شوقي أبي شقرا... صياد الدهشة وشاعر العبث الطفولي

هل كان «القلم الأحمر» إحياءً طقوسياً لذكرى أبيه القتيل؟

شوقي أبي شقرا
شوقي أبي شقرا
TT

شوقي أبي شقرا... صياد الدهشة وشاعر العبث الطفولي

شوقي أبي شقرا
شوقي أبي شقرا

ينتمي الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا إلى ذلك الجيل التأسيسي الريادي الذي ترافق صعوده مع فورة الازدهار القصيرة التي شهدها لبنان بُعيد استقلاله، مستفيداً من موقعه الحساس ومن تنوعه الإثني والثقافي، ومن دوره الاستثنائي وسيطاً حاذقاً بين عالمي الشرق والغرب. ولعل البلد الصغير لم يكن لينجح في لعب ذلك الدور المتميز لو لم تتوفر له عناصر النجاح التي تمثلت بازدهار صحافته وتعدد جامعاته ومعاهده وانفتاحه على ثقافات العالم ولغاته الحية، ولولا تنعمه بقدر وافر من الحرية والتنوع الإثني والمعرفي، فيما كان العالم العربي آنذاك متقوقعاً على نفسه، رازحاً تحت وطأة الاستبداد، ومتوجساً من أي تغيير حقيقي. لذلك لم يكن تأسيس مجلة «شعر» آنذاك سوى الترجمة الطبيعية لما تحمله الأجيال الشابة من هواجس وأحلام وتطلعات. ولم يكد يوسف الخال يعلن عن مشروعه، حتى كان أبي شقرا، وهو بعدُ في النصف الأول من عشريناته، يستجيب للدعوة الجديدة التي عملت على بناء مشروع عربي حداثي، يشكل الشعر متنه وعمقه وواسطة عقده. وقد بدا واضحاً يومها أن إسهامات شوقي في المجلة لم تكن تقتصر على النصوص الشعرية، وبعض القراءات النقدية المتباعدة لعدد من المجموعات الصادرة في حينها، بل كانت تتعدى ذلك لتتصل بقراءة النصوص وما تستلزمه من تدقيق وتنقيح لغوي، كما يعبر الشاعر نفسه في غير مناسبة وحوار.
وبعد توقف «شعر» عن الصدور وتسلّم أبي شقرا مهمات ثقافية محورية في «الزمان» و«النهار»، ملحقاً وصفحة ثقافية يومية، ظل الشاعر القادم من مزرعة الشوف إلى بيروت يتربع لسنوات على سدة «السلطة» الثقافية في واحدة من أعرق المنابر الصحافية اللبنانية وأكثرها تأثيراً في المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد اكتسب قلمه الأحمر شهرة واسعة وهو يُعمل تصحيحاً وتعديلاً وتشطيباً في مئات النصوص التي ظلت تتكدس أمامه ومن حوله لأكثر من 40 عاماً من الزمن. ويحق لنا أن نتساءل في هذا السياق عما إذا كان اللون الأحمر يرمز إلى منع الأخطاء من المرور، أم هو إحياء طقوسي لدم أبيه الدركي الذي قضى في حادثة مروعة ولم يأخذ طريقه إلى التخثر؟ ولقد ظل شوقي بجسده النحيل وجبهته العريضة وحاجبيه الكثيفين، يكرر الطقوس ذاتها ويواكب التجارب المتنوعة لكثير من الأسماء الجديدة التي ثابر بعضها على الصعود والتطور المستمر، فيما آل بعضها الآخر إلى نسيان محقق. على أن عمله المرهق لم يكن ليُنسيه عاداته وسلوكياته الريفية التي زوّده بها مسقط رأسه في الجبل اللبناني، حيث لا يكاد زائرٌ ما يطرق الباب حتى يأذن له بالدخول ويستقبله بتهذيب بالغ طالباً إليه الجلوس بانتظار الانتهاء من تنقيح الأوراق والنصوص المعدّة للنشر في اليوم التالي. ولم يكن صاحب «نوتي مزدهر القوام» ليخيب ظن أحد من قاصديه الكثر، بصرف النظر عن أعمارهم ومشاربهم ومدارسهم الشعرية والنقدية المختلفة، لا بل إنه احتفى بالناشئين ممن لا يشبهونه في شيء، ومنحهم بسخاء بالغ المنبر الذي طالما حلموا باعتلائه. وحيث قام بالنسبة لهم، مقام الوالد، على ما يعبر المتنبي، بدا كأنه يعوضهم عما خسره هو بالذات من رعاية والده الدركي الذي خلفه على حين غفلة، تاركاً للصبي الذي كانه أن يرزح تحت وطأة اليتم المبكر، وأن يصاب بجروح في الروح سيكرس لاندمالها جلّ ما كتبه لاحقاً من قصائد ونصوص. وفي الكتاب الجامع الذي صدر أخيراً في بيروت تحت عنوان «شوقي أبي شقرا يتذكر»، ستكون أطياف الوالد حاضرة بقوة في غير مكان من السيرة، كما في مقدمة الكتاب التي يجيء فيها: «لي نجمتي ولي روح والدي الذي مضى إلى الأمس شاباً وهو يدلني في صحراء العمر على الواحة».
تكشف مذكرات شوقي أبي شقرا، التي صدرت عن دار نلسن منذ فترة، عن أسلوبه النثري الذي يحافظ، خلافاً لشعره، على تقاليد النثر العربي في سبكه المحكم ومتانته التعبيرية وإلحاحه على الفكرة عبر تكرارها في صيغ ووجوه مختلفة، كما تقدم بصفحاتها الثمانمائة وأبوابها المتعددة، صورة بانورامية واسعة عن الحياة الثقافية في لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين. أما البورتوريهات الكثيرة التي قدمها الكاتب لملامح عشرات الكتاب والفنانين من أصدقائه الأقربين أو من المشتغلين في حرفة الكتابة، فهي أقرب إلى الانطباعات والمجاملات الشخصية منها إلى التقصي النقدي والقراءة المعمقة. وإذا كان من باب الإنصاف الاعتراف بالجهود المضنية التي بذلها أبي شقرا شاعراً وصحافياً ومثقفاً بارزاً في تنشيط الحياة الثقافية اللبنانية ومدها بأسباب الحيوية والتطور، فإن ذلك لا يحول دون التوقف ملياً عند المحطات التي يعمد فيها صاحب المذكرات إلى الغمز المتكرر من قناة زملائه ورفاقه في «شعر» وغيرها، إضافة إلى حملته المستهجنة على شعراء الوزن الذين يرفضهم «بالجملة» ويمتدحهم «بالمفرق»، كما يظهر في كثير من فصول الكتاب وفقراته. فهم في رأيه «لم يرعووا ولم يخجلوا ولم يصادفوا حرجاً حين يؤوبون بالقصيدة الحديثة إلى عالم الوزن والقافية، أو إلى التوافق مع التفعيلة». وهو بذلك يربط الشعر بعنصر واحد من عناصره الفنية، ويتناسى أن الشعر العظيم يتجاوز أشكاله الظاهرة لينفذ إلى الأعماق متسلحاً بلهب المخيلة وكشوف الداخل. لا بل إن مثل هذه الأحكام المتعسفة لا تجد ما يسندها في بواكير الشاعر الموزونة ذاتها، خصوصاً في «أكياس الفقراء» و«خطوات الملك». فمن يقرأ بعناية قصائد هاتين المجموعتين، الصادرتين تباعاً عامي 1959 و1960، لا بد أن يلاحظ الحساسية العالية التي يمتلكها شوقي إزاء الأوزان وجرْسها التفعيلي الإيقاعي، فضلاً عن طراوة اللغة وفرح التبشير التموزي بقيامة الحياة وربيعها المتجدد: «أتُرى أذهب ميلاداً وفصحا/ من هنا من عالمي المغمى عليهِ/ يحفر الحبّ على الأشجار قلبي بيديهِ/ لست أُمحى/ فأنا علبة نعْمى لثغور الفقراءِ/ ولكم يا أصدقائي/ سأرشّ الأرض قمحا/ وترفّ القبة البيضاء لي».
كما يكتنف هذه البواكير شعور بالرجاء تتفاوت مصادره بين الأسطوري المتمثل بصورة جلجامش السومري الباحث عن الخلود عبر «عشبة خلف البحار»، والديني المتمثل بصورة المسيح الذي يدحرج الصخرة من مكانها، كما يظهر في نصوص «خطوات الملك». ورغم قسوة الحياة على «الولد الضائع»، فإن ما يعتّمه المعنى المتصل بصورة الأب القتيل، يحمله الشكل إلى ضالته الغنائية المترعة بالعاطفة: «كلّ يوم نجمتي منطلقه/ بزياره/ للقاء الآخرين/ لترى يا أبتِ/ ولداً كالورقه/ كالمغاره/ ضائعاً خلف السنينْ/ هو في المنفى حزينْ/ في القبور المغلقه/ في خيام الفاتحينْ/ يصبغ الأحذية المحترقه/ بالمراثي/ وبألوان حبال المشنقه».
لكن أعمال شوقي اللاحقة، بدءاً من «ماء إلى حصان العائلة» ووصولاً إلى «تتساقط الثمار والطيور وليس الورقة»، ما لبثت أن انعطفت، وبقرار واعٍ على الأرجح، باتجاه مسارات ومسالك أخرى لا تكاد تمت بصلة إلى كتاباته الأولى. ليس فقط لأنها ركنت إلى قصيدة النثر خياراً حاسماً ونهائياً في كتابة الشعر، وهو ما كان قد سبق إليه أنسي الحاج ومحمد الماغوط، بل لأن الشاعر تنكّب في كتابته لغة ما قبل مدينية تتخذ من عالم الريف ونباتاته وحيواناته المختلفة مسرحها الملائم وضالتها المنشودة. فليس ثمة في معظم ما كتبه شوقي فيما بعد من صلة بواقع الحال أو باللحظة الراهنة في جزئياتها الساخنة وتفاصيلها المعيشية، بقدر ما تشي نصوصه بعوالم منقضية يتم استدعاؤها من مكانها الطبيعي في تربة الماضي، لتعاد صياغتها في فضاء التأليف الحاذق والسخرية المجردة. بات الشعر هنا انسلاخاً عن مجريات الحياة الفعلية واستدراجاً متعمداً للغرابة والإدهاش غير المستندين إلى ظهير قلبي أو معنى بعينه. أو هو نوع من فن «الكولاج» واللصق المشهدي الذي يتم تجهيزه بكثير من العناية والاحتراف، على طريقة الرسم الحديث أو أفلام الصور المتحركة.
وقد يحسب لأبي شقرا إثراؤه اللافت للمعجم الشعري التقليدي، ولغته الخاصة التي لا تمتح من مياه الآخرين، وجرأته البالغة في ربط الشعر بما هو منسي وغفْل من المحسوسات والتفاصيل، ولكن بعض نصوصه تفتقر إلى الفوران الداخلي للغة، وإلى الكهرباء التي تمس الشغاف، حيث يحل بدلاً منهما التركيب الصوري والطرافة المتعمدة. فإذا كنا نقع في «سنجاب يقع من البرج» على لُمح ذكية ومستساغة، من مثل «الشمس حمارة في الحساب/ كل مساء تغيب وتقع في الغلطة ذاتها»، فثمة بالمقابل نصوص ومقطوعات لا تتعدى كونها تمارين لغوية مجانية، وألعاباً ذهنية لا تجد ما يسوغها، كقول الشاعر: «البحيتيرة سمكةٌ طول نكتة/ طول شعرة من ذقني/ والبحيتيرة طفلي سيجيء: سلّمي يا حبيبتي عليه/ حبيبتي عالية 1500 متر/ تنام فتسكت الغيمات». كما نقرأ له في مجموعة «حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة» نصاً من مثل «الموظفون في مكتب أسفارنا مسطرة/ فتاحة للقناني/ كاوتشوكة/ رمانة/ تمّ السمكة/ سطل الدوار/ نصحح طريق العين/ سراجنا قصبنا للمصّ/ كفّنا للأصلع المعاق/ قرصة للضمير المنفصل/ قبلة للمتأخر، شورباء!».
من الواضح بالطبع أن شوقي أبي شقرا في معظم أعماله قد سعى جاهداً لإظهار نزوعه الطفولي السوريالي الذي يعبث بالعالم ويرفع الكلفة بين الجمادات والكائنات الحية. وهو بإصراره على استدعاء عالم الطفولة المشوش والحلمي بدا كأنه يحتج بطريقته الخاصة على فقدان أبيه، كما لو أنه «الابن المصبّر» في رواية فينوس خوري غاتا، أو الصبي الذي يريد أن يختبئ من درب الأعمار، وفق الأغنية الفيروزية. وإذا كان الجانب السوريالي من هذه التجربة يتمثل في تصيّد الدهشة وحشد الصور الغريبة وغير المألوفة، فإن الشاعر بالمقابل لا يستسلم لتداعياتها اللاواعية وعوالمه الحلمية كما يفعل السورياليون، بل يكتب نصوصه عن سابق تصور، وبوعي تام وحرفية واضحة، كما لو أن هناك تعارضاً ضدياً بين براءة الروح والرؤية الطفولية إلى العالم، وبين الكدح التأليفي والأسلوبي. ولعلني أميل إلى الاعتقاد بأن أسلوبه يتقاطع من ناحية مع المدرسة اللبنانية التي شغف أركانها بالأناقة والتنميق اللغوي، كما كان حال أمين نخلة وصلاح لبكي وفؤاد سليمان، ويتقاطع من ناحية أخرى مع المناخات الريفية والفولكلورية لمارون عبود.
ومع ذلك فلا بد من الإشارة أخيراً إلى أن كثيراً من قصائد شوقي أبي شقرا ونصوصه تتخفف من عبثيتها الظاهرة ولعبها المجاني، لمصلحة البوح الداخلي وتمزقات النفس المعطوبة والباحثة عن رجاءٍ ما. وقد تكون مجموعة «ثياب سهرة الواحة والعشبة» هي من بين الأعمال الأكثر إصابة لمعنى الشعر، والألصق بمعاناة الشاعر ومكابداته.



97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».