طباعة ثلاثية للوجبات... ومأكولات بروتينية من الطحالب

طباعة ثلاثية للوجبات... ومأكولات بروتينية من الطحالب

مستقبل صناعة الطعام بعضه من الخيال العلمي
الأحد - 22 شهر ربيع الثاني 1440 هـ - 30 ديسمبر 2018 مـ رقم العدد [ 14642]
لندن: «الشرق الأوسط»
تتعرَّض صناعة الطعام في الوقت الحاضر لحملات نقد شديدة من المستهلكين ومن جهات الإشراف الحكومية. فالمستهلك من ناحيته يريد مكونات صحية في الأغذية والمزيد من الشفافية حول مصادر الطعام، ويطالب البعض أيضاً بتحسين معاملة الحيوانات. ومن ناحية الحكومات هناك العديد من الشروط التي تبدأ بوضع تحذيرات من أنواع الحساسية، ولا تنتهي ببحث تأثير إنتاج الطعام السلبي على البيئة.

ومن أجل التعامل مع هذه التحديات تقبل شركات الطعام الكبرى والمستثمرون في هذا المجال على تغييرات جذرية سوف تظهر آثارها في السنوات المقبلة. وتلعب التقنيات الحديثة دوراً مهماً في الثورة التقنية التي تقبل عليها صناعات الطعام في العديد من المجالات.

ويُسهِم الاستثمار المتزايد في صناعة الطعام على تطبيق هذه التقنيات قريباً. ويمثل العام الحالي (2018) رقمياً قياسياً في حجم الاستثمار في مشروعات الأغذية وتقنياتها من شركات استثمار، تقدره مؤسسة «بيتش بوك بلاتفورم» للمعلومات بأكثر من ملياري دولار، بعد أن ظل ثابتاً عند مليار ونصف المليار دولار في العامين السابقين.

وبعد أن ظلَّت صناعة الأغذية معزولة طويلاً عن عالم التقنيات الحديثة أصبحت الآن في مصاف الصناعات المتقدمة في هذا المجال. وهناك العديد من التقنيات التي سوف تصل إلى مجال التطبيق قريباً.

- طباعة ثلاثية

هناك تقنية جديدة سوف تسمح للمستهلك بأن يختار مكونات وجبته بنفسه، وأن يعدَّها بالأسلوب المفضل لديه بطابعة ثلاثية الأبعاد. هذه الطابعة موجودة بالفعل، واسمها «فوديني». وتدخل مكونات الأطعمة إلى هذه الطابعة بدلاً من الحبر والبلاستيك، وسوف تستخدمها المطاعم والمخابز في طباعة تصميمات دقيقة للحلوى وزينة الأطباق. وتقول الشركة المصنعة لـ«فوديني» إن نسخةً مصغّرةً للمنازل سوف تكون جاهزة في الأسواق خلال عامين من الآن.

وسوف تسمح مثل هذه الأجهزة المنزلية بوضع المكونات داخلها بحيث يمكن مثلاً وضع الدجاج المطحون ومكونات أخرى مثل التوابل والخبز المطحون، ثم يختار الأطفال الأشكال التي يفضلونها، مثل النجوم أو الديناصورات. ويقوم الجهاز بطباعة الأشكال المطلوبة ثلاثياً لتأتي أطباق «تشيكن ناغيت» جاهزة بالأشكال المطلوبة وجاهزة للطهي في الفرن. ويمكن برمجة الأجهزة لكي تحدد المحتويات الدهنية أو عدد السعرات في الوجبات المطلوبة، ويتم هذا عن طريق التحكم في المحتويات أو في حجم الوجبات.

ويبلغ ثمن النسخة التجارية من أجهزة طباعة الطعام ثلاثياً نحو أربعة آلاف دولار، ولكن السعر سوف ينخفض مع انتشار استخدامها في المستقبل. وهي تتيح فرصة لكي يتحكم المستهلك في محتويات طعامه وفي طريقة تجهيزه.

وهناك جهاز مماثل اسمه «شيف 3 دي» يمكنه طباعة البيتزا بالمحتويات والشكل المطلوب لكي تكون جاهزة للفرن. ويقول مطور الجهاز إنه ابتكر صناعته بمنحة من وكالة «ناسا» الأميركية. وهو أسلوب قد يمنح رواد الفضاء في المستقبل فرصة تناول وجبات طازجة لمأكولات طبيعية بالطباعة الثلاثية بدلاً من أكياس البودرة المخلوطة بالماء التي تمدهم بالغذاء في الفضاء حالياً.

- بروتين من الطحالب

من الأفكار الأخرى التي تعمل عليها صناعة الأغذية هي توفير البروتين من الطحالب التي تنمو في المياه الضحلة قليلة الملوحة. وتأتي أهمية الطحالب كمصدر للبروتين ومادة «أوميغا 3» من حاجة العالم المتزايدة للبروتين من ناحية، ونفاد الأراضي الصالحة لتربية الحيوانات اللازمة لغذاء الإنسان من ناحية أخرى.

وهي فكرة بدأ تطبيقها بالفعل في مساحات صحراوية أميركية حيث المياه الراكدة يتحول لونها إلى مزيج من الأخضر والأزرق. ولا تحتاج الطحالب إلا إلى مياه شبه مالحة وأشعة شمس قوية. وتدخل صناعة استخراج البروتين من الطحالب حالياً في إنتاج كثير من الأغذية مثل الجمبري النباتي، وأصابع الحلوى البروتينية، كما تدخل الطحالب كغذاء لمزارع الأسماك ولإضافة الألوان لبعض الأغذية.

وتعمل شركة أميركية اسمها «إيوي لايف» على تطوير أغذية من الطحالب، منها أصابع البروتين ومشروبات بروتينية وحبوب «أوميغا 3» الصحية. وكانت الشركة حتى وقت قريب تعمل فقط على استخرج نوع من الوقود النباتي من الطحالب.

هذه الفكرة تصلح كبداية مبشِّرة لتحويل مساحات من الصحراوات العربية في منطقة الخليج وشمال أفريقيا إلى مزارع للطحالب بتحويل مياه البحر المخلوطة بالمياه المحلاة إلى مساحات رملية معرضة لأشعة الشمس، وإقامة مصانع استخراج الطحالب، إما لتصديرها أو تحويلها إلى صناعات غذائية.

- الكومبيوتر الغذائي

يعرف كثير من المسافرين أن هناك بعض المنتجات الغذائية في بلدان معينة تتميز بنوعية يصعب العثور عليها في مواقع أخرى، مثل برتقال يافا والطماطم الإيطالية، خصوصاً من مقاطعة توسكاني والتمر العربي. ويحاول معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا عبر مبادرة اسمها «أوبن أغريكالتشر» حل هذه المعضلة بأجهزة كومبيوتر زراعية خاصة يمكنها أن توفر كل الخصائص المعروفة في منتج زراعي معين في بلد معين لكي تنتجه في بيئة مغايرة.

ليس هذا فقط، بل ويمكن تنفيذ الفكرة على نطاق مزرعة صغيرة بحجم حاوية شحن.

ويضبط الكومبيوتر تلقائيا جميع العناصر التي تؤدي إلى مماثلة الطعم المعهود في منتجات معينة، وذلك عن طريق تحديد مكونات التربة وكمية المياه اللازمة ودرجة حرارة الجذور وأشعة الشمس اللازمة والمعادن المطلوبة للتربة. ويتم القياس عبر أدوات استشعار معينة بحيث ينمو النبات في مناخ مماثل تماماً لبيئته الطبيعية، وبالتالي تأتي الثمار مماثلة في الطعم.

ويتم استخدام هذه الأجهزة أيضاً لتحسين نوعية المحاصيل، والبحث عن المناطق التي تصلح أكثر لزراعتها، بحيث تكون المحاصيل أفضل نوعية وطعماً وأكثر قيمة غذائية. وتستخدم هذه التقنية شركات غذائية غربية تخضع لمتغيرات خارجة عن سيطرتها، مثل شركة «نوتيلا» التي تصنع أنواعاً من معجون الشوكولاته الذي يحتاج ضمن مكوناته إلى حبوب البندق الذي تستورده من تركيا. ولكن عندما يتغير المناخ سواء بالجفاف أو الأعاصير، كما سبق أن حدث في عام 2014، يرتفع سعر البندق إلى آفاق ضارة بربحية الشركة.

وبدلاً من التجارب العشوائية لزراعة البندق في مناطق مختلفة في العالم وانتظار نتائج كل منها، مما يستغرق الكثير من الوقت والتكلفة، فإن اختبارات الكومبيوتر يمكنها أن تحدد الأماكن الصالحة لزراعة محصول البندق في فترة قصيرة وبتكلفة أقل.

ويمكن للمزارعين استخدام هذه التقنية للتعرُّف على خصائص تربة المزارع والتحول إلى الإنتاج الأمثل للمحاصيل التي تناسب هذه التربة. ومن جهة أخرى يمكنهم أن يضيفوا المعادن والأسمدة اللازمة لزراعة المحصول الذي يعود عليهم بعوائد أفضل.

- أفكار أخرى

عندما تتفشى ظاهرة مرضية معينة مصدرها الطعام يتمُّ حصر وتدمير منتجات معروضة في محلات السوبر ماركت، وربما فرض حظر على مزارع معينة، وتتم عملية بحث مضنية عن مصادر المرض بجهد كبير وخسائر فادحة لكثير من الأطراف من المنتجين والموزعين وبائعي التجزئة والمطاعم والفنادق.

الآن تعمل عدة شركات على تطوير «كود» غذائي يماثل الكود الذي يحمل أسعار السلع الغذائية في محلات السوبرماركت، بحيث يمكن تحديد مصادر الأطعمة الضارة فوراً. هذا الكود يضاف إلى الطعام نفسه ويمكن تناوله بلا أي تأثير على الصحة. وعند الحاجة يتم تحليل الطعام المشتبه فيه عبر الكود المتضمَّن فيه ومعرفة المصدر فوراً.

وجاءت الفكرة بعد تفشي عدوى «ليستريا» من منتجات زراعية معدية في أميركا عام 2011. ووجهت بعد ذلك شركة اسمها «سيف تريسيس» جهودها إلى تصميم هذا الكود الغذائي وطرق تحليلِه السريع. وعند تطبيق هذه التقنية على محصول تفاح أمكن التعرف ليس فقط على مزرعة التفاح التي أنتجته، وإنما أيضاً على صف الأشجار التي جاء منها التفاح. وكان «الكود» متضمناً في طبقة شفافة من الشمع الذي يغلف به التفاح عند تحضيره للبيع. ويمكن تطبيق هذه التقنية على جميع الأغذية ومكوناتها. كما يمكن تناول هذا الكود مع الطعام لأنه مصنوع من مواد غير مضرة.

من ناحية أخرى، تعاني صناعة الطعام من سرعة فساد الأطعمة بعد إنتاجها، وهي مشكلة عالمية، خصوصاً في البلدان الحارة. وباستخدام أغلفة عضوية شفافة لمنتجات الخضراوات والفواكه لدى قطفها يمكن تناولها بلا أضرار، فإن عمر هذه الأغذية يزيد بمعدل ثلاثة أضعاف، مما يقلِّل من الخسائر والمنتجات الهالكة، كما يحد من نقل بعض المنتجات بالطائرات، لأنها تتلف بسرعة مثل الفراولة والإسبراغوس (الهليون)، بحيث يمكن نقلها بالسفن الأرخص تكلفة.

من التقنيات الأخرى التي بدأت مزارع أبقار الحليب الاعتماد عليها تقنية التعرف على وجوه الأبقار عبر كاميرات مركبة في المزارع. وهي تقنية تشبه تلك المتاحة في المطارات للتعرف على وجوه المسافرين.

وتتم مراقبة تصرفات الأبقار التي تتبع أنماطاً معينة في الأكل والشرب والاستراحة، بحيث يمكن عن طريق برامج ملحقة بالكاميرات التعرف فوراً على أي تصرُّف غير طبيعي قد يشير إلى أمر غير عادي، مثل نفاد الطعام أو مرض بعض الأبقار، بحيث يتم التعامل مع الموقف بسرعة.

وتستخدم هذه التقنية حالياً في مزارع تحوي 14 ألف بقرة في أوروبا وأميركا. وتنوي الشركة المنتجة تطبيق تقنية التعرف على وجوه الحيوانات إلى مجالات متنوعة تشمل حيوانات أو طيوراً أخرى.
المملكة المتحدة الأطباق

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة