قتل الشرطة منفذ هجوم ستراسبورغ يهدّئ المخاوف من الإرهاب ولا يبدّدها

لا تبنيَّ خارجياً للعملية والادعاء الألماني فتح تحقيقاً

القوات الخاصة الفرنسية خلال عملية البحث عن منفذ الهجوم الإرهابي إبراهيم شيكات (إ.ب.أ)
القوات الخاصة الفرنسية خلال عملية البحث عن منفذ الهجوم الإرهابي إبراهيم شيكات (إ.ب.أ)
TT

قتل الشرطة منفذ هجوم ستراسبورغ يهدّئ المخاوف من الإرهاب ولا يبدّدها

القوات الخاصة الفرنسية خلال عملية البحث عن منفذ الهجوم الإرهابي إبراهيم شيكات (إ.ب.أ)
القوات الخاصة الفرنسية خلال عملية البحث عن منفذ الهجوم الإرهابي إبراهيم شيكات (إ.ب.أ)

عادت الحياة جزئيا إلى طبيعتها في مدينة ستراسبوغ التي شهدت ليل الثلاثاء - الأربعاء عملية إرهابية هي الثالثة من نوعها هذا العام في فرنسا أودت بحياة ثلاثة أشخاص وأوقعت ثلاثة عشر جريحا بينهم خمسة في حالة الخطر وأحدهم في حالة موت سريري. وعاد التلامذة إلى مدارسهم وفتحت صالات السينما والمسارح والساحة المفضية إلى كاتدرائية المدينة الشهيرة واستؤنفت المباريات الرياضية. لكن ألق ستراسبورغ لم يرجع بعد إليها فهي ما زالت تعيش كأنها في حالة حصار بسبب الانتشار الكثيف للقوى الأمنية ومن بينها أفراد من الجيش. السوق الميلادية التي تجتذب في هذا الوقت من كل عام ما لا يقل عن مليوني زائر وتوفر لها شهرة عالمية ما زالت مغلقة بسبب الخوف الذي لم يتبدد بعد.
وحققت الشرطة ليل امس، انجازاً في الحرب على الإرهاب الذي خيم على المدينة وفرنسا كلها، وذلك بقتل منفذ الهجوم الارهابي في ستراسبورغ شريف شيكات، اثر محاصرته ليلاً داخل المدينة.لكن ذلك لم يبدد الخوف الذي سيبقى حاضرا في النفوس رغم كل الإجراءات الأمنية المشددة.
وبعد أكثر من 48 ساعة مرت على الاعتداء الإرهابي على مدخل السوق الميلادية يبدو ان الشرطة تمكنت من شريف شيكات في مخبئه حيث سمع دوي تبادل اطلاق نار. وجاء ذلك بعدما وفرت الدولة إمكانيات بشرية وتقنية هائلة لتعقبه. وكان 720 رجلا لاحقوه وفتشوا كل الأماكن التي يمكن أن يكون قد اختبأ فيها. يضاف إلى ذلك كله وضع أربعة من أفراد عائلة شيكات رهن الاعتقال والاستجواب. وانصبت جهود فريق من المحققين على الغوص في شبكة علاقات شريف شيكات لمعرفة ما إذا كان له شركاء أو قد استفاد من مساعدتهم للتنقل والاختفاء عن أعين الأمن. وكانت تكهنات تحدثت عن أن الجاني ربما خرج من فرنسا، باتجاه ألمانيا أو سويسرا مباشرة بعد العملية التي قام بها، لذا شددت الرقابة على المعابر بين البلدين. وفي السياق عينه، تم تعزيز التعاون الأمني بين باريس وبرلين وكذلك مع سويسرا المجاورة.
وفي هذه البلدان الثلاثة ارتكب شريف شيكات جنحا وجرائم، تندرج فيما يسمى «الحق العام» وفي سجله 67 سابقة قضائية و27 إدانة في فرنسا وألمانيا وسويسرا. وعرف في هذا البلدان السجن وفي فرنسا وأمضى فيه فترتين ولم يخرج منه في المرة الثانية إلا في عام 2015 متحولا من مجرم «عادي» إلى متشدد إسلامي أصولي سائرا بذلك على درب كثيرين من الإرهابيين الذين عرفتهم فرنسا وأوروبا في السنوات الأخيرة، حيث السجن هو «أفضل مدارس» الأصولية والتطرف والعنف والإرهاب. وكان وكيل الجمهورية في باريس ريمي هيتز أشار أول من أمس إلى أنه «سجن مرات عدة وكان معروفا لدى مصالح السجون بتطرفه وغرابة السلوك في 2015». وأضاف أن المهاجم كان مدرجا أيضا في سجل الإبلاغ للوقاية من التطرف ذي الطابع الإرهابي وكان «موضع متابعة من الإدارة العامة للأمن الداخلي». وسعت قوة من الدرك إلى القبض عليه صباح الثلاثاء أي في اليوم الذي ارتكب فيه جريمته في السوق الميلادية في إطار تحقيق في قضية سطو مسلح ومحاولة قتل. لكنها لم تعثر عليه، وأفلت من التوقيف، الأمر الذي يظن أنه سرع في قيامه بارتكاب جريمته.
وعمدت الأجهزة الأمنية إلى ضم اسم شريف شيكات، بسبب تطرفه الديني الأصولي، إلى «لائحة إس» للأشخاص الذين يشكلون تهديدا للأمن في فرنسا. ويقدر عدد هؤلاء بـ12 ألف رجل ترى الأجهزة الأمنية أن بينهم ما لا يقل عن ألفي شخص بالغي الخطورة وتتعين بالتالي متابعتهم ليل نهار ومن بين هؤلاء شريف شيكات وأحد أخوته. ولدى كل عملية إرهابية يكون لأي من هؤلاء دور فيها، يعود الجدل قويا حول طريقة التعامل معهم في «دولة قانون» كفرنسا. ويدعو اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف إلى التشدد في المعاملة. ومن الإجراءات التي يقترحانها إبعاد الأجانب عنهم إلى بلدانهم الأصلية أو حجزهم إداريا في معتقلات خاصة، إضافة إلى إيجاد «نيابة عامة» متخصصة بشؤون الإرهاب وتعديل النصوص القانونية من أجل تسهيل «تحييدهم». ليل أول من أمس، وفرت الشرطة في البلاغ الذي أصدرته وصفا لهذا الرجل الذي نجح في الإفلات من الملاحقة ليلة الإقدام على جريمته الإرهابية التي لم يعد للسلطات أي تشكيك في طبيعتها. وشريف شيكات، المولود في حي نودورف في ستراسبورغ في عام 1989 وصف بأنه «شخص خطر»، طوله 180 سنتيمترا، داكن البشرة وعادي البنية كما يظهر في الصورة التي نشرتها الأجهزة الأمنية. وخلال اليومين المنقضيين، أصبحت تفاصيل حياته معروفة بالكامل: ميوله العنيفة منذ صباه، وكثرة الجنح التي ارتكبها، وقصته الطويلة مع القضاء... ويوما بعد يوم، تنبش قنوات التلفزة والوسائل الإعلامية الأخرى تفاصيل حياته وذهبت إلى حد استجواب تلامذة عرفوه في المراحل الدراسية الأولى، ناهيك من الجيران وأقاربه وأقارب أقاربه... ويضاف إلى هؤلاء أهل الاختصاص في المسائل الأمنية والنفسية بحثا عن الغوص في نفسيته ودوافعه وما تيسر... كذلك، فإن الجدل يدور بشأن تحول ستراسبورغ ومنطقتها إلى خزان بشري يحتضن المئات من الإسلامويين المتشددين. والعشرات منهم توجهوا في السنوات الأخيرة إلى سوريا والعراق للانضمام إلى صفوف التنظيمات المتطرفة.
حتى اليوم، لم يتبن أي تنظيم جهادي عملية ستراسبورغ ولا تم الكشف عن حصول شريف شيكات على مساعدة لوجيستية في فرنسا أو خارجها. كذلك لم تصدر حتى اليوم أي معلومات عن اتصالات ما له مع خلايا نائمة فرنسية أو مجموعات جهادية معروفة. لكن معلومات أمنية أفادت بأنه تلقى اتصالا «خارجيا» على هاتفه المحمول قبل أن يقوم بعمليته. ورغم اشتباكه بالرصاص مع الأمن مرتين، فإنه نجح بالإفلات عن طريق إلزام سائق سيارة أجرة إلى نقله إلى حي نودورف، القريب من الحي الذي يسكن فيه. ومن هناك اختفت آثاره ولم تنجح القوى الأمنية التي تعرفت سريعا على هويته رغم عمليات المداهمة الكثيرة التي قامت بها منذ ليل الثلاثاء من اكتشاف مخبئه حتى عثرت عليه ليل امس.
وكثفت ألمانيا وفرنسا البحث عن شريف شيكات الجزائري الأصل، منفذ الهجوم الإرهابي على سوق أعياد الميلاد في ستراسبورغ قبل يومين، الذي توارى عن الأنظار بعيد تنفيذ هجومه الذي أدى إلى مقتل 3 أشخاص وإصابة 13 آخرين بينهم 6 إصابتهم خطيرة. ونقلت قناة «آر بي بي» الألمانية أن منفذ العملية الإرهابية تلقى اتصالا من رقم ألماني إلى هاتفه الجوال قبل التنفيذ، قبل دقائق من تنفيذه العملية. ونقلت القناة عن مصادر أمنية أن شيكات لم يرد على الاتصال. ولم يعرف من ولماذا اتصل به من رقم ألماني. ويعتبر هذا الاتصال خيطا مهما في التحقيقات الجارية والبحث عن الإرهابي الذي تبين أنه كان في ألمانيا وتم ترحيله قبل عامين إلى فرنسا. وهرب شيكات من موقع الاعتداء بعد أن أصابه شرطي بطلق ناري.
وذكرت صحيفة «بيلد» الشعبية أن شيكات هرب بسيارة والدته وهي من نوع «فورد إيسكورت» زرقاء اللون بعد أن غادر سيارة التاكسي التي استقلها للهروب من موقع الجريمة.
وكانت وسائل إعلام فرنسية قد نقلت أن شيكات هرب بسيارة أجرة من موقع جريمته. وذكرت صحيفة «لو باريزيان» أن شيكات تحدث لسائق التاكسي عن دوافعه وأبلغه بأنه «أراد الانتقام لأشقائه الذين قتلوا في سوريا». وأضافت الصحيفة أن الإرهابي «أراد أن يقتل سائق التاكسي في البداية، ولكنه تراجع بعد أن قال له السائق إنه مسلم ويمارس ديانته». ونصبت الشرطة الألمانية نقاط تفتيش في بلدة كيل الحدودية مع فرنسا، وبدأت بتفتيش السيارات العابرة على الجسر الواصل بين الدولتين، كما أنها فتشت أيضا قطارات الركاب في المنطقة.
وقالت متحدثة باسم الشرطة الألمانية: «نفتش كل القطارات القادمة من فرنسا وأيضا القطارات الكهربائية». ونقلت صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية أن شيكات قد يكون فر إلى بلدة كيل الألمانية الحدودية، إلا أن الشرطة لم تعثر على أثر للإرهابي الفار في البلدة الألمانية بحسب ما نقل موقع «فوكس» الألماني عن متحدث باسم الشرطة.
وفتح الادعاء العام في ألمانيا تحقيقا بالحادث كذلك، ونقلت صحيفة «تاغس شبيغل» عن متحدثة باسم الادعاء، أن التهم الموجهة إلى شيكات تتعلق بمحاولة قتل مواطنين ألمان وتعريض غيرهم للإصابات.
ورغم أن الحادث وقع على الأراضي الفرنسية فإن 6 مواطنين ألمان كانوا من بين الضحايا وتعرضوا لصدمة وليس إصابات جسدية، بحسب الادعاء.


مقالات ذات صلة

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

شمال افريقيا مقاتل ليبي خلال المواجهات ضد «داعش» في سرت عام 2015 (أرشيفية-رويترز)

عودة «داعش» تجدد قلق الليبيين على وقع تحذير أميركي

عاد «شبح داعش» ليثير قلقاً بين الليبيين بعد عشر سنوات على سقوط ما كانت تعرف بـ«إمارة التنظيم» في سرت، مدفوعاً بتحذيرات أميركية

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

مقتل 8 موريتانيين على الحدود مع مالي

قال سكان محليون إن 8 موريتانيين، قتلوا أمس (الخميس) داخل أراضي دولة مالي، حيث كانوا يعملون في رعاية قطعان من الماشية خلال رحلة انتجاع عبر الحدود.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (متداولة)

السلطات المغربية تنجح في تفكيك خلية مُوالية لـ«داعش»

تمكّن الأمن المغربي، في عملية متزامنة ومشتركة مع نظيره الإسباني، اليوم الأربعاء، من تفكيك خلية إرهابية مُوالية لتنظيم «داعش» الإرهابي.

«الشرق الأوسط» (الرباط )
شؤون إقليمية اعتقلت السلطات التركية عشرات من بين آلاف المشاركين في الاحتفال بعيد نوروز في إسطنبول الأحد الماضي لرفعهم صوراً ولافتات تروج لحزب «العمال الكردستاني» (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - إكس)

تركيا: صدام بين القوميين حول «السلام» مع الأكراد

تصاعد جدل جديد بشأن إقرار اللوائح القانونية والإصلاحات الديمقراطية المطلوبة لإتمام «عملية السلام» في تركيا التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا مقر السفارة الأميركية في نواكشوط (السفارة)

أميركا تحذر من «هجوم إرهابي» محتمل ضد سفارتها في نواكشوط

أصدرت الولايات المتحدة الأميركية، مساء الاثنين، تحذيراً من «هجوم إرهابي محتمل» ضد مقر السفارة الأميركية في موريتانيا.

الشيخ محمد (نواكشوط)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.