مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين

«الشرق الأوسط» تجولت في قرية الروضة بشمال سيناء

مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين
TT

مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين

مصر: «مذبحة المصلين» في ذكراها الأولى... دماء الضحايا تمد شريان الحياة للمنكوبين

تحت ظل شجرة يحجب أشعة الشمس القوية عن مترين مربعين تقريباً، كان الخمسيني سلامة سواركة، يتوسد آمناً راحة يده اليمنى ويستغرق في قيلولته بينما تعلو من حوله أصوات معدات ثقيلة تُنفّذ عمليات مد المرافق والخدمات إلى قرية الروضة بشمال سيناء، والتي شهدت منذ سنة واحدة إحدى أكثر المذابح «الإرهابية» بشاعة في تاريخ مصر الحديث وقُتل فيها 311 شخصاً من بينهم 27 طفلاً كانوا يؤدون صلاة الجمعة في مسجد القرية انقض عليهم مسلحون حصدوا أرواحهم.
القيلولة الهادئة لسواركة كانت في ساحة تبعد أمتاراً معدودة عن مسرح الحادث البشع، بل إن الشجرة الهادئة وارفة الظلال تُعد من بين الشهود على جثث الضحايا بعد إخراجهم من المسجد، وتجهيزهم للنقل لمثواهم الأخير في مقبرة جماعية احتضنت أجسادهم بما تحمله من رصاصات وشظايا وجروح تنزف دماء. وتجولت «الشرق الأوسط» في القرية المنكوبة، وذلك بالمواكبة مع مرور سنة على الأحداث التي اصطلح البعض على تسميتها «مذبحة المُصلين» وكانت محل اهتمام وإدانات دولية غير مسبوقة تليق بدموية الهجوم.
على بعد نحو 300 متر غربي المسجد الذي بات مركز بوصلة القرية وربما محافظة شمال سيناء كلها، لم تهنأ السيدة الثمانينية، حبوبة بحيري حريب، براحة معتادة في منتصف النهار، إذ حرمتها أنّات ابنة حفيدها الثانية الرضيعة منى التي تعاني مرضاً أصاب غدتها... كانت العجوز تهدهد ابنة حفيدها بين يديها اللتين لم تتوقفا عن الرجفة منذ فُجعت بنبأ مقتل ابنيها عبد السلام ومحمد، وإصابة ثالثهما أحمد، ومقتل نجله (حفيد السيدة ووالد الطفلة) طه، وكانوا جميعهم من المصلين بمسجد الروضة.
تحدثت حبوبة التي ينادينها مَن جلسوا حولها من أرامل وأطفال الضحايا الثلاث بـ«الجدة»، إلى «الشرق الأوسط» بلهجتها البدوية المميِّزة لأبناء سيناء، وهي تخفي ملامحها من وراء «قُنْعة» سوداء تغطي جسدها الهزيل وتترك متنفساً لعين واحدة ترى منها من حولها، وتنطق بثبات لافت عمّن رحلوا: «روّحوا لدار كريم، ربنا يلحقنا بهم على خير».
وتابعت أنها تشعر وهي تحتضن الصغيرة منى أن «الشهداء في حضني أحياء، فهي قطعة منهم، خصوصاً أنها وُلدت بعد استشهاد والدها بـ4 شهور»... والطفلة منى واحدة من بين 7 أطفال وصبية من أبناء الأسرة ولم يغادروا قريتهم منذ الحادث كما فعل آخرون، ويعتمدون في مصدر رزقهم على مخصصات مالية تصل شهرياً من وزارة التضامن الاجتماعي في الحكومة المصرية.
وأضافت السيدة أن «ابني الشهيد كان يعدني أن نؤدي معاً مناسك الحج حالما تيسّر الحال، وشاء القدر أن يفي بوعده رغم رحيله، إذ رُزقت بأداء الفريضة ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة الأخير، والذي خُصص جزء منه لذوي شهداء مسجد الروضة».
وفى أقصى جنوب القرية، حيث المساكن المُطلّة من على تبّة عالية على المسجد، كان الستيني منصور زايد، يشاهد جمع ركام آثار إعادة ترميم منزله، بعد إنهاء جهات التنفيذ عملها في إطار برنامج «رفع كفاءة منازل أهالي قرية الروضة» والذي قررته الحكومة المصرية بعد الهجوم.
وترك الحادث بالنسبة إلى زايد فجيعة «لن يُهدئ منها تجديد منزل أو حتى بناء قصر» حسب ما قال لـ«الشرق الأوسط» وهو يستند إلى عمود خرساني في ساحة مجلس ملاصق لبيته. وكان زايد يتجه ببصره نحو مئذنة المسجد، وهو يضيف: «في هذا اليوم وُلدت من جديد رغم أنني لم أتمنَّ ذلك، استطعت الفرار عبر نافذة المسجد متجهاً نحو الجنوب ومن خلفي ابني، وما إن تقدمنا معاً لنحو 30 متراً حتى تبين لنا أن إرهابياً كان يتخفى وراء شجرة ويقنص بالرصاص الحي كل من يلوذ بالفرار من المصلين».
واستطرد زايد بعد أن توقف لبرهة خلالها مسح دموعٍ غلبته وهو يعود بذاكرته لهول المنظر: «شاهدت المصلين الفارين من داخل المسجد إلى خارجه يتساقطون واحداً تلو الآخر برصاص القاتل الواقف خلف أغصان الشجرة، ومع ذلك مضيت في طريقي، وكان نصيبي رصاصة في الفخذ لم أشعر بها وواصلت مهرولاً، وسمعت صوت ابني من ورائي يسقط... وناداني: أموت يا أبي، وكان ردي لا إرادياً: اذهب إلى الجنة... الله يسهل عليك يا ولدي، روح للجنة».
بعد صمت لافت واصل الرجل: «فقدت الوعي، وعرفت بعدها أن ابني مات قبل وصوله إلى المستشفى، بينما نُقلت أنا للعلاج في مستشفى معهد ناصر الطبي بالقاهرة، وعولجت تماماً من آثار الحادث، وبعد أن عدت إلى بيتي عرفت أن أخي أيضاً استُشهد في الحادث، ورزقنا الله بالطفلة رهف حفيدتي وابنة الشهيد الذي رحل بعد أيام قليلة من عُرسه».
عُدنا إلى قرب ساحة المسجد مرة أخرى، في الوقت الذي كان يهمّ فيه سلامة سواركة، بالاستيقاظ من غفوته وبدأ استعدادات إشعال نيران «شاي العصاري»، وبدأ يصل إليه تباعاً شيب وشباب وأطفال من أبناء القرية يتهيأون لأداء صلاة العصر في المسجد في جماعة لا يتجاوز حضورها 40 شخصاً بعد أن كانوا في السابق يقدّرون بنحو 150 في الصلوات العادية، لكن فقدان القرية لأكثر من نصف رجالها ترك أثره على كل مناحي الحياة.
تحدث سواركة إلى «الشرق الأوسط» وأوضح أنه بعد «أسابيع قليلة من الحادث البشع أُزيلت كل آثار الجريمة من الدماء والعبوات الحارقة التي أُلقيت بين المصلين، وكذلك الطلقات النارية، فيما فُرش المسجد من جديد وتواصلت أعمال الدهانات لحوائطه، وأصبح يحمل اسم مسجد الشهداء».
الصلاة الآن في مسجد القرية يتجاور فيها السكان مع الجنود المكلفين بالحراسة، والذين بدأت مهامهم عقب الحادث وهم مكلفون بحمايته تأهباً لأي طارئ، كما يشارك الأهالي الصلاة في المسجد عمال ومهندسون يتولون أعمال الترميمات لمنازل الأهالي وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه، وهي من ضمن حزمة مشروعات أعلنتها الحكومة المصرية لصالح أبناء القرية.
حكايات الوجع في منازل القرية المنكوبة الممتدة على الطريق الساحلي الدولي الرابط بين سيناء ومحافظات مصر، والتي تقدر مساحتها بنحو 3 كيلومترات، لا تنتهي فهناك منازل لم تعد تحوي غير أرامل وأطفال، وأخرى تضم رجالاً كباراً من الناجين ومنهم منصور سويلم، الذي فقد شقيقه وزوج ابنته، والذي قال وهو يتطلع ناحية بيت مهجور مكوّن من عشّتين متجاورتين: «هنا كان يسكن جاري منصور محارب، وقُتل جميع من في المنزل من رجال، والسيدات رحلن عند ذويهن في محافظة الإسماعيلية، وفي اتجاه آخر أشار إلى مزرعة أشجار مثمرة للمانجو والزيتون والرمان، وقال هذه الأشجار غرسها الشهيد محمد زوج ابنتي، وكان يتطلع إلى أن يقطف ثمارها».
وفي النطاق الجنوبي للقرية، كانت تنتشر عشش يسكنها بعض الأهالي الذين نزحوا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من مناطق الحرب على الإرهاب الملتهبة مثل جنوب الشيخ زويد، والتي أصبحت مسرحاً لعمليات ملاحقات قوات أمنية لجماعات تكفيرية متشددة تابعة لتنظيم داعش.
أمام عشة منها بُنيت بإحكام جلست أم ماجد، كما يناديها جميع سكان القرية، وقالت إنها تنتظر وصول لجان حكومية لتعاين العشش، وكما أخبروها أنهم «سيبنون مكانها بيوتاً إسمنتية لهم».
وأضافت أم ماجد لـ«الشرق الأوسط» أنها «استقرت في قرية الروضة الآمنة منذ 3 سنوات، ولم تكن تعلم أنها وزوجها وأبناءها الثلاثة سيفرّون من الموت ليلاقيهم هنا ويحصد من منزلهم زوجها وابنها المعاق ماجد».
وتذكرت في أسى كيف أنها استقلت صباح يوم الجريمة مع ابنها المعاق البالغ من العمر 25 سنة سيارة من منزلهم الذي يبعد نحو كيلومتر عن المسجد، وكان الضحية رغم إعاقته الحركية يساعد والده في رعاية أشقائه.
وبصعوبة روت أم ماجد آخر لحظة لها تشاهد فيها ابنها «عندما نزل من السيارة بصحبة كرسيه المتحرك يدفعه نحو المجلس المجاور للمسجد لينتظر فيه موعد صلاة الجمعة، بينما أكملتُ أنا زيارة أقارب لي يسكنون قريباً من المسجد، وما إن بدأ الإمام في إلقاء التحية على المصلين حتى سمعت إطلاق أعيرة نارية بكثافة، وحسبتها في بداية الأمر ضمن عمليات أمنية عادية، واستُبدل بالأصوات المنبعثة من مكبرات الصوت صراخ وتشهّد، عندها أيقنت أن كارثة حلّت في المكان».
واستكملتْ: «انقبض قلبي وفررت مسرعة، ولكن لم أستطع الاقتراب حتى هدأت أصوات النيران، وقطع طريقي ناجٍ من المجزرة وهو غارق في الدماء، في مشهد أفقدني توازني حتى أفقت على النبأ الحزين أن ابني المعاق ماجد قُتل، وأيضاً زوجي». «الحمد لله أنني نجوت» قالها عودة القديري وهو يشير إلى منزله، وأضاف بينما كان يشير إلى منزله: «هذا السكن يحوي بناتي، ولا أعرف لو قُتلتُ كيف كان سيكون حالهن؟». المصير الصعب الذي يخشاه القديري تعيشه السيدة أم ياسر، وهي أربعينية فقدت زوجها وترك في عنقها أمانة تربية بنتين وولدين، إذ قالت: «الرزق على الله، والحمد لله مستورة»، وتابعت أنها كغيرها من أرامل القرية أصبحن هُن من يؤدين دورهن في تربية الأبناء، ويحملن وصايا أزواجهن وأولادهن لهن قبل رحيلهم.
يعرف أهل الروضة، وكذلك زوارها من القرى المجاورة، منطقة شرق القرية التي توجد فيها «مقبرة الشهداء»، أو بالأحرى 4 مقابر حوت جثامينهم بشكل جماعي، وكل مقبرة أُحيطت بأحجار بيضاء اللون، وبينما لا تنقطع حركة الزائرين للضحايا الراحلين، كانت هناك حركة أخرى ينفّذها الجنود المتمركزون في القرية لتأمين المكان بشكل يومي بموازاة حلول الذكرى الأولى للحادث. الذكرى الأولى كذلك تبدو مظاهر إحيائها حاضرة بوضوح في الجانب الشمالي من القرية، حيث جُهز المبنى الخاص بإدارة أعمال القرية، ونشطت حركة إزالة ركام المباني من الشارع الرئيسي المؤدي إلى المسجد، وبدأ العمال في مضاعفة أوقات عملهم وهم يستكملون آخر ما تبقى من ترميمات المنازل عبر طلائها من الخارج بلون موحد.
ورغم حالة الوجع الظاهرة في حديث معظم أبناء الروضة، فإن الشاب حمدان عيد، وهو ابن أحد ضحايا الهجوم قال محاولاً إظهار تجاوزه للمحنة: «دماء الشهداء منحت قريتنا روح تحدٍّ وبقاء»، وأضاف معترفاً: «كنت مع أسرتي من بين من تركوا القرية خوفاً من تكرار هجوم الإرهابيين، ولكنني عدت بعد شهور قليلة وأقمت في عشة مجاورة لمنزلي لحين الانتهاء من ترميمه، وبعد إتمام الإصلاحات دخلت بيتي بحالته الجديدة فيما كنت أحمل بيدي صورة والدي الشهيد ووضعتها في صدر المجلس».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الخليج عبَّرت السعودية عن خالص تعازيها لأسر الضحايا وتمنياتها بالسلامة لجميع المتضررين (الشرق الأوسط)

السعودية تدين الهجمات الإرهابية والانفصالية التي استهدفت مالي

أدانت السعودية  وأعربت عن استنكارها بأشد العبارات الهجمات الإرهابية والانفصالية التي وقعت في عاصمة مالي باماكو ومدن أخرى فيها.

أفريقيا مشهد عام لمدينة غاو في شمال مالي (أ.ف.ب)

معارك في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة... وواشنطن تطالب رعاياها بـ«الاحتماء»

معارك جارية في باماكو ومناطق أخرى في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة، وأميركا تنصح رعاياها بـ«الاحتماء».

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا الكابتن إبراهيم تراوري قائد المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو وحوله عدد من الجنود (رويترز) p-circle

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
أوروبا وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

الجيش النيجيري يعلن القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»

الجيش النيجيري يعلنُ القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»، بعد أن حاول عشرات المقاتلين من التنظيم الهجوم على قرية كوكاريتا.

الشيخ محمد (نواكشوط)

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.