شوقي أبي شقرا... صياد الدهشة وشاعر العبث الطفولي

هل كان «القلم الأحمر» إحياءً طقوسياً لذكرى أبيه القتيل؟

شوقي أبي شقرا
شوقي أبي شقرا
TT

شوقي أبي شقرا... صياد الدهشة وشاعر العبث الطفولي

شوقي أبي شقرا
شوقي أبي شقرا

ينتمي الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا إلى ذلك الجيل التأسيسي الريادي الذي ترافق صعوده مع فورة الازدهار القصيرة التي شهدها لبنان بُعيد استقلاله، مستفيداً من موقعه الحساس ومن تنوعه الإثني والثقافي، ومن دوره الاستثنائي وسيطاً حاذقاً بين عالمي الشرق والغرب. ولعل البلد الصغير لم يكن لينجح في لعب ذلك الدور المتميز لو لم تتوفر له عناصر النجاح التي تمثلت بازدهار صحافته وتعدد جامعاته ومعاهده وانفتاحه على ثقافات العالم ولغاته الحية، ولولا تنعمه بقدر وافر من الحرية والتنوع الإثني والمعرفي، فيما كان العالم العربي آنذاك متقوقعاً على نفسه، رازحاً تحت وطأة الاستبداد، ومتوجساً من أي تغيير حقيقي. لذلك لم يكن تأسيس مجلة «شعر» آنذاك سوى الترجمة الطبيعية لما تحمله الأجيال الشابة من هواجس وأحلام وتطلعات. ولم يكد يوسف الخال يعلن عن مشروعه، حتى كان أبي شقرا، وهو بعدُ في النصف الأول من عشريناته، يستجيب للدعوة الجديدة التي عملت على بناء مشروع عربي حداثي، يشكل الشعر متنه وعمقه وواسطة عقده. وقد بدا واضحاً يومها أن إسهامات شوقي في المجلة لم تكن تقتصر على النصوص الشعرية، وبعض القراءات النقدية المتباعدة لعدد من المجموعات الصادرة في حينها، بل كانت تتعدى ذلك لتتصل بقراءة النصوص وما تستلزمه من تدقيق وتنقيح لغوي، كما يعبر الشاعر نفسه في غير مناسبة وحوار.
وبعد توقف «شعر» عن الصدور وتسلّم أبي شقرا مهمات ثقافية محورية في «الزمان» و«النهار»، ملحقاً وصفحة ثقافية يومية، ظل الشاعر القادم من مزرعة الشوف إلى بيروت يتربع لسنوات على سدة «السلطة» الثقافية في واحدة من أعرق المنابر الصحافية اللبنانية وأكثرها تأثيراً في المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد اكتسب قلمه الأحمر شهرة واسعة وهو يُعمل تصحيحاً وتعديلاً وتشطيباً في مئات النصوص التي ظلت تتكدس أمامه ومن حوله لأكثر من 40 عاماً من الزمن. ويحق لنا أن نتساءل في هذا السياق عما إذا كان اللون الأحمر يرمز إلى منع الأخطاء من المرور، أم هو إحياء طقوسي لدم أبيه الدركي الذي قضى في حادثة مروعة ولم يأخذ طريقه إلى التخثر؟ ولقد ظل شوقي بجسده النحيل وجبهته العريضة وحاجبيه الكثيفين، يكرر الطقوس ذاتها ويواكب التجارب المتنوعة لكثير من الأسماء الجديدة التي ثابر بعضها على الصعود والتطور المستمر، فيما آل بعضها الآخر إلى نسيان محقق. على أن عمله المرهق لم يكن ليُنسيه عاداته وسلوكياته الريفية التي زوّده بها مسقط رأسه في الجبل اللبناني، حيث لا يكاد زائرٌ ما يطرق الباب حتى يأذن له بالدخول ويستقبله بتهذيب بالغ طالباً إليه الجلوس بانتظار الانتهاء من تنقيح الأوراق والنصوص المعدّة للنشر في اليوم التالي. ولم يكن صاحب «نوتي مزدهر القوام» ليخيب ظن أحد من قاصديه الكثر، بصرف النظر عن أعمارهم ومشاربهم ومدارسهم الشعرية والنقدية المختلفة، لا بل إنه احتفى بالناشئين ممن لا يشبهونه في شيء، ومنحهم بسخاء بالغ المنبر الذي طالما حلموا باعتلائه. وحيث قام بالنسبة لهم، مقام الوالد، على ما يعبر المتنبي، بدا كأنه يعوضهم عما خسره هو بالذات من رعاية والده الدركي الذي خلفه على حين غفلة، تاركاً للصبي الذي كانه أن يرزح تحت وطأة اليتم المبكر، وأن يصاب بجروح في الروح سيكرس لاندمالها جلّ ما كتبه لاحقاً من قصائد ونصوص. وفي الكتاب الجامع الذي صدر أخيراً في بيروت تحت عنوان «شوقي أبي شقرا يتذكر»، ستكون أطياف الوالد حاضرة بقوة في غير مكان من السيرة، كما في مقدمة الكتاب التي يجيء فيها: «لي نجمتي ولي روح والدي الذي مضى إلى الأمس شاباً وهو يدلني في صحراء العمر على الواحة».
تكشف مذكرات شوقي أبي شقرا، التي صدرت عن دار نلسن منذ فترة، عن أسلوبه النثري الذي يحافظ، خلافاً لشعره، على تقاليد النثر العربي في سبكه المحكم ومتانته التعبيرية وإلحاحه على الفكرة عبر تكرارها في صيغ ووجوه مختلفة، كما تقدم بصفحاتها الثمانمائة وأبوابها المتعددة، صورة بانورامية واسعة عن الحياة الثقافية في لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين. أما البورتوريهات الكثيرة التي قدمها الكاتب لملامح عشرات الكتاب والفنانين من أصدقائه الأقربين أو من المشتغلين في حرفة الكتابة، فهي أقرب إلى الانطباعات والمجاملات الشخصية منها إلى التقصي النقدي والقراءة المعمقة. وإذا كان من باب الإنصاف الاعتراف بالجهود المضنية التي بذلها أبي شقرا شاعراً وصحافياً ومثقفاً بارزاً في تنشيط الحياة الثقافية اللبنانية ومدها بأسباب الحيوية والتطور، فإن ذلك لا يحول دون التوقف ملياً عند المحطات التي يعمد فيها صاحب المذكرات إلى الغمز المتكرر من قناة زملائه ورفاقه في «شعر» وغيرها، إضافة إلى حملته المستهجنة على شعراء الوزن الذين يرفضهم «بالجملة» ويمتدحهم «بالمفرق»، كما يظهر في كثير من فصول الكتاب وفقراته. فهم في رأيه «لم يرعووا ولم يخجلوا ولم يصادفوا حرجاً حين يؤوبون بالقصيدة الحديثة إلى عالم الوزن والقافية، أو إلى التوافق مع التفعيلة». وهو بذلك يربط الشعر بعنصر واحد من عناصره الفنية، ويتناسى أن الشعر العظيم يتجاوز أشكاله الظاهرة لينفذ إلى الأعماق متسلحاً بلهب المخيلة وكشوف الداخل. لا بل إن مثل هذه الأحكام المتعسفة لا تجد ما يسندها في بواكير الشاعر الموزونة ذاتها، خصوصاً في «أكياس الفقراء» و«خطوات الملك». فمن يقرأ بعناية قصائد هاتين المجموعتين، الصادرتين تباعاً عامي 1959 و1960، لا بد أن يلاحظ الحساسية العالية التي يمتلكها شوقي إزاء الأوزان وجرْسها التفعيلي الإيقاعي، فضلاً عن طراوة اللغة وفرح التبشير التموزي بقيامة الحياة وربيعها المتجدد: «أتُرى أذهب ميلاداً وفصحا/ من هنا من عالمي المغمى عليهِ/ يحفر الحبّ على الأشجار قلبي بيديهِ/ لست أُمحى/ فأنا علبة نعْمى لثغور الفقراءِ/ ولكم يا أصدقائي/ سأرشّ الأرض قمحا/ وترفّ القبة البيضاء لي».
كما يكتنف هذه البواكير شعور بالرجاء تتفاوت مصادره بين الأسطوري المتمثل بصورة جلجامش السومري الباحث عن الخلود عبر «عشبة خلف البحار»، والديني المتمثل بصورة المسيح الذي يدحرج الصخرة من مكانها، كما يظهر في نصوص «خطوات الملك». ورغم قسوة الحياة على «الولد الضائع»، فإن ما يعتّمه المعنى المتصل بصورة الأب القتيل، يحمله الشكل إلى ضالته الغنائية المترعة بالعاطفة: «كلّ يوم نجمتي منطلقه/ بزياره/ للقاء الآخرين/ لترى يا أبتِ/ ولداً كالورقه/ كالمغاره/ ضائعاً خلف السنينْ/ هو في المنفى حزينْ/ في القبور المغلقه/ في خيام الفاتحينْ/ يصبغ الأحذية المحترقه/ بالمراثي/ وبألوان حبال المشنقه».
لكن أعمال شوقي اللاحقة، بدءاً من «ماء إلى حصان العائلة» ووصولاً إلى «تتساقط الثمار والطيور وليس الورقة»، ما لبثت أن انعطفت، وبقرار واعٍ على الأرجح، باتجاه مسارات ومسالك أخرى لا تكاد تمت بصلة إلى كتاباته الأولى. ليس فقط لأنها ركنت إلى قصيدة النثر خياراً حاسماً ونهائياً في كتابة الشعر، وهو ما كان قد سبق إليه أنسي الحاج ومحمد الماغوط، بل لأن الشاعر تنكّب في كتابته لغة ما قبل مدينية تتخذ من عالم الريف ونباتاته وحيواناته المختلفة مسرحها الملائم وضالتها المنشودة. فليس ثمة في معظم ما كتبه شوقي فيما بعد من صلة بواقع الحال أو باللحظة الراهنة في جزئياتها الساخنة وتفاصيلها المعيشية، بقدر ما تشي نصوصه بعوالم منقضية يتم استدعاؤها من مكانها الطبيعي في تربة الماضي، لتعاد صياغتها في فضاء التأليف الحاذق والسخرية المجردة. بات الشعر هنا انسلاخاً عن مجريات الحياة الفعلية واستدراجاً متعمداً للغرابة والإدهاش غير المستندين إلى ظهير قلبي أو معنى بعينه. أو هو نوع من فن «الكولاج» واللصق المشهدي الذي يتم تجهيزه بكثير من العناية والاحتراف، على طريقة الرسم الحديث أو أفلام الصور المتحركة.
وقد يحسب لأبي شقرا إثراؤه اللافت للمعجم الشعري التقليدي، ولغته الخاصة التي لا تمتح من مياه الآخرين، وجرأته البالغة في ربط الشعر بما هو منسي وغفْل من المحسوسات والتفاصيل، ولكن بعض نصوصه تفتقر إلى الفوران الداخلي للغة، وإلى الكهرباء التي تمس الشغاف، حيث يحل بدلاً منهما التركيب الصوري والطرافة المتعمدة. فإذا كنا نقع في «سنجاب يقع من البرج» على لُمح ذكية ومستساغة، من مثل «الشمس حمارة في الحساب/ كل مساء تغيب وتقع في الغلطة ذاتها»، فثمة بالمقابل نصوص ومقطوعات لا تتعدى كونها تمارين لغوية مجانية، وألعاباً ذهنية لا تجد ما يسوغها، كقول الشاعر: «البحيتيرة سمكةٌ طول نكتة/ طول شعرة من ذقني/ والبحيتيرة طفلي سيجيء: سلّمي يا حبيبتي عليه/ حبيبتي عالية 1500 متر/ تنام فتسكت الغيمات». كما نقرأ له في مجموعة «حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة» نصاً من مثل «الموظفون في مكتب أسفارنا مسطرة/ فتاحة للقناني/ كاوتشوكة/ رمانة/ تمّ السمكة/ سطل الدوار/ نصحح طريق العين/ سراجنا قصبنا للمصّ/ كفّنا للأصلع المعاق/ قرصة للضمير المنفصل/ قبلة للمتأخر، شورباء!».
من الواضح بالطبع أن شوقي أبي شقرا في معظم أعماله قد سعى جاهداً لإظهار نزوعه الطفولي السوريالي الذي يعبث بالعالم ويرفع الكلفة بين الجمادات والكائنات الحية. وهو بإصراره على استدعاء عالم الطفولة المشوش والحلمي بدا كأنه يحتج بطريقته الخاصة على فقدان أبيه، كما لو أنه «الابن المصبّر» في رواية فينوس خوري غاتا، أو الصبي الذي يريد أن يختبئ من درب الأعمار، وفق الأغنية الفيروزية. وإذا كان الجانب السوريالي من هذه التجربة يتمثل في تصيّد الدهشة وحشد الصور الغريبة وغير المألوفة، فإن الشاعر بالمقابل لا يستسلم لتداعياتها اللاواعية وعوالمه الحلمية كما يفعل السورياليون، بل يكتب نصوصه عن سابق تصور، وبوعي تام وحرفية واضحة، كما لو أن هناك تعارضاً ضدياً بين براءة الروح والرؤية الطفولية إلى العالم، وبين الكدح التأليفي والأسلوبي. ولعلني أميل إلى الاعتقاد بأن أسلوبه يتقاطع من ناحية مع المدرسة اللبنانية التي شغف أركانها بالأناقة والتنميق اللغوي، كما كان حال أمين نخلة وصلاح لبكي وفؤاد سليمان، ويتقاطع من ناحية أخرى مع المناخات الريفية والفولكلورية لمارون عبود.
ومع ذلك فلا بد من الإشارة أخيراً إلى أن كثيراً من قصائد شوقي أبي شقرا ونصوصه تتخفف من عبثيتها الظاهرة ولعبها المجاني، لمصلحة البوح الداخلي وتمزقات النفس المعطوبة والباحثة عن رجاءٍ ما. وقد تكون مجموعة «ثياب سهرة الواحة والعشبة» هي من بين الأعمال الأكثر إصابة لمعنى الشعر، والألصق بمعاناة الشاعر ومكابداته.



مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.