الوجود الصيني في أفريقيا يقلق المستعمرين القدامى

وصفوه بنمط الاستعمار الجديد للقارة السمراء

فازت إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو
فازت إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو
TT

الوجود الصيني في أفريقيا يقلق المستعمرين القدامى

فازت إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو
فازت إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو

لا تزال الكعكة الأفريقية تمثل مطمعاً للكثير من الدول العظمى التي استعمر معظمها القارة لعقود كثيرة، ويأخذ هذه المطمع شكل الحرب الخفية المستترة، وبخاصة بعد أن تكالبت على الطاولة السمراء قوى أخرى جديدة.
في إطار هذا التكالب اهتمت دوائر النشر الفرنسية برصد التحرك الدولي صوب القارة الأفريقية، وبخاصة جمهورية الصين الشعبية عبر صفحات كتاب «الصين وأفريقيا... هل يتعلق الأمر بحلم صيني أم كابوس أفريقي؟» للصحافي الفرنسي جوليان ونر، الصادر حديثاً عن دار النشر الفرنسية إيرول، مؤكداً عبر صفحاته البالغة 128 صفحة من القطع المتوسط على مساعي الصين الحثيثة منذ 20 عاماً نحو السيطرة على القارة الأفريقية وغزوها اقتصادياً، تارة باستغلال ما تتمتع به القارة السمراء من موارد طبيعية تفتقر إليها الصين، وتارة أخرى بأن تجعل منها سوقاً رائجة لبيع منتجاتها وبضائعها بثمن بخس، إضافة إلى الإشكالية الكبرى التي تكمن في تطويق القارة الأفريقية بالقروض الصينية الممولة من كبريات الشركات التابعة للدولة الصينية؛ الأمر الذي يقدم لنا نموذجاً استعمارياً في ثوب جديد يبدو أن بكين عازمة على تنفيذه حتى النهاية من خلال محاور كثيرة، منها: السيطرة على الموارد الطبيعية الأفريقية، وإقامة فروع لشركاتها في أفريقيا، والحفاظ على معدلات الفساد في القارة بما يخدم المصالح الصينية، كذلك السيطرة على وسائل الإعلام الأفريقية بما يحافظ من شأنه على الصورة الذهنية الإيجابية للصين في القارة.
يكتسب هذا الكتاب أهمية بالغة، ليس لأن مؤلفة جوليان ونر متخصص في الشأن الصيني ومتعمق في الملف الأفريقي بأدق تفاصيله وله مؤلفات وأبحاث كثيرة في هذا الملف، لكن أيضاً لأنه يكشف لنا النقاب عن الاستراتيجية الصينية وطموحات بكين الجيوسياسية «الحلم الصيني» الذي نادي به جين بينغ، سكرتير عام الحزب الشيوعي عام 2012، قائلاً: «إن طموحنا يكمن في أن نجعل من الصين القوة الأولى عالمياً، وأن أفريقيا هي الوسيلة الأساسية لبلوغ وتحقيق هذا الحلم».
في سياق متصل، يؤكد لنا المؤلف أن كل رئيس للصين يبدأ ولايته باتخاذ شعارات له يعمل على تحقيقها عبر المساندة الشعبية والحزبية، ومن أبرزها دعوتا «الإصلاح والانفتاح» اللتان ميزتا الانتقال نحو الرأسمالية المتوحشة، والتصالح المستحيل مع ورثة الرئيس دينج ماو و«المجتمع المتناسق» وسبل تلبية احتياجات التنمية بالحفاظ على أسس المجتمع الصيني وبخاصة الحزب الشيوعي.
من جانبه، وخلال تنصيبه لمنصب سكرتير عام للحزب الشيوعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، لم يشذ جين بينغ هو الآخر عن القاعدة المعمول بها بإطلاق ما سماه «الحلم الصيني»، معرّفاً إياه بأنه يعد بمثابة استكمال لرغبة الشعب الصيني في الحياة السعيدة وتحقيق نهضة الصين كأمة عظمى، وهو الشعار الذي تبناه كذلك جميع أعضاء الحزب ووسائل الإعلام الصينية وأيضاً بعض الفنانين، كما أن هذا التوجه لا يتعارض مع آليات اتخاذ القرار في قلب السلطة الصينية، بل على العكس فقد سعت جميع طوائف المجتمع الصيني نحو تحقيق هذا الحلم باعتباره «حلم الصين»، حسب تعبير بعض الخبراء، لبلوغ غايتها لتتبوأ ما تصبو إليه من مكانة كقوة دولية أولى.
يستهل جوليان ونر كتابه هذا بالتأكيد على أن الإشكالية لم تعد تكمن في معرفة ما إذا كانت الصين ستصبح قوة عظمى عالمياً أم لا، لكن تكمن في معرفة متى سيتحقق ذلك. وهنا يرى المؤلف أن جين بينغ، الرئيس الصيني الحالي يرغب في بلوغ هذه المكانة بحلول عام 2022؛ لذلك فقد ركز جهوده على القارة الأفريقية التي لم تعد منذ ذلك الحين قارة مهملة ومهمشة، وبالتالي لم تعد بمنأى عن العولمة، وبخاصة أنها تمثل منذ بداية القرن الحالي نسبة 5 في المائة من معدل النمو الاقتصادي السنوي العالمي، كما يرى بعض الخبراء أنها تمثل مستقبل الاقتصاد العالمي؛ لأنها تجمع جوهر وأساس رهاناته المستقبلية: الرهانات الديموغرافية والاقتصادية والمواد الأولية وحماية البيئة ومكافحة الأوبئة. لذلك؛ نحن بصدد عهد التفاؤل الأفريقي الواعد وليس التشاؤم الأفريقي.

انتهاء عهد التهميش

يؤكد المؤلف أن نهاية التنافس بين الكتلتين الشرقية والغربية قد صاحبه تراجع ملحوظ في قيمة ما تتمتع به القارة الأفريقية من أدوات فاعلة، ففي تسعينات القرن الماضي اختفى الاتحاد السوفياتي واستشعرت الولايات المتحدة الأميركية أنها غير مجبرة على التمسك بالقارة الأفريقية، وبالتالي تخلت عن وجودها في القارة الأفريقية، هذا إلى جانب اتهام الأوروبيين بالتخاذل والبعد عن القارة الأفريقية وإهمالها جراء انشغالهم بأهدافهم الخاصة التي تكمن في توحيد قارتهم العجوز.
ويرى المؤلف أن اليوم قد تبدل الوضع وتغير، فلم تعد أفريقيا هي القارة المهملة والمهمشة، ولكنها بدأت تمثل موضع جذب لجميع القوى الدولية لما لها من مصالح استراتيجية فيها، لكن يأتي النفوذ الكبير والجهد العظيم لصالح الصين التي تعتبر «أن أفريقيا ليست هدفاً في حد ذاتها، لكنها تمثل أداة مهمة وفاعلة في سبيل بلوغ حلمها وقوتها ورخائها».
ويذكر المؤلف أنه على خلفية حالة العجز الذي تعاني منه الصين بشأن تحقيق اكتفائها الذاتي من المواد الأولية، نجدها تسعى نحو تجاوز هذا العجز عن طريق القارة الأفريقية العامرة والزاخرة بالمواد الأولية؛ إذ تؤكد بعض التقديرات على أن «القارة الأفريقية تتمتع وحدها فيما بين ثلث ونصف الاحتياطي العالمي من الموارد الطبيعية»، الأمر الذي دفع الصين نحو الهرولة صوب القارة السمراء، وترتب على هذا التوجه إحداث قفزة كبيرة في التبادلات التجارية بين الصين والدول الأفريقية، من 12 مليار دولار عام 2000 إلى 200 مليار دولار عام 2012، ومن ثم، نجحت الصين في تعزيز سياستها في القارة الأفريقية أكثر من القوى الغربية وإعطاء دروس فيما يسمى بـ«الاستعمار الجديد والتدخل والاندماج». ويلفت المؤلف هنا إلى أن الأفارقة غير محظوظين أو مستهدفين بالانصياع والخضوع دائماً لتبعية الغير، فما لبثوا أن تخلصوا من تبعية الاحتلال الغربي لهم، حتى نجدهم يقعون في شباك وبراثن تبعية الصين التي أضحت تمثل رقماً مهماً في الاقتصاد الأفريقي ينعكس إيجاباً على وضع مفاوضها في مواجهة الجانب الأفريقي. ولعل النموذج الصارخ في هذا الشأن يتجسد في فوز إحدى الشركات الصينية الكبرى بعقد حق استغلال حقل حديد في مدغشقر بقيمة 6.7 مليار يورو، وهو رقم ضخم للغاية بالنسبة لاقتصاد مدغشقر، يضعنا أمام واقع يعزز من وضع المفاوض الصيني الذي نجح في انتزاع مدة حق الانتفاع إلى 30 عاماً مبادلة لإقامة منطقة صناعية ساحلية ومركز هيدروليكي؛ لأن قيمة العقد تُصيب المفاوض الأفريقي بالدوار، ولا سيما أن صافي الناتج القومي لمدغشقر يقدر بـ10 مليارات يورو، وعلى ذلك فنحن أمام حالة من الهيمنة والسيطرة الصينية للقارة الأفريقية يمكن توصيفها بأنها تمثل «أحد أنماط الاستعمار الجديد للقارة الأفريقية».
يؤكد الكتاب على أن الأخطر من ذلك يكمن في أن الصين لا تحترم البيئة الأفريقية في تعاملها مع موارد القارة الأفريقية ومقدراتها، فشهوة بكين أمام المواد الأولية الأفريقية له تكلفة بيئية ضخمة لا يمكن أن تتحملها القارة الأفريقية على المدى الطويل، وبخاصة أن الصين تسعى في المقام الأول نحو تحقيق مصالحها بغض النظر عن الخطاب الرسمي الذي يتبناه الجانب الأفريقي.
ويخلص المؤلف بأنه على خلفية الفراغ الذي شهدته القارة الأفريقية جراء الإهمال والتجاهل الأميركي لها من جانب، وانشغال الأوروبيين بتقوية وتعزيز وضع قارتهم العجوز من جانب آخر، لم تجد الصين صعوبة في غزو القارة الأفريقية اقتصادياً، ومن ثم سياسياً لأن الأفارقة وجدوا في بكين ضالتهم؛ إذ خصصت الصين مبلغاً كبيراً للاستثمار في ربوع القارة الأفريقية يقدر بـ4000 مليار دولار وهو مبلغ ضخم للغاية وبخاصة لو علمنا أن إجمالي حجم الاحتياطي بالبنوك المركزية في منطقة اليورو يقدر بـ800 مليار دولار، وأن البنك الفيدرالي الأميركي لا يملك سوى 150 مليار دولار فقط، أي أننا أمام قوة اقتصادية صينية عاتية تسعى بجدية نحو تحقيق حلمها لأن تصبح القوة الاقتصادية الأولى عالمياً، وهو حلم قاب قوسين أو أدنى من الواقع، وأن القارة الأفريقية تمثل «كلمة السر» الحقيقية في سبيل تنفيذ هذا الحلم.


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».