الكتابة الرقمية أنهت دور الوسيط وحققت انتشاراً واسعاً للأدب

كتاب ونقاد مصريون يميزون بينها وبين استخدام الوسائل الحديثة

سيد إمام  -  زينب العسال  -  أحمد رجب شلتوت  -  أشرف الخريبي
سيد إمام - زينب العسال - أحمد رجب شلتوت - أشرف الخريبي
TT

الكتابة الرقمية أنهت دور الوسيط وحققت انتشاراً واسعاً للأدب

سيد إمام  -  زينب العسال  -  أحمد رجب شلتوت  -  أشرف الخريبي
سيد إمام - زينب العسال - أحمد رجب شلتوت - أشرف الخريبي

فرضت الكتابة الرقمية، كما يبدو، سلطتها بقوة، وأصبحت تزاحم الإبداع ودور النشر، بما تمتلكه من مساحة كبيرة ومرنة من الحياة الافتراضية، على الشبكة العنقودية (الإنترنت)، تتيح لها التنوع والابتكار داخل هذه المساحة، وتقديم النص الأدبي، والشفاهي، والبصري، مهما كان رأينا بهذا النص، خصوصاً أن القارئ يحصل على هذه الخدمة مجاناً وفي فضاء حر، بلا قيود أو حواجز.
في هذا التحقيق، يتحدث عدد من الكتاب والنقاد المصريين عن هذه الظاهرة، التي أصبحت جزءاً من الحياة الثقافية، وتأثيراتها على مستقبل الإبداع الورقي.
- سيد إمام: طبقية المعرفة
في البداية قال الناقد والمترجم سيد إمام إن الكتابة الرقمية لا تختلف عن غيرها من نظم العلامات المنظورة التي يمكن معاينتها بالعين، ولن يختلف كثيراً فضاء الشاشة عن فضاء الصفحة المطبوعة في أي كتاب، فقط سوف يتيح هذا أمام المتلقي مجموعة من الظروف والملابسات التي يمكن أن تلوِّن الخطاب وتفتح أمامه مجموعة من الإمكانات لم تكن في بال أحد. كثير من المتلقين الذين تربوا على قراءة الكتاب المطبوع لا يجدون اللذة ذاتها مثلاً في قراءتهم للمحتوى نفسه في الكتاب الإلكتروني. المتعة المصاحبة لفعل القراءة تختلف لديهم بكل تأكيد، ومن ثم يكون حرصهم على اقتناء الكتاب المطبوع، والعكس يحدث عند الجيل الجديد الذي يحصل على المتعة ذاتها من خلال قراءة الكتاب الإلكتروني.
وعن هوية الكاتب المبدع قال: «علينا أولاً أن نحدد ما نعنيه بمصطلح الهوية؛ هل نقصد به ذلك المعطى الجاهز غير القابل للتحول أو التغيير بغض النظر عما يحيط به من ملابسات وظروف؟ سوف نكون مخطئين بكل تأكيد؛ الهوية كينونة مرنة لا تثبت على حال، فأين يمكننا العثور على هوية نجيب محفوظ الكتابية: في (رادوبيس)؟ في الثلاثية؟ في (اللص والكلاب)؟ في (الشحاذ) أو في (السمان والخريف)؟ لقد شهدت هويته الكتابية عدة تحولات، يجلوها مجموع أعماله بكل تأكيد، هوية تتعدد عناصرها وتختلف معطياتها من عمل لآخر. هناك عناصر أساسية، وأخرى يجرى عليها التحول والتغيير. جدل الثابت والمتحول في كيان كتابي واحد لا غير.
إن الهوية الأدبية تعصف بها عواصف وأنواء وأعاصير، الثبات عدو التطور والنشوء، حتى في حالة الكائنات الحية. من هذا المنظور برزت أشكال جديدة للتعبير الأدبي أو الفني، واندثرت أشكال. برزت الرواية مثلاً و(النوفيلا) والقصة القصيرة والرواية العلمية، وداخل جنس الرواية ذاته ظهرت أنواع جديدة، مثل (اللارواية والميتارواية التأريخية والميتافكشن) واندثرت الحكاية الخرافية والمقامة والقصيدة العمودية والملاحم الكبرى التي تمجِّد انتصار الإنسان، وفنون مثل فن خيال الظل والأراجوز. الهوية الأدبية والفنية (الجمالية عموماً) كيان متقلب مرن لا يثبت على حال ويستحيل حصره في صيغة واحدة أبدية أو قالب واحد على الإطلاق».
ولكن ماذا عن الملكية الفكرية؟ لمن تعود؟ يقول سيد إمام: «قد يبدو كلامي غريباً بعض الشيء. إنها صيغة رأسمالية احتكارية يقصد من ورائها حجب المعرفة عن قطاع عريض من القرَّاء، فضلاً عن كونها آلية تهدف إلى جني أكبر قدر من الأرباح، وإلا، وقد يبدو كلامي جارحاً بعض الشيء: لماذا يلجأ البعض لسرقة الكتب في معارض الكتاب ومن بينهم كتاب معروفون؟ هي المغالاة في الأسعار... ومن ثم ظهرت آلية التزوير لنسخ الكتب الأصلية وبيعها بثمن في متناول القارئ العادي. إذن المستفيد الوحيد من قانون الملكية الفكرية هم بعض دور النشر الجشعة التي تغالي في أثمان الكتب، وليس الكُتَّاب، أنا شخصياً أقتنى بعض هذه النسخ المزورة، ولا يعتريني جراء ذلك أي شعور بالخجل. المعرفة ينبغي أن تكون متاحة للجميع وبثمن معقول. المعرفة ليست حكراً على طبقة محددة من الناس، طبقية المعرفة شيء مقيت بكل تأكيد».
ويتوقع السيد إمام ظهور أدب جديد يواكب تغيرات واقعنا الحالي، كما يتوقع اختفاء أشكال أدبية لم تعد تواكب أو تعبِّر عن هذه التغيرات.
- زينب العسال: نوع أدبي جديد
ومن جانبها، قالت الروائية والناقدة د. زينب العسال: «كلما ظهر جيل جديد يختلط الأمر عليه إلى حد ما، ويصعب التمييز بين السياق الأدبي وغيره، وعندما بدأ ظهور مصطلح (الكتابة الرقمية) لم نتصور أن هذا المصطلح سيستمر، أو يثير النقاش حوله، لكن بعد فترة نشأ كيان أدبي هو (اتحاد كتاب الإنترنت)، له رئيس ومجلس إدارة، ويقيم اجتماعات في كثير من العواصم العربية. لا تزال ملامح الكتابة الرقمية غير واضحة لحد الآن، فكل من ينشر على الإنترنت يظن أن كتابته رقمية، وهو ما جعل بعض النقاد العرب يرصدون الظاهرة ويعرضون لملامحها. الكتابة الرقمية تبتعد تماماً عن عالم الطباعة الورقية، أو عن عالم الحكي الشفاهي، وتعتمد كلياً على الكومبيوتر والوسائط الرقمية، وهي بالتالي تفيد من المخزون المعرفي الوارد في تلك الوسائط وغيرها، كما أنها تساعد على التفاعل المباشر، والمزج بين الفنون».
نحن أمام كتابة تعتمد على الحرف وتنوعاته، والرسوم التوضيحية، والفنون التشكيلية، وبرامج «الغرافيك»، و«الفوتوشوب»، ومقاطع من الأغنيات، ومقاطع من الأفلام، فضلاً عن الإفادة من الروابط والنوافذ المشرعة على العوالم الافتراضية والبرمجة الهندسية، إذن نحن أمام نوع أدبي جديد لا يمكن أن يتقنه أو ينتجه إلا من يعرف هذه الوسائط، سواء كان منتجاً للنص، أو متلقياً له؛ فالمتلقي له دور فاعل في النص، والفاعلية تلعب دورها بين المستقبل والكومبيوتر من جهة، والكومبيوتر والمرسل من جهة أخرى.
وتؤكد العسال على تجاور الأنواع الأدبية وتداخلها، مبررة ذلك بأن الأجناس الأدبية لا تختفي بظهور أنواع جديدة؛ فهل ألغى ظهور الرواية القصة القصيرة، أو ألغى شعرُ التفعيلة الشعرَ التقليدي، أو تراجعت القصة القصيرة بتألُّق القصة القصيرة جداً، أو القصة الومضة؟ قد يغير هذا الجنس الأدبي من خريطة الأدب، فتظهر أسماء أصحاب نصوص ضعيفة، أو لا تنتسب إلى الإبداع الأدبي، وثمة بعض النصوص التي تفتقد مقومات الجنس الأدبي، لكنها تحظى بالإعجاب، وبالتعليق عليها، إضافة إلى كثرة «تشييرها».
وتخلص العسال إلى مطالبة «اتحاد كتاب الإنترنت» بتفعيل دوره في وضع المعايير والآليات، ومنع نشر كل ما يخالف ذلك، أو لا يمت بصلة إلى هذا النوع الأدبي، إضافة إلى رصد الظاهرة، وبحثها، وتحليلها من قبل الباحثين والنقاد.
- الخريبي: عززت الإبداع بصرياً
واستهلّ الروائي أشرف الخريبي رأيه قائلاً: «لا بد من التفرقة بين الكتابة الرقمية والكتابة عبر الوسائل الرقمية (الكومبيوتر ووسائل الميديا)؛ فالكتابة على الكومبيوتر شيء، وإنتاج نصٍّ رقمي شيء آخر. بهذا المفهوم الأخير النص الرقمي هو انتشار معرفي لاتصاله بعلوم التقنية المتنوعة والحديثة وتختلط معه العملية الإبداعية، ومن ثم تصبح هذه الكتابة جزءاً من الإبداع، ولكنها لا تستغني عن عملية الإبداع نفسها، باعتبار الإبداع سلطة أولى على المبدع لا يمكن أن تفارقه، فالرقمية تسعى إلى القيام بدور جديد للكتابة بنقل الصورة السمعية - اللفظية إلى صورة مرئية حركية، أي بنقل وتحويل اللفظ من مجرد وعي دلالي في الذاكرة إلى وعي مفهومي بصري مرئي، ويصبح لها هذا الانطباع الفسيولوجي على التلقي بغرض إحداث أكبر أثر ممكن، وإدخال التلقي في منطقة النص واشتراكه فيها لرؤية جديدة، حيث العالم النصي مؤول لصالح التلقي المفترض وجوده ذهنياً، ودالّ بحسب الصورة المطروحة في بناء هذا النص، وفى شكل تجسدها عبر عوالم وأحاسيس مُتخيَّلة خلال واقع افتراضي وأدوات التقنية».
وقلَّل الخريبي من تهم التزييف التي تلحق بهذه الكتابة، قائلاً إن «الأعمال المنتشرة على الإنترنت كثيرة ومتعددة، ولكنه يبدو أن التزييف مستحيل في الإبداع؛ المبدع له سمات يتخلق من خلالها عمله وأداؤه في أي جنس أدبي، فالقصة الحقيقية لمبدع حقيقي تبدو للعيان بلا أسباب غير الإبداع نفسه الذي يميز العمل الفني عن غيره، وتستطيع بسهولة أن تفرق بين الغث والسمين، هناك معايير كثيرة لتحديد هذا المفهوم أهمها الوعي وروح النص التي ما تلبث أن تسيطر على المتلقي بخطابها الحقيقي؛ شعراً أو قصة أو رواية.
ويخلص الخريبي إلى أن «الكتابة الرقمية مرحلة إبداعية وتجربة جديدة منذ الكتابة على الحجر والنقوش عبر مراحل التاريخ. إنها التطورات التاريخية المذهلة والمدهشة، لم يكن يتوقع أحد أننا ما زلنا نقرأ وصايا الفلاح الفصيح من آلاف السنين على الحفريات الفرعونية، ولم يكن هناك من خطر رغم ما جاء من وصايا مكتوبة ومطبوعة ومصنوعة للفلاح الفصيح أيضاً. الكتابة الرقمية تجربة مضافة للأجناس الأدبية ولا تلغيها ولا تقلل منها، بل تضيف إليها تجربة إنسانية بلغة مختلفة وعبر وسائل جديدة».
- رجب: النشر المجاني
ويرى الكاتب أحمد رجب شلتوت أنه من الطبيعي أن تنتج الكتابة الرقمية أدباً يناسبها، وقد تسهم كذلك في اندثار أنواع أدبية، مشيراً إلى أن هذا يحدث دائماً؛ فأدب المراسلات مثلاً اندثر منذ زمن، لكن الإنترنت أعاده بشكل مختلف ولغة مختلفة، وقد اكتسب الأدب الرقمي، لا سيما مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، سمات كثيرة؛ أولها الإيجاز الشديد، وهو ما بدا أثره في انتشار الكتابة الشذرية عموماً، وقد تحقق للأدب مع التطور التكنولوجي انتشار واسع، ولم يعد ثمة وسيط بين المبدع والمتلقي؛ فهو يكتب وينشر دون تدخل وسيط، ولا يخضع أيضاً للقدرة الشرائية للمتلقي، إذ صار بإمكانه قراءة الكتاب الإلكتروني بمجرد إتاحته على الشبكة الإلكترونية، أيضاً أتاحت مواقع التواصل الاجتماعي اتصالاً مباشراً بين الأدباء والقراء، مما يمكِّنهم من إدراك أثر كتابتهم في المتلقي بشكل لا يتيحه الكتاب الورقي، كل ذلك جيد.
ويستدرك شلتوت قائلاً: «لكن الشيء غير الجيد هو أن تلك السهولة الشديدة أغرت المئات وربما الآلاف بالكتابة، مجرد مداعبة أناملهم لأزرار هواتفهم أو أجهزة الكومبيوتر خاصتهم تنتج ما يسمونه كتابة».



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!