ماتيرا الإيطالية... من ماضٍ مخزٍ إلى «عاصمة للثقافة الأوروبية»

ماتيرا الإيطالية... من ماضٍ مخزٍ إلى «عاصمة للثقافة الأوروبية»

كهوف ومنحدرات وتاريخ عريق يعزز دورها في تطوير الفن والعمارة
الاثنين - 14 جمادى الأولى 1440 هـ - 21 يناير 2019 مـ رقم العدد [ 14664]
ماتيرا - لندن: «الشرق الأوسط»
زاد غطاء مفاجئ من الثلوج البيضاء من روعة الجمال الطبيعي الذي تتمتع به مدينة ماتيرا الإيطالية؛ مدينة الكهوف والمنحدرات، بعد وقت قصير من بداية العام الجديد، ولكن بعد أيام قليلة، وبالتحديد السبت، تم تدشين المدينة «عاصمة (ثانية) للثقافة الأوروبية لعام 2019».

وجاء تدشين «عاصمة الثقافة الأوروبية» الثانية بعد نحو أسبوع من إطلاق «عاصمة الثقافة الأوروبية (الأولى) لعام 2019»، مدينة بلوفديف البلغارية، برنامجها.

وعلى مدار عام كامل، تضطلع سلطات المدينتين بالعمل الجاد من أجل تقديم برامج ثقافية متنوعة تسهم في إبراز هويتهما الثقافية، وتسلط الضوء على الثقافة الأوروبية، ودورها في تعزيز البنيان الأوروبي.

وتهدف مبادرة «عاصمة الثقافة الأوروبية» إلى إلقاء الضوء على تنوع الثقافات في أرجاء القارة، والقواسم المشتركة بينها، وتعزيز مكانة وصور المدن الأوروبية على الساحة العالمية.

ودخلت ماتيرا التي تقع بإقليم بازيليكاتا، جنوب إيطاليا، عامها الثقافي الأوروبي بشعار «مستقبل مفتوح»، حيث يتم تسليط الضوء على مظاهر الاندماج الاجتماعي والثقافي والابتكار الجماعي. ومن المقرر أن تنظم المدينة، بحسب بيان سابق للمفوضية الأوروبية، كثيراً من الفعاليات والمعارض والبرامج عن دور المنطقة في تطوير الفن والعمارة في «عصر النهضة».

وتعد ماتيرا ثاني أكبر مدينة في إيطاليا ويعتمد اقتصادها على الزراعة، ويبلغ عدد سكانها 160 ألف نسمة، كما تعتبر ثالث أقدم مدينة في العالم بعد حلب في سوريا وأريحا في الضفة الغربية في فلسطين، وبها منازل محفورة في الصخر تطل على وديان سحيقة وتسمى «ساسي».

ويقول ماريو داديجو، صاحب أحد المحال التجارية في ماتيرا: «الآن... سيعرف العالم أن ماتيرا موجودة... المدينة جوهرة مدفونة».

ويقف داديجو، الذي يبلغ من العمر 46 عاماً داخل متجره، المنحوت من الصخور، مثله في ذلك مثل جميع المتاجر الأخرى والمساكن والمطاعم في ماتيرا. وتشتهر المدينة بمساكنها الكهفية التي تعود إلى آلاف السنين، حسب وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ).

ويملك داديجو داخل متجره كثيراً من الصور لمشهد ميلاد المسيح (المهد)، وفي الخلفية الكهوف القديمة. واكتسبت ماتيرا سمعة سيئة كـ«وصمة عار»، حيث عاش الإيطاليون داخل المساكن الكهفية في «ساسو كافيوسو» و«ساسو باريزونا» حتى خمسينات القرن الماضي، في ظل ظروف صحية سيئة، حيث كان السكان يربون الحيوانات داخل المنازل، ويتقاسمون معهم أماكن النوم حتى عام 1952 عندما أصدرت الحكومة قانوناً يقضي بإخلاء هذه المساكن قسراً وإعادة ترميمها والاهتمام بالكهوف القديمة. وقد تمت إعادة توطين نحو 17 ألفاً من السكان.

ولكن خزي الماضي قد تحول إلى «أعجوبة» الحاضر، عندما صدر قرار في عام 1986، بترميم المساكن الكهفية والحفاظ عليها. وبعد أقل من عقد من الزمان، وبالتحديد في عام 1993، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) إدراج المدينة في 1993 ضمن قائمة التراث العالمي، ووضعت برنامجاً لإحياء المدينة من جديد لجعلها مزاراً للسائحين.

وتجذب ماتيرا اليوم كثيراً من السائحين، بتاريخها العريق وأقبيتها الحجرية التي لا تحصى ولا تعد. وتتوقع المدينة تحقيق 800 ألف ليلة سياحية على مدار عام «عاصمة الثقافة الأوروبية»، بحسب أحد مسؤوليها، سيرافينو باتيرنوستر. وسجلت ماتيرا 480 ألف ليلة سياحية في عام2017. ويقع أقرب مطار من المدينة على مسافة نحو 60 كيلومتراً، وهو ما يعني أن من يأتي إلى ماتيرا يقصدها، ولم تحمله الصدفة إلى هناك.

ويقول رئيس «مؤسسة ماتيرا بازيليكاتا 2019» باولو فيري: «هناك من يردد أنه لن يأتي أحد ليزور ماتيرا بعد عام 2019، وهناك من يقول إن الكثيرين قد جاءوا بالفعل».

ويضيف فيري: «لسنا فينيسيا (البندقية)، ولا نأمل في أن نصبح فينيسيا... ولكن علينا أن نتحدث بصدق: لو لم تسهم السياحة في توفير وظائف، لكانت الحال مختلفة تمام الاختلاف اليوم، فالسياحة تصنع فرصاً جديدة وتجلب مزيداً من الأموال».

وتشق الدروب (الحارات) الملتوية الضيقة، تلال ماتيرا، والبيوت منحوتة في الصخور، ويعلو صليب ضخم جميع المنحدرات وأسطح المنازل. وعرفت السينما الأميركية طريقها إلى الكنوز الثقافية القديمة والرائعة التي تمتلكها ماتيرا، وقصدها المخرجون لتصوير أعمال مثل فيلمي «الإنجيل» للمخرج باولو باسولينى، و«آلام المسيح» لميل جيسبون.

ويرى وزير الثقافة الإيطالي ألبرتو بونيسولي أن اختيار المدينة العتيقة «عاصمة للثقافة الأوروبية لعام 2019» يمنح إيطاليا الفرصة «لعرض مزيد من ثقافتنا، وفي الصدارة، الجوانب الأقل شهرة من هذه الثقافة».

وسيتم التركيز على الانفتاح والتبادل بين السكان المحليين وزوار المدينة. وتعد تذاكر حضور الفعاليات الثقافية على مدار العام «بطاقة هوية» تجعل من السائحين «مواطنين مؤقتين» في المدينة. وعلى السائحين الذين يأتون إلى ماتيرا البحث عن مزيد من مظاهر الجذب، ليصبحوا سفراء لها، وليعودوا ثانية.

وترتبط جميع برامج وفعاليات وأنشطة عام الثقافة الأوروبية في ماتيرا ارتباطاً وثيقاً بما تحظى به المدينة من كنوز تعود إلى التاريخ السحيق، وهي تتعلق أيضاً بمدن أخرى في أنحاء أوروبا.

وتقول ناديا ديلا تشارا، صاحبة أحد المتاجر التي تبيع منتجات مصنوعة يدوياً في ماتيرا مثل قطع القماش التي تحمل صوراً مطبوعة، وزهريات الورود (الفازات): «لا يتضمن البرنامج سكان ماتيرا في الحاضر». وأضافت تشارا: «غابت المدينة حقبة طويلة، ولن يفهم الزوار من الخارج فعالية تقام في ماتيرا، والعكس صحيح»، مؤكدة أن الأمر «سيظل عالمين مختلفين».
إيطاليا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة