كتاب «الرحلة الملكية إلى مصر»... حسّ الصحافي وقلم الأديب

الراحل عبد الحميد مشخص سرد التفاصيل الدقيقة للزيارة التاريخية للملك عبد العزيز إلى مصر

الملك عبد العزيز والملك فاروق في مصر
الملك عبد العزيز والملك فاروق في مصر
TT

كتاب «الرحلة الملكية إلى مصر»... حسّ الصحافي وقلم الأديب

الملك عبد العزيز والملك فاروق في مصر
الملك عبد العزيز والملك فاروق في مصر

في كتابه «الرحلة الملكية السعودية إلى مصر» الذي صدر مؤخراً عن دارة الملك عبد العزيز، يوثّق الكاتب السعودي الراحل عبد الحميد حامد مشخص (1915 – 2010)، التفاصيل الدقيقة لأول رحلة ملكية سعودية إلى مصر، التي تمت في يناير (كانون الثاني) 1946، وقام بها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ورسّخت تلك الزيارة التاريخية العلاقة بين البلدين. ويقع الكتاب في 438 صفحة، تشمل قسم الدراسة، ونص الكتاب، والملحقات، والكشاف العام.
والكتاب الذي كان عبارة عن مخطوطة تسجّل يوميات الزيارة التاريخية للملك عبد العزيز، إلى مصر، واعتمد المؤلف على مصادر صحافية مصرية وسعودية. وكانت المخطوطة محفوظة في مكتبة جامعة الملك سعود برقم 3153، وتقع في 270 ورقة. وقامت دارة الملك عبد العزيز بدراسة هذه المخطوطة وإصدارها ضمن سلسلة نشر المخطوطات التوثيقية والمخطوطات العلمية والأدبية ذات البعد المتخصص والمتميز في مجالها، كما قامت «الدارة» بإعداد الصور الفوتوغرافية والوثائق الصحافية للرحلة لتضمينها الإصدار الخاص بهذه المخطوطة؛ لإنشاء مادة علمية متكاملة للقارئ والباحث على حد سواء، وترضي جميع الاهتمامات العلمية.
عبد الحميد حامد مشخص، من مواليد النزلة اليمنية في مدينة جدة، تلقى تعليمه في مدرسة الفلاح بجدة، وتخرج فيها عام 1933، ثم عمل في دوائر حكومية عدة، بينها وزارتا المالية، والزراعة، والأمانة العامة لمجلس الوزراء، وبلدية الرياض، كما عمل في سنترال القصر الملكي في المربع، وفي عام 1964 انتقل للعمل في الاستخبارات العامة، ثم انتقل للعمل ملحقاً لشؤون التعاقد في السفارة السعودية في القاهرة، وتوفي سنة 2010 عن عمر ناهز المائة عام.
يحمل الكتاب شيئاً كثيراً من بصمة مشخص الصحافية والأدبية، ويستخدم المؤلف أسلوبه الصحافي الوصفي والتصويري لسرد يوميات هذه الرحلة التاريخية للملك عبد العزيز، التي استمرت 13 يوماً، بشكلٍ دقيق. فقد اشتغل المؤلف ‏عبد الحميد مشخص كاتباً ومراسلاً في صحف سعودية، بينها «البلاد»، ولديه الكثير من الأعمال والأنشطة الأدبية والإعلامية والرياضية، كان أيضاً رئيساً لنادي الشباب الرياضي ونادي الاتحاد في جدة، وله قصائد وأشعار. وخلال إقامته في القاهرة أنشأ في داره منتدى أدبياً أسبوعياً.
وحافظ الكتاب على عنوان المخطوطة «الرحلة الملكية السعودية إلى مصر»، وكان عبد الحميد مشخص كتبها بأمر أمير الرياض، الأمير ناصر بن عبد العزيز، وأهداها إليه. وقد شرع في كتابتها في العام نفسه الذي زار فيه الملك عبد العزيز مصر بعد الزيارة مباشرة (عام 1946)، ويذكر المؤلف أن وفداً كبيراً رافق الملك عبد العزيز في رحلته إلى مصر التي استمرت 13 يوماً، وشمل الوفد عدداً من الأمراء، بينهم الأمير عبد الله بن عبد الرحمن، ومن أبناء الملك عبد العزيز الأمراء: محمد، وخالد، وفهد، وعبد الله، وبندر، ومساعد، وعبد المحسن، ومشعل، وسلطان، ومتعب، وطلال، ‏ونواف، وبلغ عدد الوفد الرسمي والمرافقين أكثر من 60 شخصاً.
يتناول الكتاب مغادرة الملك المؤسس وطنه على متن اليخت متجهاً إلى مصر، وتحرّك الملك فاروق من القاهرة إلى السويس ليكون في مقدمة مستقبلي الملك عبد العزيز، ثم الاتجاه إلى قصر الزعفران وإقامة الاحتفالات بهذه المناسبة التاريخية.
ويصف الكتاب تفاصيل الرحلة التي شملت زيارة عدد من المدن والمنشآت والمرافق والمعالم في مصر، مثل: الجامع الأزهر، وجامعة القاهرة، ومقر جامعة الدول العربية، ومحافظة الإسكندرية، وحضور عدد من الفعاليات، مثل سباق الخيل واستعراض الجيش، وما ألقي في الحفلات من خطب وقصائد، يعقبها عودة الملك عبد العزيز إلى المملكة، وما واكب ذلك من استقبالات حاشدة واحتفالات كبيرة ألقيت فيها القصائد والخطب الكثيرة.
وقد أضيف للكتاب ملحقات اشتملت على برنامج الزيارة وبعض الصور الفوتوغرافية لأحداث الرحلة والأخبار والمقالات الصحافية التي غطت الزيارة الملكية في الصحف السعودية والمصرية.

زيارة تاريخية
سبق سفر الملك عبد العزيز وصول بعثة الشرف المصرية المرافقة إلى جدة قادمة من السويس يوم السبت 4 يناير 1946، ولاحظ المؤلف أن الأديب الكبير عباس محمود العقاد كان من أعضاء بعثة الشرف (وذكر أنه عضو مجلس الشيوخ المصري)، وضمت البعثة كذلك: مراد محسن باشا، وإسماعيل تيمور باشا، وكريم ثابت وغيرهم، وقد استقبلهم وفد رسمي في جدة وتوجهوا بعدها إلى مكة، وبعد العمرة التقوا الملك عبد العزيز وأخاه عبد الله وبعض أولاده وبعض المسؤولين. وفي يوم الاثنين 7 يناير 1946 (8 صفر 1365هـ) غادر الملك عبد العزيز إلى مصر.
وهنا يتوقف المؤلف ليلتقط صورة صحافية للموكب الملكي وهو يغادر ميناء جدة: «كانت جدة في صبيحة يوم الاثنين (...) مقصد الوفود من كل حدب وصوب، فقد ازدحمت شوارعها وطرقاتها بالجماهير المحتشدة، التي هرعت لتشاهد موكب مليكها المعظم، وتمتع أنظارها برؤية جلالته... كما سارع إلى سرادق الميناء جميع أعيان البلاد ووجهائها ليكونوا في شرف استقبال وتوديع جلالة الملك المفدى».
سافر الملك من مكة إلى جدة، ثم استقل السفينة المحروسة مع الوفد السعودي والبعثة المصرية، ومن أعضاء الوفد السعودي: أخوه عبد الله، وعدد من أبنائه، وعدد من المرافقين وأعضاء الوفد الرسمي.
ولا يفوت المؤلف أن يلتقط أجواء الرحلة على السفينة، وكان من ضمنها أن الملك عبد العزيز كان يواصل برنامجه في مجالسة أهل العلم وحضوره الدرس اليومي، وذكر أن «إمامه الخاص الشيخ عبد الرحمن القويز» قرأ عليه فصلاً من تفسير ابن كثير، ثم قرئت الأخبار اليومية، وتسامر الملك مع كبار من معه حتى وقت النوم. في اليوم الثاني، ذكر أن الملك كان سعيداً بجمال الرحلة، وأنه تحدث عن تاريخه وحروبه في فتح الرياض، ثم ألقيت بعض القصائد والكلمات أمامه، منها قصيدة ألقاها عباس محمود العقاد، ويذكر أن الملك أهدى صورتين له لكل من عباس العقاد وكريم ثابت بيك، كُتب عليهما «بسم الله الرحمن الرحيم، من الواثق بالودود عبد العزيز آل سعود».
ثم يصور لحظات اقتراب السفينة من المياه المصرية يوم الخميس، حيث استقبلهم في السويس الملك فاروق، «وعندما اقترب اليخت الملكي من ميناء بورتوفيق ابتعدت الطوافة (الأمير فاروق) عن الطريق وأدت التعظيم الملكي... وعندئذ أطلقت قلعة السويس واحدة وعشرين طلقة عند مرور اليخت الملكي بها، كما استقبله في عرض البحر سرب من سلاح الطيران، ورفعت البواخر التي كانت راسية في الميناء الأعلام على سارياتها...».
عند وصول الملك عبد العزيز، استقبله الملك فاروق ثم توجها إلى القاهرة بالقطار. ويذكر أن الزينة أقيمت في كل المدن والقرى من السويس إلى القاهرة، وأن الأعلام السعودية والمصرية عُلّقت على البيوت وفي الشوارع، كما كُتبت عبارات الترحيب وعُلّقت في الشوارع، وأن طلاب المدارس وأساتذتهم والأهالي خرجوا لاستقبال الملك عبد العزيز والترحيب به. وبعدها يتحدث عن وصولهم إلى القاهرة والاحتفالات التي جرت ذلك اليوم، ويذكر أن القاهرة زُيّنت بشكل لم يسبق له مثيل.
نزل الملك عبد العزيز في قصر الزعفران ومعه أنجاله، يقول: «أما قصر الزعفران فقد أعدت في الطابق العلوي منه غرفة نوم خاصة لجلالة الضيف... ووضعت آلتان للمحادثات التلفونية ربطت أولاهما بنمرة سرية خاصة، كما وضع في الغرفة جهاز راديو ومدفأة كهربائية...». أما رجال الحاشية فكان نزولهم في فندق الكونتننتال. يصف الكتاب لقاءات الملك عبد العزيز وتفاصيل الاحتفالات الترحيبية التي أقيمت تكريماً له، وبين حفل العشاء الذي أقيم للملك عبد العزيز مساء الخميس 10 يناير 1946، في قصر عابدين. وفي اليوم (الجمعة) ذهب الملك عبد العزيز ومن معه لأداء صلاة الجمعة في الجامع الأزهر. وفي المساء أقام لهم رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي مأدبة العشاء، وألقى في هذه المناسبة عباس محمود العقاد قصيدة شعرية، ثم عُرض فيلم سينمائي يروي رحلة الملك الضيف إلى مصر. وفي يوم السبت قام الملكان عبد العزيز وفاروق بزيارة لجامعة الملك فؤاد، وأهديت للملك مجموعة من الكتب تحتوي على دواوين شعرية وتواريخ وآداب وفلسفة إسلامية. كما أقيم عرض رياضي حضره الملكان.
ويوم الأحد 13 يناير 1946، حضر الملك عبد العزيز والملك فاروق سباق الخيل في مصر الجديدة، وأهدى الملك عبد العزيز لكل فائز ساعة ذهبية نُقش عليها اسمه. وفي يوم الاثنين، خامس أيام الزيارة، أقيم عرض عسكري عند الكيلو الثاني من طريق مصر - السويس، شارك فيه 36 ألف جندي. كما شارك في تغطية العرض مائة مصور.
كما أقامت السفارة البريطانية مأدبة غداء على شرف الملك الضيف، وقام الملك بزيارة أهرامات الجيزة.
وفي اليوم السادس، يوم الثلاثاء، زار الملك عبد العزيز ومن معه قناطر محمد علي وحديقة القناطر الخيرية، وأقيمت حفلة شاي ألقى فيها الدكتور حسين هيكل باشا، رئيس مجلس الشيوخ، كلمة ترحيبية. ويوم الأربعاء قاموا بزيارة المتحف الزراعي وحديقة الحيوانات وإصلاحية الأحداث في الجيزة.
وفي يوم الاثنين 21 يناير 1946، وهو اليوم الثاني عشر للزيارة، ذهب الملك عبد العزيز لزيارة ميناء الإسكندرية، وبعدها توجه إلى محطة كوم الدكة واستقل القطار عائداً إلى القاهرة، وبعد وصوله القاهرة توجه إلى قصر عابدين، حيث أقام له الملك فاروق مأدبة غداء. وفي يوم الثلاثاء 22 يناير، غادر الملك عبد العزيز والوفد المرافق له القاهرة بالقطار بعد أن ودّعه الملك فاروق، وتوجه القطار إلى السويس، ومنها استقل اليخت الملكي المحروسة عائداً إلى جدة التي وصلها يوم الجمعة.
يسجل المؤلف تفاصيل الزيارة والكلمات الترحيبية والقصائد الشعرية التي أُلقيت، وتحتل القصائد الشعرية التي ألقيت ترحيباً بالملك عبد العزيز، القسم الأكبر من الكتاب، وبينها ثلاث قصائد لأحمد إبراهيم الغزاوي، وعباس محمود العقاد الذي ألقى قصيدة على متن السفينة قال فيها: (أسدُ العرين يخوض غيل الماء - يا بحر راضك قاهر الصحراء... حياه باديها وحاضرها معاً- فأغنم تحية يومه الوضاء)... وقصائد أخرى للشعراء: فؤاد شاكر، وإبراهيم محمد إبراهيم، ومحمد الأسمر، وخليل مطران، وعلي محمود طه، وغيرهم.



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).