وزير الإعلام الموريتاني لـ«الشرق الأوسط»: السعودية حليف استراتيجي

قال إن زيارة الأمير محمد بن سلمان «في غاية الأهمية»... ووقفنا ضد المشروع الإخواني لأنه أشعل النار في مناطق كثيرة

سيدي محمد ولد محم
سيدي محمد ولد محم
TT

وزير الإعلام الموريتاني لـ«الشرق الأوسط»: السعودية حليف استراتيجي

سيدي محمد ولد محم
سيدي محمد ولد محم

تستقبل موريتانيا اليوم (الأحد) ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في زيارة «غير مسبوقة» لمسؤول سعودي بهذا المستوى، منذ زيارة الملك الراحل فيصل، مطلع سبعينات القرن الماضي، بدعوة من الرئيس الراحل المختار ولد داداه.
وزير الإعلام الموريتاني سيدي محمد ولد محم قال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن زيارة الأمير محمد بن سلمان تعكس «متانة العلاقات» بين المملكة العربية السعودية وموريتانيا، مستحضراً قروناً من التبادل العلمي والثقافي والاجتماعي بين شعبي البلدين.
الوزير اعتبر السعودية حليفاً استراتيجياً قوياً ودولة شقيقة وصديقة، قائلاً إنها «قدمت الكثير من الدعم لموريتانيا في كل المجالات، وهو أمر نذكره بكبير العرفان بالجميل»، موضحاً أن هذا الدعم شمل مجالات كثيرة من أبرزها دعم قوي في مجال محاربة الإرهاب، تلك الحرب التي خاضتها موريتانيا لسنوات وفق «مقاربة أمنية» حاولت موريتانيا تصديرها إلى البلدان المجاورة. الوزير كشف لـ«الشرق الأوسط» موقف موريتانيا من الحراك الأخير في المغرب العربي، من دعوة العاهل المغربي الملك محمد السادس للحوار مع الجزائر، ودعوة الجزائر لاجتماع طارئ لوزراء خارجية المغرب العربي، قال الوزير إن موريتانيا تتابع ذلك بإيجابية ولم يستبعد أن تعمل موريتانيا على عقد مغاربية في نواكشوط.

> موريتانيا تستقبل الأمير محمد بن سلمان وذلك للمرة الأولى... كيف تنظرون لهذه الزيارة؟
- زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى موريتانيا، هي زيارة في غاية الأهمية وتعكس متانة الروابط التاريخية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، وبين شعبيهما عبر التاريخ وبين قيادتي البلدين. ويعتبر الأمير محمد بن سلمان هو أرفع مسؤول سعودي يزور موريتانيا منذ زيارة الملك فيصل، رحمه الله، بداية السبعينات.
العلاقات التي تربط بين قيادتي البلدين والشعبين هي علاقات تحكمها روابط الدم والدين والأواصر التاريخية، فالموريتانيون الشناقطة معروفون بحضورهم القوي في المملكة العربية السعودية، ولذلك قدمت المملكة الكثير من الدعم لموريتانيا في جميع المجالات، وهو أمر نذكره بكبير العرفان بالجميل، ومنذ وصول فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى مقاليد الأمور وهو يعمل على تطوير علاقات موريتانيا وخاصة بأشقائها، وقد احتلت المملكة العربية السعودية أولوية الأولويات في علاقاتنا العربية، مما أثمر زيارة من هذا المستوى ومن هذا النوع.
> ما أبرز أوجه التعاون المشترك بين موريتانيا والسعودية؟ وإلى أي درجة تريدون الوصول بهذا التعاون؟
- التعاون الموريتاني - السعودي شمل جميع المجالات؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وبالتالي فالعلاقات الموريتانية - السعودية هي علاقات متعددة الأبعاد في مختلف جوانبها. في المجال السياسي نعتبر المملكة حليفاً استراتيجياً قوياً ودولة شقيقة وصديقة، وكذلك في المجال الأمني تطور مستوى التعاون كثيراً. وفي المجال الاقتصادي هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه، والعلاقات الاجتماعية أيضاً موجودة وقوية. إنها علاقات متعددة الأبعاد والأوجه، ومهما كان المستوى الذي وصلت إليه هذه العلاقات فإنها ستظل دائما دون طموحات قيادتي البلدين، باعتبار أن الشيء الطبيعي هو أن تكون العلاقات مع المملكة العربية السعودية في قمة أوجها وعطائها، وبما يخدم مصلحة البلدين الشقيقين والشعبين السعودي والموريتاني.
> قبل سنوات أسست المملكة العربية السعودية تحالفاً لمحاربة الإرهاب في العالم الإسلامي، كانت موريتانيا سباقة لدعمه والانخراط فيه، وهو موقف يعكس الإدراك الموريتاني لخطورة الإرهاب، كيف نشأ ذلك الإدراك؟
- أولاً نتيجة للضرر الكبير الذي ألحقه الإرهاب ببلادنا، فنحن من البلدان التي اكتوت بنار الإرهاب، وعرفت الإرهاب على حقيقته. لقد كلفنا ضرراً بالغاً في الأنفس وفي المال وفي البنية التحتية. نحن لم نعتدِ على أحد ومع ذلك تم ذبح أبنائنا من طرف الإرهابيين جهاراً نهاراً، وتعرض ضيوفنا للقتل والاختطاف. وفي وضعية من هذا النوع وصل فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز إلى السلطة وقرر شن حرب على المجموعات الإرهابية من أجل ضمان أمن بلادنا واستقرارها، وذلك باعتبار أن الاستقرار والأمن هما الركيزة الأساسية لأي تنمية أو نهضة، وقد نجحت المقاربة الأمنية الموريتانية في إبعاد خطر وشبح الإرهاب عن بلادنا وعن حدودها، وحين تقارنون أنه في 2008 كانت الاشتباكات مع الإرهابيين هنا في نواكشوط، واليوم تعتبر الحدود الموريتانية جد آمنة، والأراضي الموريتانية من أكثر المناطق أمناً في العالم، وهذا نتيجة للوعي المبكر بخطر الإرهاب، ذلك أن الإرهاب لا لون له... لا حدود له... لا دين له... إنه خطر يهدد دول العالم بكاملها، ووعياً من الحكومة الموريتانية ومن فخامة رئيس الجمهورية بضرورة مواجهة الإرهاب تم إعداد مقاربة أمنية متعددة الأبعاد، وأعتقد أن الجميع أشاد بنجاحها، فتحولت بلادنا من دولة همها الأول هو ضمان أمنها واستقرارها إلى دولة تحفظ للآخرين أمنهم وتساهم في أمن المنطقة ككل، وهذا هو التحول الجذري الهام الذي عرفته بلادنا في ظل قيادة الرئيس خلال العشرية الماضية.
> محلياً لاحظنا مؤخراً صرامة من طرف السلطات الموريتانية تجاه «الخطاب الإخواني»، وخاصة فيما يتعلق بمؤسسات تعليمية محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، ما السر في هذا التوجه الجديد؟
- أولاً تأسيساً على قاعدة ثابتة في تفكيرنا، فحين نستورد مشروعاً، أي مشروع، يجب أن نبحث عن أدائه وعن جدوائيته في البلد المصدر؛ هذا الإسلام السياسي الذي يحاول البعض تصديره إلينا، أو يحاول بعض الموريتانيين استيراده من مناطق أخرى، هو نفسه الذي أشعل النار في مناطق كثيرة، كسوريا ومصر والعراق واليمن وليبيا، وأحدث دماراً كبيراً في الكثير من الدول العربية، وبالتالي تجربته تثبت مع الوقت أنه لا يشكل عنصر استقرار في المنطقة، وأنه عامل من عوامل التوتير عبر ما يناهز تسعين سنة ماضية، وبالتالي خلال كل هذه الفترة سقط شعار «الإسلام هو الحل»، حتى عند الذين حملوه، ولم يستطيعوا تقديم قراءة تشكل حلا مقنعا لجموع المسلمين والعرب في العالم.
القراءة الموريتانية للدين، بأبعادها المتعددة، هي التي حفظت لهذا البلد أمنه واستقراره، وظل الموريتانيون بمنأى عن الحروب الأهلية وعن عوامل التفرقة، وظل السلم الأهلي قائماً، لأن الموريتانيين يفهمون أن غاية الدين هي إحقاق العدل أولا وتحقيق السلم ثانيا، وأن هذين الهدفين المتوازيين يشكلان مقصدين أساسيين من مقاصد الشرع، وبالتالي ظل القياس الموريتاني يأخذ بعين الاعتبار هذين المقصدين، فالدين الذي لا يوفر العدل ليس دينا من عند الله، والدين الذي لا يوفر السلم والاستقرار ليس دينا من عند الله، وقد فهم الموريتانيون أن الاستقرار والسلم والعدل هما غاية هذا الدين.
> على غرار الإجراءات التي اتخذت ضد الإخوان المسلمين، سبق وأن اتخذتم أيضا إجراءات مشابهة ضد منظمة تنشر التشيع لديها صلة بإيران؟
- بالطبع هذا يستوي فيه الجميع، أي محاولة لدفع الموريتانيين باتجاه مذاهب أخرى أو حركات سياسية أخرى فهو بالخانة نفسها بالنسبة لنا. نحن نعتبر أن وحدة المذهب لدى الموريتانيين مكسب، وأن وحدة الدين بالنسبة لهم مكسب، وأنهم هم من يعطون دروساً في الموضوع ولا يتلقونها من الآخرين. وكل ما يمس وحدة الموريتانيين في مذاهبهم وفقههم ومعتقداتهم ودينهم فهو أمر يشكل خطراً على السلم والانسجام الوطني، وبالتالي فمن مسؤولية الحكومة اتخاذ جميع التدابير لحماية الوئام الوطني وللدفاع عن المنظومة العقدية للموريتانيين، والنأي بهم عما يفرقهم، ويشترك في ذلك الجميع. ولكن ما تحدثنا عنه في الأول يعني بالدرجة الأولى مدرسة «الإخوان المسلمين». فعلى مدى تسعين عاماً أثبتت للأسف أنها لا تشكل عنصر أمن واستقرار في كل البلدان التي عرفتها، وبالتالي أعتقد أن الموريتانيين حريصون على وحدتهم عقائديا ومذهبيا وسياسيا، ولا يحتاجون من الغير دروساً في الموضوع.
> إقليمياً... ما موقف موريتانيا من الحراك الأخير الذي أعاد الحديث عن اتحاد دول المغرب العربي إلى الواجهة، ومن دعوة العاهل المغربي للحوار مع الجزائر إلى دعوة الجزائر لاجتماع طارئ لوزراء خارجية دول المغرب العربي؟
- نتعاطى مع الموضوع بكل إيجابية، وهو أمر في غاية الأهمية بالنسبة لنا. نحن مع أي حراك يحقق وحدة دول المغرب العربي، وينزع فتيل التوتر بها، ويحل المشاكل العالقة، ونعتبر أنفسنا دائما جزءاً من الحل ولسنا طرفاً في المشكل. نتابع موضوع العلاقات المغربية الجزائرية ومشكل الصحراء العالق. وبما أن الأطراف اختارت تدويل الموضوع وتقديمه أمام الأمم المتحدة فنحن ندفع باتجاه الحل، وندعو جميع الأطراف لتغليب منطق العقل، والدفع إلى حل ينهي كل أزمات المنطقة، ويقدم حلاً يرضي الجميع ويجدون فيه ذواتهم. وفي النهاية استقرار المنطقة يهمنا ونعتبر أنفسنا المستفيد الأول منه.
لقد تابعنا هذه الدعوات، وأعتبر أن الدعوة الموريتانية إلى اجتماع وزراء خارجية المغرب العربي في نواكشوط يشكل رداً عملياً عليها، وهو ملف متابع من طرف فخامة الرئيس عن كثب، وفي انتظار انعقاد هذا الاجتماع، حيث أعتقد أنه سيتحدد الدور الموريتاني والرؤية الموريتانية كطرف جامع لكل دول المغرب العربي، ومترفع عن كل الخلافات البينية القائمة، وبالتالي فموقفنا ظل واضحا طيلة الفترات الماضية، ونحن اليوم نملك رؤية أوضح، بفضل السياسات المتبعة من طرف فخامة الرئيس، نملك ما نقدمه للإخوة في المغرب العربي، وبالتالي فدورنا هو أن نشجع كل دعوة لحل المشاكل العالقة بين هذه الدول.
> هل نتوقع قمة لقادة دول المغرب العربي قد تحتضنها نواكشوط انطلاقاً من هذه الرؤية الجامعة والمترفعة عن الخلافات البينية؟
- لِمَ لا... بالإمكان... بالإمكان... وعقد أي قمة صحيح أنه قد يكون مهماً بالنسبة لأي دولة، ولكن في النهاية إنجاح هذه القمة مسؤولية كبيرة، وأعتقد أنه قبل الدعوة إلى انعقاد أي قمة مغاربية في موريتانيا، المهم هو اتخاذ التدابير اللازمة لإنجاح هذه القمة، وأعتقد أن دعوتنا إلى عقد اجتماع وزراء الخارجية في نواكشوط ربما يكون مقدمة لعمل من هذا النوع.


مقالات ذات صلة

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (واس)

ولي العهد السعودي ورئيس وزراء كندا يبحثان العلاقات والتطورات

استعرض الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مستجدات أوضاع المنطقة وتداعياتها الأمنية والاقتصادية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج الأمير محمد بن سلمان لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت في جدة (واس)

السعودية تجدد دعمها الجهود الهادفة إلى إرساء السلم والاستقرار العالميين

جدد مجلس الوزراء السعودي، الثلاثاء، مواقف المملكة الثابتة ودعمها المستمر جميع الجهود والمساعي الدبلوماسية الهادفة إلى إرساء دعائم السلم والاستقرار العالميين.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج نائب وزير الخارجية المهندس وليد الخريجي خلال استقباله مستشار رئيس وزراء بنغلاديش للشؤون الخارجية همايون كبير (واس)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة خطية من رئيس وزراء بنغلاديش

تلقى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية من طارق رحمن رئيس الوزراء في بنغلاديش الشعبية، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في جدة الجمعة (واس)

محمد بن سلمان وزيلينسكي يبحثان التطورات الإقليمية والدولية

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مُجريات الأحداث الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تطورات الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي ورئيس الاتحاد السويسري غي بارميلان (واس) p-circle 00:34

ولي العهد السعودي يستعرض أوجه التعاون مع رئيس الاتحاد السويسري  

التقى الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في محافظة جدة، الخميس، رئيس الاتحاد السويسري، غي بارميلان. وجرى خلال اللقاء استعراض أوجه…

«الشرق الأوسط» (جدة)

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم براك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي، الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يعرف بـ«محور المقاومة» في الفضاء العام في تقديم نصائح لرئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا له ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي كمخرج محتمل، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي ربما يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون منح صك مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي» حينها قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم براك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، فإن واشنطن ربما تكون قد ربحت شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد القيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.