محاكمة بنك عربي بسبب أموال متحدث حماس تثير قلق الأوساط المصرفية

المصرف أغلق حساب أسامة حمدان .. ورئيس جمعية المصارف اللبنانية واثق من كسب الدعوى

مارك سوكولو مع زوجته رينا وابنتهما جامي الذين أصيبو في انفجار بالقدس عام 2002 وهم من المطالبين بتعويضات من البنك العربي ({نيويورك تايمز})
مارك سوكولو مع زوجته رينا وابنتهما جامي الذين أصيبو في انفجار بالقدس عام 2002 وهم من المطالبين بتعويضات من البنك العربي ({نيويورك تايمز})
TT

محاكمة بنك عربي بسبب أموال متحدث حماس تثير قلق الأوساط المصرفية

مارك سوكولو مع زوجته رينا وابنتهما جامي الذين أصيبو في انفجار بالقدس عام 2002 وهم من المطالبين بتعويضات من البنك العربي ({نيويورك تايمز})
مارك سوكولو مع زوجته رينا وابنتهما جامي الذين أصيبو في انفجار بالقدس عام 2002 وهم من المطالبين بتعويضات من البنك العربي ({نيويورك تايمز})

كان هناك حساب مصرفي أساسي لدى فرع البنك العربي بمنطقة المزرعة في بيروت في لبنان، وما لفت الانتباه أن الحساب كان باسم: أسامة حمدان، المتحدث باسم حركة حماس التي تصنفها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.
وحسبما أفاد المدعون، فإنه أثناء فترة الست سنوات التي ظل فيها حساب السيد حمدان جاريا، تلقى الحساب ما لا يقل عن ثلاثة تحويلات مصرفية لصالح حركة حماس، وهي الصفقات التي جرى مراجعتها والتصديق عليها من جانب مسؤولي البنك العربي.
والآن، يمثل البنك للمحاكمة أمام محكمة فيدرالية في بروكلين؛ حيث يدعي المدعون أن هذه القضية ستسلط الضوء على إحدى الشبكات الغامضة والمترابطة التي تمول الإرهابيين.
ويقول المدعون بأن هذا البنك والبنوك المماثلة له تشكل بنية تحتية هامة بالنسبة لشبكة تعمل - في بعض الأحيان - بمثابة نظام ضمان اجتماعي بالنسبة لـ(الإرهابيين). كما أنهم قالوا: إن أفراد الأسر تلقوا تعليمات بالذهاب إلى فروع البنك العربي للحصول على أموال خيرية عقب مقتل أقاربهم.
وبينما قامت السلطات الأميركية بمقاضاة بنوك جراء تورطهم في تشغيل أموال فاسدة، تعد هذه بمثابة أول محاكمة مدنية تنعقد ضد أحد البنوك، بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وكان من المقرر أن تنعقد أولى جلسات المحاكمة أمس.
وثار الجدل لفترة طويلة حول هذه القضية، وأسفرت تلك القضية عن نشوب خلافات في إدارة أوباما، كما أنها أثارت انتباه المحكمة العليا الأميركية، ورأت حكومة الأردن، حيث يوجد المقر الرئيسي للبنك، أن هذه القضية تعرض كامل البنية التحتية المصرفية في منطقة الشرق الأوسط لمخاطر كبيرة. ويراقب بعض مديري البنوك التنفيذيين المحاكمة بشيء من التوتر، خشية إدانة البنك وما قد يعنيه ذلك من أن يصبح الخوض في أعمال تجارية في مناطق كثيرة بالعالم أمرا خطيرا للغاية.
ويؤكد البنك العربي أنه أجرى تحرياته بشأن الإرهابيين، من خلال التحقق من الأسماء التي تتعارض مع تلك القوائم المعمول بها التي تتضمن الأفراد والمنظمات الإرهابيين. وفي هذا الصدد، أشار البنك أنه بمجرد إضافة السيد حمدان إلى إحدى تلك القوائم عام 2003. جرى إغلاق حسابه.
ورغم ذلك قيدت مجموعة من الأحكام القاسية من قدرة البنك على الدفاع عن نفسه أثناء المحاكمة. كما أن إخفاق البنك في تقديم الأدلة التي طالب بها المدعون قاد بالقاضي نينا غيرشون للحكم بأن هيئة المحلفين قد يوعز إليها أنه «يجوز لها - ولكن لا يتطلب منها القيام بذلك - أن تستنتج» أن البنك قدم خدمات مالية إلى المنظمات والأفراد المدرجة على قائمة الإرهاب، وأنه مرر مدفوعات إلى الإرهابيين تعود إلى جهة خيرية أهلية تُسمى «اللجنة السعودية». كما قيد القاضي غيرشون أيضا من قدرة البنك على تقديم معلومات أثناء المحاكمة من شأنها أن تدحض من هذا الاستنتاج.
ويمثل الـ297 مدعيا هؤلاء الذين لقوا حتفهم أو أصيبوا أو قُتل أحد أفراد عائلاتهم في الهجمات الـ24 التي شنتها حركة حماس في الفترة ما بين عامي 2001 – 2004. ويزعم المدعون أن البنك العربي عقد صفقات لصالح الأفراد أو المنظمات التي يُعرف عنها ارتباطها بالأعمال الإرهابية.
وكان من بين المدعين ساري آن سنجر، وروى، المقيم حاليا في نيوجيرسي؛ فعندما كان يركب الحافلة رقم 14 A في القدس في يونيو (حزيران) 2003 للقاء أحد أصدقائه وتناول العشاء معه، فجر انتحاري – كان يجلس بالمقاعد البعيدة – قنبلته، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 16 شخصا، وأُصيب السيدة سينجر بشظية ونجت من الهجوم، الذي أعلنت حماس مسؤوليتها عنه.
وهناك مجموعة أخرى من المدعين تُدعى عائلة سوكولو، كانت تعيش في لونغ يالاند، وتقضي عطلتها في إسرائيل عام 2002. وأثناء خروجهم من محل أحذية، بالقرب من الفندق الذي ينزلون فيه، فجرت انتحارية نفسها، مما أسفر عن إصابة مارك ورينا سوكولو، واثنين من بناتهما جامي ولورين.
ويزعم المدعون أن جمعيات خيرية أهلية ترسل مدفوعات إلى الإرهابيين وعائلاتهم، ويتم ذلك عن طريق البنك، مشيرين إلى أن قوائم الجمعية المسماة «اللجنة السعودية» التي تُدرج فيها «أسماء الشهداء، والمستفيدين التابعين لهم، فضلا عن سبب مقتل الشهداء»، وذلك بناء على ما ورد في قرار القاضي غيرشون.
ويدلل المدعون أيضا على ذلك ببعض الإعلانات مثل الإعلان الذي نُشر في إحدى الصحف العربية عام 2002، والذي نص على الآتي: «على أقارب الشهداء، الذي تتضح أسماؤهم فيما يلي التوجه إلى فروع البنك العربي في محل إقامتهم من أجل الحصول على الدفعة العاشرة، وهو مبلغ قدره 5316.06 دولار أميركي لكل أسرة».
ووفقا لسجل حوالة مصرفية حصل عليها المدعون، هذا هو بالضبط المبلغ الذي حصل عليه رجل يُدعى شهيل أحمد إسماعيل المصري من خلال البنك العربي. وفي مقابلة تلفزيونية أُجريت معه، قال المصري بأنه كان يتلقى المبلغ المالي باعتباره «راتبا» لأن والده شن هجوما انتحاريا على صالون بيتزا سبارو في القدس عام 2001. مما أسفر عن مقتل أو إصابة 130 شخصا، بمن فيهم بعض المدعين في هذه القضية، وذلك وفقا لما ورد في قرار القاضي.
ومع ذلك، لا يزال البنك العربي مصرا على أنه لا صلة له باختيار المستفيدين من مدفوعات اللجنة؛ حيث إنه قام بفحص الصفقات التي تتعارض مع القوائم السوداء، ولم تجد مخالفات (حيث أوضح البنك أن أقارب الإرهابيين - الذين تلقوا المدفوعات - لم يكونوا مدرجين على القوائم السوداء). كما ذكر أن اللجنة لم تُدرج على الإطلاق على القائمة الأميركية الرسمية كإحدى المؤسسات التابعة لمجموعة إرهابية، ومن بين الـ180 ألف صفقة التي أجرتها اللجنة من خلال البنك العربي خلال هذه الفترة، لم يشكك المدعون سوى في عدد قليل من الصفقات.
ربما لم تستمع المحكمة لبعض من هذا الدفاع أثناء المحاكمة نظرا لقرار القاضي غيرشون، الذي طعن فيه البنك. وقال مسؤولو البنك بأنهم لم يتمكنوا من تسليم عدد كبير من الوثائق المطلوبة جراء قوانين السرية المصرفية الأجنبية.
ورفضت محكمة استئناف الدائرة الثانية مراجعة الحكم القاضي غيرشون، ولذا أُحيل الاستئناف إلى المحكمة العليا، التي طلبت المشورة من إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما.
وفي الواقع، اتخذ مسؤولو وزارة الخارجية الأميركية موقفا مؤيدا للبنك العربي، قائلين بأن الأردن كانت حليفا مجديا. ولم يرغب قسم الأمن القومي بوزارة العدل في التدخل ضد الضحايا الأميركيين جراء الهجمات الإرهابية، بيمنا وقف مسؤولو الضرائب والمسؤولون بوزارة المالية إلى جانب المدعين نظرا لأنه إذا حلت قوانين السرية المصرفية الأجنبية محل تلك القوانين المتعلقة بالولايات المتحدة، فإنه سيجري عرقلة جهودهم الرامية إلى تضييق الخناق على المتهربين من الضرائب من خلال الحسابات الأجنبية.
وأبدى الأردن رأيه في هذا الشأن، قائلا: «إن إجبار البنك العربي للمثول للمحاكمة من شأنه أن يضر بالوضع الاقتصادي للبنك وسمعته»، وأضاف: «ويمكن أن يؤدي إلى عدم استقرار اقتصادي وسياسي في المنطقة التي لا تستطيع تحمل المزيد». ورفضت المحكمة العليا في نهاية الأمر الاستماع للقضية، مما سمح باستمرار العقوبات التي أصدر بها القاضي حكمه.
إن رهانات القضية المدنية لا تزال عالية، وليس فقط بالنسبة للبنك العربي ولكن لكامل الصناعة المصرفية، على حد تعبير المحامين الذين يتعاملون مع الأعمال المصرفية. ويقولون: إن انتصار المدعين من شأنه تسريع وتيرة التقشف على نطاق واسع بين البنوك الذين يباشرون أعمالهم في المناطق التي يمزقها الصراع.
وفي حالته الأكثر تطرفا، فإن الحكم ضد البنك العربي، يقلق بعض محامي البنك، من أن يعني أن تكون البنوك على المحك إزاء المخالفات من ناحية العملاء حتى إذا اتبعت المؤسسات المالية القواعد المصرفية.
وتحاول الحكومات في ذات الوقت منع الأموال الملوثة من التدفق إلى داخل النظام المالي الأميركي، وقد ورطت هذه التحقيقات بالفعل بعضا من عمالقة الصناعة المصرفية، بما في ذلك البنك البريطاني، وبنك (HSBC) وبنك باريبا الفرنسي.
وبالنسبة للبنوك الأوروبية الكبرى، فإن تجهيز تلك المدفوعات في صورة دولارات كان تجارة مربحة – وإحدى الفرص التي جعلتهم يفتحون الأبواب لدول مثل إيران، على حد وصف أحد ممثلي الادعاء الأميركيين.
أما بنك باريبا، وهو أكبر البنوك الفرنسية، فقد دفع بأنه مذنب حيال اتهامات جنائية نادرة وسدد عقوبة مالية تقدر برقم قياسي يبلغ 8.9 مليار دولار لمعالجة بلايين الدولارات بالنيابة عن السودان.
وقد جاءت عقب سلسلة من القضايا ضد بنك لويد، وكريدي سويس، وباركليز، وستاندرد شارترد. وقد توصلت كافة البنوك إلى صفقات مع السلطات الأميركية حول اتهامات بإجرائهم أعمال مع دول تواجه عقوبات من الولايات المتحدة الأميركية.
جنبا إلى جنب، ألقت تلك القضايا بظلال باردة على الصناعة المصرفية بأكملها، مما أدى ببعض البنوك إلى التخلص من بعض الأعمال الخطيرة بالكلية. فعلى سبيل المثال، قام بنك جي بي مورغان تشيس، وبنك أميركا، وسيتي غروب بتفكيك خدمات نقل الأموال في مناطق مثل المكسيك.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.