هل يمكن أن يكون الفن عبارة عن هويّة شخصية لا تخرج من كيانها ولا تمتلك من الطموح ما يجعلها قادرة على التشرب من الثقافات الأخرى؟ الفنان الذي لا طموح له قد يستطيع أن يُجيد أيضاً، لكنه لن يستطع مستقبلاً أن يجد نفسه وقد أصبح فناناً يتجاوز حدود بلده وثقافته لكي يصبح من الأسماء الكبيرة في عالمه، بل ربما بقي محدود العمل والمكانة حتى بما رضي به من حدود. هذا ما يفرّق بين طموح فنان وآخر. واحد يريد أن يصبح «نجماً» أولاً في بلده، وربما استطاع، والآخر يريد أن يصبح ممثلاً معروفاً ليس في بلده ولا حتى في منطقته فقط بل على صعيد عالمي.
هذا ما أراده وحققه يوسف شاهين ومارون بغدادي ورضا الباهي في الإخراج ومصطفى العقاد وطارق بن عمّار وماريو قصّار في الإنتاج وعمر الشريف وميشيل عنصرة وخالد النبوي وعمرو واكد في التمثيل، والأمثلة متعددة وكثيرة.
كل واحد من هؤلاء كان يمكن له أن يقتنع بالرقعة التي يحتلّها ولا ريب أنه كان سيحقق نجاحاً كبيراً. لكنه الطموح، وليس السقف، هو ما يتطلّع إليه الفنان.
الطموح، على عكس الظروف، لا يعرف حدوداً ولكل فنان الحق المتاح في أن يمارسه ومصر كانت دائماً الميدان الذي ينفّذ فيه الفنان أقصى طموحاته آنذاك واليوم. صباح وفريد الأطرش وعبد السلام النابلسي والأخوان لاما بالأمس وهند صبري وجمال سليمان وهيفاء وهبي اليوم وسواهم الكثيرون أمّوا القاهرة حيث استقبلتهم بالأحضان. بعضهم ترك بلاده على نحو نهائي سعياً وراء طموحه. كان لدى كل منهم السبب الرئيس في الانتقال إلى مصر وهذا السبب هو أن الفن في مصر كان متقدّماً وكان صناعة كاملة في أي شأن ثقافي أو فني. وكان لدى مصر السبب الرئيس أيضا في استقبالهم بالترحاب. إنه السبب ذاته الذي دفع هوليوود لاستقبال كل أولئك السينمائيين الأوروبيين والآسيويين الذين توجهوا إليها إما هرباً من النازية وإما لأن لذعة «الحلم الأميركي الكبير» كان أكبر من أن تُقاوم. مصر أيضا مثلت حلماً مهمّاً لدى طالبيها وهي لم تبخل.
للأسف هناك بعض الأصوات التي تشن حملات على الفنانين العرب العاملين في المسلسلات المصرية هذه الأيام. في المقدّمة هند صبري (التي تعمل في السينما والتلفزيون المصري منذ سنوات بعيدة) وجمال سليمان. فإذا بهند صبري باتت تسيء إلى مصر عبر مسلسل «إمبراطورية مين» وإذا بجمال سليمان يُسي إلى الرئيس جمال عبد الناصر في «صديق العمر» والحبل على الجرّار وقد أصاب في السنوات الماضية أكثر من فنان عربي طرق باب الصناعة الفنية في مصر واستقبل جيّداً والآن لا يشعر بأنه لا يزال موضع ترحيب.
طبعاً هناك الأصوات الأخرى التي تعارض معاملة الفنان العربي كما لو كان متسللاً عبر الحدود جاء ليقوم بأعمال مريبة، من بين هذه الأصوات كمال رمزي وكمال القاضي وعدد من السينمائيين والتلفزيونيين الذين يعرفون أهمية الاندماج والعمل المشترك خصوصاً في أوقات عصيبة كهذه.
ربما علينا أن نضع المسألة في قالبها الصحيح وننظر إلى الأمور في نصابها المأمول: «صديق العمر» ليس كاملاً بأي مقياس. فيه من الهفوات التاريخية والفنية ما يملأ صفحات، وإذا ما كان جمال سليمان لا يصلح للدور فإن المسؤولية ليست مسؤوليته فهو (ولا أي ممثل آخر فيه) فرض نفسه عليه، بل مسؤولية المخرج الذي قبل به إذا ما أدرك أنه لا يصلح للدور. لكن إذا ما وصلت المسألة إلى هذا الحد فإن على الحكم أن يكون فنياً بالكامل وليس على أي أساس آخر، لأن مثل ذلك لا يعدو صيدا سهلا ومسيئا لصاحبه أكثر مما هو مسيء لمتلقيه.
بالنسبة لمسلسل «إمبراطورية مين» فإن من شروط الفن الصدق. وهناك أشياء رائعة كثيرة ومتعددة في أي مجتمع في كل ركن من أركان الأرض، لكن هناك أيضا أشياء أقل من ذلك. والفن الذي يعتز به الجميع، الذي يمارسه الفن المصري أكثر من سواه في العالم العربي، هو الذي ينظر إلى تلك الأمور التي لا تستطيع أن تذوب جيدا في صالح المجتمع ويشير إليها.
سابقا ما كان السينمائيون في الثمانينات يتلقون جرعة مماثلة من هذا الهجوم، فإذا بالمخرجين خيري بشارة وبشير الديك وعلي عبد الخالق ومحمد خان وعاطف الطيّب وسعيد مرزوق وسواهم عملاء أجانب يعملون ضد مصلحة دولتهم لأنهم حققوا أفلاماً مختلفة عن السائد لا تغلق جفنيها أمام منظر تريد له، ولصالح المجتمع وليس لسواه، أن يتغيّر.
الفن لا يعمل حسب المسطرة. إذا ما نظرنا إلى الشاشات الأميركية نجد كمّاً هائلاً من الأفلام والبرامج التلفزيونية التي تتعرّض بالنقد للحياة الاجتماعية والسياسية. هل وجدت من غضب منها أو اتهم مخرجيها أو ممثليها بأنه يسيء إلى أميركا؟ بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، كندا، أستراليا، الدول الإسكندنافية، كلها فيها أفلام تظهر الجوانب المتضررة من الحياة ولا أحد يتهمها بشيء. الأكثر من ذلك، تجد أن الموضوع لا يجد قبول المنتج صاحب العمل لكنه يعلم أنه «بزنس» جيّد له فيقدم على تمويله والدفاع عن حق الكاتب والممثل والمخرج في صياغة رؤاهم.
ما هي الدول الغربية التي رفضت السماح بالنقد؟ الاتحاد السوفياتي وباقي المنظومة الشيوعية السابقة وعدد من الديكتاتوريات اللاتينية. فهل نريد أن نسبر غورها؟ حتى لو أردنا لن نستطيع. الحياة كلها تغيّرت واتسعت والقرية العالمية أصبحت واقعاً. حتى حين لم نسمع بها، كان المزج والتبادل وهجرة المواهب هي الفعل الأكثر تأثيراً في حركتي الفن والثقافة، ودائماً ما كانت «بزنس» جيداً.
الكلمة إذن هي «البزنس». لو أننا عملنا بهذا المبدأ لنشطت صناعاتنا الفنية أضعافاً. وفي حين أن المنافسة مشروعة وبل ضرورية إلا أنها لا يجب أن تكون ناتجة عن منظور ضيّق للأمور. وهناك كثير مما هو جدير بالمسلسلات الرمضانية القيام به لإتقان إنتاجاتها ولكي يكون النجاح من نصيب نصفها (لا يمكن أن يكون كلها) عوض أن يكون من نصيب أربع أو خمس مسلسلات. المفتاح سيبقى بأيدي أصحاب البلد، لكن الباب يجب أن يبقى مفتوحاً وعنده يقف الفنانون المحليون وعلى وجوههم ابتسامات كبيرة وعفوية وصادقة. فمجرد أن يطمح الفنان إلى أن يشق طريقه في مصر، فهذه شهادة للمصريين قبل سواهم.
9:41 دقيقه
الفن بين الطموح و«البزنس»
https://aawsat.com/home/article/146606
الفن بين الطموح و«البزنس»
هند صبري تتوسط طاقم مسلسل «إمبراطورية مين»
الفن بين الطموح و«البزنس»
هند صبري تتوسط طاقم مسلسل «إمبراطورية مين»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

