«غربتليات».. سوريات في الغربة يلتقين على «فيسبوك»

تجمع يضم 512 عضوا يجمع بينهن الحنين للوطن.. والحديث في السياسة ممنوع

رشا خوجة مؤسسة مجموعة «غربتليات»   -  موقع مجموعة «غربتليات» على الفيس بوك
رشا خوجة مؤسسة مجموعة «غربتليات» - موقع مجموعة «غربتليات» على الفيس بوك
TT

«غربتليات».. سوريات في الغربة يلتقين على «فيسبوك»

رشا خوجة مؤسسة مجموعة «غربتليات»   -  موقع مجموعة «غربتليات» على الفيس بوك
رشا خوجة مؤسسة مجموعة «غربتليات» - موقع مجموعة «غربتليات» على الفيس بوك

انعكست الأوضاع الحالية في سوريا على السوري المغترب، وبدت تؤثر بشكل أكثر كثافة عن ذي قبل في تنظيم حلقات تجمّع تحث السوريين على الالتفاف والتلاقي ومؤازرة بعضهم البعض في الغربة. ووسط تلك الحلقات التي عادة ما تكون لتبادل الأفكار والتعليقات السياسية، تنبع مجموعة ذات أهداف اجتماعية وإنسانية بحتة وتسمى «الغربتليات» (المغتربات)، كما يطلقن على أنفسهن بحسب لهجة أهالي مدينة حلب، هي أول مجموعة تواصل اجتماعي للسيدات السوريات في بريطانيا عبر موقع «فيسبوك». هذه المجموعة تضم النساء حصرا، وهي تعبر عن حال المرأة العربية المغتربة وصوتها وهمومها بكل فئاتها العمرية وحالتها الاجتماعية. والمتابع للمشَاركات اليومية يستدل على الكثير من المعلومات عن الأنشطة الاجتماعية والترفيهية والخيرية التي ينظمها أفراد ومجموعات من الجالية السورية في بريطانيا، هذا بالإضافة إلى الأنشطة التي تنظمها المشتركات بالمجموعة مثل لقاءات التعارف واحتفالات الأعياد.
صاحبة فكرة المجموعة رشا خوجة، وهي سيدة من حلب متزوجة وولديها ثلاثة أولاد، مقيمة حاليا في لندن، دفعتها غربة تسع سنوات عن بلدها لتشكيل «الغروب»؛ إذ كتبت على صفحة الموقع، بصفتها المؤسسة أو «الأدمن»: «من تجربتي التي قد تماثل تجارب الكثيرات، ممن قدمن هنا، واضطررن للتنقل من مدينة إلى أخرى، والإقامة عدة أشهر دون أن نتعرف على أي سوري، أنشأت هذا (الغروب)، وإن شاء الله تقوم هذه المجموعة بدورها وتزيد فرص تعارف السوريات على بعضهن البعض بكل أنحاء بريطانيا، وأيضا للواتي لديهن أي معلومة تفيد الأخريات أو بحاجة إلى مساعدة من الممكن تقديم العون لها».
وفي حوار مع «الشرق الأوسط» قالت خوجة: «في البداية أضفت صديقاتي، ومن ثم أضفن صديقاتهن ومعارفهن، وهكذا دواليك، وهناك كثيرات ممن تعرفن على بعضهن البعض بواسطة الموقع. لم أكن أتوقع هذا العدد الكبير من السوريات المقيمات في المملكة المتحدة، ويوما بعد يوم تزهر الشجرة بعضوة جديدة».
يهدف تجمع «غربتليات» إلى الاستفادة من خبرات البعض، ومن واقع حال المعيشة في بريطانيا تتشارك جميع النساء العربيات، بحسب خوجة، المسؤولية الكاملة في تربية الأولاد وكل ما يخص المنزل، وهنا يأتي دور «الغروب» بأن يختصر إلى حد ما معاناة البحث عن الكثير من الأشياء، فعلى سبيل المثال لا الحصر، أين يمكن شراء المنتجات الغذائية العربية، وأماكن بيع اللحم الحلال خاصة في المدن الشمالية.
هذا، وأكدت «الأدمن» أن محتويات الموقع بعيدة عن أي حوارات وموضوعات سياسية، وهذه هي إحدى أهم شروط «الغروب»، وحتى في إحدى المرات طرحت إحدى الصبايا موضوع «لا يجوز الاحتفال بأعياد أهل البلد»، فاضطرت خوجة أن تكتب تصريحا وأوقفت هذا السجال، وكتبت على الموقع أن «صبايا هذه المجموعة مخصصة للسوريات اللواتي على قلب واحد في الغربة، أما من تريد أن تتحدث بالسياسية فالمواضيع السياسية لها صفحاتها الخاصة والمدونات للتعبير عن الرأي هذه الأيام».
ترحب خوجة بجميع السوريات بالاشتراك، وبكل تواضع أوضحت أنها على الرغم من كونها الأدمن وصاحبة فكرة «الغروب» فإنها مثلها مثلهن، أي ممكن أن تفيد وممكن أن تستفيد، وتتمنى من الجميع أن يعتبرن أنفسهن أدمن ويتحملن مسؤولية الحفاظ على هدف المجموعة.
وقد نجحت مجموعة «غربتليات»، منذ عامين على بدء تشكيلها بحسب قول مؤسستها، في أن تستقطب أكثر من 512 عضوة من شتى أنحاء بريطانيا حتى لحظة هذا الحوار، وهؤلاء السيدات يمثلن أعمارا مختلفة، وتحصيلهن العلمي متفاوت، ومنهن من تعمل وأخريات ربات بيوت، لكن ما يجمعهن هو الحنين إلى البلد الأم سوريا.
ومن تظاهرة اجتماعية افتراضية استطاع «الغروب» أن يتحول إلى أرض الواقع؛ إذ أوضحت خوجة: «بالفعل التقينا في مناسبات عدة ضمن أنشطة وجلسات صباحية، وعادة ما يجري ذلك خلال أيام الأسبوع كون معظمنا مشغولا مع العائلة في أيام الإجازة»، وتابعت: «تختلف أسباب اللقاء إما بسبب انضمام بنات جدد ونرغب بالتعرف عليهن أو للاحتفال بالأعياد أو لحضور ندوات تثقيفية».
واختتمت خوجة حديثها بالقول: «بصراحة أنا أجدها مساحة للهروب من المسؤوليات حينما يكون الأولاد في المدرسة، ولا زلت أتذكر خلال اجتماعنا الأول الذي جرى في مركز «الويست فيلدز» التجاري، وكنا نحو 15 بنتا، أتذكر شعوري حينها بالغبطة والفرح الكبير، كأنني وسط أهلي، وربما ملأ هذا الإحساس ما كُنا نفقده هنا في الغربة».
كثيرة هي الأسئلة التي تطرحها العضوات، مثلا: هل تعرفنّ محاميا متخصصا في موضوعات الإقامة؟ وأين توجد مدارس تعليم اللغة العربية للأطفال؟ كيف تُعدل الشهادة الجامعية؟ من أين ابتاع قماشا خاصا لأغطية الصلاة؟ وغيرها، وكان أحدها البحث عن خبيرات تجميل عربيات؛ مما دفع إحداهن لدعوة ياسمين كجي للانضمام إلى «الغروب»، فهي أخصائية عناية بالبشرة والتجميل، وعن مشاركتها قالت كجي: «على الفور قبلت الانضمام، فعلى الرغم من مضي ثماني سنوات على إقامتي هنا مع عائلتي، فإن اللواتي أعرفهن تحديدا من السوريات قليلات جدا؛ لذا فرحتي كانت لا توصف، وسعدت بمشاركتهن خبرتي في التجميل».
وتابعت: «مع مرور الأيام وجدت غروب (غربتليات) وسيلة اجتماعية ونافذة ترفيه، وفائدة تخصني غير العمل والبيت، الجميل فيه أنه يجمع الأم والجدة والمتزوجة حديثا، يتشاركن القصص والخبرات ويؤنسن حياتنا في الغربة»، وأضافت: «بالنسبة لي استطاع الموقع أن يقربني من الجالية السورية، وفتح الباب لعائلتي للانخراط أكثر بالمجتمع العربي، ومنحت الفرصة لأولادي بأن يشعروا بأجوائنا وعادتنا من خلال الأنشطة التي ننظمها أو يُجرى الإعلان عنها».
حلا قشقش تشارك كجي رأيها؛ إذ قالت: «(الغروب) خفف علينا الغربة والوجع بهذه الظروف، فجميعنا نعاني الهم والألم ذاتهما». وكحال الأخريات، تعرفت قشقش عن طريق الموقع على الكثير من الصبايا، ومنهن من التقت بهن فعليا، ومنهن لم يسعفها بُعد المسافات من الالتقاء بهن، على حد تعبيرها.
وبدورها، أثنت قشقش على دور «الأدمن» رشا، التي عملت ملفات متنوعة تحتفظ بداخلها على معظم المعلومات التي ذُكرت ويمكن الرجوع إليها لاحقا، هذا بالإضافة إلى الاستفادة من الإعلانات عن الأنشطة الاجتماعية والخيرية، إلا أنها في المقابل تتمنى لو تشارك المشتركات بـ«الغروب» في حوارات أكثر من الاكتفاء بالتعليقات، كأن يفتح موضوع معين ويجرى النقاش حوله.
وحقا وبعد موافقة «الأدمن»، بدأت قشقش بتنفيذ فكرتها، أوضحت: «سلمتني رشا الميكروفون، وكان عنوان النقاش الأول (هل أنت راضية عن نفسك وحياتك وعلاقاتك؟ هل تفكرين بتغيير تصرفاتك أو أسلوبك؟)»، وتابعت: «سرّني التواصل والإجابة عن التساؤلات والمداخلات الكتابية وصراحة الآراء التي بالنهاية كانت تدعو للتفكير بتجارب الآخرين والاستفادة من خبرتهم».
إلى ذلك، تختلف المؤهلات العلميّة واهتمامات المشتركات، إلا أن الغالبية هن أمهات وربات بيوت، وهذا واقع فرضه أسلوب العيش هنا، فمعظم الرجال يعملون طوال النهار والأم مسؤولة بالكامل عن كل ما يخص البيت وتربية الأولاد وتوصيلهم للمدارس، وحتى لو كانت تحمل مؤهلا علميا، لا توجد فرص عمل تتناسب وطبيعة مسؤولياتها، وثانيا، لا يوجد أهل وأقرباء للمساعدة، كما أن الرعاية كالحضانات وجلسية الأطفال مكلفة. روعة زنرني هي إحدى هؤلاء الأمهات، على الرغم من كونها مهندسة عمارة لم تستطع أن تزاول مهنتها، فهي أم لثلاثة أطفال، وجدت صعوبة في إيجاد فرصة عمل لا تتضارب مع اهتمامها بعائلتها.
زنرني، وكأي ربة منزل تعشق الطبخ، دفعتها خلفيتها الفنية للإبداع في هذا المجال، وباتت تفنن في طرق التقديم وابتكار الأطباق والمأكولات، وعن تجربتها بـ«الغروب»، قالت: «حينما بدأ الأولاد بالذهاب إلى المدرسة أصبح لي مساحة من الوقت أستطيع فيها ممارسة هوايتي في الطبخ والخبز، وبعد انضمامي بموقع (غربتليات) شجعتني صديقاتي بأن أعمل من المنزل، وأعرض صور الأطباق التي أطبخها من أجل بيعها للراغبات، والحمد لله، وجدت إقبالا كبيرا، وخصوصا طبخاتنا السورية التي تحتاج إلى وقت لإعدادها، والظروف في بلدنا حرمت الكثيرين من الحصول عليها».
نجاح روعة، أمدها «الغروب» بالعزيمة وفتح الآفاق لأفكارها؛ إذ تخطط الآن لعمل معرض للوحاتها الفنية ومشغولاتها اليدوية.. في الختام وراء كل عضوة من غروب «غربتليات» قصة فريدة لكنها تتقاطع خيوطها مع مفردات الغربة وحنين العودة إلى الوطن.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».