الإعلام الأفغاني ... حكاية بدايتها «شمس النهار» وحاضرها فوضى

مطبوعات نسوية رأت النور عام 1921 وتعددية أصوات «كتمها» حكم «طالبان»

مانيجا رسولي الصحافية الأفغانية الوحيدة في عام 2001... تحدت «طالبان» في ذلك الوقت وتابع تغطياتها مئات الألوف في البلاد (غيتي)
مانيجا رسولي الصحافية الأفغانية الوحيدة في عام 2001... تحدت «طالبان» في ذلك الوقت وتابع تغطياتها مئات الألوف في البلاد (غيتي)
TT

الإعلام الأفغاني ... حكاية بدايتها «شمس النهار» وحاضرها فوضى

مانيجا رسولي الصحافية الأفغانية الوحيدة في عام 2001... تحدت «طالبان» في ذلك الوقت وتابع تغطياتها مئات الألوف في البلاد (غيتي)
مانيجا رسولي الصحافية الأفغانية الوحيدة في عام 2001... تحدت «طالبان» في ذلك الوقت وتابع تغطياتها مئات الألوف في البلاد (غيتي)

كانت سبّاقة هي أفغانستان، هذه الدولة الواقعة في وسط آسيا، في وضع أولى لبنات ما يطلق عليه بالإعلام الحر والبناء في عصرنا الحاضر. حدث ذلك بدءاً من عام 1873 وفي أيام الأمير شير علي خان، الذي كان يحكم أفغانستان قبل الاستقلال الرسمي من بريطانيا. في هذه الفترة، سمح الأمير الشاب بتأسيس أول صحيفة ووسيلة إعلامية تشهدها البلاد، واسمها «شمس النهار». كانت تصدر بلغتين الباشتونية والفارسية، وهما اللغتان الرسميتان اللتان يتكلم بهما أغلب الأفغان.
جريدة «شمس النهار» كانت أول تجربة في هذا البلد، الذي يغلب عليه نسبة الأمية إلى درجة كبيرة، مقارنة مع جيرانه من الدول والشعوب، لكن الصحيفة في فترة وجيزة استطاعت ملامسة الواقع المغاير للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للشعب الأفغاني، حيث كان التركيز في الصحيفة على جوانب الحياة المتنوعة في البلاد، المكون أساساً من عرقيات مختلفة كالباشتون والطاجيك والأوزبيك والهزارة والتركمان والقزلباش، وكل هذه الإثنيات كانت تعيش قبل اندلاع الحرب الأهلية والمشكلات التي تعاني منها هذه الدولة في وفاق وانسجام.
لعبت صحيفة «شمس النهار»، التي استمرت في النشر والطباعة قرابة 3 سنوات، دوراً محورياً ومهماً في نشر الوعي والثقافة والصحوة الوطنية بين أبناء الشعب الأفغاني، الذي كان يكافح احتلال الهند البريطاني في تلك الحقبة. ومع تزايد الضغوط العسكرية والمعيشية على الأمير الأفغاني شير علي خان من قبل الاحتلال البريطاني، القادم من وراء الحدود، انتهت إمارته، ومعها أغلقت الصحيفة عام 1878. وكان حينها في كابل 3 مطابع حجرية تقوم بنشاط الطباعة والنحت لأغراض حكومية رسمية في العاصمة.
- «سراج الأخبار» وعراب الصحافة الأفغانية
اتسمت فترة حكم أمير حبيب الله خان، بالعنف والإقصاء وتهميش الآخر وعدم مراعاة التوازن العرقي والإثني في البلاد، وذلك عام 1906. ولكي يؤسس ويقوي دعائم حكمه، قام الأمير بتأسيس جريدة مطبوعة، أطلق عليها اسم «سراج الأخبار»، كانت تنشر وتطبع في العاصمة الإدارية للبلاد، في كابل. وفي واقع الأمر «سراج الأخبار» لم تكن محض صحيفة أو جريدة، بل كان ينظر إليها كمؤسسة إعلامية ومدرسة للتعليم والطباعة، وبسبب أن الصحيفة الوليدة في عهد الأمير حبيب الله خان، كانت تحض على نيل الاستقلال الكامل من بريطانيا وتشجع على النهضة والحرية، ضغطت حكومة الهند البريطانية، التي كانت تسيطر وتهيمن على شبه القارة الهندية، وكان لها تأثير مباشر على الإمارات والحكومات الإقليمية في أفغانستان، ما أدى إلى إغلاق الصحيفة بعد فترة وجيزة من انطلاقتها.
إلى أن ظهر في سماء الإعلام الأفغاني القديم نجم ساطع يتردد إلى يومنا هذا، ويعد مؤسس والأب الروحي للإعلام القديم، حتى الحديث، في أفغانستان. هذا الاسم هو محمود طرزي، الذي بسبب علاقته القوية والمتينة مع أمير البلاد حبيب الله خان استطاع بمهارة إعلامية عالية إقناعه بضرورة وجود صحف وجرائد تعكس الموقف الحكومي الرسمي، وتقوم بنشر الوعي والثقافة بين المواطنين، وألحّ عليه بضرورة استئناف العمل بالصحف والإعلام والسماح للمطابع بمعاودة النشاط.
- نضال عابر للحدود
قَبِل الأمير هذا المقترح، وسمح للصحف بالعودة للعمل وإعادة تشغيل المطابع الحكومية حيث استؤنف العمل مجدداً عام 1911 بصحيفة «سراج الأخبار»، مع إضافة كلمة الأفغانية إليها، فأصبح اسم الصحيفة الجديد «سراج الأخبار الأفغانية»، وتولى الكاتب الإعلامي محمود طرزي رئاسة التحرير بالصحيفة.
ركّز طرزي على جانب نشر الوعي والتعليم وتشجيع المواطن على نيل حقوقه الأساسية، وكانت الصحيفة تدعو إلى تبني النهضة والرقي عبر التعليم، كما كانت تشجع على ضرورة كفاح ونضال الاحتلال.
الصحيفة لم تختصر رسالتها على جغرافيا أفغانستان، بل بدأ صداها يصل إلى دول أخرى في آسيا الوسطى التي كانت تقبع تحت الاحتلال البلشفي الروسي. يقول المؤرخ الطاجيكي صدر الدين عيني إن صحيفة «سراج الأخبار» كانت توزع على دول آسيا الوسطى، وكانت الشعوب في تلك الدول تستلهم الأفكار المناهضة للمحتل من تلك الصحيفة، التي قامت بلعب دور محوري في إنقاذ الشعوب وإيقاذ الهمم والتصميم لنيل الحرية والاستقلال، فكانت مدرسة تعليمية ومؤسسة إعلامية رائدة آنذاك. وفي عام 1918 قبل عام من نيل أفغانستان استقلالها التام من الهند البريطاني، أسست مؤسسة «سراج الأخبار» صحفاً أخرى تابعة لها، منها «سراج أطفال» الصحيفة التي كانت تعنى بشؤون الأطفال، وتعمل من أجل راحتهم، من خلال الأخبار القصيرة ونشر صور الكاريكاتير الخاصة بهم.
- العصر الذهبي
تعد الفترة الممتدة بين أعوام 1919 - 1929 العصر الذهبي والتاريخي بالنسبة للإعلام في أفغانستان. ففي هذه الفترة حصلت البلاد على استقلالها الكامل من بريطانيا، واعترفت بها الدول كياناً مستقلاً له حدود معترف بها دولياً. وكان أمير أمان الله خان، الحاكم الإصلاحي للبلاد، يسيطر على زمام الأمور في هذه الدولة الآسيوية؛ حيث شهدت الصحافة ثورة كبيرة في عهده، وتطور العمل بها وتوسعت مؤسسات إعلامية كانت تعمل بحرية معقولة.
في عام 1924 رأى أول دستور أفغاني في تاريخ البلاد النور، وضمن مبدأ حرية الصحافة والإعلام، وأطلق العنان لتأسيس وإصدار صحف وجرائد مستقلة، وبدأت حركة الصحف تنتشر وتتوسع إلى المحافظات الأفغانية الكبيرة مثل قندهار وهرات وجلال آباد، فضلاً عن العاصمة كابل التي شهدت رواجاً واضحاً في طباعة الصحف وانتشارها بنطاق أوسع.
كانت أهم الصحف التي ظهرت إلى الوجود ضمن مبدأ حرية الصحافة في العصر الذهبي، هي صحيفة «أفغان»، وصحيفة «بلاغ»، وصحيفة «حقيقيت»، وصحيفة «أمان» نسبة للأمير أمان الله خان حاكم البلاد، وصحيفة «غازي».
- «أنيس» و«نسيم سحر» المستقلتان
كانت أول صحيفة مستقلة، بما تعني الكلمة من معنى، خرجت للعلن في هذه الحقبة، هي صحيفة «أنيس» لمؤسسها غلام محيي الدين أنيس، الذي كان هو رئيس التحرير فيها أيضاً، تليها جريدة «نسيم سحر»، وهي صحيفة كانت تنتقد أداء الحكومة، وتقدم بدائل واضحة في الأداء لمؤسسات الدولة. في هذه الحقبة من تاريخ أفغانستان المتقلب والمتغير مع تغيير الأنظمة فيها، وجدت صحف وجرائد ومجلات، يمكن اعتبارها النواة الحقيقية لحرية الصحافة والإعلام، والتي تحولت فيما بعد إلى مؤسسات إعلامية رائدة تنتج الصحافيين، وتقدمهم للمجتمع الأفغاني المحافظ.
لأول مرة في تاريخ البلاد، وفي المجتمع القبلي «الذكوري»، تم تأسيس صحف ومجلات تعنى بشؤون المرأة، وتتحدث عن حقوقها «الطبيعية»، وهو ما أغضب رجالات الدين المتشددين، وكانت أول صحيفة وباكورة العمل الصحافي بخصوص المرأة، صحيفة «إرشاد النسوان» التي تأسست عام 1921، تلتها حركة النشر والطباعة لكثير من الصحف المخصصة للمرأة والأطفال. هذه الحركة الثورية في الصحف والإعلام لم تختصر بالعاصمة والمدن الكبيرة، فبدأت تنتقل إلى الولايات البعيدة، وبدأ الأفغان يدركون أهمية الإعلام وحرية الصحافة، وانتشرت مراكز الطبع في المحافظات، فكانت صحيفة «طلوع أفغان» أول صحيفة تطبع في قندهار عاصمة الجنوب الأفغاني، وصحيفة «اتحاد مشرق» في مدينة جلال آباد بالشرق الأفغاني، وصحيفة «اتفق إسلام» في ولاية هرات غربي البلاد.
- صحافة آخر ملوك أفغانستان
وككل حقبة وفترة سياسية، لم تدم حقبة العصر الذهبي بالنسبة للحياة الإعلامية في أفغانستان، حيث ثار رجال دين ضد المشروعات الإصلاحية للأمير أمان الله خان، وكانت النتيجة طرده من البلاد، وقد فضل المنفى الاختياري له، إلى أن مات في إيطاليا؛ حيث خلفه الأمير نادر خان، الذي انقلب على كل المشروعات الإصلاحية، ولا سيما مجال الصحافة والإعلام، وقام بإغلاق جميع الصحف والجرائد المستقلة، ومنع العمل بها، وحوّل صحيفة «أنيس» كبرى الصحف المستقلة وأكثرها انتشاراً إلى صحيفة حكومية، واعتقل مؤسسها محيي الدين أنيس، الذي قتل في المعتقل بعد فترة من الاحتجاز من قبل السلطات، وبذلك وضع نهاية للعصر الذهبي، الذي كانت تتمتع بها الصحف الأفغانية.
الملك الأفغاني الراحل محمد ظاهر شاه حكم البلاد لمدة 40 سنة، وباستثناء السنوات القليلة الأولى من حكمه، التي اتسمت بالديكتاتورية والإقصاء للخصوم السياسيين، عادت حرية الصحافة والإعلام إلى المشهد من جديد بعد إطلاق مشروع إصلاحي كبير طال جميع مؤسسات الدولة، وبدأت حركة النشر والطباعة تعود إلى المشهد من جديد، وتنفس الصحافيون والإعلاميون الصعداء، وبدأت أسواق الطباعة تنتعش من جديد، إلى أن جاءت حقبة الشيوعيين وفترة الانقلابات السياسية في سبعينات القرن الماضي، بدعم من الاتحاد السوفياتي السابق، فتحول الإعلام الشاب إلى إعلام تابع للنظام، يطبل ويذمر للأنظمة والحكام.
- «طالبان» و{صوت الشريعة}
في بدايات تسعينات القرن الماضي، سيطرت حركة طالبان المتشددة على مقاليد الحكم في كابل، ومنعت الصحف، وأغلقت المطابع ودور النشر، وحولت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الحكومي إلى مؤسسة ناطقة باسم أفكار الجماعة، وغيرت اسمها، فسمتها «صوت الشريعة». معظم برامج الإذاعة ركزت على فتاوى دينية، لا تتجاوز الأوامر والنواهي، وكانت الإذاعة تحذر وتبشر مستمعيها بما تراه مناسباً لهم عبر مجموعة من رجال الدين نصبوا أنفسهم أهل علم وحكمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
كانت جميع الصحف قد أغلقت، وتصدر فقط صحيفة «الشريعة» الناطقة باسم جماعة طالبان، التي حرمت المواطنين من التعددية الفكرية والسياسية وكانت تسمح وتجبر الأفغان على سماع أخبار «صوت الشريعة» من الإذاعة الوحيدة اليتيمة في كابل والولايات التي تسيطر عليها «طالبان». كما منعت وعاقبت من كان يستمع حينها إلى الإذاعات الدولية الناطقة باللغات الأفغانية مثل إذاعة «بي بي سي»، الباشتو والفارسية، أو إذاعة «صوت أميركا» و«أوروبا الحرة».
- حرية... وفوضى
القناة والإذاعة الحكومية أقدم وسيلتين إعلاميتين غير مكتوبتين عرفهما الأفغان، لكنهما تعرضتا لعدة مطبات، حيث تعرض مبنى الإذاعة والتلفزيون للحرق والنهب أيام سيطرة المتطرفين على كابل في عام 1992، ثم تعرض المبنى نفسه الواقع في منطقة وزير أكبر خان للنهب والحرب وتدمير أجزاء منه أيام سيطرة «طالبان» على كابل، وأغلقت القناة التلفزيونية أثناء الحرب بسبب عدم وجود كوادر فنية، ومعارضة قادة «طالبان» بالإعلام المرئي.
منذ رحيل «طالبان»، حاولت السلطات الجديدة إعادة بثّ الروح إلى القناة الحكومية، فتم تأسيس مبانٍ جديدة لها وتجهيزها بأحداث المعدات، غير أنها فشلت في استقطاب عدد كافٍ من المشاهدين والمشاهدات بسبب عدم الكفاءة وعدم قدرة الموظفين على مواكبة التطورات السريعة والمتلاحقة في قطاع الإعلام الحديث.
إلى جانب القنوات الحكومية الرسمية، هناك عشرات المحطات التلفزيونية والإذاعات اليوم، تتبع الأحزاب السياسية وقادة المتطرفين السابقين الذين يحاولون الوصول إلى أنصارهم من خلال هذه المحطات التي تبث خطابات وكلمات القادة السياسيين في مختلف المناسبات والمجالات، وهي تعمل جاهدة في تثبيت دعائم هؤلاء الساسة في المجتمع الأفغاني المنقسم عرقياً وطائفياً. بعض هذه القنوات متهمة بالتحريض على القتل والعنف وإثارة النعرات الطائفية والقبلية، كما أن السلطات متهمة أيضاً باتخاذ سياسات التضرع وعدم الجدية في التعامل مع الملفات التي توسع الشرخ في المجتمع الأفغاني. أهم هذه القنوات والمحطات هي الناطقة باسم الأحزاب وقادة المتطرفين وأمراء الحرب.


مقالات ذات صلة

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.


اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
TT

اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)

لاحقت اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية شركة «بيت دانس» الصينية، مالكة منصة «تيك توك»، ما دفع الشركة لإعلان عزمها اتخاذ خطوات لتعزيز الحماية في هذا الصدد. وتوقّع خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» أن تسهم مثل هذه الاتهامات «في تغيير طريقة التعامل مع المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي»، مطالبين بوضع قواعد استخدام تحمي حقوق منتج المحتوى الأصلي.

شركة «بيت دانس» كانت قد طوَّرت، أخيراً، نموذجاً للذكاء الاصطناعي حمل اسم «سيدانس 2.0»، وأنتج النموذج عدداً من مقاطع الفيديو التي تحاكي في تفاصيلها مشاهد من أفلام هوليوود، حصدت ملايين المشاهدات على الإنترنت. وهو ما دفع الشركات المُنتَجة للمشاهد الأصلية لاتهام «بيت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهم. ولقد ذكرت «جمعية صناعة الأفلام الأميركية»، التي تمثّل شركات عدة منها «ديزني»، و«يونيفرسال»، و«وارنر»، و«نتفليكس»، في بيان لها، أخيراً، أن «نموذج سيدانس يستخدم على نطاق واسع أعمالاً محمية بحقوق الطبع والنشر الأميركية». وأضافت: «نموذج الذكاء الاصطناعي لبيت دانس يعمل من دون ضمانات فعّالة، ويجب إيقافه فوراً».

بدورها، أقرَّت «بايت دانس» بما عدّتها «مخاوف بشأن برنامج سيدانس 2.0»، معلنة اعتزامها «اتخاذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية الحالية، ومنع الاستخدام غير المُصرَّح به للملكية الفكرية والصور من قبل المستخدمين»، وفق بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

هذا، ويتوافر نموذج «سيدانس 2.0» حالياً بوصفه نسخةً تجريبيةً محدودةً في الصين فقط. وأفادت شركة الاستشارات السويسرية «سيتول ديجيتال سوليوشنز» بأنه «أكثر نماذج توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تطوراً»، إذ يتفوَّق على نماذج أخرى طوَّرتها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الاتهامات الموجّهة لنماذج الذكاء الاصطناعي بشأن انتهاكات حقوق الملكية الفكرية لن تتوقف. وتابع أن «نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأساس على المحتوى المنشور (المقروء أو المرئي)، ما يجعلها بالتبعية تنتهك حقوق المنتج الأصلي عند توليد أي نوع من المحتوى». وأردف إكو: «إن التطورات المتسارعة لنماذج الذكاء الاصطناعي تحتم ضرورة العمل على حوكمتها، ووضع قواعد تحمي حقوق المنتج الأصلي، وهي قواعد تتضمَّن التفرقة بين معايير الاستخدام التجاري وغير التجاري، والإشارة بوضوح... إلى أن هذا المُنتَج مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، والإشارة للعمل الأصلي الذي استُعين به في توليد هذا المحتوى».

من جهة ثانية، سبق أن أثارت نماذج الذكاء الاصطناعي جدلاً بشأن اعتدائها على حقوق الملكية الفكرية؛ ففي عام 2024 نُشرت مقالات على مدوّنة قديمة متخصصة في التكنولوجيا تابعة لشركة «أبل» تحمل اسم «تي يو إيه دبليو (TUAW)»، مع أنها مغلقة منذ عام 2011، وتبيَّن أن «المقالات الجديدة أنتِجت بواسطة الذكاء الاصطناعي، ونُشرت بأسماء كتاب وصحافيي المدونة السابقين، بعد استيلاء مالك جديد على المدوّنة المغلقة». وهو ما أثار تساؤلات في حينه عن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية لمنتجي المحتوى الأصليين.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، صرَّح الصحافي المصري محمد فتحي، المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، بأن «اتهامات الشركات لبايت دانس وتيك توك بانتهاك حقوق الملكية الفكرية ستدفع إلى إعادة صياغة قواعد إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي» وأشار إلى أنه «من دون إطار تنظيمي واضح، يُشكِّل الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لحقوق المبدعين، مع استمرار ظهور منتجات تُعاد فيها تهيئة محتوى أصلي دون تعويض أو إذن».

ثم أضاف: «القوانين الحالية حول حقوق النشر لم تُصمَّم للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد الحاجة لإطار جديد... وهذا الإطار يشمل تحديد معنى الاستفادة المشروعة للبيانات، وأنواع البيانات، التي يمكن استعمالها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن تعويض حقوق للمصادر الأصلية، مع وضع معايير واضحة للاستعمال التجاري، ومعايير يجري على أساسها تصنيف الفيديو المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ليكون مستقلاً عن الأصل، أو متضمناً حقوقاً للمبدعين الأصليين».

ومن ثم، طالب فتحي بـ«تحديث القوانين لتشمل الذكاء الاصطناعي، ووضع تعريف قانوني لكيفية استخدام البيانات للتدريب، وإلزام الشركات باشتراطات شفافة حول مصادر البيانات، ووضع أنظمة ترخيص مرنة وعادلة». ودعا إلى «وجود اتفاقات تسمح باستخدام المحتوى مقابل تعويض، واستحداث تراخيص تشمل نظام مكافآت واضح للمطوّرين... إلى جانب وضع أنظمة تتبُّع وتحرّي محتوى الفيديو لحماية أصحاب الحقوق الأصلية، ووضع علامات مائية ذكية يمكن تمييزها حتى بعد إعادة استعمال المادة المُصوَّرة».

واختتم بالتأكيد على «أهمية تعزيز وعي المبدعين، بشأن كيفية حماية أعمالهم، مع وضع إرشادات حول حقوق الترخيص واستخداماتهم في الذكاء الاصطناعي».


قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟