عندما يكرّر الأوروبيون أنّ الإنجاز الأهمّ لمشروع الوحدة الأوروبية هي فترة السّلم المديدة التي أتاحها منذ تأسيسه، يدركون جيّداً أنّ تاريخ هذه القارة مجبول بالحروب العسكرية والسياسية والدّينية منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، وأنّه لا يوجد في كتب التاريخ الأوروبي فصل آخر يحكي سبعة عقود من السلام مرّت على أوروبا من غير صراعات دموية ودمار. وتنشط دول كثيرة في الاتحاد الأوروبي منذ فترة لتوعية الأجيال الجديدة حول دور هذا المشروع في صون السّلم وتحقيق ازدهار غير مسبوق في القارة الأوروبية.
ومن المبادرات التي ترمي إلى استخلاص العِبَر من نزاعات الماضي وتسليط الضوء على أهمية التعايش بين الأعداء السابقين بفضل المشروع الأوروبي، ما قامت به إسبانيا وهولندا بهدف طي صفحة سوداء من التاريخ المشترك بينهما، هي حرب الثمانين عاماً، التي يصادف هذه السنة مرور 450 سنة على نشوبها. فقد نظّمت الحكومة الهولندية معرضاً ضخماً في المتحف الوطني، بالتعاون مع وزارة الثقافة الإسبانية وعدد من المتاحف في هولندا وإسبانيا، عن تلك الحرب يضعها في إطارها الدُّولي الصّحيح لدحض الأفكار والصورة السلبية الخاطئة التي تراكمت لدى الهولنديين عن الإسبان منذ تلك الحقبة التي بدأت بتمرّد قاده دوق أورانج ضد الملك الإسباني فيليبي الثاني، الذي كانت جيوشه تسيطر على أجزاء كبيرة من أوروبا، وانتهت بولادة دولتين جديدتين هما هولندا وبلجيكا.
ويقول ريمون فاغيل، أستاذ التاريخ في جامعة أمستردام وأحد المشرفين على تنظيم المعرض، إنّ المعاهد الهولندية كانت تقدّم لطلابها تلك الحرب التي قامت في الأراضي التي ورثها العاهل الإسباني عن والده كارلوس الخامس، المعروف بشارلمان، أي كارلوس الأكبر، على أنّها كانت حرباً تحريرية قادها مؤسس هولندا الإنجيلي البطل ضد المحتل الإسباني الكاثوليكي الذي قمعها بقسوة ما زالت تشهد عليها مئات اللوحات في المتاحف الأوروبية وتغذّي مخيّلة الطّلاب الهولنديين بروايات سوداء عن وحشيّة الإسبان.
ويضيف فاغيل أنّ الملك الإسباني «لم يكن غازياً محتلاً، بل عاهلاً شرعيّاً على الأقاليم السبعة عشر، كما كانت تعرف الأراضي التي تضمّ ما هي اليوم بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ وشمال فرنسا وبعض المناطق في غرب ألمانيا خلال القرن السادس عشر، وأنّ الهدف من التمرّد كان المطالبة بمزيد من الحرّيات للسكان الإنجيليين، وإعطاء المدن والسلطات المحلية المزيد من الصلاحيات الإدارية». لكنّ النزاع تطوّر بشكل غير متوقع وتحوّل إلى حرب أهليّة انتهت بقيام دولتين جديدتين في أوروبا.
ويقول جيز فان در هام المفوّض المسؤول عن المعرض الذي يحمل عنوان «حرب الثمانين عاماً: ولادة هولندا»: إنّ «ثمّة وجهين للعلاقة اليوم بين إسبانيا وهولندا، الأول هو الانتماء المشترك إلى المشروع الأوروبي، حيث ينظر الهولنديون لإسبانيا كدولة صديقة ومنفتحة يتهافتون لقضاء العطلة فيها، من ثمّ هناك التاريخ المشترك الذي يحمل صورة سلبية عن إسبانيا». ويضيف: «في الخطاب التاريخي الموروث تحمل هويّتنا صوت التاريخ الإنجيلي، لكنّ الواقع هو أنّ هولندا هي ثمرة حرب أهلية عندما كان 90 في المائة من السكان كاثوليكيين. وقد رفضنا طوال قرون حقيقة أنّ الكالفينيين كانوا مجموعة صغيرة تدافع عن نموذجها الاجتماعي، لأنّنا كنا بحاجة إلى عدو لنقول إنّنا خضنا نضالاً ضد المحتل من أجل الحرية السياسية والدينية».
ويعتبر برناردو غارسيّا، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة مدريد المركزية، أنّ مبادرات كهذه تساعد كثيراً على تنقية التاريخ الأوروبي من الأساطير الكثيرة التي لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، والتي توارثتها الأجيال وتضخّمت مع مرور الزّمن خدمة لمصالح وأهداف قوميّة. ويقول إنّه «على الرّغم من العقود الطويلة من الحروب بين البلدين، فقد أصبحت إسبانيا وهولندا دولتين حليفتين بسرعة داخل المشروع الأوروبي، تخدمان أهدافاً إنسانية مشتركة، وتحتكمان لمنظومة من المبادئ والمواثيق التي تقوم على أسس التعاون والتعايش وصون السّلم واحترام الآخرين والتفاعل معهم».
ويدعو غارسيّا إلى «استخدام سلاح الفن والثّقافة» على نطاق واسع لإعادة الرّوح إلى المشروع الأوروبي الذي يتعثّر منذ سنوات على جبهات عدة، والتصدي للحركات الشعوبية والقومية الضيقة التي تستهدف تقويضه.
10:43 دقيقه
إسبانيا وهولندا تطويان صفحة سوداء من التاريخ المشترك
https://aawsat.com/home/article/1535366/%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7-%D8%AA%D8%B7%D9%88%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%AA%D8%B1%D9%83
إسبانيا وهولندا تطويان صفحة سوداء من التاريخ المشترك
450 سنة مرّت على نشوب حرب الثمانين عاماً
لوحات فنية كثيرة تعبر عن بشاعة الحروب في أوروبا
- مدريد: شوقي الريّس
- مدريد: شوقي الريّس
إسبانيا وهولندا تطويان صفحة سوداء من التاريخ المشترك
لوحات فنية كثيرة تعبر عن بشاعة الحروب في أوروبا
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

