جون باغانو: محادثات جادة مع مستثمرين وشركاء للعمل معنا في تنفيذ مشروع البحر الأحمر

الرئيس التنفيذي لشركة البحر الأحمر للتطوير: لن نطور 75 % من الجزر لحماية البيئة والحفاظ على الوجهة للأجيال القادمة

جون باغانو الرئيس التنفيذي لشركة البحر الأحمر للتطوير (الشرق الأوسط)
جون باغانو الرئيس التنفيذي لشركة البحر الأحمر للتطوير (الشرق الأوسط)
TT

جون باغانو: محادثات جادة مع مستثمرين وشركاء للعمل معنا في تنفيذ مشروع البحر الأحمر

جون باغانو الرئيس التنفيذي لشركة البحر الأحمر للتطوير (الشرق الأوسط)
جون باغانو الرئيس التنفيذي لشركة البحر الأحمر للتطوير (الشرق الأوسط)

على الساحل الغربي للسعودية وفي شواطئ البحر الأحمر أحد أهم البحار العالمية عطفاً على موقعه السياسي والاقتصادي، وبعناية عالية تجري أعمال تطوير مشروع البحر الأحمر بمساحة تصل إلى 28 ألف كيلومتر مربع، والذي يتوقع أن يكون أحد المعالم السياحية العالمية، نظراً لمكونات وطبيعة المشروع الذي يحمل عناصر لا توجد في مشاريع مماثلة حول العالم.
ويقع المشروع ضمن أرخبيل يحتوي على أكثر من 90 جزيرة وبحيرة بكر، كما تضم الوجهة تضاريس مختلفة تحتوي على جبال، وبراكين خامدة، وصحارى، ومعالم ثقافية وتراثية.
وقال جون باغانو، الرئيس التنفيذي لشركة البحر الأحمر للتطوير، إنه يجري حالياً محادثات جادة مع مستثمرين وشركاء سيعملون مع الشركة لتنفيذ عدد من الأعمال، حيث ستتضمن المرحلة الأولى للمشروع والمقرر الانتهاء منها في عام 2022 تشييد نحو 3 آلاف غرفة فندقية.
وأضاف باغانو في حوار مع «الشرق الأوسط» مرافق سكنية وترفيهية، وسيعمل على بناء مطار مخصص للوجهة، وبنية تحتية للنقل والخدمات العامة، ومرسى لليخوت، كما كشف عن عدد من المواضيع حول المشروع من خلال الحوار التالي:
> كيف كان لقاؤكم الأخير مع خادم الحرمين الشريفين؟
- لقد تشرفنا بالدعوة لعرض المخطط العام الخاص بمشروع البحر الأحمر أمام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وبحضور الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، رئيس مجلس إدارة شركة البحر الأحمر للتطوير. نحن نعتز ونفخر بهذه الثقة الملكية والموافقة السامية على أهداف المشروع الاقتصادية والتنموية المتمثلة في إنشاء وجهة سياحية عالمية فائقة الفخامة، ويهدف مشروع البحر الأحمر إلى وضع السعودية في مكانة مرموقة على خريطة السياحة العالمية، وخلق فرص استثمارية للقطاع الخاص المحلي، وتطوير قطاعات العمل السياحي في المملكة. نحن ندرك أن علينا تحقيق هذا الهدف مع الحفاظ على الموروث الثقافي والبيئي للمملكة. لقد منحتنا حكمة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وإصرارهما على تحقيق التطوير المتوازن لهذه الوجهة، الثقة لمواصلة العمل واليقين بأننا على الطريق الصحيح خلال مراحل عملية تصميم المخطط العام للمشروع.
> بعد الإعلان عن المخطط العام، هل هناك شركات تعمل على الأرض لتنفيذ مشروع البحر الأحمر؟
- لقد باشرنا العمل في بناء البنية التحتية اللازمة لتنفيذ المشروع، نحن نمضي قدماً في بناء قرى عمالية، وشق طرق مؤقتة، وأرصفة بحرية مخصصة لرسو السفن والقوارب، وغيرها من أساسات البنية التحتية والخدمات اللوجيستية التي تدعم تطوير الوجهة على الوجه الأكمل. وفي الوقت ذاته، نحن بصدد الانتقال إلى مرحلة التصميم التفصيلي لمختلف الأصول الإنشائية للمشروع، ونجري حالياً محادثات جادة مع المستثمرين والشركاء الذين سيعملون معنا على تنفيذ هذه الوجهة على أرض الواقع، كما ستتضمن المرحلة الأولى للمشروع والمقرر الانتهاء منها في عام 2022 تشييد نحو 3000 غرفة فندقية، بالإضافة إلى مرافق سكنية وترفيهية، وسنعمل على بناء مطار مخصص للوجهة، وبنية تحتية للنقل والخدمات العامة، ومرسى لليخوت.
> ما الأثر الذي سيحققه مشروع البحر الأحمر للسعودية وهدفه المتمثل في التنويع الاقتصادي؟
- من المنتظر أن يسهم مشروع البحر الأحمر في توفير فرص العمل، إضافة إلى تشجيع ودعم ورعاية قطاع ريادة الأعمال في المملكة، وتحفيز التنمية الاقتصادية بما يتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030. وتعد السياحة داعما رئيسيا في حركة نمو الاقتصاد العالمي، إذ تمثل نحو 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي عالمياً، كما أنها توفر واحدة من كل 10 وظائف على مستوى العالم، إضافة إلى ذلك، تمثل السياحة ما نسبته 3.5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، و4 في المائة كقطاع موفر للوظائف في السعودية فقط، وهذه الأرقام تشجع على ضرورة زيادة فرص الاستثمار في قطاع السياحة لدعم النمو الاقتصادي بشكلٍ أكثر قوة. كما سيسهم المشروع في إضافة نحو 22 مليار ريال سنوياً إلى إجمالي الناتج المحلي للمملكة، وتوفير ما يصل إلى 70 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة وذلك عند الانتهاء من تنفيذ كامل مراحل المشروع في عام 2030.
> قلت إن مشروع البحر الأحمر سيوفر 70 ألف فرصة عمل، متى سيحدث ذلك؟ وما نسبة السعودة في هذه الوظائف؟
- دعني أقوم بمزيد من التوضيح هنا، سيوفر المشروع عند اكتمال تنفيذه عام 2030 نحو 35 ألف وظيفة «مباشرة»، وسيدعم عدداً مكافئاً من الوظائف في المجتمع من خلال توليد الفرص الاستثمارية للشركات المحلية، ورواد الأعمال، والصناعات الداعمة الأخرى، ليصل المجموع العام إلى نحو 70 ألف وظيفة سيقوم المشروع بتوفيرها بشكلٍ مباشر وغير مباشر. وبصفة المشروع جهة عمل، فإن هدفنا الرئيسي يكمن في توفير فرص عمل للكفاءات الوطنية، حيث سنقوم بضخ استثمارات كبيرة في برامج التدريب والتطوير لتأهيل وصقل المهارات والقدرات التي يحتاجها الشباب السعودي الكفء. ورغم أن الشركة لا تزال في مراحلها المبكرة، إلا أننا حققنا نسباً نفخر بها في مجال توطين الوظائف، وسنواصل العمل على ذلك في المستقبل القريب والبعيد.
> هل من الممكن الكشف عن أسماء الشركات التي أعدت تصاميم المراحل الأولى للمشروع؟
- لقد عملنا خلال الفترة الماضية مع أفضل شركات الهندسة والتصميم المعماري في العالم لوضع التصورات الأولية للوجهة، وقد تم تقديم مقترحات مبتكرة وفائقة الإبداع لاقت إعجاب مجلس إدارة الشركة، حيث تبنت هذه التصاميم بصورة كاملة التزامنا بإرساء معايير جديدة للتنمية المستدامة، ونعمل حالياً على إعداد القائمة النهائية للشركات التي سنواصل العمل معها، وسنعلن عن التفاصيل في الوقت المناسب.
> 22 من أصل 90 جزيرة بكرا سيتم تطويرها حسب المخطط العام للمشروع، ما سبب اختيار هذا العدد؟
- في إطار الأعمال التحضيرية الأولية الخاصة بالمشروع، حرصنا على اتباع أقصى قدر من الدقة لقياس تأثير المشروع على البيئة، واستخدمنا في هذا السياق أسلوب المسح البحري، وذلك من خلال إجراء محاكاة حاسوبية لم يسبق أن تم تنفيذها من قبل، علماً بأن البرامج المتخصصة اللازمة لتشغيل هذا النموذج قد تم تطويرها في السعودية، وقد أدت النتائج إلى إعادة التفكير في عدد من النتائج التي توصلنا إليها، وتعديل أو تغيير في مواقع أعمال التطوير التي كان مخططاً لها من قبل. وتحقيقاً لهذا الهدف، سيكفل المخطط العام لمشروع البحر الأحمر عدم المساس بـ75 في المائة من جزر الوجهة، كما تم تسجيل 9 جزر لتكون «مواقع بيئية ذات قيمة»، ستحفظ دورة حياة الكائنات الحية النادرة والمستوطنة التي تعيش وتزدهر في هذه المناطق.
> ما التدابير المطبقة لضمان حماية الموائل الطبيعية في المنطقة خلال تطوير الوجهة؟
- تطبق الشركة إجراءات وتدابير على مستوى التطوير والتنظيم، وكذلك الأمر بالنسبة للمستوى التقني، لضمان حماية وحفظ وتحسين البيئة الطبيعية التي تُعد أثمن ما نملكه. فعلى مستوى التطوير، كانت دراسة التخطيط المساحي البحري التي يسترشد بها المخطط العام ثمرة استثمار كبير في الوقت والموارد وكان لها تأثير ملموس على خطة التطوير. على سبيل المثال، قررنا نقل موقع مركز تجارب الزوار حال علمنا بأن الموقع الأصلي الذي سبق واخترناه كان موقع تعشيش مفضل للسلحفاة صقرية المنقار. كما عدّلنا بعض خطط التطوير تجنباً لإحداث أي ضرر على مستعمرات الطيور في المنطقة. أما على المستوى التنظيمي، فإننا نسعى لانتهاج سياسة للاعتماد الكامل على الطاقة المتجددة في الوجهة وعدم ربطها بشبكة الكهرباء الوطنية. وستقوم الشركة بتوليد وتخزين كل ما تحتاجه من طاقة باستخدام الموارد المتجددة فقط. كما أننا ملتزمون بتنفيذ سياسات حظر استخدام المواد البلاستيكية غير القابلة لإعادة التدوير، وحظر ردم النفايات في الموقع، وعدم التصريف في مياه البحر. ولإنجاز هذا الهدف، نعمل على تخطي حدود الممكن، وهذا يعني أن نسعى على سبيل المثال لابتكار تقنيات جديدة للتعامل مع المياه شديدة الملوحة الناتجة عن عملية تحلية مياه البحر، والإجراء المعتاد في هذه العملية هو التخلص من هذه المياه الناتجة وإعادتها مرة أخرى إلى البحر، لكننا نعتقد أن بإمكاننا إيجاد وسيلة أفضل وأكثر استدامة لمعالجة هذه المياه، ولهذا نعمل فعلياً على تحديد المؤسسات الابتكارية التي يمكن أن تساعدنا في تحقيق هذا الهدف.
أما على المستوى التقني، نعكف حالياً على تركيب شبكة من أجهزة الاستشعار في جميع أنحاء الوجهة لرصد المؤشرات البيئية في جميع المناطق، وهذا سيساعدنا على مراقبة درجة ملوحة ونقاء المياه، وكذلك مستوى الجفاف، واتجاهات الرياح في المنطقة الصحراوية والجبلية، وغيرها من الأمور المرتبطة ببيئة المشروع. هدفنا هو إرساء معايير جديدة في مجال التنمية المستدامة، وحماية الكائنات الحية التي كانت موجودة قبل قدومنا إلى الموقع، وفتح آفاق واعدة من الفرص الاستثمارية أمام المجتمع المحلي، بالإضافة إلى تحسين الوجهة من أجل المستقبل.
> كيف تعتزمون دمج التقنية في المشروع، وكيف ستستخدمون التقنية لتحقيق أهداف الاستدامة؟
- بالإضافة إلى شبكة أجهزة الاستشعار التي سنقوم بتركيبها بغرض مراقبة البيئة، فإننا نعمل على تطوير شبكة ذكية شاملة على مستوى الوجهة ستتيح لنا تعقب وإدارة تجارب الزوار بعناية. وهذا سيوفر للزوار تجربة شاملة ومرنة، ومناسبة لاحتياجاتهم الشخصية بالكامل، وكذلك ستتيح لنا إدارة حركة المرور القادمة إلى الوجهة أو داخلها، ومن بين الأهداف المهمة التي وضعناها منذ بداية المشروع إدارة إعداد الزوار القادمين، الأمر الذي يُعد تحدياً متزايدا للوجهات السياحية في أنحاء العالم مع انخفاض تكلفة السفر وزيادة أعداد السياح الوافدة. ونحن نُسخر تقنيات مثل القياسات الحيوية، وأجهزة تعقب آثار الكربون، وخدمات مساعدة العملاء الافتراضية، والتخطيط المركزي للرحلات، والواقع الافتراضي والواقع المعزز، ولوغاريتمات إدارة حركة المرور، حيث ستضمن كل هذه التقنيات تمتع الزوار بتجربة فريدة لا تُنسى في الوجهة وفي الوقت ذاته تحمي البيئة من الضرر الحتمي الذي تسببه الأعداد المفرطة من السياح.
> ما المعايير التي وفقاً لها ستقيِّمون «المعايير الجديدة» للاستدامة التي تحدثتم عنها؟
- يمكن تحقيق المعايير الجديدة في الاستدامة بإحدى هاتين الطريقتين: إما أن نسعى لتعريف المعيار، ونتمنى أن يقتفي العالم أثرنا، وإما أن نلزم أنفسنا بمعيار أعلى من النماذج القائمة حالياً. ولذلك، فإننا لا نسعى إلى المحافظة على البيئة فحسب؛ بل نسعى إلى تحسينها. كما أننا لن نستخدم الطاقة المتجددة خلال النهار ونعتمد على شبكة الكهرباء ليلاً؛ بل سنستخدم الطاقة المتجددة بنسبة 100 في المائة على مدار اليوم، كما أننا لا نستخدم أفضل التقنيات المتاحة لإدارة تصريف المياه الناتجة من عملية التحلية فقط؛ بل نسعى جاهدين إلى ابتكار تقنيات جديدة لإدارة عملية التصريف. ويتمثل هدفنا في أن نكون الشركة الرائدة على مستوى العالم في مجال البيئة المستدامة وذلك عبر كافة مراحل تطوير المشروع، بدءاً بمرحلة التخطيط، ووصولاً إلى مرحلة التشغيل، وبذلك نحقق الفائدة الكلية من الموقع عند افتتاحه أمام السياح، وينجح ويزدهر نتيجة للخبرات والدروس التي تعلمناها والتي سنشاركها مع الآخرين أملاً في إلهام وجهات سياحية أخرى في العالم.
> ما الذي يميز مشروع البحر الأحمر؟
- سيوفر مشروع البحر الأحمر للزوار في مكان واحد، مجموعة تجارب فريدة قلّ مثيلها وفق أعلى معايير خدمات السياحة فائقة الفخامة. كما سيوفر لهم الرضا الذاتي النابع من معرفتهم بأن زيارتهم للوجهة ستسهم في حفظ جمال الطبيعة الفريد لأجيالٍ مقبلة.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

«مجلس الشؤون الاقتصادية» السعودي يستعرض حصاد «رؤية 2030» لعام 2025

عقد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية اجتماعاً عبر الاتصال المرئي. وتابع نتائج عدد من الملفات بما فيها «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الدولار يتخلى عن مكاسبه للأسبوع الثاني مع تنامي زخم التهدئة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يتخلى عن مكاسبه للأسبوع الثاني مع تنامي زخم التهدئة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

يتجه الدولار الأميركي نحو تسجيل تراجع للأسبوع الثاني على التوالي يوم الجمعة، وسط تداولات حذرة، في ظل ازدياد التفاؤل حيال وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان واحتمالات استئناف المحادثات مع إيران، ما دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأصول الآمنة.

ودخل وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ يوم الخميس، فيما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى احتمال عقد اجتماع بين الولايات المتحدة وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفق «رويترز».

في المقابل، خفّض المفاوضون الأميركيون والإيرانيون سقف طموحاتهم تجاه التوصل إلى اتفاق شامل، متجهين نحو مذكرة تفاهم مؤقتة تهدف إلى منع عودة التصعيد، مع بقاء الملف النووي العقبة الأبرز أمام أي تقدم جوهري.

وظلت تحركات العملات ضمن نطاقات ضيقة خلال التداولات الآسيوية، في ظل ترقب المستثمرين لمزيد من الإشارات، ليستقر اليورو عند 1.1782 دولار، متجهاً لتحقيق مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، بينما سجل الجنيه الاسترليني 1.3525 دولار.

كما استقر مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، عند 98.235، متجهاً لتسجيل خسائر أسبوعية جديدة، بعد أن تراجع عن معظم المكاسب التي حققها عقب اندلاع الحرب، مع استمرار تراجع الطلب على الملاذات الآمنة.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات الأجنبية في بنك «أو سي بي سي»: «تمر الأسواق بمرحلة من التماسك بعد استيعاب جزء كبير من التفاؤل بشأن تمديد وقف إطلاق النار خلال وقت سابق من الأسبوع، وتحتاج الآن إلى محفز جديد لتحديد اتجاه أوضح. لم يعد الدولار يتحرك في مسار أحادي الاتجاه».

وسجل الدولار الأسترالي، الحساس للمخاطر، 0.7167 دولار أميركي، محافظاً على قربه من أعلى مستوياته في أربع سنوات بدعم من تحسن شهية المخاطرة، فيما تراجع الدولار النيوزيلندي بنحو 0.1 في المائة إلى 0.5887 دولار أميركي.

أما مقابل الين الياباني، فقد ارتفع الدولار بشكل طفيف إلى 159.47 ين، في وقت تجنّب فيه محافظ بنك اليابان كازو أويدا إعطاء إشارات حول احتمال رفع الفائدة هذا الشهر، ما يعزز احتمالات تأجيل أي تحرك حتى يونيو (حزيران) على الأقل.

وفي أسواق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية يوم الجمعة بعد ارتفاعها في الجلسة السابقة، مع استمرار المخاوف التضخمية بفعل ارتفاع أسعار الطاقة. وبلغ عائد السندات لأجل عامين 3.7816 في المائة، فيما استقر عائد السندات القياسية لأجل عشر سنوات عند 4.3193 في المائة.

وتشير العقود الآجلة لصناديق الاحتياطي الفيدرالي إلى توقعات باستمرار تثبيت أسعار الفائدة خلال العام الحالي، في تحول حاد عن تقديرات سابقة كانت تشير إلى خفضين قبل اندلاع الحرب.

وفي السياق، أكد وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور، أن وزراء مالية مجموعة السبع ومحافظي البنوك المركزية اتفقوا على البقاء في حالة استعداد لاتخاذ إجراءات للتخفيف من المخاطر الاقتصادية والتضخمية الناتجة عن صدمات أسعار الطاقة.

وتناغمت هذه النبرة الحذرة مع توجهات البنك المركزي الأوروبي، الذي قلّص بدوره احتمالات التحرك المبكر في أسعار الفائدة، مؤكداً الحاجة إلى مزيد من البيانات قبل اتخاذ أي قرار.

في الولايات المتحدة، أظهرت بيانات انخفاض طلبات إعانات البطالة بأكثر من المتوقع، ما يعكس استمرار متانة سوق العمل، ويمنح الاحتياطي الفيدرالي هامشاً للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير لفترة أطول، بينما يراقب تداعيات التضخم المرتبط بالصراع.

وقال بنك «إيه إن زد» في مذكرة: «إن رفع أسعار الفائدة في مواجهة صدمة عرض سلبية لا يعالج التضخم الناتج عن الطاقة على المدى القصير، بل قد يؤدي إلى تفاقم قيود النمو الاقتصادي».


الذهب يستقر مدعوماً بآمال السلام ويتجه لمكاسب أسبوعية رابعة

TT

الذهب يستقر مدعوماً بآمال السلام ويتجه لمكاسب أسبوعية رابعة

استقر الذهب خلال تعاملات يوم الجمعة، متجهاً لتسجيل مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل تنامي الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، ما ساهم في تهدئة المخاوف المرتبطة بارتفاع التضخم واستمرار تشديد السياسة النقدية.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.2 في المائة ليبلغ 4797.49 دولار للأونصة بحلول الساعة 04:35 بتوقيت غرينتش، محققاً مكاسب أسبوعية بنحو 1.1 في المائة. كما صعدت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم يونيو (حزيران) بنسبة 0.2 في المائة إلى 4818.80 دولار، وفق «رويترز».

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الممتد لعشرة أيام، حيّز التنفيذ يوم الخميس، فيما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكانية عقد اجتماع بين الولايات المتحدة وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق في شركة «كيه سي إم ترايد»، إن المستثمرين يراقبون عن كثب أي تقدم ملموس في المحادثات الأميركية - الإيرانية، موضحاً أن أي اختراق أو تمديد لوقف إطلاق النار الهش من شأنه تهدئة أسواق النفط وكبح مخاوف التضخم، وهو ما قد يفتح المجال أمام مزيد من الارتفاع في أسعار الذهب.

في المقابل، يتجه الدولار الأميركي لتسجيل تراجع للأسبوع الثاني على التوالي، ما يجعل السلع المقومة به أكثر جاذبية لحائزي العملات الأخرى. كما أسهم انخفاض أسعار النفط في تخفيف الضغوط التضخمية، وسط تفاؤل متزايد باقتراب نهاية الحرب الإيرانية.

وكانت المخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها في التضخم، وما يستتبعه من إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، قد دفعت أسعار الذهب للتراجع بأكثر من 8 في المائة منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير (شباط).

ورغم أن الذهب يُعد ملاذاً آمناً في مواجهة التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلص جاذبيته نظراً لكونه أصلاً لا يدر عائداً.

من جانبها، توقعت شركة «بي إم آي» التابعة لـ«فيتش سوليوشينز» استمرار بعض الضغوط الهبوطية على الذهب خلال الفترة المقبلة، مع بقاء الأسعار مدعومة فوق مستوى 3500 دولار للأونصة بفعل المخاطر الجيوسياسية المستمرة وخصائصه كملاذ آمن.

ويُسعّر المتداولون حالياً احتمالاً بنحو 27 في المائة لقيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى خفضين خلال العام قبل اندلاع الحرب.

في سياق متصل، أوقفت البنوك الهندية طلبات استيراد الذهب والفضة من الموردين الأجانب، نتيجة تعليق شحنات كبيرة في الجمارك بسبب غياب توجيهات حكومية رسمية تسمح باستيراد السبائك.

أما المعادن النفيسة الأخرى، فقد ارتفعت الفضة بنسبة 0.9 في المائة إلى 79.12 دولار للأونصة، متجهة نحو تحقيق مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي. كما صعد البلاتين بنسبة 0.3 في المائة إلى 2092.07 دولار، والبلاديوم بنسبة 0.5 في المائة إلى 1558.47 دولار، مع توقعات بتسجيلهما مكاسب أسبوعية ثالثة على التوالي.


صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».