المياه القلوية... وصفة صحية أم صرعة تجارية؟

المياه القلوية... وصفة صحية أم صرعة تجارية؟
TT

المياه القلوية... وصفة صحية أم صرعة تجارية؟

المياه القلوية... وصفة صحية أم صرعة تجارية؟

كثرت في الآونة الأخيرة التساؤلات حول فائدة المياه القلوية للصحة؛ خاصة أن معظم أجسام الناس تعتبر أكثر حمضية، بسبب الإجهاد والعوامل البيئية والأطعمة التي يتناولونها.
وفي حدث جديد، أطلقت الشركة الكندية للمياه «فلو ووتر» التي تسوق المياه القلوية في كندا والولايات المتحدة، منتجاتها في بريطانيا. وهي تأتي بالثلاث نكهات الأصلية، والزنجبيل والليمون، والخيار والنعناع. ووفقاً للإحصاءات العالمية، سوف تكون المياه القلوية من أكبر الأعمال التجارية في عام 2019.

- مياه قلوية
المقصود بكلمة القلوية في المياه هو الرقم الهيدروجيني (PH)، ومستوى الرقم الهيدروجيني هو رقم يقيس مدى حمضية أو قلوية المواد، على مقياس من 0 إلى 14. وعندما يكون الـ«PH» أقل من 7، فهذا يعني أن الجسم أصبح حمضياً، وعندما يكون الـ«PH» فوق هذا المستوى، يكون الجسم قلوياً.
ومن المعروف أن الدكتور أوتو واربرغ Otto Warburg، الحاصل على جائزة نوبل في الطب عام 1931، وبالتحديد في «علم وظائف الأعضاء»، والحاصل على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة «أكسفورد» عام 1952، كان أول من أشار إلى أن جميع أنواع السرطان تحدث بسبب البيئة الحمضية، وهذا يعني أن السرطانات لا تعيش في البيئة القلوية، وأن السرطان ببساطة لا يستطيع النمو أو البقاء في الجسم القلوي.
ويعتقد بعض الناس أن المياه القلوية تساعد أجسامنا على استقلاب المواد الغذائية، وطرد السموم بشكل أكثر كفاءة من مياه الحنفية العادية، ما يؤدي إلى تحسين الصحة والأداء. ولكن حتى الآن ليست هناك بيانات قوية تؤكد هذه الادعاءات، وتدعم استخدام المياه القلوية.
> ما هي المياه القلوية؟ هي المياه التي تكون أقل حامضية من مياه الحنفية العادية. وهذا يعني أنها غنية بالمركبات القلوية، بما في ذلك الكالسيوم والسيليكا والبوتاسيوم والمغنيسيوم والبيكربونات. كثير من الناس يعتقدون أن النظام الغذائي النموذجي لأميركا الشمالية يساهم في زيادة الحموضة المزمنة في الجسم (metabolic acidosis)، والتي تنتج إما عن الزيادة المفرطة للأحماض التي تتراكم في الدم، وإما عن الزيادة المفرطة في فقدان البيكربونات من الدم. وقد تكون مرتبطة بالنتائج الصحية السيئة، بما في ذلك مشكلات في القلب وتغير الوضع الهرموني، وفقدان العضلات أو العظام.
ويعتقد أنصار المياه القلوية أنها بمقدورها معادلة حموضة الدم، ومساعدة الجسم على استقلاب المواد الغذائية بشكل أكثر فعالية، مما يؤدي إلى تحسين الصحة والأداء.

- مزاعم وفوائد
دعونا نلقي نظرة فاحصة على هذه الفوائد والمزاعم. معظمنا يعرف أهمية الماء، ولا توجد مادة أخرى أكثر أهمية بالنسبة لوظائفنا الفسيولوجية أو الصحية أكثر منه. ولا عجب أن كثيراً منا يشعر بالقلق إزاء زيادة الملوثات والفضلات في مياه الحنفية. يحتوي ماء الحنفية على عناصر ذائبة مختلفة تؤثر على مستوى الحموضة. والمياه النقية يكون فيها مستوى الحموضة بالقرب من 7، والمياه القلوية فيها درجة الحموضة أعلى من 7. وتعمل أجسامنا بشكل منتظم في الحفاظ على مستوى الحموضة في الدم، ضمن مدى ضيق جداً. وهذا يعني أنه لا توجد تقارير مختبرية تشير إلى وجود حالة مزمنة لزيادة حموضة الدم.
> هل الماء القلوي أفضل حقاً؟ جسم الإنسان معقد في تركيبه، وكل عضو في الجسم يبقى محافظاً على التوازن في الحامضية، لوجود طرق كثيرة يستطيع الجسم من خلالها الحفاظ على هذا التوازن. فإذا تغلبت الحموضة كان مُهماً الوصول إلى سبب تلك الزيادة. ومن دون معرفة السبب لا يمكن تحديد فائدة الماء القلوي.
> الفوائد المحتملة للمياه القلوية: ليس هناك كثير من البيانات الثابتة على أن درجة الحموضة في الماء يمكن أن تكون ذات صلة بالصحة. والتركيز على درجة الحموضة في المياه قد لا يكون علمياً، فإذا كانت المياه القلوية مفيدة فهذا قد يكون بسبب المعادن التي تحتويها، وليس بسبب مستوى الحامضية. وتشير البيانات المتوفرة إلى أن استهلاك المياه القلوية أو العسرة قد يزيد من قلوية كامل الجسم. وقد لا يكون هذا نافعاً على الدوام، فمثلاً إذا كان الشخص يعاني من مشكلات في الكليتين، أو كان يأخذ دواء له تأثيرات جانبية على وظائف الكليتين، فإن بعض المعادن في المياه القلوية سوف تبدأ في التراكم بالجسم، وإن زيادة القلوية قد تؤدي إلى مضاعفات جانبية كبيرة.
> الماء القلوي ورطوبة الجسم: إن المياه القلوية في الأشخاص النشطين قد تسمح بالاحتفاظ بمزيد من السوائل في نظام القلب والأوعية الدموية، وفي الوقت نفسه تقلل من إنتاج البول ومن أزموزية الدم. وهذا الأمر مهم؛ لأن الأزموزية العالية ترتبط بارتفاع في خطر الوفاة من السكتة الدماغية. وتشير البحوث إلى أن هذه الآثار قد لا تكون آنية؛ بل بالأحرى تدريجية.

- الماء القلوي والرياضيون
النشاط البدني والنظام الغذائي يمكن أن يغيرا توازن الأس الهيدروجيني. واتباع النظام الغذائي العالي في الخضراوات الطازجة، عادة ما يؤدي إلى زيادة القلوية. حتى فوائد زيادة القلوية قد تكون أكثر وضوحاً في الناس الذين لا يمارسون الرياضة، أو أولئك الذين يتبعون النظام الغذائي الغربي من الأطعمة المصنعة. وفي الوقت نفسه، فإن الناس الذين يمارسون الأنشطة الرياضية بانتظام، ويتبعون نظاماً غذائياً صحياً من الأطعمة الكاملة، قد يفشلون في ملاحظة أي تغيير نتيجة شربهم المياه القلوية. وحتى إذا لم يلاحظوا حدوث أي تغيير، فقد يستفيد الأشخاص النشطون من المياه القلوية لأسباب تتجاوز رطوبة الجسم. إن ممارسة الرياضة المكثفة تحفز عضلات الجسم لإنتاج مزيد من أيونات الهيدروجين أكثر مما يستطيع الجسم إزالتها. وإن شرب المياه القلوية قد يعزز قدرة الجسم على التخزين المؤقت ومعادلة الحموضة، ومن ثم تحسين الأداء. لاحظ أن المكملات المعدنية (الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم) تقلل من إجهاد القلب والجهاز التنفسي، والاستجابة لاختبار لاكتات الدم (blood lactate response)، ولذلك فالأشخاص الذين يمارسون رياضة الجري لمسافات طويلة يحتاجون إلى إضافة بيكربونات الصوديوم في نظام التغذية، وهذا التطبيق بحد ذاته يدعم فائدة المياه المعدنية.
> السموم: يتم تعقيم مياه الحنفية لحماية المستهلك من البكتيريا والسموم. ولكن عندما تتفاعل المطهرات مع المواد العضوية في ماء الحنفية، فإن النواتج الثانوية للمطهرات Disinfection by - products (DBPs)، يمكن أن تؤدي إلى مشكلات صحية وبيئية، وهو سبب وجيه لتجنبها.
يبدو أن الماء القلوي يحلل بعض هذه النواتج، وبذلك يعادل خطرها بالنسبة لنا، وفي الوقت نفسه قد يساعد البول القلوي في توضيح بعض السموم البيئية والمستحضرات الصيدلانية من الجسم، وهي فائدة محتملة أخرى.
> صحة الأمعاء: قياس ميل المواد الكيميائية لاكتساب إلكترونات (ORP) هو مقياس لميل المحلول، إما لكسب وإما لفقدان الإلكترونات، عندما يكون عرضة للتغيير عند إدخال نوع جديد، ويبدو أن هذا الميل يؤثر على البكتريا في الأمعاء. وإن المياه المتأينة تمتلك قدرة سلبية للحد من الأكسدة، مما يعني أنها قد توفر خصائص مطهرة إضافية، وبدورها تساعد على حمايتنا من الكائنات الدقيقة الخطرة.

- الحصول على المياه القلوية
كيف يمكن التأكد من الحصول على الماء القلوي إذا لم يأتِ من خلال الحنفية؟ هذا السؤال وغيره، مثل: هل المياه المعبأة في القِنان هي بالفعل قلوية؟ هذا يعتمد على نوعيتها.
المياه المعدنية المعبأة تميل إلى أن تكون قلوية. والمياه المعبأة غير المعدنية في قنان من غير المحتمل أن تكون قلوية. ولكن إضافة مساحيق معدنية لمياه الحنفية العادية يمكن أن تجعل منها مياهاً قلوية.
> هل يمكن جعل الماء قلوياً؟ إذا كانت مياه الحنفية حامضية بشكل خاص، فهل يمكن تعديلها؟ الجواب هو: يمكن استخدام جهاز مؤين المياه (water ionizer) الذي من المفترض أن ينتج المياه القلوية عن طريق عملية تسمى التأين. يدعي المصنعون أن هذه الآلات تسمح للمياه بالتفاعل مع أقطاب لتقسيم أيونات الهيدروجين من الأكسجين، والتأثير على درجة الحموضة في الماء. ومع ذلك يقول معظم الكيميائيين إن «الماء المتأين» هو مصطلح لا معنى له، وإن المزاعم الصحية التي تدعي أن الماء المتأين ضروري للصحة غير صحيحة.
وأخيراً، فليس من الواضح من الأدلة المتاحة ما إذا كانت المياه القلوية ذات فائدة. ولا توجد بيانات ثابتة في كلتا الحالتين. ولكن بالنسبة لمعظم الناس، فإن شرب المياه القلوية لن يضر. وحتى الآن فإن المياه التي تحتوي على المعادن بشكل طبيعي يبدو أنها أفضل كمصدر للمياه القلوية.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
TT

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب

في غرفة الطوارئ الحديثة، قد يسبق الذكاء الاصطناعي الطبيب أحياناً إلى قراءة الأشعة أو تقدير خطر التدهور السريري خلال ثوانٍ. ومع ذلك، يبقى السؤال الأول الذي يحمله المريض - بصمت - أبسط بكثير من كل الحسابات الخوارزمية: هل رآني أحد فعلاً؟

هذه المفارقة تختصر التحول الذي يعيشه الطب اليوم. فالأنظمة الذكية قد تبلغ دقة تنبؤية غير مسبوقة، لكنها لا تدرك السياق الإنساني الذي يمنح القرار الطبي معناه الأخلاقي... قد يكون القرار صحيحاً إحصائياً، لكنه يبدو بارداً إنسانياً، لأن الطريق الذي أوصل إليه لم يُصمَّم أصلاً لاحتواء هشاشة الإنسان لحظة المرض.

ولهذا لم يعد السؤال المطروح في الطب المعاصر هو مدى ذكاء الخوارزمية، بل كيف صُمِّم النظام الذي يسمح لها بالمشاركة في القرار السريري.

هندسة القرار

وهم «الضمير الاصطناعي»

يتكرر في النقاش العام سؤال جذاب إعلامياً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمتلك ضميراً؟ لكن السؤال - رغم انتشاره - يقود النقاش في الاتجاه الخطأ. فالآلة لا تحمل نية، ولا تشعر بالندم، ولا تختبر التردد الأخلاقي الذي يسبق القرار الطبي الصعب... إنها نظام رياضي يحسّن احتمالات ويتعلم أنماطاً ضمن أهداف يحددها البشر مسبقاً.

الضمير ليس خاصية برمجية يمكن إضافتها عبر تحديثٍ تقني، بل تجربة إنسانية مرتبطة بالمسؤولية وتحمل العواقب. ومنذ أبقراط وابن سينا، لم يكن الطب مجرد حساب احتمالات، بل علاقة أخلاقية يتحمل فيها الطبيب تبعات قراره أمام إنسان حي، لا أمام نموذج بيانات.

حين يصبح الخطأ غير مرئي

المشكلة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي الطبي لا تظهر عندما يخطئ النظام، بل عندما لا نعرف أنه بدأ يخطئ.

وفي دراسة حديثة نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة الطبيعة للطب الرقمي (Nature Medicine)، قادها الباحث الدكتور مارشال تشينغ (Marshall Chin) من كلية الطب في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة، حذّر الباحثون من ظاهرة تُعرف بـ«انجراف النماذج السريرية» (Model Drift)، حيث تتراجع دقة أنظمة الذكاء الاصطناعي تدريجياً مع تغيّر خصائص المرضى أو البيئات الصحية دون أن يلاحظ الأطباء ذلك فوراً.

وأظهرت الدراسة أن الأنظمة قد تستمر في إعطاء توصيات تبدو موثوقة، رغم أن الواقع السريري الذي دُرّبت عليه لم يعد موجوداً بالكامل. وهنا يتحول الخطأ من حادثة واضحة إلى انحراف صامت داخل منظومة القرار.

الخطر إذن ليس في فشل الخوارزمية، بل في نجاحها الظاهري أثناء فقدانها الدقة الفعلية.

القيم الخفية داخل الأنظمة الذكية

وفي تحليل نُشر عام 2026 في مجلة الذكاء الاصطناعي لمجلة (نيو إنغلاند) الطبية (NEJM AI)، ناقش باحثون بقيادة الدكتورة سوتشي سريا (Suchi Saria) من جامعة جونز هوبكنز كيف تحمل أدوات الذكاء الاصطناعي السريرية ما أسموه «القيم الضمنية المدمجة» فالخوارزمية لا تتنبأ فقط، بل تعكس أولويات جرى اختيارها مسبقاً أثناء التصميم:

- هل الهدف تقليل مدة بقاء المريض في المستشفى؟

- أم خفض التكلفة التشغيلية؟

- أم تقليل المخاطر القانونية على المؤسسة؟

هذه القرارات لا تظهر للطبيب أو المريض، لكنها تحدد اتجاه القرار الطبي بصمت. وعندما تُزرع القيم داخل النظام دون شفافية، تتحول التقنية إلى سياسة علاجية غير معلنة.

من تحسين الأداء إلى هندسة الحدود

لهذا السبب، لم يعد السؤال العلمي اليوم كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر دقة فحسب، بل كيف نجعله أكثر أماناً حين يفشل. ويدعو الاتجاه البحثي الأحدث في 2026 إلى تصميم أنظمة قادرة على الاعتراف بحدودها، بحيث يستطيع النظام أن يقول: لا أعلم عندما يرتفع مستوى عدم اليقين.

ويشمل ذلك:

- مراقبة الأداء بمرور الزمن لا عند الإطلاق فقط.

- جعل التوصيات قابلة للتفسير السريري.

- وإبقاء القرار النهائي ضمن مسؤولية بشرية واضحة.

فالذكاء الاصطناعي قد يتفوق في سرعة الحساب، لكنه لا يقف أمام المريض لتحمل نتائج القرار.

الطب داخل المعادلة

الإنسان في مركز المعادلة

دخل الذكاء الاصطناعي الطب بالفعل، ولم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان ينبغي استخدامه، بل حول الشروط التي يجب أن يُستخدم ضمنها. فإذا صُمِّمت الأنظمة الصحية حول الكفاءة وحدها، فإنها تميل تدريجياً إلى اختصار الإنسان في رقم. وإذا بُنيت حول خفض التكلفة فقط، فقد يُعاد تعريف المريض كأنه مؤشر اقتصادي داخل منظومة تشغيلية واسعة. أما عندما يُصمَّم الذكاء الاصطناعي لحماية الحكم السريري البشري، فإنه يتحول إلى أداة تعزز الطبيب بدل أن تستبدل دوره الأخلاقي.

التحول الحقيقي إذن لا يحدث داخل الخوارزمية، بل في الفلسفة التي تحكم تصميمها. فالطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع، بل نحو القرار الأكثر مسؤولية.

* الطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع بل نحو القرار الأكثر مسؤولية*

التصميم الأخلاقي... الطب في عصر الخوارزميات

تشير الاتجاهات البحثية الحديثة في حوكمة الذكاء الاصطناعي الطبي خلال عام 2026 إلى مفهوم يُعرف بـ«التصميم الأخلاقي المسبق» (Ethics-by-Design)، وهو توجه تعمل عليه فرق بحثية في معهد الإنترنت بجامعة أكسفورد بقيادة الباحث البروفسور لوتشيانو فلوريدي (Luciano Floridi)، حيث تُدمج مبادئ المساءلة والشفافية وحدود القرار منذ مرحلة بناء النظام، لا بعد وقوع الخطأ. والفكرة بسيطة لكنها عميقة: الأخلاق لا تُضاف بعد التشغيل، بل تُبنى داخل (architecture) هندسة القرار نفسه.

وعندما يصبح النظام قادراً على كشف عدم اليقين، وتنبيه الطبيب إلى حدوده، وإبقاء الإنسان داخل دائرة المسؤولية، فإن الذكاء الاصطناعي لا يقلل إنسانية الطب - بل يحميها.

السؤال الذي سيحدد مستقبل الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي احتمالاً مستقبلياً في الممارسة الطبية، بل أصبح جزءاً من البنية اليومية لاتخاذ القرار السريري. والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الآلة قادرة على التفكير، بل ما إذا كنا قد صممنا الأنظمة التي تستخدمها بطريقة تحمي المعنى الإنساني للطب.

فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى ضمير، لأنه لا يعيش عواقب قراراته، ولا يقف أمام المريض حين تسوء النتائج. ما يحتاج إليه حقاً هو تصميمٌ يضع حدوداً واضحة بين التوصية والمسؤولية، وبين الحساب والحكم السريري.

تشير تجارب الأنظمة الطبية الذكية التي يجري تطويرها عالمياً في عام 2026 إلى أن مستقبل الطب لن يتحدد بمدى تطور الخوارزميات، بل بقدرتنا على إبقاء الإنسان داخل دائرة القرار، لا على هامشها.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة: كم أصبح النظام ذكياً؟بل السؤال أبسط من ذلك... وأكثر جوهرية: هل أصبح الطب أكثر إنسانية بحكم التصميم؟


التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول
TT

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

في تطور علمي واعد يستكشف العلماء طريقة جديدة وجريئة لمحاربة أمراض القلب، تعتمد على تقنية تحرير الجينات التي قد تقدم يوماً ما حلاً دائماً لمشكلة ارتفاع الكوليسترول. لكن الباحثين يشددون على أن هذا النهج لا يزال في مراحله المبكرة، ويفصله سنوات عن الاستخدام الواسع، وأن على المرضى الاستمرار في تناول أدويتهم الموصوفة حالياً.

«كريسبر» لتعديل خلايا الكبد

تعتمد التجارب على تقنية «كريسبر» (CRISPR) الشهيرة التي تعدل الحمض النووي «دي إن إيه» في خلايا الكبد لخفض مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة الضار(LDL). ويعتبر هذا النوع من الكوليسترول المسؤول عن تراكم اللويحات في الشرايين، ما يؤدي إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

وأصدرت شركتان هما «كريسبر ثيرابيوتكس» CRISPR Therapeutics و«فيرف ثيرابيوتكس» Verve Therapeutics دراستين صغيرتين تشيران إلى أن هذا النهج يمكن أن يقلل مستويات الكوليسترول بشكل كبير بجرعة واحدة فقط.

كيف تؤثر الجينات على الكوليسترول؟

يحتاج الجسم إلى كمية معينة من الكوليسترول، لكن الكمية الزائدة منه ضارة. ورغم أن النظام الغذائي يلعب دوراً، فإن الكبد هو المصدر الأساسي لإنتاج الكوليسترول. وتلعب الجينات دوراً حاسماً في تحديد مدى كفاءة الجسم في التعامل معه.

طفرات جينية نادرة لـ«المحظوظين»

ووجد الباحثون أن بعض الأشخاص المحظوظين يحملون طفرات جينية نادرة تعطل جينات معينة، ما يمنحهم مستويات منخفضة للغاية من الكوليسترول، ومناعة شبه كاملة ضد أمراض القلب. فعلى سبيل المثال، الأشخاص الذين لديهم طفرات تعطل جين ANGPTL3، أو جين PCSK9 لديهم مستويات منخفضة جداً من الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية. وقد ألهمت هذه التجارب الطبيعية العلماء محاولة تكرار هذا التأثير الوقائي باستخدام تقنية «كريسبر».

التجارب الأولية: نتائج واعدة

في دراسة «كريسبر ثيرابيوتكس» تلقى 15 بالغاً يعانون من مخاطر شديدة لارتفاع الكوليسترول حقنة واحدة تحتوي على أدوات التحرير الجيني التي تستهدف الكبد لتعطيل جين ANGPTL3. وفي غضون أسبوعين شهد المشاركون الذين تلقوا أعلى جرعة انخفاضاً في مستويات الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية إلى النصف.

وبالمثل أعلنت شركة «فيرف ثيرابيوتكس» أن التحرير الذي استهدف جين PCSK9 أنتج تخفيضات مماثلة في الكوليسترول الضار.

تحذير الخبراء

وكانت النتائج واعدة، لكن الخبراء يحذرون من أن تحرير الجينات لا يزال في مراحله المبكرة جداً. وقال الدكتور لوك لافين طبيب القلب الوقائي في كليفلاند كلينك في الولايات المتحدة إنه بعد مشاركته في تأليف دراسة واعدة نُشرت في مجلة نيوإنغلاند الطبية «the New England Journal of Medicine». في 5 فبراير (شباط) 2026 يريد الناس حلاً جذرياً لا مجرد حل مؤقت. وأضاف أنه بعد نشر الدراسة تلقى سيلاً من الاستفسارات من مرضى يأملون في المشاركة في التجارب المستقبلية، مما يعكس الرغبة الشديدة في التخلص من عبء تناول الأدوية اليومية.

جوانب السلامة وتغييرات غير مرغوب فيها في الجينوم

في حين أن الأفراد الذين لديهم هذه الجينات معطلة بشكل طبيعي لا تظهر عليهم آثار ضارة، يؤكد الخبراء على ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث للإجابة عن أسئلة السلامة الحرجة.

وأشار الدكتور جوزيف وو من جامعة ستانفورد، الذي لم يشارك في الدراسة، إلى أن الجسيمات المستخدمة لنقل أدوات «كريسبر» يمكن أن تهيج الكبد. كما أن التأثيرات طويلة المدى لا تزال غير معروفة، ولا يوجد تأكيد كافٍ على أن التحرير الجيني يصيب الهدف المقصود بدقة دون التسبب في تغييرات غير مرغوب فيها في أماكن أخرى من الجينوم.

من جانبه قال الدكتور كيران موسونورو من جامعة بنسلفانيا المؤسس المشارك لشركة «فيرف» إن بعض المشاركين في دراسة سابقة للشركة تمت متابعتهم لمدة عامين مع استمرار انخفاض الكوليسترول لديهم. وفي الفئران أثبتت الدراسات أن هذه التعديلات استمرت مدى الحياة. ومع ذلك فإن هذه البيانات الأولية لا تغني عن الحاجة إلى دراسات أكبر تمتد لسنوات عديدة على البشر.

خطوات لصحة القلب

في الوقت الحالي تؤكد جمعية القلب الأميركية على أهمية الالتزام بالاستراتيجيات المثبتة لصحة القلب والوقاية من الأمراض:

*النظام الغذائي: تناول طعام صحي غني بالفواكه، والخضراوات، والحبوب الكاملة، والدهون الصحية.

*النشاط البدني: ممارسة الرياضة بانتظام، لتعزيز الكوليسترول الجيد (HDL).

*الوزن والنوم: الحفاظ على وزن صحي، والحصول على قسط كافٍ من النوم.

*الفحوصات: التحكم في ضغط الدم، وسكر الدم، وتجنب التدخين.

وبخصوص الكوليسترول تحديداً يجب على البالغين الأصحاء استهداف مستوى كوليسترول ضار (LDL) أقل من 100 ملغم/ديسيلتر. أما الذين يعانون من أمراض القلب، أو ارتفاع الكوليسترول فيجب أن يستهدفوا مستوى 70 ملغم/ديسيلتر أو أقل.

تناول الأدوية

وتظل أدوية الستاتين مثل «ليبيتور» Lipitor و«كريستور» Crestor، أو بدائلها العامة الرخيصة، الخيار الأول الفعّال والآمن لخفض الكوليسترول. كما تتوفر أدوية إضافية للحالات التي لا تستجيب بشكل كافٍ للستاتين، أو لمن لا يستطيعون تحملها.

وتستهدف دراسات التحرير الجيني في الوقت الراهن المرضى الأكثر عرضة للخطر، والذين فشلت معهم العلاجات التقليدية.

وإلى أن تثبت الأبحاث الجديدة فعاليتها وسلامتها على المدى الطويل، يحث الأطباء المرضى على عدم التخلي عن العلاجات الحالية المتوفرة. يخلص الدكتور لافين إلى القول: «هذا علم مثير، لكن في الوقت الحالي تناول دواءك».


علماء يكتشفون بكتيريا عمرها 5 آلاف عام مقاومة لمضادات حيوية حديثة

عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

علماء يكتشفون بكتيريا عمرها 5 آلاف عام مقاومة لمضادات حيوية حديثة

عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)

اكتشف علماء أن بكتيريا احتُجزت داخل كهف جليدي لمدة خمسة آلاف عام تُظهر مقاومة لعدة مضادات حيوية حديثة.

ووفق تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، عُثر على هذه البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا في رومانيا، حيث حفر الباحثون لبّاً جليدياً بعمق 25 متراً يمثل نحو 13 ألف عام من التاريخ المتجمّد.

ونُشرت نتائج البحث في مجلة «Frontiers in Microbiology».

ولمنع التلوّث، حُفِظت عينات الجليد بعناية ونُقلت إلى المختبر، وهي لا تزال متجمّدة. ومن داخل الجليد، عزل العلماء سلالة من البكتيريا تُعرف باسم «Psychrobacter SC65A.3».

وعلى الرغم من أن عمر هذه السلالة يعود إلى آلاف السنين، فقد تبيّن أنها تقاوم عشرة مضادات حيوية تُستخدم على نطاق واسع اليوم لعلاج العدوى الخطيرة.

وشملت هذه الأدوية، حسب الدراسة، ريفامبيسين وفانكوميسين وسيبروفلوكساسين.

وقالت كريستينا بوركاريا، كبيرة العلماء في معهد الأحياء في بوخارست التابع للأكاديمية الرومانية، في بيان صحافي: «المضادات الحيوية العشرة التي رصدنا مقاومة لها تُستخدم على نطاق واسع في العلاجات الفموية والحقنية لمعالجة مجموعة من الالتهابات البكتيرية الخطيرة في الممارسة السريرية».

اختبر الباحثون السلالة القديمة في مواجهة 28 مضاداً حيوياً تنتمي إلى 10 فئات دوائية، وحددوا أكثر من 100 جين مرتبط بمقاومة المضادات الحيوية.

وأضافت بوركاريا: «دراسة ميكروبات مثل Psychrobacter SC65A.3 المستخرجة من ترسّبات كهوف جليدية عمرها آلاف السنين تكشف كيف تطوّرت مقاومة المضادات الحيوية طبيعياً في البيئة، قبل وقت طويل من استخدام المضادات الحيوية الحديثة».

وأشار الباحثون إلى أن النتائج تشير إلى أن مقاومة المضادات الحيوية كانت موجودة في الطبيعة قبل زمن طويل من تطوير الأدوية الحديثة.

كما أظهرت السلالة مقاومة لأدوية تشمل تريميثوبريم وكليندامايسين وميترونيدازول، وهي تُستخدم لعلاج التهابات الرئتين والمسالك البولية والجلد والجهاز التناسلي.

قيود الدراسة

لفت الباحثون إلى أن الدراسة فحصت سلالة بكتيرية واحدة فقط من عينة واحدة في كهف واحد، ولا يوجد دليل على أن هذا الميكروب القديم يُصيب البشر حالياً أو ينتشر بينهم.

كما لفت خبراء إلى أن «Psychrobacter» بكتيريا بيئية لا تملك «حدود مقاومة» سريرية للمضادات الحيوية، وهي أرقام فاصلة واضحة يستخدمها الأطباء لتحديد ما إذا كانت البكتيريا تُعد رسمياً مقاومة لمضاد حيوي معين.

ولأن هذه البكتيريا البيئية لا توجد لها معايير اختبار سريرية معتمدة، فلا يمكن تفسير مقاومتها المقاسة في المختبر بالطريقة نفسها التي يصنّف بها الأطباء الجراثيم الخطيرة المقاومة للمضادات في المستشفيات.