتمي الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا إلى ذلك الجيل التأسيسي الريادي الذي ترافق صعوده مع فورة الازدهار القصيرة التي شهدها لبنان بُعيد استقلاله، مستفيداً من موقعه الحساس ومن تنوعه الإثني والثقافي، ومن دوره الاستثنائي وسيطاً حاذقاً بين عالمي الشرق والغرب. ولعل البلد الصغير لم يكن لينجح في لعب ذلك الدور المتميز لو لم تتوفر له عناصر النجاح التي تمثلت بازدهار صحافته وتعدد جامعاته ومعاهده وانفتاحه على ثقافات العالم ولغاته الحية، ولولا تنعمه بقدر وافر من الحرية والتنوع الإثني والمعرفي، فيما كان العالم العربي آنذاك متقوقعاً على نفسه، رازحاً تحت وطأة الاستبداد، ومتوجساً من أي تغيير حقيقي. لذلك لم يكن تأسيس مجلة «شعر» آنذاك سوى الترجمة الطبيعية لما تحمله الأجيال الشابة من هواجس وأحلام وتطلعات. ولم يكد يوسف الخال يعلن عن مشروعه، حتى كان أبي شقرا، وهو بعدُ في النصف الأول من عشريناته، يستجيب للدعوة الجديدة التي عملت على بناء مشروع عربي حداثي، يشكل الشعر متنه وعمقه وواسطة عقده. وقد بدا واضحاً يومها أن إسهامات شوقي في المجلة لم تكن تقتصر على النصوص الشعرية، وبعض القراءات النقدية المتباعدة لعدد من المجموعات الصادرة في حينها، بل كانت تتعدى ذلك لتتصل بقراءة النصوص وما تستلزمه من تدقيق وتنقيح لغوي، كما يعبر الشاعر نفسه في غير مناسبة وحوار.
وبعد توقف «شعر» عن الصدور وتسلّم أبي شقرا مهمات ثقافية محورية في «الزمان» و«النهار»، ملحقاً وصفحة ثقافية يومية، ظل الشاعر القادم من مزرعة الشوف إلى بيروت يتربع لسنوات على سدة «السلطة» الثقافية في واحدة من أعرق المنابر الصحافية اللبنانية وأكثرها تأثيراً في المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد اكتسب قلمه الأحمر شهرة واسعة وهو يُعمل تصحيحاً وتعديلاً وتشطيباً في مئات النصوص التي ظلت تتكدس أمامه ومن حوله لأكثر من 40 عاماً من الزمن. ويحق لنا أن نتساءل في هذا السياق عما إذا كان اللون الأحمر يرمز إلى منع الأخطاء من المرور، أم هو إحياء طقوسي لدم أبيه الدركي الذي قضى في حادثة مروعة ولم يأخذ طريقه إلى التخثر؟ ولقد ظل شوقي بجسده النحيل وجبهته العريضة وحاجبيه الكثيفين، يكرر الطقوس ذاتها ويواكب التجارب المتنوعة لكثير من الأسماء الجديدة التي ثابر بعضها على الصعود والتطور المستمر، فيما آل بعضها الآخر إلى نسيان محقق. على أن عمله المرهق لم يكن ليُنسيه عاداته وسلوكياته الريفية التي زوّده بها مسقط رأسه في الجبل اللبناني، حيث لا يكاد زائرٌ ما يطرق الباب حتى يأذن له بالدخول ويستقبله بتهذيب بالغ طالباً إليه الجلوس بانتظار الانتهاء من تنقيح الأوراق والنصوص المعدّة للنشر في اليوم التالي. ولم يكن صاحب «نوتي مزدهر القوام» ليخيب ظن أحد من قاصديه الكثر، بصرف النظر عن أعمارهم ومشاربهم ومدارسهم الشعرية والنقدية المختلفة، لا بل إنه احتفى بالناشئين ممن لا يشبهونه في شيء، ومنحهم بسخاء بالغ المنبر الذي طالما حلموا باعتلائه. وحيث قام بالنسبة لهم، مقام الوالد، على ما يعبر المتنبي، بدا كأنه يعوضهم عما خسره هو بالذات من رعاية والده الدركي الذي خلفه على حين غفلة، تاركاً للصبي الذي كانه أن يرزح تحت وطأة اليتم المبكر، وأن يصاب بجروح في الروح سيكرس لاندمالها جلّ ما كتبه لاحقاً من قصائد ونصوص. وفي الكتاب الجامع الذي صدر أخيراً في بيروت تحت عنوان «شوقي أبي شقرا يتذكر»، ستكون أطياف الوالد حاضرة بقوة في غير مكان من السيرة، كما في مقدمة الكتاب التي يجيء فيها: «لي نجمتي ولي روح والدي الذي مضى إلى الأمس شاباً وهو يدلني في صحراء العمر على الواحة».
تكشف مذكرات شوقي أبي شقرا، التي صدرت عن دار نلسن منذ فترة، عن أسلوبه النثري الذي يحافظ، خلافاً لشعره، على تقاليد النثر العربي في سبكه المحكم ومتانته التعبيرية وإلحاحه على الفكرة عبر تكرارها في صيغ ووجوه مختلفة، كما تقدم بصفحاتها الثمانمائة وأبوابها المتعددة، صورة بانورامية واسعة عن الحياة الثقافية في لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين. أما البورتوريهات الكثيرة التي قدمها الكاتب لملامح عشرات الكتاب والفنانين من أصدقائه الأقربين أو من المشتغلين في حرفة الكتابة، فهي أقرب إلى الانطباعات والمجاملات الشخصية منها إلى التقصي النقدي والقراءة المعمقة. وإذا كان من باب الإنصاف الاعتراف بالجهود المضنية التي بذلها أبي شقرا شاعراً وصحافياً ومثقفاً بارزاً في تنشيط الحياة الثقافية اللبنانية ومدها بأسباب الحيوية والتطور، فإن ذلك لا يحول دون التوقف ملياً عند المحطات التي يعمد فيها صاحب المذكرات إلى الغمز المتكرر من قناة زملائه ورفاقه في «شعر» وغيرها، إضافة إلى حملته المستهجنة على شعراء الوزن الذين يرفضهم «بالجملة» ويمتدحهم «بالمفرق»، كما يظهر في كثير من فصول الكتاب وفقراته. فهم في رأيه «لم يرعووا ولم يخجلوا ولم يصادفوا حرجاً حين يؤوبون بالقصيدة الحديثة إلى عالم الوزن والقافية، أو إلى التوافق مع التفعيلة». وهو بذلك يربط الشعر بعنصر واحد من عناصره الفنية، ويتناسى أن الشعر العظيم يتجاوز أشكاله الظاهرة لينفذ إلى الأعماق متسلحاً بلهب المخيلة وكشوف الداخل. لا بل إن مثل هذه الأحكام المتعسفة لا تجد ما يسندها في بواكير الشاعر الموزونة ذاتها، خصوصاً في «أكياس الفقراء» و«خطوات الملك». فمن يقرأ بعناية قصائد هاتين المجموعتين، الصادرتين تباعاً عامي 1959 و1960، لا بد أن يلاحظ الحساسية العالية التي يمتلكها شوقي إزاء الأوزان وجرْسها التفعيلي الإيقاعي، فضلاً عن طراوة اللغة وفرح التبشير التموزي بقيامة الحياة وربيعها المتجدد: «أتُرى أذهب ميلاداً وفصحا/ من هنا من عالمي المغمى عليهِ/ يحفر الحبّ على الأشجار قلبي بيديهِ/ لست أُمحى/ فأنا علبة نعْمى لثغور الفقراءِ/ ولكم يا أصدقائي/ سأرشّ الأرض قمحا/ وترفّ القبة البيضاء لي».
كما يكتنف هذه البواكير شعور بالرجاء تتفاوت مصادره بين الأسطوري المتمثل بصورة جلجامش السومري الباحث عن الخلود عبر «عشبة خلف البحار»، والديني المتمثل بصورة المسيح الذي يدحرج الصخرة من مكانها، كما يظهر في نصوص «خطوات الملك». ورغم قسوة الحياة على «الولد الضائع»، فإن ما يعتّمه المعنى المتصل بصورة الأب القتيل، يحمله الشكل إلى ضالته الغنائية المترعة بالعاطفة: «كلّ يوم نجمتي منطلقه/ بزياره/ للقاء الآخرين/ لترى يا أبتِ/ ولداً كالورقه/ كالمغاره/ ضائعاً خلف السنينْ/ هو في المنفى حزينْ/ في القبور المغلقه/ في خيام الفاتحينْ/ يصبغ الأحذية المحترقه/ بالمراثي/ وبألوان حبال المشنقه».
لكن أعمال شوقي اللاحقة، بدءاً من «ماء إلى حصان العائلة» ووصولاً إلى «تتساقط الثمار والطيور وليس الورقة»، ما لبثت أن انعطفت، وبقرار واعٍ على الأرجح، باتجاه مسارات ومسالك أخرى لا تكاد تمت بصلة إلى كتاباته الأولى. ليس فقط لأنها ركنت إلى قصيدة النثر خياراً حاسماً ونهائياً في كتابة الشعر، وهو ما كان قد سبق إليه أنسي الحاج ومحمد الماغوط، بل لأن الشاعر تنكّب في كتابته لغة ما قبل مدينية تتخذ من عالم الريف ونباتاته وحيواناته المختلفة مسرحها الملائم وضالتها المنشودة. فليس ثمة في معظم ما كتبه شوقي فيما بعد من صلة بواقع الحال أو باللحظة الراهنة في جزئياتها الساخنة وتفاصيلها المعيشية، بقدر ما تشي نصوصه بعوالم منقضية يتم استدعاؤها من مكانها الطبيعي في تربة الماضي، لتعاد صياغتها في فضاء التأليف الحاذق والسخرية المجردة. بات الشعر هنا انسلاخاً عن مجريات الحياة الفعلية واستدراجاً متعمداً للغرابة والإدهاش غير المستندين إلى ظهير قلبي أو معنى بعينه. أو هو نوع من فن «الكولاج» واللصق المشهدي الذي يتم تجهيزه بكثير من العناية والاحتراف، على طريقة الرسم الحديث أو أفلام الصور المتحركة.
وقد يحسب لأبي شقرا إثراؤه اللافت للمعجم الشعري التقليدي، ولغته الخاصة التي لا تمتح من مياه الآخرين، وجرأته البالغة في ربط الشعر بما هو منسي وغفْل من المحسوسات والتفاصيل، ولكن بعض نصوصه تفتقر إلى الفوران الداخلي للغة، وإلى الكهرباء التي تمس الشغاف، حيث يحل بدلاً منهما التركيب الصوري والطرافة المتعمدة. فإذا كنا نقع في «سنجاب يقع من البرج» على لُمح ذكية ومستساغة، من مثل «الشمس حمارة في الحساب/ كل مساء تغيب وتقع في الغلطة ذاتها»، فثمة بالمقابل نصوص ومقطوعات لا تتعدى كونها تمارين لغوية مجانية، وألعاباً ذهنية لا تجد ما يسوغها، كقول الشاعر: «البحيتيرة سمكةٌ طول نكتة/ طول شعرة من ذقني/ والبحيتيرة طفلي سيجيء: سلّمي يا حبيبتي عليه/ حبيبتي عالية 1500 متر/ تنام فتسكت الغيمات». كما نقرأ له في مجموعة «حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة» نصاً من مثل «الموظفون في مكتب أسفارنا مسطرة/ فتاحة للقناني/ كاوتشوكة/ رمانة/ تمّ السمكة/ سطل الدوار/ نصحح طريق العين/ سراجنا قصبنا للمصّ/ كفّنا للأصلع المعاق/ قرصة للضمير المنفصل/ قبلة للمتأخر، شورباء!».
من الواضح بالطبع أن شوقي أبي شقرا في معظم أعماله قد سعى جاهداً لإظهار نزوعه الطفولي السوريالي الذي يعبث بالعالم ويرفع الكلفة بين الجمادات والكائنات الحية. وهو بإصراره على استدعاء عالم الطفولة المشوش والحلمي بدا كأنه يحتج بطريقته الخاصة على فقدان أبيه، كما لو أنه «الابن المصبّر» في رواية فينوس خوري غاتا، أو الصبي الذي يريد أن يختبئ من درب الأعمار، وفق الأغنية الفيروزية. وإذا كان الجانب السوريالي من هذه التجربة يتمثل في تصيّد الدهشة وحشد الصور الغريبة وغير المألوفة، فإن الشاعر بالمقابل لا يستسلم لتداعياتها اللاواعية وعوالمه الحلمية كما يفعل السورياليون، بل يكتب نصوصه عن سابق تصور، وبوعي تام وحرفية واضحة، كما لو أن هناك تعارضاً ضدياً بين براءة الروح والرؤية الطفولية إلى العالم، وبين الكدح التأليفي والأسلوبي. ولعلني أميل إلى الاعتقاد بأن أسلوبه يتقاطع من ناحية مع المدرسة اللبنانية التي شغف أركانها بالأناقة والتنميق اللغوي، كما كان حال أمين نخلة وصلاح لبكي وفؤاد سليمان، ويتقاطع من ناحية أخرى مع المناخات الريفية والفولكلورية لمارون عبود.
ومع ذلك فلا بد من الإشارة أخيراً إلى أن كثيراً من قصائد شوقي أبي شقرا ونصوصه تتخفف من عبثيتها الظاهرة ولعبها المجاني، لمصلحة البوح الداخلي وتمزقات النفس المعطوبة والباحثة عن رجاءٍ ما. وقد تكون مجموعة «ثياب سهرة الواحة والعشبة» هي من بين الأعمال الأكثر إصابة لمعنى الشعر، والألصق بمعاناة الشاعر ومكابداته.



«الفنان الملتزم» عبد العزيز مخيون يرحل بعد أدوار أيقونية

الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)
الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«الفنان الملتزم» عبد العزيز مخيون يرحل بعد أدوار أيقونية

الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)
الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)

ودّعت مصر الفنان الكبير عبد العزيز مخيون بعد مسيرة فنية تجاوزت نصف قرن ترك خلالها بصمات بأدواره الأيقونية في المسرح والسينما والتلفزيون، وبرع في تقديم الأدوار المركبة التي تتطلب أداء تمثيلياً عميقاً، والذي عرف بالتزامه في العمل وبالأدوار التي تضيف لمشواره، كما ذكر في أحد حواراته السابقة.

ورحل مخيون عن 80 عاماً إثر أزمة صحية تعرض لها على مدى الشهور الماضية، وتضاعفت معاناته في الأيام الأخيرة قبيل وفاته، حيث عانى من التهاب رئوي وضيق في التنفس بعد فترة من تناوله علاجاً إشعاعياً. ونعاه نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكي، وكتب عبر حسابه على «إنستغرام»: «وداعاً أيها الرجل العظيم»، حيث جرى تشييع جثمانه عصر الأربعاء بقريته في محافظة البحيرة (شمال مصر) والتي انتقل للإقامة بها منذ سنوات.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الفنان الراحل الذي تُوفي بعد مسيرة فنية وإبداعية استثنائية، أثرى خلالها الحياة الثقافية والفنية المصرية والعربية بعشرات الأعمال المتميزة التي رسَّخت مكانته كأحد رموز الإبداع المصري، مؤكدة أنه مَثّل تجربة فنية متفردة جمع فيها بين الموهبة الأصيلة والثقافة العميقة والوعي بقضايا المجتمع، وقد امتلك فلسفة خاصة في الأداء وفي اختيار أدواره جعلت من أعماله انعكاساً صادقاً لقضايا الإنسان المصري وتطلعاته.

وكان آخر ظهور فني للفنان عبد العزيز مخيون في رمضان الماضي من خلال مسلسليَ «إفراج» أمام عمرو سعد، و«سوا سوا» أمام أحمد مالك، والمفارقة أن آخر ما صوره كان مشهد وفاته ضمن أحداث المسلسل الثاني.

وقد ظل مخيون حريصاً على الوجود حتى بأدوار صغيرة لا تليق بتاريخه، وكان له وجهة نظر في ذلك أكدها في حوار سابق مع «الشرق الأوسط»؛ إذ اعترف أنه بات يقبل أدواراً أقل من موهبته وخبراته بوصفه ممثلاً حتى لا يبتعد عن التمثيل، وأنه يتكيف مع كل عمل يؤديه في المساحة التي تُتاح له؛ لأن الأضرار النفسية المترتبة على الابتعاد كبيرة على أي ممثل، مؤكداً أن منظومة الإنتاج خاطئة، وأن السينما العالمية تعمل على الاستفادة من النجوم الكبار.

عبد العزيز مخيون المولود في 25 فبراير (شباط) 1946 تخرج في معهد الفنون المسرحية، كما درس الموسيقى وحصل على منحة لدراسة المسرح في فرنسا ليعود ويؤسس فرقة «مسرح الفلاحين»، حيث قدم من خلاله عشرات المسرحيات التي أخرجها، كما انضم في وقت لاحق ممثلاً بفرقة مسرح التلفزيون، ومسرح الطليعة، حيث شارك في بطولة عدد من المسرحيات من بينها «مريض الوهم» و«الناس اللي في التالت»، و«ماراصاد»، و«وا قدساه».

وشارك مخيون في بطولة أفلام سينمائية مهمة على غرار «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» ليوسف شاهين، و«الهروب» لعاطف الطيب، وقد تم اختيار الأفلام الثلاثة ضمن قائمة أفضل مائة فيلم مصري، وحاز جوائز عدة عن أدواره بها.

عبد العزيز مخيون قدَّم أدواراً أيقونية في السينما والتلفزيون والمسرح (وزارة الثقافة المصرية)

ويلفت الناقد أحمد سعد الدين إلى أن الفنان الراحل كان صاحب بصمة خاصة في أدواره، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أنه لم يتصدر البطولة السينمائية المطلقة لكنه في ذلك مثله مثل الفنانين الكبار محمود المليجي وزكي رستم وعادل أدهم الذين جعلوا من الأدوار الثانية أهمية تفوق أدوار البطولة».

وعدّه نموذجاً للفنان المثقف الذي ينتقي أدواره بذكاء منقطع النظير، مما جعل بعض أدواره علامات فنية، سواء في السينما أو التلفزيون، وبخصوص السينما يقول سعد الدين: «لا يمكن أن ننسى دوره في فيلم (بئر الخيانة) لعلي عبد الخالق الذي أدى فيه شخصية ضابط المخابرات الإسرائيلي فلا يمكن تصور ممثل آخر يؤدي الدور بتلك البراعة، وكذلك دوره في فيلم (الهروب) وشخصية (سالم ولد عبد الدايم) في دور صعب ومركب، وكذلك دوره المهم والمؤثر في فيلم (فارس المدينة) لمحمد خان».

وفي الدراما التلفزيونية، سجل الفنان عبد العزيز مخيون حضوره بأدوار أيقونية مثل شخصية «المناضل طه السماحي» في مسلسل «ليالي الحلمية»، وشخصية أحمد لطفي السيد في مسلسل «رجل لهذا الزمان».

وكان لتقارب الملامح بينه وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب سبب في اختياره لأداء شخصية عبد الوهاب في 4 مسلسلات تنتمي لأعمال السيرة الذاتية. كما أشار سعد الدين إلى دوره في مسلسل «الجماعة» وأدائه اللافت لشخصية مرشد جماعة الإخوان المسلمين الذي استحق عليه جائزة أفضل ممثل في فئة الكبار.

ونعى مهرجان القاهرة السينمائي الفنان الراحل، وأعرب الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان، عن بالغ حزنه لرحيل هذا الفنان الاستثنائي، وقال: «فقدنا اليوم فناناً أصيلاً أعطى من روحه وموهبته على مدار خمسة عقود، وترك في وجدان المشاهدين أثراً عميقاً لا يمحى»، مؤكداً أن عبد العزيز مخيون كان فناناً من طراز رفيع، وسيظل اسمه راسخاً في تاريخ الفن المصري.


«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)
المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)
TT

«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)
المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)

قبل أن تُرسم الطرق الحديثة على خرائط الجزيرة العربية، وقبل أن تختصر السيارات المسافات بين المدن، كانت الأودية هي الممرات، وكانت العيون الجارية هي محطات الحياة، وكانت القوافل تقيس رحلاتها بمواقع الماء لا بعدد الكيلومترات.

وفي قلب هذه الحكاية الممتدة عبر القرون، تقف محافظة وادي الفرع، جنوب المدينة المنورة، بوصفها من أقدم الشواهد الحية على العلاقة التي نسجها الإنسان مع الأرض والماء والتاريخ، حيث تعاقبت الأجيال وبقي الوادي محتفظاً بذاكرة تجاوزت 1500عام، يرويها النخيل، وتحفظها القرى القديمة، وتؤكدها آثار المسافرين الذين مروا من هنا في طريقهم شمالاً وجنوباً.

يطل وادي الفرع اليوم على مرحلة جديدة من التحول التنموي في مسارته المختلفة (واس)

وتقع المحافظة على بُعد نحو 140 كيلومتراً جنوب المدينة المنورة، ويتخذ مركز الفقير مقراً لها على الطريق السريع الرابط بين المدينتين المقدستين، إلا أن تاريخها أقدم بكثير؛ فهذه البقعة التي عُرفت بخصوبة أرضها ووفرة مياهها، شكلت عبر أزمنة طويلة محطة رئيسية للقوافل والحجاج والتجار، وارتبط اسمها بالماء والنخيل والتمور، حتى غدت إحدى أشهر الواحات الزراعية في المنطقة بنحو 50 عيناً جارية تسقي آلاف النخيل، كما تضم المحافظة مساجد صلَّى فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنها مسجد «البرود»، ويسمى الآن «البريد»، (تصغيراً لكلمة «بريد»)، فيما يطلق عليه الآن عند أهل قرية المضيق اسم «مسجد النبي» و«مسجد البرود».

ويستعيد الدكتور عبد المحسن المقذلي، محافظ وادي الفرع السابق، في حديثة مع «الشرق الأوسط» ملامح تلك الحقبة، مؤكداً أن الوادي اشتهر عبر تاريخه الطويل بالنخيل والتمور، وأن ازدهاره ارتبط ارتباطاً مباشراً بوفرة المياه التي كانت تنبض في أرجائه. ويشير إلى أن عدد العيون الجارية في الوادي تجاوز 50 عيناً، مما حوَّل المكان إلى واحة خضراء يقصدها الناس من القرى والمناطق المجاورة.

يتمتع الوادي بكثرة ينابيعه وخصوبة أرضه (الشرق الأوسط)

ويبدو الحديث عن الماء في وادي الفرع حديثاً عن أصل الحكاية كلها؛ فالماء لم يكن مجرد مورد طبيعي، بل كان العنصر الذي صنع أهمية الوادي ومكانته، إذ يرى المقذلي أن هذه الوفرة في المياه شكَّلت القرى، ونمَّت الزراعة، واستقرت الحياة، ومنها استمد الوادي دوره بوصفه محطة رئيسية على طرق القوافل القادمة من بلاد الشام والمتجهة نحو الحجاز.

ومن بين تلك الطرق برز طريق القاح التاريخي الذي ارتبط اسمه بالوادي، وشكَّل أحد أهم المسارات البرية القديمة في المنطقة، ويشير المقذلي إلى وجود روايات تتحدث عن أجزاء من طرق حجرية مرصوفة ما زالت آثارها قائمة في بعض المواقع، وهي شواهد صامتة لكنها بليغة الدلالة على حجم الحركة التي شهدها المكان في عصور سابقة.

تشتهر المحافظة بزراعة النخيل وأنواع الحمضيات (واس)

ولم تقتصر أهمية الوادي على كونه ممراً للمسافرين، بل كان مركزاً اقتصادياً نشطاً، إذ تنتشر منافذ البيع التي يعود عمرها إلى أكثر من 150 عاماً وفقاً للمحافظ، الذي شدد على أن الدراسات الأثرية المتخصصة قد تكشف مستقبلاً عن مواقع وشواهد تاريخية ذات قيمة كبيرة، تضاهي في أهميتها المواقع المرتبطة بطريق الحج الشامي ومحطات الحجاج التاريخية المعروفة في المنطقة.

وفي ثنايا المحافظة تتناثر مواقع لا تزال تحتفظ بقدرتها على استحضار الماضي، ومنها وادي خضرة، الذي كان اسمه وادي «غبرة» والذي غيَّر اسمه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى اسمه الحالي المعروف به حالياً «وادي خضرة» وفقاً للمقذلي، الذي أشار إلى أنه لا تزال إحدى عيونه المائية تتدفق حتى اليوم.

وتحتفظ المحافظة بواحد من أهم معالمها التراثية، وهي السوق القديمة التي تقف شاهداً على حيوية الوادي، فعلى الرغم من مرور أكثر من قرن ونصف القرن على إنشائها لا تزال الدكاكين الحجرية قائمة، تروي قصة سوق كان يوماً القلب التجاري النابض للمنطقة بأكملها، وكان يرد إليها حسب المحافظ، من المحاني والأكحل والقرى المجاورة؛ لشراء التمور وتبادل السلع المختلفة، في مشهد يعكس حجم النشاط التجاري الذي عرفه الوادي في تلك الفترة.

المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)

ولأن الماء كان أساس الزراعة والحياة، يرى المقذلي أن المحافظة ارتبطت بمنظومة دقيقة من التنظيم والإدارة من خلال آلية توزيع المياه بين المزارع والبساتين، إذ لم يكن بصورة عشوائية، بل وفق نظام متقن يقوم على تحديد حصص زمنية دقيقة لكل مزارع، ويتولى الإشراف عليها شخص مختص معروف لدى الأهالي. ويعكس هذا النظام مستوى متقدماً من التنظيم الاجتماعي الذي نشأ حول الموارد المائية، وأسهم في استدامة النشاط الزراعي لعقود طويلة.

وإلى جانب إرثه التاريخي والزراعي، يطل وادي الفرع اليوم على مرحلة جديدة من التحول التنموي في مسارته المختلفة، إذ تعيش المحافظة نقلة نوعية وتوسع، ويُرتقب أن تشهد المحافظة تدفقاً سياحياً مع الطريق الذي يربط الوادي بساحل البحر الأحمر عبر مستورة، كما أن المحافظة تشتهر بزراعة النخيل وأنواع الحمضيات مثل الليمون والبرتقال، وكذلك العنب وأنواع الخضراوات.

Your Premium trial has ended


اكتشاف جمجمة في اسكوتلندا يُظهر طقساً جنائزياً غامضاً في العصر الحديدي

عُثر على جمجمة مثقوبة داخل حصن تل يعود إلى العصر الحديدي في واندلبوري (Cambridge Archaeological Unit)
عُثر على جمجمة مثقوبة داخل حصن تل يعود إلى العصر الحديدي في واندلبوري (Cambridge Archaeological Unit)
TT

اكتشاف جمجمة في اسكوتلندا يُظهر طقساً جنائزياً غامضاً في العصر الحديدي

عُثر على جمجمة مثقوبة داخل حصن تل يعود إلى العصر الحديدي في واندلبوري (Cambridge Archaeological Unit)
عُثر على جمجمة مثقوبة داخل حصن تل يعود إلى العصر الحديدي في واندلبوري (Cambridge Archaeological Unit)

كشفت دراسة أثرية حديثة عن جمجمة بشرية تعود إلى نحو 2000 عام في شمال غربي اسكوتلندا، تحمل دلائل على احتمال إزالة الدماغ منها عمداً بعد الوفاة، في ممارسة جنائزية تُعدّ من أكثر الاكتشافات غموضاً في سياق العصر الحديدي البريطاني.

ويعيد هذا الاكتشاف فتح ملف الطقوس الجنائزية لدى سكان بريطانيا خلال الفترة الممتدة بين 800 قبل الميلاد و43 ميلادياً، وهي مرحلة نادراً ما تبقى منها رفات بشرية محفوظة، باستثناء بعض المناطق في اسكوتلندا التي ساعدت ظروفها البيئية على بقاء العظام بحالة أفضل نسبياً، مما أتاح للباحثين فرصة دراسة تفاصيل دقيقة من حياة الموتى، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

العظام التي خضعت للتحليل تعود إلى شخصَين دُفنا داخل كومة حجرية منخفضة في موقع «لوخ بورالي» بمنطقة ساذرلاند، أحدهما لامرأة بالغة، والآخر لذكر صغير السن. وقد أظهرت الفحوصات الأثرية والوراثية مؤشرات على تغييرات حدثت بعد الوفاة، من بينها آثار خدوش داخل الجمجمة وتشوهات غير طبيعية في عظام الأطراف.

وحسب الباحثين، فإن هذه العلامات قد تشير إلى إزالة الدماغ بشكل متعمّد، بالإضافة إلى إعادة تشكيل بعض العظام بطريقة غير مألوفة، مما يطرح احتمال وجود طقس جنائزي مركّب يتجاوز مجرد الدفن التقليدي. إلا أن الدوافع الحقيقية وراء هذه الممارسات لا تزال غامضة وتعتمد على تأويلات علمية غير حاسمة.

وقالت الدكتورة لورا كاستيلز نافارو، الباحثة الرئيسية في الدراسة، إن تفسير هذا النوع من التلاعب بالرفات من الصعب جداً فهمه، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن طريقة الدفن المنظمة داخل الكومة الحجرية قد تعكس نوعاً من الاحترام أو التبجيل الذي حظي به المُتوفى داخل مجتمعه، رغم ما تعرّض له من تدخلات بعد الوفاة.

وأظهرت تحليلات الحمض النووي أن الشخصين كانا على الأرجح من الأقارب، ربما أبناء عمومة من الدرجة الثانية من جهة الأم. كما تبيّن أنهما نشآ في منطقة تقع جنوب شرقي موقع الدفن بنحو 80 كيلومتراً، مع وجود صلات وراثية في مناطق أبعد مثل جزر أوركني وأبلكروس، مما يعكس شبكة تواصل بشرية واسعة.

وتشير هذه النتائج إلى أن مجتمعات العصر الحديدي في شمال اسكوتلندا لم تكن معزولة، بل كانت تتحرك بشكل دوري على امتداد السواحل والجزر، ناقلة معها عاداتها وممارساتها الثقافية، في نمط حياة أكثر ديناميكية مما كان يُعتقد سابقاً.

وفي المحصلة، يقدّم هذا الاكتشاف صورة أكثر تعقيداً عن العلاقة بين الموت والطقوس في تلك الحقبة، ويؤكد أن فهم هذه الممارسات لا يزال ناقصاً، رغم ما يحمله من دلالات على تفاعل عميق بين الإنسان ومعتقداته في مواجهة الموت.