المكملات الغذائية... مشكوك في قيمتها وتحمل مخاطر خفية

لا تخضع لضوابط صارمة

المكملات الغذائية... مشكوك في قيمتها وتحمل مخاطر خفية
TT

المكملات الغذائية... مشكوك في قيمتها وتحمل مخاطر خفية

المكملات الغذائية... مشكوك في قيمتها وتحمل مخاطر خفية

  لا توجد أدلة على الفائدة الصحية لأكثرها، وتحتوي بعضها على مواد محفزة قد تؤثر سلباً على صحة القلب.
يمثل إنفاق الأميركيين على الفيتامينات والمعادن نحو ثلثي حجم ما ينفقونه على كل المكملات الغذائية والذي يقدر بـ37 مليار دولار، في حين تمثل الأقراص والمساحيق والمستحضرات الكحولية، التي تحتوي على مواد كثيرة مستخلصة من عدة مصادر أهمها النباتات والحيوانات والكائنات الدقيقة، الثلث الباقي.

- شعبية المكملات
ما سر شعبية تلك المنتجات والسبب وراء الإقبال عليها؟ يعتقد البعض أن الأطعمة التي نتناولها تخلو من المواد المغذية المهمة، لذا يقبلون على تناول المكملات الغذائية لتعويض ذلك، رغم تعزيز الكثير من الأطعمة بالمغذيات حتى تحل محل الفيتامينات التي يتم فقدانها أثناء عملية المعالجة. ويشعر البعض الآخر أن العقاقير الغربية تعتمد كثيراً على المواد الدوائية، ويفضلون تناول المواد الطبيعية بدلاً منها. مع ذلك يتم استخلاص عدد من العقاقير الشائعة من النباتات.
في كل الأحوال يعود السبب الحقيقي وراء ازدهار صناعة المكملات الغذائية إلى قانون تم إقراره منذ خمسة وعشرين عاماً على حد قول الدكتور بيتر كوهين، أستاذ مساعد بكلية الطب جامعة هارفارد يدرس المكملات الغذائية.
والمكملات الغذائية، بحسب تعريف قانون الصحة والتوعية الخاصة بالمكملات الغذائية لعام 1994، هي أطعمة لا عقاقير، ويعني ذلك أنها لا تخضع للوائح نفسها التي تحكم جودة وسلامة العقاقير التي يتم وصفها طبياً.
يقول الدكتور كوهين: «يمكن بيع المكملات الغذائية والإعلان عنها كوسيلة لتحسين الصحة دون الحاجة لتقديم أي دليل على أثرها وفعاليتها بالنسبة للبشر. قد يعتقد المرء أن القانون سوف يضع قواعد تنص على ضرورة استناد الفائدة الصحية المزعومة إلى أدلة علمية، لكن الأمر عكس ذلك تماماً، فالقانون يحمي المصنعين من خلال السماح لهم بكتابة عبارات مثل (قد تدعم صحة القلب) حتى لو لم يتم إجراء تجربة واحدة على البشر لدعم ذلك الزعم».

- مستهلكون مخدوعون
في الواقع حتى عندما توضح التجارب العملية التي تحظى برعاية الحكومة، وتحصل على دعم بالملايين، عدم فعالية مكمل غذائي ما، (كما هو الحال بالنسبة لمكمل زيت السمك الذي يتم بيعه للأشخاص الأصحاء دون وصفة طبية للوقاية من مرض القلب)، تظل شركات المكملات الغذائية تتمتع بحق كتابة فوائد صحية مزعومة مبهمة على الملصقات التي يتم وضعها على المنتج بحسب ما يوضح دكتور كوهين. ونتيجة لذلك ينتهي الحال بالمستهلكين إلى شراء منتجات تقدم وعوداً زائفة.
وحتى إذا اتضحت فائدة المكمل الغذائي في علاج مشكلة صحية بعينها، لا يكون هناك ضمان بأن المنتج الذي تشتريه من الصيدلية القريبة منك سيكون له الفعالية نفسها، فقد تتباين كمية المادة الفعالة في المكملات بشكل كبير، ليس فقط من علامة تجارية إلى أخرى بل من علبة إلى أخرى. على سبيل المثال، تحتوي مكملات أرز الخميرة الحمراء red yeast rice supplements على مادة تسمى «موناكولين كيهmonacolin K «، وهي من الناحية الكيميائية المكون الفعال ذاته الموجود في عقار «لوفاستاتين» lovastatin الخافض للكوليسترول (ميفاكور)Mevacor مع ذلك عندما فحص الدكتور كوهين وزملاؤه 28 علامة تجارية مختلفة لأرز الخميرة الحمراء من تجار تجزئة مختلفين، وجدوا كميات متباينة من مادة الموناكولين كيه، حيث لم يكن هناك أثر يذكر للمادة في علامتين تجاريتين، في حين احتوت علامات تجارية أخرى على كميات مماثلة لتلك الموجودة في عقار «لوفاستاتين». وتم نشر دراستهم في الدورية الأوروبية لطب القلب الوقائي في سبتمبر (أيلول) 2017.

- محفز للقلب محظور
بحثت أحدث دراسات الدكتور كوهين في عشرات المنتجات التي يتم الترويج لها على أنها تساعد الناس في فقدان الوزن وتحسين الأداء الرياضي. تلك المنتجات متاحة على الإنترنت، وفي متاجر التجزئة المتخصصة في المكملات الغذائية. وتحمل تلك المنتجات ملصقات تشير إلى احتوائها على مادة الـ«هيغينامينhigenamine «، والتي يُطلق عليها أيضاً «نوركوكلورين» norcoclaurine أو «ديميثيل كوكلورينdemethylcoclaurine «، وهي مادة قد تكون محفزا قلبيا وعائيا ضارا حظرت «الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات» استخدامه بين الرياضيين عام 2017.
يتم اشتقاق الـ«هيغينامين» من عدة نباتات منها زهرة اللوتس، وشجيرة تعرف باسم «البامبو السماوي». وقد تم دراسة تلك المادة في الصين لاستخدامها في فحص الجهد الخاص بالقلب لمحاكاة أثر التمرين الرياضي عندما لا يكون المريض قادراً على السير على آلة المشي الرياضي. يمكن لتلك المادة، إذا ما تم تناولها بانتظام، زيادة معدل ضربات القلب، والتسبب في انقطاع النفس، والشعور بالدوار.
كما جاء في دورية Clinical Toxicology) السموم السريرية) في سبتمبر، تراوحت الكمية، التي تم اكتشافها من تلك المادة في 24 منتجا، بين قدر لا يذكر، و62 مليغراما للجرعة الواحدة. لم تذكر سوى خمس علامات تجارية المقدار الموجود في المنتج على الملصق، لكن لم يكن أي منها دقيقاً. في حالة بعض المنتجات، إذا تناول الأشخاص المقدار الموصى به على الملصق، سيتناولون ما يقرب من 110 مليغرامات من مادة الـ«هيغينامين» يومياً. لم تتم دراسة الأثر المحتمل لذلك جيداً، لكن قد يكون لهذا الأمر آثار مثيرة للقلق على القلب على حد قول الدكتور كوهين. (وقبل عدة عقود من السنين أدى استخدام مكملات غذائية تحتوي على مادة أخرى محفزة مشتقة من نبات آخر إلى حدوث آثار خطيرة وأحيانا مميتة - انظر إطار2: الـ«إيفيدرا»).

- اسأل الطبيب
توجه النصائح على مدار الزمن بأهمية إخبار طبيبك بأي شكوك تساورك بشأن المكملات الغذائية التي قد تتناولها. عوضاً عن ذلك يقول الدكتور كوهين إن الأكثر منطقية من ذلك هو سؤال الطبيب ما إذا كان ينبغي عليك تناول أي مكملات غذائية أم لا. ويشير دكتور كوهين إلى المكملات قائلاً: «يكون لها دور واضح في حالات محددة».
من الأمثلة التي توضح ذلك بالنسبة إلى كبار السن تناول مكملات الكالسيوم في حالة الأشخاص الذين لا يحصلون على ما يكفي من الكالسيوم من الغذاء، أو فيتامين «بي 12» في حالة الأشخاص الذين يعانون من مشكلة في امتصاص المواد المغذية.
إذا نصحك طبيبك بتناول مكمل غذائي، اقرأ الملصق الموجود عليه واختر علامة تجارية موثقة ومعتمدة من «دستور الأدوية الأميركي» أو «المؤسسة الوطنية للصحة»، وهما من المنظمات المستقلة غير الحكومية.

- احذر المحفزات الجنسية
إضافة إلى المكملات الغذائية، التي تعد بفقدان الوزن أو تحسين القدرة الرياضية، ينبغي على المرء الحذر من تلك التي تزعم تحسين القدرة الجنسية، حيث تحتوي المئات من تلك المنتجات على مكونات غير معلن عنها تشبه أو تطابق تلك الموجودة في عقاقير يتم وصفها طبياً مثل «سيلدينافيل» (الفياغرا).
ويمكن أن تؤدي كل تلك المنتجات «الطبيعية» إلى انخفاض خطير في ضغط الدم خاصة لدى الأشخاص، الذين يتناولون النترات، والتي يتم وصفها أيضاً كعلاج لمرضى القلب.

- «إيفيدرا»... قصة تحذيرية
تم تسويق مكملات غذائية تحتوي على الـ«إيفيدرا» ephedra المشتق من العشب الصيني «ما هوانغ ma huang « خلال فترة التسعينات كمعزز للطاقة ومحفز على فقدان الوزن. عندما يتم تناول ذلك العشب مع الكافيين يحفز على فقدان الوزن بشكل طفيف وعلى المدى القصير، لكنه يحتوي على مواد كيميائية قد تؤدي إلى انقباض وضيق الأوعية الدموية، وأشارت دراسات إلى وجود علاقة بين تناول الـ«إيفيدرا» وارتفاع ضغط الدم، ووجيب أو اختلاج القلب، والإصابة بالأزمات القلبية.
مع ذلك نظراً لأن القانون يلزم إدارة الغذاء والدواء بإثبات أن المنتجات التي تحتوي على الـ«إيفيدرا» غير آمنة، احتاج الأمر إلى عشر سنوات لجمع ما يكفي من الأدلة. خلال تلك الفترة كانت الوكالة قد سجلت 16 ألف بلاغ بحدوث إصابات، و62 ألف شكوى من مستهلكين، و155 حالة وفاة على الأقل لها صلة بتناول منتجات تحتوي على الـ«إيفيدرا».

- رسالة هارفارد للقلب، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

صحتك قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز دون إدراك أن الأمر قد يكون أكثر من مجرد إرهاق عابر. فقد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الحبوب الكاملة والجبن ارتبطت بزيادة أسرع نسبياً في تراجع بعض مؤشرات الدماغ (بيكسباي)

مفاجأة... أطعمة صحية شائعة قد تسرّع تدهور وظائف المخ

كشفت دراسة حديثة استمرت عشر سنوات عن نتائج مفاجئة، حيث تبيّن أن بعض الأطعمة التي تُعد جزءاً من نظام غذائي صحي قد تكون مرتبطة بتدهور أسرع في بعض وظائف الدماغ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يُنصح بالابتعاد عن تناول الأطعمة الحارة والمُهيّجة بكثرة لتفادي الإصابة بالتهابات المسالك البولية (رويترز)

5 أمور يجب على مريض التهاب المسالك البولية تجنبها

يبرز الوعي بالسلوكيات اليومية بوصفه عاملاً حاسماً في الوقاية من مرض التهابات المسالك البولية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك الحليب من أفضل المشروبات لدعم صحة العظام وتقويتها لأنه غني بالكالسيوم والبروتين وفيتامين «د - D» (بيكسباي)

أفضل مشروب لدعم صحة العظام وتقويتها

من أفضل المشروبات لدعم صحة العظام وتقويتها... الحليب؛ لأنه غني بالكالسيوم والبروتين وفيتامين «د (D)»، وهي عناصر أساسية لبناء العظام والحفاظ على قوتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
TT

فقدان التركيز... لماذا يحدث وكيف تتعامل معه؟

قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)
قد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة (رويترز)

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز دون إدراك أن الأمر قد يكون أكثر من مجرد إرهاق عابر. فقد يشير تشتت الانتباه إلى مشكلات صحية أو نفسية تحتاج إلى متابعة، خصوصاً إذا بدأ يؤثر على الأداء اليومي في العمل أو الدراسة واتخاذ القرارات.

وفيما يلي أبرز أعراض ضعف التركيز والحلول، ومتى يجب أن نقلق، حسبما نقل موقع «هيلث لاين» العلمي:

أولاً: أبرز الأعراض

تشمل علامات ضعف التركيز:

* عدم القدرة على تذكر الأحداث التي وقعت منذ وقت قصير.

* صعوبة التفكير بوضوح.

* كثرة فقدان الأشياء أو صعوبة تذكر أماكنها.

* التردد في اتخاذ القرارات.

* ضعف القدرة على إنجاز المهام المعقدة.

* الشعور بالإرهاق الذهني أو البدني.

* ارتكاب أخطاء غير مقصودة.

* نسيان المواعيد والالتزامات.

ثانياً: الأسباب المحتملة

ترتبط صعوبة التركيز بعدة عوامل، منها:

* اضطرابات مثل فرط الحركة وتشتت الانتباه.

* القلق والاكتئاب والضغط النفسي.

* انقطاع التنفس في أثناء النوم.

* مشكلات السمع أو البصر.

* الإرهاق أو الألم الجسدي.

* التغيرات الهرمونية مثل انقطاع الطمث.

* المعاناة من الوسواس القهري.

* الإفراط في شرب الكحول.

* بعض الأدوية مثل المهدئات ومسكنات الألم ومضادات الاكتئاب.

يعاني كثيرون من صعوبة في التركيز (بيكسلز)

ثالثاً: نصائح لتحسين التركيز

يمكن تقليل المشكلة من خلال:

* التخلص من المشتتات:

رتِّب مكتبك، وأغلق إشعارات هاتفك، واستمع إلى الموسيقى فقط إذا كانت تساعدك على التركيز.

* ملاحظة أوقات فقدان التركيز

قد يساعدك تحديد هذا الأمر على تحديد أصل المشكلة وحلها، وقد يحفزك على التركيز بشكل أفضل.

* مراجعة أدويتك مع مختص

قد تؤثر بعض الأدوية والمكملات الغذائية على تفكيرك. استشر طبيبك إذا شعرت بأن أدويتك قد تؤثر على تركيزك.

* تنظيم وقتك بين العمل والراحة

خطِّط للعمل لمدة ساعة، ثم استرح أو مارس تمارين التمدد لمدة 5 دقائق.

* تناول الفاكهة بدلاً من الوجبات الخفيفة السكرية

يمكن للسكر أن يرفع ويخفض ​​مستوى السكر في الدم بسرعة، مما يجعلك تشعر بانخفاض الطاقة بعد فترة. الفاكهة تُشبع رغبتك في تناول الحلويات دون التأثير على مستوى السكر في الدم بنفس القدر.

* حافظ على نشاط عقلك

مارس الألغاز والألعاب أو غيرها من الأنشطة التي تُبقي ذهنك نشطاً.

* مارس التأمل

يُساعد التأمل الواعي على تدريب أفكارك وتعزيز تركيزك بشكل ملحوظ.

* اعتنِ بجسمك

يُمكن للرياضة واتباع نظام غذائي متنوع غني بالعناصر الغذائية الأساسية أن يُعزز صحتك البدنية وقد يُساعد على تحسين صحتك النفسية.

* كتابة المهام وتحديد أهداف واضحة

تُساعدك القوائم والخطط والأهداف المكتوبة على تحديد أولوياتك وتذكر المهام التي تحتاج إلى إنجازها دون تشتيت ذهنك.

رابعا: متى تجب مراجعة الطبيب؟

يُنصح بزيارة الطبيب في الحالات الآتية:

* مشكلات متزايدة في الذاكرة.

* تراجع ملحوظ في الأداء.

* صعوبات في النوم.

* إرهاق غير معتاد.

* فقدان الوعي.

* تنميل في جانب من الجسم.

* ألم شديد في الصدر.

* صداع حاد.

* فقدان مفاجئ للذاكرة.

* صعوبة في الكلام أو إدراك المكان الذي توجد فيه.

Your Premium trial has ended


القنب تحت المجهر: دراسة تربط الاستخدام اليومي بتغيّراتٍ في بنية الدماغ

صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
TT

القنب تحت المجهر: دراسة تربط الاستخدام اليومي بتغيّراتٍ في بنية الدماغ

صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)
صورة لنبتة القنب (الحشيش) (رويترز)

تزداد الأسئلة العلمية حول التأثيرات طويلة الأمد للقنب، في وقتٍ لا يزال يُنظر إليه على نطاقٍ واسع بوصفه مخدّراً منخفض المخاطر. غير أن دراسة حديثة تُسلط الضوء على جانبٍ أقل تداولاً، مشيرةً إلى أن الاستخدام اليومي المنتظم قد يرتبط بتغيّراتٍ بنيويةٍ في الدماغ، خصوصاً في المناطق المسؤولة عن اتخاذ القرار والتخطيط، وفقاً لصحيفة «التايمز».

ووجد الباحثون أن الاستخدام طويل الأمد قد يؤدي إلى ترقّقٍ في القشرة الجبهية، وهي منطقة محورية فيما يُعرف بالوظائف التنفيذية، مثل التخطيط والذاكرة العاملة وتنظيم السلوك. ويرى العلماء أن هذا الترقّق قد يعكس تراجعاً في الخلايا العصبية أو في كفاءة الروابط بينها، ما قد يؤثر، بشكلٍ تدريجي، في أداء المهام المعقّدة.

ورغم أن هذه التأثيرات قد لا تكون واضحةً بشكلٍ مباشر لدى المستخدمين، فإن الدماغ، وفقاً للدراسة، قد يحتاج إلى بذل جهدٍ أكبر لإنجاز المهام اليومية، وهو ما قد ينعكس على الإنتاجية ومستوى التركيز. كما تشير النتائج إلى احتمال وجود علاقةٍ بين الاستخدام المنتظم للقنب وانخفاض الدوافع، ما قد يؤدي إلى تراجع المبادرة في الحياة العملية.

يواجه المراهقون الذين يتعاطون القنب خطراً مضاعفاً للإصابة باضطرابات نفسية خطيرة (رويترز)

الدراسة، التي عُرضت خلال المؤتمر الأوروبي للطب النفسي في براغ، ركزت على مجموعةٍ من البالغين بمتوسط عمر 31 عاماً، استخدموا القنب لفتراتٍ طويلة وصلت إلى نحو عشر سنوات، مع استخدامٍ يوميّ لعدة سنوات. وجرت مقارنة أدمغتهم عبر فحوصاتٍ بالرنين المغناطيسي مع أشخاصٍ نادراً ما استخدموا القنب، لتظهر فروق ملحوظة في سماكة القشرة الجبهية، ولا سيما في الجزء الأمامي الأيمن.

ويرجّح الباحثون أن تعود هذه التغيّرات إلى وجود كثافةٍ عاليةٍ من مستقبِلات «CB1»

في هذه المنطقة من الدماغ، وهي المستقبِلات التي تتفاعل مع المادة الفعالة في القنب والمسؤولة عن الإحساس بالنشوة، ما يجعلها أكثر عرضةً للتأثر بالاستخدام المتكرر.

في المقابل، يشدّد الباحثون على أن هذه النتائج لا تزال بحاجةٍ لمزيدٍ من الدراسات لتحديد ما إذا كانت هذه التأثيرات دائمةً أو قابلةً للتراجع بعد التوقف عن الاستخدام، وكذلك لفهم العلاقة السببية بشكلٍ أدق.

تأتي هذه المعطيات في ظلّ نقاشاتٍ متزايدة حول تقنين القنب في عددٍ من الدول، ما يمنح هذه الدراسات أهميةً خاصةً في دعم قرارات الصحة العامة ببياناتٍ علميةٍ موضوعية.

في المحصّلة، لا تحسم الدراسة الجدل بقدر ما تدعو إلى نظرةٍ أكثر توازناً، تأخذ في الحسبان ليس فحسب الاستخدام الآني، بل أيضاً ما قد يتركه من أثرٍ ممتد على الدماغ ووظائفه.

Your Premium trial has ended


اضطراب تشوّه صورة الجسم تضاعفَ 4 مرات منذ «كوفيد»

أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية  (أدوبي)
أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية (أدوبي)
TT

اضطراب تشوّه صورة الجسم تضاعفَ 4 مرات منذ «كوفيد»

أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية  (أدوبي)
أكثر المواضيع الرائجة على السوشيال ميديا السفر والتجميل واللياقة البدنية (أدوبي)

كشفت بيانات حديثة صادرة عن هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) ارتفاعٍ لافت في حالات الإحالة للعلاج من اضطراب تشوّه صورة الجسم، إذ تضاعفت 4 مرات منذ بدء تسجيل هذه البيانات مع اندلاع جائحة «كوفيد-19»، في مؤشر يثير قلقاً متزايداً لدى الأوساط الطبية، وفقاً لصحيفة «تلغراف».

وبحسب الأرقام، ارتفعت حالات الإحالة من 266 حالة خلال عام 2020 - 2021 إلى 1028 حالة في 2024 - 2025، في زيادةٍ متسارعة تعكس، وفق خبراء، تحولاً عميقاً في علاقة الأفراد بأجسادهم وصورتهم الذاتية.

ويرى مسؤولون صحيون أن «المعايير غير الواقعية بشكل مفرط للجمال» التي تروّجها منصات التواصل الاجتماعي باتت عاملاً ضاغطاً، يضيف «وقوداً إضافياً» إلى هذه الظاهرة، خصوصاً بين فئة الشباب.

ويُعد اضطراب تشوّه صورة الجسم حالةً نفسية تدفع المصابين إلى الانشغال القهري بعيوبٍ متخيَّلة أو طفيفة في مظهرهم، غالباً لا يلحظها الآخرون. وتتجلى الأعراض في سلوكيات متكررة، مثل التدقيق المفرط في جزءٍ معين من الجسد، والمقارنة المستمرة مع الآخرين، أو الإفراط في استخدام المرآة أو تجنّبها تماماً إلى جانب محاولات متكررة لتصحيح المظهر، أحياناً بطرقٍ مؤذية.

ولا يقتصر تأثير هذا الاضطراب على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد ليشمل تداعياتٍ أعمق، من بينها الاكتئاب واضطرابات الأكل وإيذاء النفس، وقد يصل في بعض الحالات إلى أفكارٍ انتحارية، ما يستدعي تدخلاً مبكراً ودعماً متخصصاً.

«الجسم الصحي لم يعد كافياً»

في هذا السياق، قال الدكتور أدريان جيمس، المدير الطبي الوطني للصحة النفسية والتنوع العصبي في «NHS»، إن الاضطراب يرتبط بعوامل متعددة، من بينها الكمالية ومفاهيم الجمال وتقدير الذات، فضلاً عن المبالغة في ربط القبول الاجتماعي بالمظهر الخارجي.

وأضاف أن الضغوط الخارجية لعبت دوراً محورياً في هذا الارتفاع، موضحاً: «لم نَعِش من قبل في زمنٍ يسهل فيه إلى هذا الحد التعرض المستمر لمعايير جسدية غير واقعية، وفي الوقت نفسه يُقال للناس إن أجسامهم الصحية تماماً ليست جيدة بما يكفي».

وأشار إلى أن هذا التأثير يطول بشكلٍ خاص الأطفال والشباب، الذين لا يزالون في طور تشكيل هويتهم، ما يجعلهم أكثر عرضةً لتبني صورٍ ذهنية قاسية عن ذواتهم.

وتقدّر «NHS» أن الأعداد الفعلية للمصابين قد تكون أعلى من المعلن، في ظل تردد كثيرين في طلب المساعدة أو عدم إدراكهم لطبيعة ما يعانون منه. وفي محاولةٍ لمواجهة ذلك، أطلقت الهيئة مؤخراً حملةً واسعة لتشجيع الملايين على طلب الدعم النفسي، بمن فيهم مَن يعانون من اضطرابات القلق وتشوه صورة الجسم.

قصص إنسانية... من العزلة إلى التعافي

وفي بُعدٍ إنساني يعكس عمق المعاناة، شارك نجم تلفزيون الواقع تشارلي كينغ تجربته الشخصية مع الاضطراب، مشيراً إلى أن رحلته مع العلاج كانت نقطة تحوّل في حياته.

وقال إن مشاركته في «نصف ماراثون معالم لندن» جاءت بعد فترةٍ من الإحباط وفقدان الدافعية، مضيفاً: «حتى التسجيل في السباق كان مرهقاً بالنسبة لي، ولم أكن واثقاً من قدرتي على إكماله».

وأوضح أن الاضطراب دفعه في أسوأ مراحله إلى العزلة، قائلاً: «كنت أختبئ خلف قبعة، وأحياناً كان مجرد النظر إلى نفسي في المرآة يجرّني إلى دوامةٍ من الأفكار السلبية». غير أن العلاج النفسي، كما يروي، ساعده على فهم ذاته وتغيير أنماط تفكيره، مضيفاً: «عند عبوري خط النهاية شعرت بفخرٍ لم أعرفه منذ زمن. تعلّمت أن التقدم، مهما كان بطيئاً، يظل تقدماً».

من جهتها، تروي نيكولا كوفالتشوك، وهي طالبة جامعية، معاناتها التي بدأت في سن الخامسة عشرة، حين كانت «محاصَرة داخل أفكارها»، على حد وصفها. وتقول إنها كانت تتفقد مظهرها باستمرار أو تخفي نفسها تحت الملابس، قبل أن تلجأ لاحقاً إلى العلاج النفسي عبر طبيبها العام. وأضافت: «العلاج بالكلام غيّر كل شيء. منحني أدوات عملية وثقةً بنفسي، وأشعرني أنني لست وحدي في هذه المواجهة».

وتختم حديثها بنبرةٍ يغلّفها الأمل: «اليوم أستطيع الاستمتاع بوقتي مع عائلتي، وأجد سعادةً في تفاصيل بسيطة، بدلاً من القلق الدائم بشأن مظهري وهو أمرٌ لم أكن أتصور يوماً أنه ممكن».