تقرير: دول الخليج نجحت في تجاوز آثار انخفاض أسعار النفط

المنتدى الاستراتيجي العربي ينطلق اليوم وتوقعات اقتصادية إيجابية للمنطقة لنصف العقد المقبل

قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقديةً وتوظيفيةً مهمّةً في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة (الشرق الأوسط)
قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقديةً وتوظيفيةً مهمّةً في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة (الشرق الأوسط)
TT

تقرير: دول الخليج نجحت في تجاوز آثار انخفاض أسعار النفط

قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقديةً وتوظيفيةً مهمّةً في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة (الشرق الأوسط)
قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقديةً وتوظيفيةً مهمّةً في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة (الشرق الأوسط)

قال تقرير حديث صدر أمس إن الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية نجحت في أن تتجاوز إلى حدّ بعيد، آثار انخفاض أسعار النفط في عام 2014، مشيراً إلى أن التوقعات الاقتصادية للمنطقة إيجابية نسبياً لنصف العقد المقبل، ما يفسح المجال أمام متابعة الإصلاحات الهيكلية والمالية في اقتصادات دول مجلس التعاون.
وقال التقرير الذي حمل عنوان «الآفاق الاقتصادية الاجتماعية لدول الخليج العربية... مؤشرات وتوقعات»، وصدر عن المنتدى الاستراتيجي العربي بالتعاون مع مركز الإمارات للسياسات، أن ارتفاع أسعار النفط وفّر آفاقاً أفضل لتحقيق التوازن في موازنات دول الخليج، إضافة إلى توقع المؤسسات المالية الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أن يكون النمو الاقتصادي متواضعاً، ولكنه سيكون ملحوظاً في الأعوام الخمسة المقبلة.
ويأتي إصدار التقرير على هامش انطلاق المنتدى الاستراتيجي العربي الذي تنعقد دورته الحادية عشرة اليوم في مدينة دبي الإماراتية، بمشاركة واسعة من خبراء ومسؤولين.
وقال التقرير الذي أعده الدكتور مارتن هفدت، الأستاذ المشارك في مركز دراسات الشرق الأوسط المعاصرة بجامعة جنوب الدنمارك، إن حكومات دول مجلس التعاون وهي السعودية والإمارات والبحرين والكويت وعمان وقطر تهدف إلى تحويل اقتصاداتها إلى نموذج نمو جديد يرسخ التنويع الاقتصادي وتطوير القطاع الخاص.
ودعا التقرير حكومات دول مجلس التعاون إلى تهيئة مساحة اقتصادية أكبر للقطاع الخاص إذا ما أرادت توسيع رقعة أعماله وتعزيزه، بما يمكّن الشركات الخاصة من تسريع استحداث الوظائف، كأن يكون ذلك على سبيل المثال من خلال خصخصة المؤسسات العامة، مشيراً إلى أنه يجب إجراء إصلاحات في سوق العمل، أولاً لتشجيع قطاع أكبر من المواطنين على الانضمام إلى القوى العاملة، وثانياً لجعل وظائف القطاع الخاص أكثر جاذبية للمواطنين.
وأوصى التقرير بضرورة تنفيذ إصلاحات تهدف إلى زيادة إنتاجية القطاع الخاص، من أجل نقل الإنتاج نحو سلسلة القيمة، وبما يتجاوز العمليات الإنتاجية والمنتجات البسيطة، موضحاً أنه من شأن ذلك توفير وظائف ذات محتوى معرفي أكبر، وبالتالي ذات رواتب أعلى تجذب المواطنين.
كما دعا التقرير إلى إجراء إصلاحات مالية لضمان أداء أكثر استدامة لاقتصادات دول مجلس التعاون، وكذلك إلى إجراء إصلاحات مؤسسية لتعزيز قدرة القطاع العام على التخطيط، ومن ثمّ تيسير تنفيذ خططه.
واعتبر أن التوقعات الراهنة لدول مجلس التعاون إيجابية، بعدما ارتفعت أسعار النفط في السنوات القليلة الماضية، موضحاً أن هذه الدول تعافت من التأثيرات الأكثر إلحاحاً لانخفاض أسعار النفط في عام 2014 عبر توليفة من التدابير شملت تقليص الموازنات الحكومية، والسحوبات من الأصول، وإصدارات سندات دين في الأسواق العالمية. وأشار إلى تطبيق إصلاحاتٍ مالية شملت إلغاء الدعم المقدّم على الوقود والكهرباء والماء؛ كما طبّق بلدان عضوان في مجلس التعاون، هما السعودية والإمارات، ضريبة القيمة المضافة، ومن المقرر أن تحذو بقية بلدان المجلس حذوهما، علماً بأن ضريبة القيمة المضافة مسألة مهمة من أجل استحداث قنوات بديلة للإيرادات الحكومية.
وأوضح التقرير أنه رغم إنجاز كثير من خطط التنويع الاقتصادي على مرّ السنوات الماضية، فإن للقضايا الهيكلية المتعلقة بالاقتصادات المعتمدة على النفط دوراً مؤثراً في هذا الشأن، ولعلّ أولها وأهمها الدور المهيمن للقطاع العام في هذه الاقتصادات، وثانيها تجزئة أو تقسيم سوق العمل، ومثل هذه القضايا الهيكلية تعد تحدياً محورياً في طريق تحقيق مزيد من تنويع القاعدة الاقتصادية ونمو القطاع الخاص.
وتابع: «يعدّ دمج الأجيال المتلاحقة من المواطنين المتعلمين تعليماً جيداً في الاقتصاد هدفاً معلناً لجميع بلدان مجلس التعاون، واستحداث ما يقرب من 500 ألف وظيفة سنوياً خلال العقد ونصف العقد المقبلين؛ وتحسين الاقتصادات من خلال الاستفادة من القوى العاملة الوطنية بشكل أفضل وبطريقة اقتصادية مستدامة. ومن أجل جعل القطاع الخاص أكثر جاذبية للمواطنين، لا بد من زيادة إنتاجيته بحيث تنتقل وظائفه من مرحلة الوظائف متدنية المهارات ومنخفضة الأجور إلى مرحلة الوظائف العالية المعرفة ومرتفعة الأجور. وبطبيعة الحال، يفترض مما سبق أن جيل الشاب في بلدان مجلس التعاون يمتلكون المؤهلات والحوافز لشغل مثل هذه الوظائف».
وأشار التقرير إلى أن الخطط والرؤى التنموية التي نشرتها دول مجلس التعاون - «رؤية الإمارات 2021» و«رؤية أبوظبي 2030» و«رؤية السعودية 2030» و«رؤية البحرين الاقتصادية 2030» و«رؤية الكويت 2035» و«رؤية عمان 2040» و«رؤية قطر الوطنية 2030» - تقوم على رؤية كبرى تتمثّل في تحويل الاقتصادات من حقبة الاعتماد على النفط إلى حقبة اقتصادات متقدمة قائمة على التقنية الفائقة في مرحلة ما بعد النفط، بالارتكاز إلى أسس متينة وذات استدامة اقتصادية. وأوضح أن الفهم الرئيس وراء الرؤى والإصلاحات التي أُعلن عنها يشير إلى أن نموذج «التخصيص» المتبع في حقبة الإيرادات النفطية الوفيرة لم يعد صالحاً للحقبة الجديدة، لأن تلك الإيرادات تواجه تحدياتٍ هائلة في الأجل الطويل، ناتجة عن قضايا تتعلق بفائض الإنتاج عالمياً، كزيادة إنتاج النفط من الصخر الصخري في الولايات المتحدة، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالانبعاثات الكربونية الناجمة عن الوقود الأحفوري، والتحديات التي تفرضها التحولات التقنية والتراجع المستمر في تكلفة إنتاج الطاقة من مصادر الطاقة الخضراء، بالإضافة إلى أنه لم يتجسّد فعلياً التنوع الاقتصادي الذي يتحقّق تقليدياً عبر ضخ الاستثمارات في الصناعات التحويلية ونموها، ويعود ذلك إلى حقيقة أن السياسات الاقتصادية وحجم هذه الأسواق المحلية غير كافيين لتشجيع توسّع قطاع الصناعات التحويلية.
ومن وجهة نظر اقتصادية، وفقاً للتقرير، فإنه «بعد تجاوز أزمة انخفاض أسعار النفط في عام 2014، آن أوان تسريع تنفيذ أجندة الإصلاحات الهيكلية، والانتقال نحو نموذج النمو الجديد الذي يشجّع على تنويع الاقتصاد وتنمية القطاع الخاص. ويشمل ذلك إجراء إصلاحات عميقة لسوق العمل، ونظام التعليم، من أجل تعزيز الإنتاجية واستحداث الفرص للسكان بشكل عام. ومن الصحيح أن خطوات مهمة اتّخذت في هذا الصدد على مدى العقود الماضية، غير أنه لا بد من اتخاذ مزيد منها».
وشهدت اقتصادات الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية نمواً سريعاً في الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2014، وبلغ معدّل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على أساس سنوي 4.9 في المائة، إلا أن انخفاض أسعار النفط في عام 2014 عرقل النمو، وتسبب في عجز كبير في ميزانيات دول مجلس التعاون، ومن ثمّ تراكم الديون عليها، وفقاً للتقرير.
وفي حين أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد في دول مجلس التعاون يماثل نظيره في اقتصادات متقدّمة مثل الولايات المتحدة وألمانيا، وبلدان أوروبية أصغر حجماً مثل الدنمارك (5.3 مليون نسمة)، نجد أن الأرقام تحجب بنية اقتصادات البلدان المعنية، ولا سيما حقيقة أنّ الناتج المحلي الإجمالي في المجموعة الأخيرة من البلدان يردّ في العادة إلى أنشطة إنتاجية، فيما يعود الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون، وإلى حدّ بعيد، إلى تصدير المواد الخام، بحسب التقرير.
وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية قائمة، وعلى وجه العموم، وأن البنية المؤسسية في دول الخليج مسايِرة للدورات الاقتصادية، ويقصد بذلك أنّ إنفاق الحكومة وإقراض البنوك وما إلى ذلك يزداد حين تصعد أسعار النفط، ويتقلص بانخفاضها، مشيراً إلى أن السياسات المالية المعاكِسة للدورات الاقتصادية تبدو أكثر منطقية في مواجهة التقلّبات الجسيمة التي تمرّ بها الاقتصادات الخليجية بفعل تأثّرها بتذبذب أسعار النفط، فمثل هذه السياسات المالية تسهم في تسوية مثل هذه التقلّبات على مرّ السنين، وفي حين أنّ دول مجلس التعاون قامت، على أساس مخصّص، بتحويل فوائض سنوية كبيرة إلى احتياطيات مختلفة، شملت صناديق الثروة السيادية التي تمنحها نفوذاً اقتصاديا، وحتى يونيو (حزيران) 2018، كانت صناديق الثروة السيادية المملوكة لدول مجلس التعاون تدير نحو 2.7 تريليون دولار.
وأشار التقرير إلى أن كل دولة من دول المجلس تطبّق تصنيفاتها وتدابيرها الإجمالية الخاصّة بها، إلا أنه ذكر أن قطاعات السياحة والعقارات والنقل والموانئ والخدمات المالية تقدّم مساهماتٍ نقدية وتوظيفية مهمّة في اقتصادات دول مجلس التعاون كافة.
وتبرز السياحة كأحد الأمثلة اللافتة في هذا السياق، وعلى سبيل المثال استقبلت دول مجلس التعاون نحو 53 مليون سائح في عام 2015. بما في ذلك الأعداد الكبيرة من الحجّاج والمعتمرين الذين يقصدون السعودية، إلى جانب المواطنين السعوديين الذين يتدفّقون إلى البحرين في عطلة نهاية الأسبوع، والسيّاح من دول مجلس التعاون ومن حول العالم الذين يزورون الإمارات.
وناقش التقرير أبرز التحديات الماثلة أمام اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي؛ خصوصاً القضايا الهيكلية، أي إعادة هيكلة الاقتصادات حتى تتمكن من مواجهة تحديات المستقبل، ومن بين تلك القضايا كيفية استيعاب الاقتصادات الخليجية الأعداد المتزايدة والمتعاقبة من الشبّان المتعلمين والشابات المتعلمات بشكل أفضل في القوى العاملة خلال السنوات القادمة.
ووفقاً للتقرير، يترتّب على الزيادة السريعة في تعداد السكان ازدياد الطلب على المدارس، والتعليم الثانوي، والجامعات، والإسكان، والمرافق العامة، والبنية التحتية الشاملة، وفي نهاية المطاف الخدمات الصحية والمعاشات. وفوق كلّ ذلك، يفرض تعداد السكان المتزايد بسرعة ضغوطاً على المجتمعات لاستحداث وظائف جديدة كافية لاستيعاب الكثيرين الذين يصلون إلى سنّ العمل.



«إكسون» الأميركية تواجه انتكاسة بعد استهداف استثماراتها الحيوية في الغاز القطري

شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

«إكسون» الأميركية تواجه انتكاسة بعد استهداف استثماراتها الحيوية في الغاز القطري

شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
شاشة تعرض سعر سهم «إكسون موبيل» في قاعة تداول بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تعرَّضت الاستثمارات الحيوية لعملاق الطاقة الأميركي «إكسون موبيل» في قطاع الغاز القطري لانتكاسة استراتيجية غير مسبوقة، إثر هجمات إيرانية طالت «الجيل العملاق» من وحدات التسييل التي تشكل عصب الإمدادات العالمية. فالاستهداف الإيراني لم يطل الغاز القطري فحسب، بل أصاب استثمارات أميركية حيوية عابرة للقارات.

ففي تصريحات أدلى بها لـ«رويترز»، كشف الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، أن اثنين من أصل 14 وحدة لتسييل الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى منشأة لتحويل الغاز إلى سوائل، قد تضررت جرَّاء الهجمات. وقد تم استهداف وحدتي الإنتاج «إس 4» و«إس 6» اللتين تمثلان الركائز الأساسية لمحفظة الغاز المسال العالمية لشركة «إكسون موبيل»، حيث تمتلك فيهما حصصاً بنسبة 34 في المائة و30 في المائة على التوالي.

وتُصنف هذه الوحدات ضمن «الجيل العملاق» لخطوط الإنتاج؛ فتعطُّل الوحدة «إس 4» يقطع شريان الإمداد عن شركة «إديسون» الإيطالية و«إي دي إف تي» في بلجيكا، بينما يؤدي توقف «إس 6» إلى ارتباك حاد في إمدادات شركة «كوغاس» الكورية الجنوبية، وشركتي «شل» و«إي دي إف تي» في السوق الصينية.

وبكلمات تعكس حجم الذهول، وصف الكعبي، المشهد قائلاً: «لم يخطر ببالي قط أن تتعرض قطر والمنطقة لمثل هذا الهجوم، لا سيما من دولة شقيقة مسلمة في شهر رمضان المبارك». هذا الذهول السياسي ترجمته أرقام؛ إذ أعلن عن تعطيل 17 في المائة من طاقة قطر التصديرية، وخسارة سنوية ضخمة تقدر بنحو 20 مليار دولار من الإيرادات، مع توقف إنتاج 12.8 مليون طن من الغاز المسال سنوياً لمدة تتراوح بين 3 و5 سنوات.

يقول محللون إن أثر استهداف وحدات الإنتاج لا يتوقف عند حد خسارة كميات الغاز فقط، بل يمتد ليصيب سمعة التوريد التي بنتها «إكسون موبيل» على مدار عقود. فإعلان الشركاء الاستراتيجيين مثل «شل» و«توتال إنرجيز» حالة «القوة القاهرة» هو اعتراف قانوني صريح بالعجز عن الوفاء بالالتزامات تجاه العملاء الكبار في آسيا وأوروبا. ورغم أن هذا الإجراء يحمي الشركات - نظرياً - من غرامات التعويض المباشرة، فإنه يضعها في مواجهة تبعات قاسية؛ تبدأ من استحقاقات قانونية معقدة لإثبات مشروعية الإعلان، وصولاً إلى نزيف في التدفقات النقدية المليارية، وتآكل ميزة المورد الموثوق التي كانت تمنح هذه الشركات أفضلية تنافسية في الأسواق العالمية.

وبالنسبة لهؤلاء المحللين، فإن هذه الأزمة تتجاوز حدود الخسائر التقنية لتلامس مفهوم «الأمن القومي الاقتصادي» للولايات المتحدة؛ فاستهداف وحدات إنتاج تديرها وتستثمر فيها «إكسون موبيل» بهذا الثقل هو في جوهره ضربة لأحد أهم الاستثمارات الطاقي الأميركي في المنطقة.

قوة «إكسون» المالية

تواجه «إكسون موبيل» تحديات تشغيلية نتيجة التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على استثماراتها في الغاز الطبيعي المسال في قطر. ولكن، رغم الاضطرابات الأخيرة، فإن المؤشرات المالية للشركة تشير إلى ربحية قوية ومتانة في ميزانيتها العمومية. إذ تُظهر الميزانية العمومية للشركة متانة واضحة مدعومة بهوامش تشغيلية قوية، مما يمنحها «مصدات مالية» كافية لمواجهة الاضطرابات المؤقتة في سلاسل التوريد، ويحافظ على ثقة المستثمرين في قدرتها على إدارة الأزمات الكبرى دون المساس باستقرارها المالي طويل الأمد.


شبح التضخم يطارد أوروبا... ومصارف عالمية تتوقع أبريل موعداً لرفع الفائدة

أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
TT

شبح التضخم يطارد أوروبا... ومصارف عالمية تتوقع أبريل موعداً لرفع الفائدة

أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)

يواجه البنك المركزي الأوروبي لحظة الحقيقة مع اشتعال فتيل الضغوط التضخمية الناتجة عن اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، حيث انتقل النقاش داخل أروقة فرانكفورت من التهدئة إلى التحذير الصريح. وبينما يتمسك صناع السياسة النقدية بدعوات الهدوء وتجنب رد الفعل المتسرع تجاه صدمات النفط، بدأت كبرى مصارف الوساطة العالمية في إعادة رسم خرائطها المالية، مراهنةً على أبريل (نيسان) موعداً لانعطافة حادة في أسعار الفائدة.

هذا التضارب بين حذر البنك المركزي الأوروبي واندفاع الأسواق يضع القارة العجوز أمام اختبار قاسٍ: هل ينجح اليورو في امتصاص صدمة الصراع الإقليمي دون التضحية بالنمو، أم أن رفع الفائدة بات شراً لا بد منه لترويض التضخم الجامح؟

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد تتحدث في مؤتمر صحافي عقب قرار البنك تثبيت الفائدة (رويترز)

كان البنك المركزي الأوروبي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، لكنه حذر من أن الحرب الأميركية الإسرائيلية في إيران قد تدفع التضخم إلى ما هو أبعد بكثير من هدفه البالغ 2 في المائة هذا العام، وأن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يُبقي نمو الأسعار مرتفعاً لسنوات مقبلة.

عزز هذا الرأي التوقعات واسعة النطاق برفع أسعار الفائدة، وأقر صناع السياسة النقدية، الذين تحدثوا شرط عدم الكشف عن هويتهم، بأن هذا الأمر قد يكون مطروحاً في أبريل ما لم يتم حل الصراع في الأسابيع المقبلة، وفق «رويترز».

مع ذلك، كان تعليقهم العلني يوم الجمعة أكثر اعتدالاً، إذ قال محافظ البنك المركزي الفنلندي، أولي رين: «علينا التحلي بالهدوء والنظر إلى الصورة الكاملة»، مضيفاً أن على صانعي السياسات الفصل بين التقلبات قصيرة الأجل وتأثيرها الاقتصادي طويل الأجل.

وصرح محافظ البنك المركزي الفرنسي، فرانسوا فيليروي دي غالهو، بأن البنك المركزي الأوروبي يجب ألا يبالغ في رد فعله تجاه ارتفاع أسعار الطاقة، الذي قد يدفع التضخم إلى 2.6 في المائة هذا العام، وفقاً لتوقعات البنك الأساسية.

وقال في مقابلة مع موقع «بورسوراما» الإخباري المالي: «نحن نتابع الوضع عن كثب، ولدينا القدرة على اتخاذ الإجراءات اللازمة».

في غضون ذلك، حذر محافظ بنك إسبانيا، خوسيه لويس إسكريفا، من أنه لا يزال من الصعب تقييم تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على مسار التضخم، لذا ينبغي على البنك المركزي الأوروبي الالتزام بنهجه في اتخاذ القرارات من اجتماع إلى آخر.

حاكم بنك فرنسا فرنسوا فيليروي دي غالهو يتحدث في باريس (رويترز)

الأسواق تراهن على الرفع

تتوقع الأسواق المالية الآن أكثر من رفعتين لأسعار الفائدة هذا العام، مع توقع أول رفعة في يونيو (حزيران). عادةً ما تتجاهل البنوك المركزية صدمات أسعار النفط، لكن المخاوف تكمن في أن يكون ارتفاع أسعار الطاقة كبيراً لدرجة أنه سيتسرب إلى الاقتصاد ككل، مؤثراً على أسعار كل شيء ومستمراً لفترة طويلة.

وأقر رئيس البنك المركزي الألماني، يواكيم ناغل، بهذا الخطر، وقال إن البنك المركزي الأوروبي قد يضطر للتدخل ما لم تستقر أسعار الطاقة قريباً.

وقال ناغل لوكالة «بلومبرغ»: «في ظل الوضع الراهن، من المتوقع أن تتدهور توقعات التضخم على المدى المتوسط، وأن ترتفع توقعات التضخم بشكل مستمر، مما يعني أن اتباع سياسة نقدية أكثر تقييداً سيكون ضرورياً على الأرجح».

يواكيم ناغل يتحدث خلال مقابلة في اجتماع وزراء المالية لمجموعة العشرين في جنوب أفريقيا يوليو 2025 (رويترز)

... وشركات الوساطة

في غضون ذلك، بدأت شركات الوساطة تراهن على رفع سريع لأسعار الفائدة، بعد أن غيرت توقعاتها في أعقاب اجتماع البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس.

تتوقع بنوك «جي بي مورغان»، و«مورغان ستانلي»، و«باركليز»، الآن، أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في عام 2026، وهو تحول حاد عن توقعاتها السابقة التي كانت تشير إلى بقاء أسعار الفائدة ثابتة.

ويتوقع «باركليز» و«جي بي مورغان» رفع أسعار الفائدة في أبريل، تليه زيادات أخرى في يونيو ويوليو (تموز) على التوالي. في حين يتوقع «مورغان ستانلي» زيادات قدرها 25 نقطة أساس في كل من يونيو وسبتمبر (أيلول).

مع ذلك، لم يكن الجميع مقتنعاً. وقال يورغ كرامر، كبير الاقتصاديين في «كومرتسبنك»: «يهيمن على مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي أعضاء يميلون إلى سياسة نقدية توسعية».

وأضاف: «ما زلت غير مقتنع بتوقعات أسواق العقود الآجلة بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة الرئيسية مرتين على الأقل بحلول نهاية العام. إن العقبة أمام رفع أسعار الفائدة الرئيسية أعلى مما كان متوقعاً».


تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
TT

تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)

قالت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، خلال زيارتها للولايات المتحدة، إن طوكيو قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً في اليابان، في إطار سعيها لتنويع مصادر مشترياتها وتعزيز أمنها الطاقي.

وقبل أن تستخدم اليابان مخزوناتها النفطية الاستراتيجية هذا الأسبوع في عملية قياسية لتعويض تداعيات اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، كانت تحتفظ بنحو 470 مليون برميل، أي ما يكفي لاستهلاكها لمدة 254 يوماً، في خزاناتها.

ولم يتضح على الفور ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخصص الخام كجزء من المخزونات الاستراتيجية اليابانية، أو أنه سيكون متاحاً للاستخدام من قبل الولايات المتحدة عند الحاجة.

وقالت تاكايتشي، في تصريحات للصحافيين بالولايات المتحدة، إن البلدين اتفقا أيضاً على التعاون لتوسيع إنتاج الطاقة الأميركي. وتستورد اليابان نحو 4 في المائة من احتياجاتها النفطية، ونحو 6 في المائة من غازها الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. وقد زادت استثماراتها في قطاع الطاقة هناك.

وأضافت تاكايتشي: «أبلغتُ الرئيس دونالد ترمب بنيَّتي تنفيذ مشروع مشترك يتم بموجبه تخزين النفط الخام المُستورد من الولايات المتحدة في اليابان». ويستند هذا إلى فهم أن تنويع مصادر التوريد سيساهم في ضمان إمدادات طاقة مستقرة لليابان وآسيا ككل.

ولم تفصح تاكايتشي عن أي تفاصيل بشأن خطة تخزين النفط الأميركي في اليابان. وتحتفظ اليابان بمخزونات نفطية مشتركة مع السعودية والإمارات والكويت، يبلغ مجموعها نحو 13 مليون برميل، كجزء من احتياطياتها الاستراتيجية المحلية، ولها حق الأولوية في استخدام هذه المخزونات.

وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط في أكثر من 90 في المائة من إمداداتها النفطية، وقد بدأت قطاعاتها الصناعية - من مصانع الصلب وشركات البتروكيماويات إلى الحمامات العامة - تشعر بآثار نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار نتيجة لإغلاق مضيق هرمز.

وبلغت مساهمة اليابان في عملية إطلاق النفط القياسية التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية ما يقرب من 80 مليون برميل، تتكون أساساً من النفط الخام، وفقاً للأرقام التي نشرتها الوكالة يوم الخميس.

وجاءت حصة اليابان في المرتبة الثانية بعد مساهمة الولايات المتحدة البالغة 172 مليون برميل.

ولم تُستخدم المخزونات اليابانية المشتركة مع السعودية والإمارات والكويت في عملية الإطلاق التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية.

وخلال زيارة تاكايتشي، أعلنت اليابان والولايات المتحدة عن توسيع نطاق التعاون بينهما، بما في ذلك استثمار ياباني يصل إلى 73 مليار دولار في مشاريع الطاقة الأميركية، وخطة عمل لتطوير بدائل للصين في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وأعلنت الولايات المتحدة واليابان عن مشروع بقيمة 40 مليار دولار لبناء مفاعلات نووية في ولايتي تينيسي وألاباما، وذلك عقب اجتماع قادة البلدين في واشنطن، وبعد موافقة طوكيو العام الماضي على استثمار 550 مليار دولار حتى عام 2029 كجزء من اتفاقية تجارية جديدة مع واشنطن.

كما أعلن البيان المشترك الصادر يوم الخميس بشأن ما يُسمى بالمفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs) عن استثمار بقيمة 33 مليار دولار في محطات توليد الطاقة بالغاز الطبيعي في ولايتي بنسلفانيا وتكساس.

وأعلن البلدان، في فبراير (شباط)، عن الشريحة الأولى من المشاريع في إطار صندوق الاستثمار الجديد، بقيمة 36 مليار دولار مخصصة لثلاثة مشاريع بنية تحتية. وذكر بيان يوم الخميس أن هذه المشاريع ستضمن الأمن من خلال «تسريع النمو الاقتصادي للبلدين، مما يمهِّد الطريق لعصر ذهبي جديد للتحالف الياباني الأميركي المتنامي باستمرار».

وأشادت الولايات المتحدة بالمفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، التي بنتها شركة «جي إي فيرنوفا هيتاشي»، بوصفها «مصدراً هائلاً للطاقة المستقرة للجيل المقبل، مما يُسهم في استقرار أسعار الكهرباء للشعب الأميركي، ويعزز ريادة اليابان والولايات المتحدة في المنافسة التكنولوجية العالمية».

كما أصدر الجانبان خطة عمل لتطوير سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وسط مخاوف بشأن هيمنة الصين على هذا القطاع. وتشمل الخطة مناقشة سياسات وآليات تجارية منسقة، مثل تحديد حد أدنى للأسعار وفقاً للحدود، «مع التركيز مبدئياً على معادن حيوية مختارة».

وأعلن البيت الأبيض أن البلدين سيتعاونان أيضاً في تطوير المعادن الحيوية في أعماق البحار، «بما في ذلك رواسب الطين الغنية بالعناصر الأرضية النادرة بالقرب من جزيرة ميناميتوريشيما اليابانية».

وميناميتوريشيما جزيرة مرجانية يابانية معزولة تقع على بُعد نحو 1950 كيلومتراً (1200 ميل) جنوب شرقي طوكيو. وقد جُمعت رواسب تحتوي على عناصر أرضية نادرة بواسطة قارب حفر علمي ياباني متخصص في أعماق البحار أبحر، في يناير (كانون الثاني)، إلى الجزيرة التي يُعتقد أن مياهها المحيطة بها غنية بالمعادن الثمينة.